إسلام ويب

شرح الفروق والتقاسيم للسعدي [16]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قسم الفقهاء المعاملات من حيث لزوم القبض إلى أقسام، فالربويات مثلاً يجب فيها التقابض، كما قسم أهل العلم الورثة إلى: عصبات، وذوي سهم، وذوي رحم، ولكل حكمه، وكذلك قسموا المهر والعدد والنفقات وكلها تقاسيم صحيحة لاختلاف الأحكام بين تلك الأقسام.

    1.   

    الفرق في قبض المبيع بين الربوي وغيره

    قال رحمه الله تعالى: [وقسّموا الأشياء إلى قسمين: قسمٌ لا يتم إلا بالقبض كبيع الربويات بعضها ببعض، اتفق الجنس أو اختلف، إذا اتفقا في علة الربا التي هي الكيل أو الوزن، فلا بد من قبض العوضين في المجلس].

    يقول المؤلف رحمه الله: تقسيم الأشياء بالنسبة للقبض إلى قسمين:

    القسم الأول: شيءٌ لا بد من قبضه، كبيع الربويات بعضها ببعض التي اتفقت في علة ربا الفضل، والتي هي الكيل أو الوزن، وهذا هو المشهور من المذهب فالمشهور من المذهب: أن علة ربا الفضل هي الكيل أو الوزن، وقد تقدم الكلام عليه في باب الربا.

    والرأي الثاني: أن العلة هي الثمنية أو مطلق الثمنية في الذهب والفضة، وأما في الأصناف الأربعة الباقية فهي: الطعم مع الكيل، أو الطعم مع الوزن كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    والمسألة موضع خلاف كما سبق لنا، فإذا اتحد العوضان في علة ربا الفضل، فإنه عند مبادلة أحدهما بالآخر يُشترط شرطٌ واحد وهو الحلول والتقابض.

    وأما مع اختلاف الجنس كذهب بفضة فيُشترط التقابض، وبرٌ بشعير، وأما التفاضل فلا بأس به.. إلخ.

    قال رحمه الله: [وكذلك السلم لا بد من قبض رأس مال السلم قبل التفرق من مجلس العقد].

    وهذا هو قول جمهور أهل العلم: أن من شروط صحة السلم: قبض رأس المال في المجلس قبل التفرق، وذكرنا أيضاً رأي الإمام مالك رحمه الله فيما سبق، وأنهم يقسّمون رأس مال السلم إلى قسمين:

    القسم الأول: النقود، وهذه يجوز التأخير فيها لثلاثة أيام.

    القسم الثاني: أن يكون من غير النقود كالعروض، فهذه لا يُشترط فيها القبض.

    لزوم الرهن بالقبض أم بالعقد

    قال رحمه الله: [وكذلك الرهن لا يلزم عند الأصحاب إلا بالقبض، وفيه قول قويٌ بلزومه مطلقاً وهو الصحيح].

    الرهن هل يكون لازماً بمجرد العقد، أو لا يكون لازماً إلا بالقبض؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله.

    فالمشهور من المذهب: أنه لا يكون لازماً إلا بالقبض.

    وعلى هذا فالراهن له أن يبطل الرهن ما دام أن المرتهن لم يقبض الرهن، ومثال ذلك: لو اقترضت من زيد ألف ريال، وقلت: هذه الثياب رهن، فإذا قبض العين المرهونة يكون الرهن لازماً، أما إذا لم يقبض العين المرهونة عند الراهن فلا يلزم مثال آخر: لو أقرضته ألف ريال وقال: سيارتي هذه رهن، والسيارة مع الراهن ولم يقبضها المرتهن، فقالوا: ما دام أن المرتهن لم يقبض العين المرهونة وهي مع الراهن، فإن عقد الرهن صحيح لكنه ليس لازماً، فلو أن الراهن تصرف في هذه السيارة وباعها، بطل الرهن، أو وقّفها بطل الرهن ونحو ذلك من التصرفات.

    لا بد لكي يكون الرهن لازماً أن يقبضها المرتهن الذي له الحق، وهو الذي أخذ هذه العين وثيقة، أو عقد على هذه العين لكي تكون وثيقة بالحق، فلا بد من قبض العين من قِبل المرتهن، فإن لم يقبضها وكانت عند الراهن فإن العقد لا يكون لازماً، هذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله: أن الرهن يكون لازماً بمجرد العقد، وأن الراهن لا يجوز له أن يتصرف حتى وإن كانت العين تحت يده، وهذا القول هو الصواب؛ لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، ومن الإيفاء بالعقد: أن الإنسان لا يبطل العقد، ولا يتصرف في هذه العين المرهونة، وأيضاً قول الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34]، فالصواب: أنه لازم، ولذلك قال المؤلف رحمه الله: [وفيه قولٌ قوي بلزومه مطلقاً] يعني: سواءٌ قبضت العين من قِبل المرتهن أو لم تُقبض.

