إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [20]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به، بشرط أن لا يكون قد أخذ من الثمن، ويكون هذا المتاع باقياً في ملكه، ولا يتعلق به حق للغير، ولا يكون قد تغير، وأن يكون المفلس حياً. والشفعة هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض، وهي ثابتة في كل ما

    1.   

    شرح حديث: (مطل الغني ظلم...)

    تقدم لنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع )، سبق أن ذكرنا أن المدين ينقسم إلى أقسام وذكرنا هذه الأقسام.

    ومن مسائل هذا الحديث: إذا أحيل الشخص هل تجب الحوالة أو لا تجب الحوالة؟ المحيل لا يجب عليه أن يحيل؛ لأن الإنسان له أن يقضي الدين بالحوالة وله أن يقضي الدين بغير الحوالة، فلا يتعين عليه طريق من الطرق.

    كذلك أيضاً المحال عليه ليس له أن يرفض الحوالة؛ لأن المحيل له أن يستوفي الحق بنفسه، وله أن يستوفيه بنائبه، وبقي المحال: هل يجب رضاه أو لا يجب رضاه؟

    الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الحوالة واجبة إذا أحيل على مليء، فإنه يجب عليه أن يتحول؛ لظاهر الأمر، ( وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل ).

    والرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم: أن الحوالة ليست واجبة، فلو أن الشخص أحيل فإنه لا يجب عليه أن يتحول، لأن الإنسان لا يجب عليه أن يستوفي حقه من غير الشخص الذي أخذه منه.

    وفي هذا الحديث أيضاً: حسن القضاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مطل الغني ظلم )، وأن المدين عليه أن يحسن القضاء لمن دانه وأن لا يمطله حقه.

    وفي هذا أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا أحيل أحدكم على مليء) أنه إذا كانت الحوالة على غير مليء بأن كان معسراً فإنه لا يجب عليه أن يتحول.

    1.   

    شرح حديث: (من أدرك ماله بعينه..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره ).

    وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( جعل -وفي لفظ قضى- النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة )].

    الشرح:

    المفلس: هو الذي أمواله أقل من ديونه، فإذا كانت أموال الشخص أقل من ديونه فإنه يحجر عليه القاضي بطلب الغرماء كلهم أو بعضهم.

    مثال ذلك: هذا رجل عليه مائة ألف دين، وعنده مال قدره خمسون ألفاً، فللقاضي أن يحجر عليه بطلب الغرماء كلهم أو بعضهم، فإذا حجر عليه فهذا يسمى عند العلماء بالمفَلس، بخلاف المفلس، فإن المفلس هو الفقير المعدم الذي ليس عنده شيء، أما هذا فعنده أموال، لكن هذه الأموال لا توفي الديون التي عليه، فهذا يحجر عليه بطلب الغرماء كلهم أو بعضهم، ويقسم ماله على غرمائه بالقسط.. بالنسبة.

    هذا المفَلس إذا فلس وحجر عليه القاضي ترتب عليه أحكام، ومن هذه الأحكام ما بينها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، قال: ( من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره )، فإذا حجرنا على هذا الشخص -القاضي حجر عليه- ثم جاء شخص ووجد سيارته عند هذا الشخص الذي حجر عليه، هل هذه السيارة تقسم على الغرماء، أو يكون هو أحق بها؟

    يعني: باعه هذه السيارة ووجدها بعينها عنده، هل نقول: هذه السيارة لست أحق بها، وإنما تكون أسوة الغرماء تقسم على جميع الغرماء وأنت لا تنفرد بها، أو نقول: إنه ينفرد بها مادام وجدها بعينها عند هذا الرجل المفلس؟

    جمهور العلماء يقولون: من وجد عين ماله عند رجل أفلس فهو أحق به.

    أما الحنفية فيقولون: ليس هو أحق بها، وإنما تكون أسوة الغرماء.

    والصواب في ذلك ما دل له حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

    وعلى هذا لو أن شخصاً باع رجلاً سيارة أو باعه كتاباً أو نحو ذلك من السلع، ثم حجر عليه فوجد عين ماله عند هذا الشخص، نقول: يكون أحق به.

    وكذلك أيضاً لو كانت وديعة عند هذا الشخص فمن باب أولى يكون أحق بها.

    كذلك أيضاً لو أقرضه هذا المال ثم وجده بعينه عند هذا الرجل الذي قد أفلس، فإنه يكون أحق به، ولا يكون أسوة الغرماء، وهذا الرجل صاحب المتاع يكون أحق بمتاعه بشروط:

    الشرط الأول: أن لا يكون قد أخذ شيئاً من الثمن، فإن كان أخذ شيئاً من الثمن فإن هذه السلعة تكون أسوة الغرماء، ولا يكون أحق بذلك.

