إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [18]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التورق من المسائل التي عمت بها البلوى في هذا العصر، فإذا كان الإنسان محتاجاً إلى التورق ولا يجد طريقاً من جهة السلم ولا القرض الحسن أو غير ذلك فيجوز مع مراعاة الضوابط المبينة في ذلك، كما أنه يحرم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاصلين وذلك لكون الثمن وال

    1.   

    تابع شرح حديث: (جاء بلال إلى النبي بتمر برني..)

    تقدم لنا حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في قصة بلال رضي الله تعالى عنه وما قدم به للنبي صلى الله عليه وسلم من التمر البرني، وذكرنا ما يتعلق بمسألة العينة وأنها محرمة، وأن العلماء رحمهم الله قسموا العينة إلى قسمين.

    تابع مسألة التورق

    وكذلك أيضاً ما يتعلق بمسألة التورق، وأن العلماء اختلفوا فيها على ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: أنها جائزة، وهذا ما عليه أكثر العلماء رحمهم الله.

    والرأي الثاني: أنها محرمة وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    والرأي الثالث: أنها جائزة عند الحاجة.

    وصفة التورق: أن يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على غير من اشتراها منه بأقل من ثمنها نقداً، كأن تشتري السيارة بمائة ألف ريال مؤجلة، ثم تبيع هذه السيارة على غير من اشتريتها منه، تبيعها على زيد من الناس بثمانين لكي تتوسع بثمنها نقداً وتسدد مائة، فالجمهور يقولون: هذه جائزة، ودليل ذلك أن الأصل في المعاملات الحل، وهنا عندنا عقدان منفصلان، فالإنسان له أن يشتري بثمن مؤجل، وله أن يبيع بثمن حاضر، فهما عقدان منفصلان، وصورة الربا بعيدة.

    والرأي الثاني: الذين قالوا بالتحريم، قالوا: صورة الربا موجودة، وهو أنه الآن اشترى بثمن مؤجل بمائة ألف وأخذ ثمانين، فأخذ ثمانين مقابل مائة، هذه صورة الربا.

    لكن الجمهور يجيبون عن هذا: بأن العقد هنا منفصل، العينة صحيح، اشتريت من زيد بثمن مؤجل ثم بعت عليه، هنا بيعتان في بيعة، وهذه صورة الربا موجودة الآن، ودخلت بينهما السيارة أو السلعة، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: دراهم بدراهم بينهما حرير، فكأنك الآن أخذت ثمانين بمائة مؤجلة، هذه صورة الربا، لكن هنا فيه بعد.

    وإذا قيل بأنها جائزة مع الحاجة، كما هو الرأي الثالث، فهذا أقرب إلى العدل ولحاجة الناس؛ لأن الناس يحتاجون إلى مثل التورق، ولا يجدون من يقرضهم قرضاً حسناً، ولكن لابد أن يضبط الجواز، فنقول:

    الضابط الأول للجواز: أن يكون هناك حاجة، أما إذا كان لأمور كمالية فلا يجوز، فمثلاً: إنسان يريد أن يشتري سيارة وعنده سيارة، أو إنسان يريد أن يشتري بيتاً غير بيته، فيظهر أنه لا يجوز، لابد أن يكون هناك حاجة قائمة، كأن يحتاج إلى بيت، يحتاج إلى زواج، يحتاج إلى سيارة، أما كونه يسلك التورق فإن شيخ الإسلام يرى التحريم، وبعض الاقتصاديين اليوم يقول: مفاسد الربا موجودة في التورق.

    إذاً: الضابط الأول: أن يكون محتاجاً للمال، أما إذا كان غير محتاج فإنه لا يجوز.

    الضابط الثاني: أن لا يجد طريقاً إلا طريق التورق، كأن لا يتمكن من السلم، ولا يتمكن من القرض الحسن.. إلخ.

    الضابط الثالث: أن تنتفي صورة الربا؛ لأنه الآن يوجد في البنوك ما يسمى بالتورق المنظم، أو التورق المصرفي، فبمجرد أنك توقع على أوراق ينزل في حسابك خمسين ألفاً بستين ألفاً، البنك يعمل العملية لك، يقول: عندي لك سلعة أبيعها لك وأشتري لك، فهذه صورة الربا موجودة، لابد أن تنتفي صورة الربا عن هذا التورق، بحيث أن المسلم إذا احتاج إلى هذا فيشتري السلعة ويقبضها، ثم يقوم ببيعها على غير من باعها عليه ويتوسع بثمنها، فلابد أن تنتفي صورة الربا، أما إذا وجدت صورة الربا، فنقول: هذا غير جائز.