    لزوم القبض في الهبة

    قال رحمه الله: [والهبة التي لا تتم إلا بالقبض].

    هذه مسألة أيضاً: الهبة هل يُشترط للزومها القبض أو ليس بشرط؟ فلو قال: زيد لعمرو: وهبتك الكتاب، قال: قبلت، فزيد -الواهب- بدى له أن يرجع، هل له أن يرجع أو ليس له أن يرجع؟ المذهب له أن يرجع، ما دام أن الموهوب له لم يقبض هذا الكتاب أو لم يقبض السلعة، يقولون: الهبة لا تتم إلا بالقبض، مثل الرهن لا تكون لازمة إلا بالقبض.

    والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ) فقال: يقيء يعني: أخرج القيء، ثم عاد فيه، فذمه الشارع على ذلك، يعني: إذا أخرجها ورجع يصير مثل الكلب الذي قاء ورجع في قيئه، لكن ما دام أنه لم يخرجها لم يشبه الكلب.

    وأيضاً استدلوا بأثر أبي بكر أنه وهب عائشة رضي الله عنها جذاذ نخل، ثم قال لها: لو أنك حزتيه -يعني: قبضتيه- لكان لك.. إلى آخره.

    والصواب في ذلك: أن الهبة تتم بمجرد العقد، وهذا قول الظاهرية، والأول قول أكثر أهل العلم، والصحيح: أنها بمجرد العقد تكون لازمة؛ لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34]، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( العائد في هبته كالكلب )، وهذا يسمى عائداً في هبته، فالصواب أنها تكون لازمة بمجرد العقد، حتى وإن لم يكن قبض.

    مواطن أخرى لابد فيها من القبض

    قال رحمه الله: [وتقدم أنه لا يصح التصرف فيما يحتاج إلى حق توفيته إلا بالقبض].

    هذا تقدم الكلام عليه.

    قال رحمه الله: [ولا ينتقل الضمان من البائع إلى المشتري إلا بالقبض].

    متى يكون المبيع مضموناً على البائع؟ ومتى يكون مضموناً على المشتري إذا قُبض، وإذا لم يقبض؟ هذا تقدم الكلام عليه.

    قال رحمه الله: [وكذلك قالوا: لا يتم للأب التملك من مال ولده إلا بالقبض، مع القول أو النية، وفيه خلافٌ قوي تقدم].

    يعني: الأب له أن يتملك من مال ولده على المشهور من المذهب خلافاً للمشهور، بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أنت ومالك لأبيك ).

    لكن هل له أن يتصرف في مال ولده قبل أن يقبضه ويتملك فيه، أو لا بد أن يتملك أولاً ثم يتصرف؟

    المذهب: أنه لا يملك أن يتصرف في مال ولده، يعني: لا يملك أن يبيع سيارته، ولا بيته، ولا كتابه.. حتى يتملك أولاً ثم يتصرف فيه.

    والتملك لا يتم إلا بالقبض مع القول أو بالقبض مع النية.

    والرأي الثاني: أن له أن يتصرف وإن لم يحصل منه تملك، يعني: لو باع سيارة ولده قبل أن يتملكها صح. وينوب مناب التملك.. وهكذا.

    قال رحمه الله: [ومن قبض اللقطة لم يبرأ من ضمانها إلا بتعريفها، أو بدفعها إلى الإمام، أو ردها إلى مكانها بإذن الإمام، وما عدا ذلك من الأشياء فإن القبض فيها ليس بشرط، والله أعلم].

    اللقطة: مال أو مختص ضل عن ربه، إذا أخذه الإنسان من مكانه يقول المؤلف رحمه الله: لا يبرأ أن ترده إلى مكانه، ما دام أنك أخذته فقد أصبح الآن أمانة في يدك.

    يقول: [لم يبرأ من ضمانه إلا بتعريفها] إذا كانت هذه اللقطة مما يجب تعريفها.

    وتقدم لنا أقسام اللقطة قريباً، ما هو الذي يعرّف وما هو الذي لا يعرف؟

    [أو بدفعها إلى الإمام]، يعني: القاضي أو من ينوب منابه إذا كان هناك جهة مسئولة تأخذ اللقطات.

    [أو ردها إلى مكانها بإذن الإمام] القاضي، يعني: ما تبرأ إلا أن يقوم بالتعريف، أو يدفعها إلى الإمام، أو يردها إلى مكانها بإذن الإمام.

    1.   

    الفرق بين ما يتعلق بذمة الرقيق وما يتعلق برقبته

    قال رحمه الله: [وقسّموا ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال إلى أربعة أقسام:]

    هذه الأقسام تتعلق بالرقيق.

