إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [24]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوقف هو: تحبيس للأصل وتسبيل للمنفعة، وقد ثبت استحبابه بالسنة وعمل الصحابة، فإنه لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له مقدرة على أن يوقف إلا أوقف؛ لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه الخير.

    1.   

    تابع شرح حديث: كراء الأرض بالذهب والورق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـمسلم: عن حنظلة بن قيس قال: ( سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات, وأقبال الجداول, وأشياء من الزرع فيهلك هذا, ويسلم هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به )].

    الشرح:

    تقدم الكلام على شيء من هذا الحديث، وذكرنا أن هذا مما يبين وجه النهي عن المزارعة، وأن وجه النهي عن المزارعة أن المزارعة التي نهي عنها إذا كانت على أشياء من الزرع معينة، كما لو قال: على الماذيانات أو على أقبال الجداول، والماذيانات: هي الأنهار الكبيرة، وأقبال الجداول: الأنهار الصغيرة، قال: لي هذا الزرع ولك هذا الزرع، لي ثمر هذا النخل وأنت لك هذا الثمر، لي الشمال ولك الجنوب، لي البرتقال ولك التفاح، هذا كله لا يجوز؛ لأنه قد يثمر هذا ولا يثمر هذا، وقد يهلك هذا ويسلم هذا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    وفي هذا دليل لما سبق الإشارة إليه أن العدالة في المشاركات والمساقاة والمزارعات أن يكون لكل من العامل والمالك جزء معلوم مشاع، من الزرع في المزارعة، ومن الثمرة في المساقاة، ومن الربح في المشاركات، هذا له النصف وهذا له النصف، هذا له الربع وهذا له الثلاثة الأرباع، هذا له الخمس وهذا له أربعة أخماس على حسب ما يتفقان عليه.

    وفي هذا دليل على أنه يجوز إجارة الأرض للزراعة، بأن تؤجر لمن يقوم بزراعتها، تؤجرها بعشرة آلاف ريال على أن يزرعها وله الزرع، هذا جائز ولا بأس به.

    وأيضاً فيه: دليل على أن الأجرة لابد أن تكون معلومة، ولهذا قال: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس).

    وفي هذا أيضاً: النهي عن الغرر والجهالة في عقود المعاملات، لما تسببه من التشاحن والتباغض والتقاطع والتدابر ونحو ذلك.

    1.   

    باب الوقف

    قال رحمه الله تعالى: [باب الوقف].

    الوقف في اللغة يطلق على معان، منها: الحبس والمنع.

    وفي الاصطلاح: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وقد عرف الوقف بتعاريف كثيرة، لكن هذا التعريف هو أحسن تعاريف الوقف؛ لأنه مستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعمر: ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ).

    وقد دل على الوقف القرآن والسنة والإجماع.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، قال طوائف من أهل التفسير: إن المراد بقوله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، أن من آثار الموتى ما يخلفونه من الصدقات الجارية.

    وأما السنة فكما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حيث أورد حديث وقف عمر رضي الله تعالى عنه، والأدلة على ذلك كثيرة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث )، وذكر من ذلك: ( صدقة جارية )، والوقف هل هو من خصائص هذه الأمة أو أنه موجود للأمم السابقة؟ هذا موضع خلاف:

    فـالشافعي رحمه الله قال: لم يحبس أهل الجاهلية، وإنما حبس أهل الإسلام، لكن هذا الكلام من الشافعي رحمه الله فيه شيء من النظر؛ لأن الأحباس كانت موجود في الأمم قبل الإسلام، فالرومان واليونان وأهل الجاهلية حبسوا الكعبة وبنوها، وهي أفضل البقاع، فالأحباس كانت موجودة في الزمن السابق.

    والوقف منافعه كثيرة جداً لأن ريعه مستمر، فهو سبب لبقاء العلم، ولبقاء الدعوة، ورعاية المحتاجين، والأيتام، والمرضى، والمسنين، فهو من محاسن هذه الشريعة، وأيضاً سبب لبقاء الأجر بعد تولي هذا الموقف.

    1.   

    شرح حديث وقف عمر أرضه بخيبر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ( أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله, إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه, فما تأمرني به؟ فقال: إن شئت حبست أصلها, وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر غير أنه لا يباع أصلها, ولا يوهب, ولا يورث، قال: فتصدق عمر في الفقراء, وفي القربى, وفي الرقاب, وفي سبيل الله, وابن السبيل, والضيف، لا جناح على من وليها: أن يأكل منها بالمعروف, أو يطعم صديقاً غير متمول فيه. وفي لفظ: غير متأثل)].