    الشرط الثاني: أن تكون باقية في ملكه، فإن كانت قد خرجت عن ملكه ببيع أو وقف أو هبة ونحو ذلك، فإنه لا يكون أحق بها.

    الشرط الثالث: أن لا يتعلق بها حق للغير، فإن تعلق بها حق للغير فإنه لا يكون أحق بها بل تكون أسوة الغرماء، فلو أنه اقترض هذه السلعة وجعلها رهناً فإنه لا يكون أحق بها.

    الشرط الرابع: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أدرك ماله بعينه )، أن لا تكون تغيرت عينها، فإن تغيرت عينها فإنه لا يكون أحق بها، فمثلاً: لو أنه باعه براً ثم هذا المفلس خبز البر، أو باعه ثوباً ثم خاط الثوب، أو خشباً ثم نجر الخشب، هنا لم يدركه بعينه، فلا يكون أحق به.

    الشرط الخامس: أن يكون المفلس حياً، فإن مات المفلس فإنه لا يكون أحق بها؛ لأنها الآن انتقلت للورثة.

    الشرط السادس: أن لا يتغير شيء من صفاتها، فإن تغير شيء من صفاتها فهل يكون أحق بها أو لا يكون أحق بها إلى آخره؟

    هذا موضع خلاف، والصواب في هذه المسألة أن ينظر إلى الصفة التي تغيرت، فإن كانت التي تغيرت غيرت العين وقلبت العين إلى عين أخرى فإنه لا يكون أحق، أما إذا كانت العين لا تزال باقية، حتى ولو تغيرت بعض الصفات، فنقول: هو أحق، مثلاً: الثوب اتسخ، أو السيارة صار لها خراب، أو صدمت، أو نحو ذلك، هنا الآن وإن تغير شيء من الصفات إلا أن العين لازالت باقية، فيصدق عليه أنه وجد ماله بعينه، فيكون هو أحق بها، هذا الذي يظهر والله أعلم.

    1.   

    باب الشفعة

    الشفعة في اللغة: جعل الفرد زوجاً.

    وفي الاصطلاح: هي انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي.

    وصورة الشفعة: هذا زيد وعمرو شريكان في أرض، فزيد باع نصيبه على صالح، فإن شريكه عمرو له أن يشفع على صالح، فيقول عمرو لصالح: كم دفعت لزيد؟ قال: دفعت لزيد خمسين ألفاً، فيعطيه الخمسين ألفاً ويأخذ جميع العين التي شفع فيها.

    وهذه الشفعة من محاسن الشريعة؛ لأن الشريعة جاءت بفض الشركة، إما عن طريق المقاسمة، وإما عن طريق الشفعة إلى آخره؛ لأن الشركاء يكثر بينهم النزاع والخصام، والسلامة لا يعدلها شيء، فكون الشريك يشفع ويأخذ النصيب ممن اشتراه، ويدفع له ما دفعه لشريكه، ويستقل بالنصيب وينفرد به، هذا من محاسن الشريعة.

    1.   

    شرح حديث: (قضى النبي بالشفعة..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ( جعل -وفي لفظ قضى- النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة )].

    الشرح:

    قوله: ( قضى أو جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم ) يؤخذ منه أنه إذا تمت القسمة فإنه لا شفعة، فمثلاً: هذه الأرض قسمناها بين زيد وعمرو ووقعت الحدود، تبينت حدود زيد وحدود عمرو، فزيد باع نصيبه على صالح، هل لجاره عمرو أن يشفع أو ليس له أن يشفع؟ على كلام المؤلف وهو ظاهر الحديث أنه ليس له أن يشفع، وهذا قول جمهور أهل العلم أن الجار ليس له أن يشفع على جاره.

    الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله: أن الجار له أن يشفع على جاره، ويستدلون على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الجار أحق بصقبه )، وأيضاً ما جاء في السنن: ( جار الدار أحق بالدار ).

    والرأي الثالث: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو وسط بين القولين: أن الشفعة تثبت للجار إذا كانا شريكين في شيء من حقوق الملك، يعني: يشتركان في الماء، يشتركان في الطريق، يشتركان في الحائط إلى آخره، المهم أنهما يشتركان في شيء من حقوق الملك، فإن الجار له أن يشفع على جاره.

    وعلى هذا -الآن- فالبنايات التي تشتمل على عدة مساكن، والعمارات التي تشتمل على شقق، هذه الشقق تشترك في الطريق، وتشترك في الماء.. إلى آخره، فعلى هذا الكلام فإن أصحاب هذه الشقق المتجاورة يشفع بعضهم على بعض، لأنهم يشتركون في شيء من حقوق الملك.