    قال رحمه الله: [قسمٌ يتعلق بذمة سيده قليله وكثيره وهو ما أذن له فيه].

    يعني: لو أن السيد أذن للرقيق بأن يتزوج، أو يشتري، أو يبيع أو نحو ذلك، فهذا يتعلق بذمة سيده.

    فالمهر يكون على السيد، ولو اشترى الرقيق -ما دام أنه أُذن له في ذلك- فإنه يكون في ذمة السيد. هذا القسم الأول.

    قال رحمه الله: [وقسمٌ يتعلق برقبة العبد، وهو جناياته وإتلافاته، فيخيَّر سيده بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش الجنابة والإتلاف، أو يسلّمه للمجني عليه].

    ومعنى قولهم: يتعلق برقبة العبد، يعني: إذا جنى هذا الرقيق فنقول: هذه الجناية متعلقة برقبته، ونقول للسيد: أنت بالخيار: إما أن تفديه فتدفع قيمة الجناية، أو أن هذا الرقيق يباع وتسدد الجناية للمجني عليه، فإن فضل شيء يرد على السيد، وإن لم يفضل شيء لا نلحق السيد بشيء.

    فإذا كانت مثلاً قيمته عشرة آلاف ريال والجناية بخمسة عشر ألفاً، فيفديه بعشرة آلاف ريال، الأقل من القيمة أو الجناية، وإذا كان بالعكس قيمته خمسة عشر ألفاً وجنايته بعشرة آلاف ريال فيفديه بعشرة، وهذا القسم الثاني، ويتعلق بجناياته على البدن، أو على النفس وعلى ما دون النفس، أو إتلافات إذا كان هناك إتلاف شيء من الأموال.

    الثالث: قال رحمه الله: [وقسمٌ يتعلق أيضاً برقبته على المشهور، وهو تصرفاته التي يلزم فيها مال، وعلى القول الصحيح: هذا القسم يتعلق بذمته].

    هذا القسم الثالث وهو موضع خلاف: هل هو متعلقٌ برقبة هذا الرقيق، أو متعلق بذمة الرقيق؟ على رأيين، والتصرفات التي يلزم فيها ليس فيها إتلافات أو جنايات، وإنما يلزم فيها المال.

    مثل: لو سرق مالاً، لزمه هذا المال، هل هذا المال متعلقٌ برقبته؟ بحيث أننا نقول للسيد: أنت بالخيار: إما تفديه بالأقل من قيمته، أو المال الذي سرق، أو يباع ويسدد، فإن فضل شيء رُد إليك وإلا لم تُلحق به؟ هل نقول: متعلق برقبته كالقسم الثاني، أو نقول: متعلقٌ بذمة الرقيق كالقسم الرابع؟ هذا موضع خلاف.

    والمذهب: أنه متعلقٌ برقبته، والرأي الثاني الذي قوّاه وصححه الشيخ: أنه متعلقٌ بذمته، كالقسم الرابع.

    قال رحمه الله: [كالقسم الرابع: ديون العبد التي بلا إذن السيد، فتتعلق بذمته قولاً واحداً، يُتبع بها بعد عتقه والله أعلم].

    يعني: لم يستدن هذا الرقيق من أجل سيده فهي ديون متعلقة بذمته، ولا تتعلق برقبته، بمعنى: أنه إذا عتق يُطالب بها.

    أما إذا لم يُعتق فإنه لا يُطالب بها ولا يطالب بها السيد، فأصبح ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال ينقسم إلى هذه الأقسام الأربعة.

    1.   

    الفرق بين ضمان ما أتلف بتعدٍ وما كان بغير تعدٍ

    قال رحمه الله: [وقسّم الأصحاب أسباب الضمان إلى ثلاثة أقسام: يدٌ متعدية كالغاصب ونحوه، فيضمن بتلف الشيء عنده، أو إتلافه فرّط أو لم يفرّط ويضمن نقصه].

    اليد المتعدية كيد الغاصب، فيد الغاصب يدٌ ظالمة متعدية، يضمن إذا تلف الشيء المغصوب تحت يده يضمن، سواءٌ تعدى أو لم يتعد، فرّط أو لم يفرّط؛ لأنه متعدٍ.

    ومثال ذلك: لو غصب السيارة، والسيارة هذه جاءتها أمطار فأتلفتها، أو جاءتها نار فأحرقتها، أو غصب الكتاب ووضع الكتاب في المكتبة، ثم احترقت المكتبة فاحترق الكتاب فإنه يضمن؛ لأنه بغصبه متعدٍ يضمن مطلقاً، حتى ولو حافظ عليها، فلو غصب هذه الدراهم أو سرق هذه الدراهم وحافظ عليها، وأقفل عليها في الصناديق ثم سُرقت، فإنه يضمن.