    من فوائد الحديث

    وفي هذا الحديث: أنه يجوز للمسلم أن يأكل الطيبات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر كونه جاءه بتمر جميل جيد، من أجود تمور المدينة، والعلماء يقولون: التورع عن الطيبات مذموم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل الطيبات، والله سبحانه وتعالى أباح لنا الطيبات: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، لكن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يرد موجوداً ولا يتكلف معدوماً، فالإنسان لا يتكلف، لكن إذا جاءه شيء من الطيبات فإنه يتناوله، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، بلا فخر ولا خيلاء، ولا إسراف ولا تكلف.

    وفي هذا أيضاً: عظم شأن الربا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أوه، أوه )، عظم شأن الربا، وأن المسلم عليه أن يتحرز من الربا، وأن يبتعد عنه، والربا أمره عظيم وشأنه كبير، وفي حديث جابر بن سمرة في قصة المرابي في صحيح البخاري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى آكل الربا في نهر، قال: ( أحسب أنه أحمر كالدم، وعلى شط النهر رجل قد جمع حجارة ويسبح إليه الذي في النهر ثم يلقمه حجراً حجراً ) فالربا أمره عظيم، ولهذا تأوه النبي صلى الله عليه وسلم وتوجع منه.

    وفيه عظم شأن المعصية.

    وفيه أيضاً: أن المفتي إذا أفتى الناس وذكر لهم أمراً محرماً، فعليه أن يدلهم على الأمر المباح الجائز المشروع، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين لـبلال كيف يصنع، قال: بع التمر الرديء وخذ الدراهم واشتر تمراً جديداً من شخص آخر، هكذا يعمل المسلم، أما كونك تبادل تمراً بتمر مع الزيادة فإنك تقع في الربا.

    1.   

    شرح حديث نهى النبي عن بيع الذهب بالورق ديناً

    قال المصنف غفر الله له: [عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني، وكلاهما يقول: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً ).

    عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة, والذهب بالذهب, إلا سواء بسواء, وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يداً بيد؟ فقال: هكذا سمعت)].

    الشرح:

    قوله: (وعن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف) والصرف هو بيع نقد بنقد.

    (فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني، وكلاهما يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً)، يعني: بلا قبض، وسبق أن ذكرنا الضابط في ذلك قلنا: إذا بادلت ربوياً بربوي آخر يوافقه في العلة ويخالفه في الجنس نشترط التقابض، عندما تبادل ذهباً بفضة لابد من القبض، يتفقان في العلة وهي الثمنية، ويختلفان في الجنس، ريالات بذهب لابد من القبض، يتفقان في العلة الثمنية ويختلفان في الجنس، ريالات بفضة، لابد من القبض، يتفقان في العلة ويختلفان في الجنس، بر بشعير، رز ببر، دخن برز، يتفقان في العلة ويختلفان في الجنس.

    وهنا في الصرف الذهب بالورق ديناً، محرم ولا يجوز.

    ومثلها أيضاً: بيع العملات، كل عملة بلد جنس مستقل، فعندما تبادل ريالات بدينارات لابد من القبض، والتساوي ليس شرطاً، لكن نشترط التقابض، كذلك أيضاً عندما تبادل ريالات بجنيهات أو بليرات أو بدراهم لابد من التقابض، وإذا اتحد الجنس نشترط شرطين: التساوي، والتقابض، ذهب بذهب، فضة بفضة، ريالات بريالات، دولارات بدولارات، جنيهات بجنيهات، لابد من الشرطين.

    1.   

    شرح حديث: (نهى رسول الله عن الفضة بالفضة..)

    ومثل ذلك أيضاً: حديث أبي بكرة قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب، إلا سواءً بسواء )، فإذا اتحد الجنس لابد من الشرطين، ولابد أيضاً من التساوي في المعيار الشرعي، أنه إذا بادلت جنساً ربوياً بجنس ربوي لابد من التساوي بالمعيار الشرعي، وزناً في الموزونات، وكيلاً في المكيلات، وسبق أن ذكرنا ضوابط المكيلات وضوابط الموزونات.

    قال: (وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا) يعني: لا يشترط التساوي.

    (ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يداً بيد؟ فقال: هكذا سمعت).