    الشرح:

    قوله: (أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره) يعني: يستشيره، وخيبر هذه بلد في شمال المدينة، تبعد عن المدينة نحو ستين ومائة كيلو، وهي بلد معروف وعامرة، وكان اليهود يسكنونها، ثم بعد ذلك فتحها النبي صلى الله عليه وسلم عام سبع من الهجرة، وأقرهم على أن يعملوها بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر، ثم بعد ذلك لما كان عمر رضي الله عنه في خلافته أجلاهم عنها، يعني: أخرجهم منها إلى الشام.

    فقال: (يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه)، أنفس يعني: أجود مالي.

    (فما تأمرني به) وهذا يدل على قوة إيمان عمر رضي الله تعالى عنه، ويدل أيضاً على رجاحة عقله، حيث جاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المال.

    قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)، تحبيس الأصل يعني منع التصرفات في الأصل، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، بل عين الوقف تمنع منها التصرفات، تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فالمنفعة تقابل الأصل، الأصل تمنع منه التصرفات، أما المنفعة فإنها تطلق فيه التصرفات، والذي له المنفعة له أن يبيع، وله أن يأكل، وله أن يؤجر ... إلى آخره، فمثلاً: هذا البيت وقف، ومنفعة هذا البيت السكنى، فلك أن تسكن، ولك أن تؤجر، ولك أن تهب، ولك أن تتصدق.. إلخ.

    والتسبيل: مأخوذ من السبيل، والسبيل: هو الطريق، وسمي بذلك لأنه ينطلق به، فأنت بالنسبة للمنفعة لك سائر التصرفات، أما بالنسبة للأصل فإنه تمنع عنك التصرفات.

    قال: (فتصدق بها عمر، غير أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب) وهذه خصيصة الوقف، منع التصرفات الناقلة للملك، لا يباع ولا يوهب ولا يورث.

    قال: (فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله)، والمقصود بالرقاب: المكاتبون، تسدد ديون المكاتب، والمكاتب: هو الذي اشترى نفسه من سيده بمال منجم أي: مقسط.

    (وفي سبيل الله): الجهاد في سبيل الله.

    (وابن السبيل): المسافر الذي انقطع به سفره.

    (والضيف، لا جناح على من وليها) يعني: من تولى أمر هذا الوقف.

    (أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه -وفي لفظ-: غير متأثل) يعني: غير متمول بأن يأخذ المال ويجمعه بلا حاجة، أو يجمع المال ويأخذ أكثر من حاجته.

    وهذا الحديث اشتمل على فوائد كثيرة، ومن هذه الفوائد:

    مشروعية الوقف، وأن الوقف سنة، ومصالحه كثيرة جداً، ولهذا كانت الأوقاف موجودة حتى قبل الإسلام.

    وفي هذا أيضاً: أن الوقف لا يباع، ولا يجوز أن يباع، لكن جوز العلماء رحمهم الله بيع الوقف في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا تعطلت منافعه بالكلية فيجوز أن ينقل؛ لأن المقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يباع أصله )، المقصود بذلك البيع الذي يبطل أصل الوقف، أما كونك تبيع الوقف لكي يستمر الوقف.

    إذاً: كوننا نبيع الوقف لكي يستمر هذا الوقف فهذا مشروع، فإذا تعطلت منافعه بالكلية يباع.

    الحالة الثانية وقد جوزها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً: إذا كان بيعه أصلح من بقائه، يعني: يباع ويشترى بثمنه وقفاً يكون أصلح، فإن هذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( لولا أن قومك حديثو عهد بكفر، لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم )، فالكعبة وقف، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدمها مع أن المنفعة باقية، لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم تغييرها إلى ما هو أصلح، وهو أن يبنيها على قواعد إبراهيم.

    ومن فوائد الحديث: أن الوقف لا يجوز أن يوهب.

    ومن ذلك أيضاً: أن الوقف لا يورث.

    ومن ذلك أيضاً: بيان مصرف الوقف، وأنه قد يكون عاماً وقد يكون خاصاً، فالعام كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه: (فتصدق بها عمر في الفقراء والقربى وفي سبيل الله وابن السبيل ... إلخ)، وقد يكون خاصاً: كما لو تصدق به على أولاده، فجعله وقفاً على أولاده أو على ذريته.. إلخ.