    قال رحمه الله: [الثاني: إتلاف بغير حق عمداً أو خطأً ففيه الضمان على المكلَّف وغيره].

    إذا أتلف المكلف أو غير المكلف كالمجنون والصغير مال غيره فإنه يضمن؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، فلو أن زيداً من الناس أخطأ وأتلف ثوب عمرو، أو كتابه، أو سيارته، أو الصبي أتلف سيارة غيره، أو كتابه، أو ثوبه، أو المجنون، فإنه يضمن سواء المكلف أو غير المكلف، لكن إذا كان خطأ فليس فيه إثم، وأما الغاصب فإنه آثم، ويضمن عمداً كان أو خطأ.

    قال رحمه الله: [ والثالث: تلف الأمانات عند المؤتمنين إذا فرطوا في حفظها أو تعدوا فيها، ولا فرق في الإتلاف بين المباشر والمتسبب على وجه العدوان والله أعلم ].

    الأمانة: هي كل ما قبضه الإنسان بإذن الشارع أو بإذن المالك، مثل: الوديعة أمانة قبضها الإنسان بإذن مالكها، ومثل: مال اليتيم أمانة قبضه الإنسان بإذن الشارع، ومثل: العارية على الصحيح أنها أمانة، واللقطة بيد الملتقط أمانة قبضها بإذن الشارع، فما قبضه الإنسان بإذن الشارع أو المالك وحصل له إتلاف ففيه تفصيل: إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فإنه لا يضمن، والتعدي هو: فعل ما لا يجوز، كشخصٍ أخذ هذه السيارة وديعة، ثم بدأ يسوقها فصار عليها حادث، فقد فعل ما لا يجوز؛ لأن الوديعة لا يجوز للإنسان أن يستعملها.

    والتفريط: ترك ما يجب، فلو أخذ هذا الكتاب وديعة ولم يحفظه في مكانه فقد فرط؛ لأن الواجب أن تحفظه في مكانه الذي يحفظ فيه، والدراهم لم يجعلها في الصندوق فلو ضاعت أو سرقت فإنه يضمن في هذه الحالة.

    1.   

    الفرق بين الغرس المحترم وغير المحترم

    قال رحمه الله: [وقسم الأصحاب الغرس والبناء في أرض الغير إذا رجعت الأرض إلى صاحبها إلى محترم وإلى غير محترم.

    فغير المحترم غرس الغاصب وبناؤه، فيخير صاحب الأرض بين إلزامه بقلعه ونقضه مع ضمان النقص والأجرة مدة بقائه بيده، وبين تملكه بقيمته فتقوم الأرض مغروسة ومبنية، وتقوم خالية منهما فما بينهما فهو القيمة ].

    إذا غرس الإنسان أو بنى في أرض غيره، فينقسم هذا الغرس والبناء إلى قسمين:

    القسم الأول: المحترم: وهو الذي وضع بحق. وغير المحترم: هو الذي وضع بغير حق، مثل: غرس الغاصب وبناء الغاصب فهذا غير محترم؛ لأنه وضع بغير حق، كرجل غصب أرض رجل وبنى فيها بيتاً فبناؤه هذا غير محترم؛ لأنه وضعه بغير حق، أو غرس فيها نخلاً، فغرسه هذا غير محترم؛ لأنه وضعه بغير حق، وحكمه أن صاحب الأرض بالخيار بين أن يلزمه بقلع الغرس والبناء، والنقص الذي حصل للأرض بسبب الغرس أو بسبب البناء يقوم بضمانه؛ لأنه إذا غرس فيها سيحصل فيها نقص فيقوم بضمانه، وعليه الأجرة مدة بقاء الأرض في يده، فنقول: يا صاحب الأرض! أنت مخير: إما أننا نلزم هذا الغاصب بقلع البناء أو قلع الغرس، وعليه أيضاً ضمان نقص الأرض، وعليه الأجرة مدة بقاء الأرض في يده، أو أنك أيها المالك تقوم بتملك هذا البناء أو هذا الغراس، وإن شئت أن تتملكه، فلك ذلك، والتملك هو أن تقوم الأرض مغروسة أو مبنية وتقوم خالية من الغراس والبناء، فإذا كانت الأرض قيمتها خالية عن الغراس أو البناء بعشرة آلاف ريال، فمغروسة بخمسة عشر ألف ريال، فنقول: أنت مخير: إما أن نلزم الغاصب بقلع البناء وبقلع الغراس وعليه ضمان النقص وعليه الأجرة، وإما أنك تدفع له خمسة آلاف ريال قيمة الغراس وقيمة البناء وتأخذ هذا الغراس وهذا البناء، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس لعرق ظالم حق ).

    قال رحمه الله: [وبين إبقائه بأجرة المثل إلا أن يختار الغاصب القلع مع الضمانات المذكورة للنقص من كل وجه ].

    أو أن تختار إبقاء الغراس والبناء وتأخذ أجرة المثل، فأصبح المالك له ثلاثة خيارات: إما القلع، وإما التملك، وإما الإبقاء بأجرة المثل، إلا إذا اختار الغاصب القلع، وقال أنا سأقلع البناء أو الغراس وأضمن النقص وأضمن الأجرة، فإذا اختار ذلك فله ذلك.

    قال رحمه الله: [وأما القسم المحترم فهو غرس المستأجر إذا تمت مدة الإجارة، وغرس المستعير ونحوهم ممن أيديهم غير ظالمة، بل مأذون لهم بعوض أو بغير عوض فهنا ليس لصاحب الأرض قلعه ولا نقله بلا إذن صاحبه، لكنهما يتفقان على تأجيله وإبقائه بأجرة المثل، أو شراء صاحب الأرض له، والخيرة في هذين الأمرين لصاحب الأرض، أو يختار صاحبه قلعه ونقله بلا تضمين نقص إلا إن شرط بقاؤه، أو كان بقاؤه لازماً كالوقف، فليس لصاحبه قلعه، وأصل هذا كله الحديث الصحيح: ( ليس لعرق ظالم حق )، فهذا حد فاصل أن العرق لظالم ليس له حق في الأرض، فليس له حق الإبقاء بلا إذن ربها، ومفهومه أن من ليس بظالم له حق الإبقاء، لكن بحالة فيها الرفق به وبصاحب الأرض، وحيث كان صاحب الأرض صاحب الأصل كانت الخيرة بيده في اختيار التملك أو الإبقاء بأجرة ].

    هذا القسم الثاني من أقسام الغراس والبناء، وهو الغراس والبناء الذي وضع بحق وهو المحترم، مثل: غراس المستأجر، كإنسان استأجر هذه الأرض لكي يغرسها لمدة عشر سنوات أو مدة عشرين سنة أو ثلاثين سنة، يغرسها نخيلاً أو يغرسها أشجار تفاح أو برتقال أو توت أو غير ذلك، فإن وضعه لهذه الغراس بحق، أو استأجر هذه الأرض لكي يبني عليها ويسكن في هذا البناء أو يؤجر هذا البناء، أو استعار هذه الأرض لكي يغرس عليها، فإن وضعه لهذه الأشياء بحق، فإذا تمت مدة الإجارة، أو تمت مدة الإعارة، فليس لصاحب الأرض قلعه ولا نقله بلا إذن صاحبه، لكن يتفقان على إبقاء الغراس أو البناء بأجرة المثل، أو يقوم صاحب الأرض بشراء هذا الغراس والبناء.

    قال رحمه الله: [والخيرة في هذين الأمرين لصاحب الأرض]، إلا إن اختار صاحب الغراس أو صاحب البناء القلع، ولهذا قال: [ أو يختار صاحبه قلعه ونقله بلا تضمين نقص فله ذلك، إلا إن شرط بقاؤه أو كان بقاؤه لازماً كالوقف فليس لصاحبه قلعه ] يعني: إذا كان هناك شرط على أن صاحب الغراس ما يقلع الغراس، أو كان الغراس وقفاً فلا يقلع الغراس، ولا يقلع البناء، لكن يبقى إما بالأجرة، أو يتملكه صاحب الأرض، بحسب ما يتفقان عليه.

    1.   

    الفرق بين الولاية والوكالة الخاصة والعامة

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة تقسيمهم الولاية، والوكالة على الأموال والحقوق إلى ثلاثة أقسام: وكيل، وولي خاص كالذي يباشر الموكل والموصي توكيله وتوصيته فعمله وتصرفه مقصور في دائرة ما أذن له فيه].

    قسم المؤلف رحمه الله الولاية والوكالة على الأموال والحقوق إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: وكيل وولي خاص، الوكيل الخاص: هو الذي أذن له التصرف في أشياء خاصة، والولي الخاص هو الذي تولى التصرف على أشياء خاصة، فهذا عمله دائر على ما وكل فيه، أو ما ولي التصرف فيه دون غيره، فلو أن شخصاً وكل في بيع هذا البيت، أو بيع هذه المزرعة، أو تأجيرها، فعمله دائر على ذلك، ومقصور على ما أذن له فيه، فهذه وكالة وولاية خاصة وليست عامة، وهذا ما يغلب عليه وكالات الناس.

    قال رحمه الله: [والثاني: وكيل وولي عام وهو الإمام والحاكم وكيل من لا وكيل له ولا ولي، من القاصرين والغائبين والمتغيبين، وولي الأوقاف التي لا ناظر لها خاص، وولي من لا ولي لها في النكاح].

    هذا القسم الثاني: الحاكم أو القاضي وكيل من لا وكيل له، إذا كان هناك قصر صغار أو مجانين، أو هناك أناس غائبون ولهم أموال، أو امرأة لا ولي لها كالتي أسلمت في بلاد المسلمين وليس لها ولي يتولى أمر النكاح لها، أو غائب، أو الأوقاف التي لا ناظر لها، الذي يقوم بالولاية على هذه الأموال هو القاضي، والقاضي ينيب إذا شاء.

    قال رحمه الله: [الثالث: وكيل وولي اضطرار، وهو في كل حالة يضطر فيها إلى تولية، فإن لم يفعل ترتب عليه ضياع المال وفواته، كمن مات في محل لا وصي له ولا حاكم كبرية وبحر ونحوها، فعلى من حضره جمع ما تركه وحفظه، وبيع من الأصلح بيعه حتى يصل إلى وارثه أو وصيه].

    هذا وكيل الاضطرار ووصية الضرورة، يسميها العلماء رحمهم الله وصية الضرورة.

    وعرفها المؤلف رحمه الله يقوله: [في كل حالة يضطر فيه إلى تولية]، يعني: تولية هذا الشخص، [ فإن لم يفعل ترتب عليه ضياع المال وفواته ]، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( المسلم أخو المسلم )، فإذا مات أحد من المسلمين في مكان ليس فيه حاكم أو قاض، وليس فيه وصي له فعلى من حضر من المسلمين أن يقوم بجمع ما تركه وحفظه وبيع ما كان الأصلح بيعه، فإذا كان هناك أشياء تسارع إليها الفساد إذا لم تباع فإنه يقوم ببيعها، أو أشياء لا يمكن نقلها يقوم ببيعها، حتى يصل إلى وارثه أو وصيه.

    قال رحمه الله: [وكحفظ المال الذي إن تركه ضاع، وإن تولاه انحفظ على أهله، فيتعين عليه حفظه وإيصاله إلى أهله بأجرة أو تبرعاً].

    إذا كان هناك أموال أهلها غائبون، وإذا قام بحفظها انحفظت، وإن قام بتركها ضاعت، فهنا يجب عليه أن يحفظها على أهلها لما تقدم من قول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، وأيضاً: لما تقدم من الحديث.

    قال رحمه الله: [فالوكيل الخاص تصرفه تبع الإذن مقصور على ما أذن له فيه، والعام تصرفه شامل لكل ما فيه مصلحة، والضروري مقصور على مقدار الضرورة].

    فالخاص كما تقدم تصرفه حسب ما أذن له فيه، فإذا أذن له في بيع هذه السيارة يبيعها، أو أذن له في بيع هذا البيت يبيعه، أما الولاية العامة فيتولى على القصر، ويتولى على الغائبين، وعلى من لا ولي لها من أهل النكاح، وعلى الأوقاف التي لا ناظر لها، مثل القاضي ومن ينيب القضاة اليوم.

    الثالث: وكيل الضرورة ووصي الضرورة هذا على حسب الضرورة، تصرفه مقصور على الضرورة.

    1.   

    الفرق بين أصحاب الفروض والتعصيب

    قال رحمه الله: [ومن الفروق والتقاسيم الصحيحة: تقسيم الورثة إلى أصحاب فروض لهم نصيب مقدر لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول وعاصب له نصيب غير مقدر].

    الرد: هو نقص السهام عن أصل المسألة، والعول عكس الرد، زيادة السهام على أصل المسألة، فالورثة ينقسمون إلى قسمين: وارث بفرض ووارث بتعصيب.

    فالوارث بالفرض من له نصيب مقدر في كتاب الله، والعلماء تكلموا على أصحاب الفروض، كأصحاب الخمس، وأصحاب الربع، وأصحاب الثمن، وأصحاب الثلث، وأصحاب الثلثين، وأصحاب السدس.. إلخ، فهذا وارث بفرض، أي: له نصيب مقدر.

    ووارث بتعصيب: من ليس له نصيب مقدر، وهو الذي إذا انفرد أخذ كل المال أو أخذ ما أبقت الفروض إذا لم يكن صاحب فرض، فلو هلك هالك عن ابن فقط فإنه يأخذ كل ماله، ولو هلك هالك عن زوجة وابن، فالزوجة لها الثمن لوجود الفرع الوارث، والابن له الباقي.

    قال رحمه الله: [وذوي أرحام يتفرعون على أصحاب الفروض والعصبات ويدلون بهم، ويرثون ميراثهم].

    ذوو الرحم: هم كل من ليس بصاحب فرض ولا تعصيب.

    أقسام العصبات

    قال رحمه الله: [وتقسيم العصبات إلى عاصب بالنفس، وهم جميع ذكور القرابة والولاء المدلون بأنفسهم أو بمحض الذكور، وأن من انفرد منهم أخذ المال كله ومن كان مع صاحب فرض له ما فضل عنه، وإذا استغرقت الفروض التركة سقط].

    العصبة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: عصبة بالنفس، وعصبة بالغير، وعصبة مع الغير.

    العصبة بالنفس

    العصبة بالنفس قال المؤلف رحمه الله في تعريفهم: وهم جميع ذكور القرابة والولاء المدلون بأنفسهم أو بمحض الذكورة، فيشمل الأب والجد وإن علا، والابن وابن الابن وإن نزل، والأخ الشقيق، وابن الأخ الشقيق، والأخ لأب وابن الأخ لأب، والعم الشقيق وابن العم الشقيق، والعم لأب وابن العم لأب، والمعتق، وورثته المتعصبين بأنفسهم لا بغيرهم ولا مع غيرهم، فهؤلاء عصبة بالنفس.

    ومن أحكامهم: أن من انفرد منهم أخذ المال كله، فلو هلك هالك عن ابن فيأخذ كل المال، أو هلك هالك عن عم ليس معه غيره أخذ كل المال، الحكم الثاني لهم: إذا كان مع صاحب الفرض فله ما فضل عنه، فيأخذ صاحب الفرض فرضه والباقي يكون لصاحب التعصيب، فلو هلك هالك عن زوجة وابن، فالزوجة تأخذ فرضها الثمن، والابن له الباقي، ولو هلك هالك عن زوج وابن، فالزوج له الربع، والابن له الباقي.. وهكذا.

    الحكم الثالث: إذا استغرقت الفروض التركة سقطوا، مثال ذلك: هلك هالك عن بنتين وزوج وأم، فالبنتان لهما الثلثان، والأم السدس؛ لوجود الفرع الوارث، والزوج له الربع.

    ولو هلك هالك عن بنتين وزوج وأم وعم، فالبنتان لهما الثلثان، والأم لها السدس، والزوج له الربع، فقد استغرقت الفروض التركة والعم يسقط، فمسألتهم تكون من اثني عشر، البنتان لهما الثلثان: ثمانية، والزوج له الربع: ثلاثة هذه إحدى عشرة، والأم لها السدس: اثنان فتعول إلى ثلاثة عشر والعم ساقط من باب أولى.

    قال رحمه الله: [وأنه إذا وجد اثنان من العصبة فأكثر قدم الأقرب جهة، ثم الأقرب منزلة، ثم الأقوى ومع التساوي من كل وجه يشتركون].

    إذا وجد اثنان من العصبة فأكثر قدم الأقرب جهة، والجهات هي: أولاً: جهة البنوة، ثم بعد ذلك الأبوة، ثم بعد ذلك الأخوة، ثم العمومة، وهكذا، فإذا كان عندنا وارثان إن اختلفا جهةً فنقدم الأقرب جهة، مثل: ابن وأخ، فالمال يكون للابن، وأما الأخ فإنه يكون ساقطاً، ثم الأقرب منزلة، مثل: ابن وابن ابن فإنَّ الأقرب منزلة هو الابن، فيحجب ابن الابن، أو أب وجد، فالمال للأب ويحجب الجد.

    قال: [ثم الأقوى] كأخ شقيق وأخ لأب يقدم الأخ الشقيق لأنه أقوى، ومع التساوي لكل جهة يشتركون، فلو هلك عن أخوين شقيقين، أو هلك عن عمين شقيقين وتساووا في الجهة والقوة والمنزلة فيشتركون في الميراث، هذا بالنسبة للعاصب بالنفس.

    العصبة بالغير

    قال رحمه الله: [ وإلى عاصب بالغير وهن البنات، وبنات الابن، والأخوات لغير أم مع إخوتهن يعصبونهن فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين فيما ورثوه ].

    القسم الثاني: عاصب بالغير، العاصب بالغير أربعة أصناف: البنات مع الأبناء، وبنات الابن مع أبناء الابن سواء كانوا إخوتهن أو أبناء عمهن الذين في درجتهن، والأخوات الشقيقات مع الإخوة الشقائق، والأخوات لأب مع الإخوة لأب.

    ومثال البنات مع الأبناء: هلك هالك عن ابن وبنت فللذكر مثل حظ الأنثيين، عصبة بالغير.

    هلك هالك عن ابن وبنت ابن فللذكر مثل حظ الأنثيين.

    ومثال الأخوات مع الإخوة: هلك هالك عن أخ شقيق وأخت شقيقة، هنا عصبة بالغير، للذكر مثل حظ الأنثيين.

    هلك هالك عن أخت لأب وأخ لأب، كذلك للذكر مثل حظ الأنثيين.

    ونفهم أن العصبة بالغير هؤلاء الأربعة فقط، فلو هلك عن ابن أخ وبنت أخ، فلا نقول: للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن بنت الأخ من ذوي الأرحام، فالمال لابن الأخ، وأما بنت الأخ فلا شيء لها.

    وكذلك لو هلك هالك عن ابن عم وبنت عم فالمال لابن العم، وأما بنت العم فلا شيء لها.. وهكذا.

    العصبة مع الغير

    قال رحمه الله: [وعصبة مع الغير، وهن الأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن يأخذن ما بقي بعدهن].

    هذا القسم الثالث، وهو العصبة مع الغير: الأخوات مع البنات، سواء شقائق أو لأب مع البنات أو بنات الابن، كهالك عن بنت وأخت شقيقة فللبنت النصف، والأخت الشقيقة لها الباقي تعصيباً مع الغير، ولو هلك هالك عن بنت ابن وأخت شقيقة، فبنت الابن لها النصف، والأخت الشقيقة لها الباقي تعصيباً مع الغير، ولو هلك هالك عن بنتين وبنت ابن وأخت شقيقة، والبنتان لهما الثلثان، والأخت الشقيقة تأخذ الباقي، لأنها عصبة، وأما بنت الابن فتسقط، إلا إذا وجد ابن الابن، أو ابن عمها الذي في درجتها ويسمى القريب المبارك، فإذا وجد ابن الابن عصب ويحجبه الأخت الشقيقة، ولو هلك هالك عن بنت وأخت شقيقة وأخت لأب فالبنت لها النصف، والأخت الشقيقة لها الباقي، والأخت لأب تسقط.

    قال رحمه الله: [وأنَّ الأخوات مع إخوتهن ثلاثة أقسام:

    قسم: للذكر مثل حظ الأنثيين وهم المذكورون، وقسم: الذكر والأنثى سواء، وهم الإخوة لأم مع أخواتهم وذوو الأرحام، وقسم يختص به الذكر وهم من عداهم من أولاد الإخوة لغير أم والأعمام هم وأولادهم وعصبة الولاء].

    الأخوات مع إخوتهن ثلاثة أقسام: قسم للذكر مثل حظ الأنثيين، كما تقدم لنا في العصبة بالغير: الأبناء مع البنات، والأخوات الشقائق مع الإخوة الأشقاء، والأخوات لأب مع الإخوة لأب، وبنات الأبناء مع أبناء الأبناء، هؤلاء عصبة بالغير للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا هو القسم الأول.

    القسم الثاني: قال رحمه الله: [وقسم الذكر والأنثى سواء، وهم الإخوة لأم مع أخواتهم] فلو هلك هالك عن أم وأخ لأم وأخت لأم، فالأم لها السدس؛ لوجود الجمع بين الإخوة، والأخ لأم والأخت لأم يشتركون في الثلث، لكل منهما سدس، ولا يفضل ذكرهم على أنثاهم، وكذلك أيضاً: ذوو الأرحام لا يفضل الذكر على الأنثى، كخال وخالة ذكرهم لا يفضل على أنثاهم، ابن الخال وبنت الخال ذكرهم لا يفضل على أنثاهم.. وهكذا.

    قال رحمه الله: [وقسم: يختص به الذكر وهم من عداهم من أولاد الإخوة لغير أم].

    القسم الثالث: ما خصوا به الذكر مثل ابن أخ وبنت أخ، فالمال لابن الأخ، وبنت الأخ ليس لها شيء؛ لأنها من ذوي الأرحام، وذوو الأرحام لا يرثون إلا مع عدم أصحاب الفروض ومع عدم العصبة، مثل: ابن عم وبنت عم، فالمال لابن العم، وبنت العم لا ترث شيئاً؛ لأنها من ذوي الأرحام، وذوو الأرحام لا يرثون إلا مع عدم أصحاب الفرض وأصحاب العصبة، ولهذا قال: [قسم يختص به الذكر ومن عداهم من أولاد الإخوة لغير أم والأعمام] كابن عم وبنت عم، هم وأولادهم وعصبة الولاء، وعصبة الولاء: هو المعتق ذكراً كان أو أنثى، وعصبة المتعصبين بأنفسهم لا بغيرهم ولا مع غيرهم، فلو هلك زيد عن زوجة ومعتقة، (امرأة قد أعتقت)، فالزوجة لها الربع؛ لعدم الفرع الوارث، والمعتقة تأخذ الباقي عصبة، ولو كان المعتق ذكراً أخذ الباقي، أما إذا كان المعتق ليس موجوداً، فالذي يرث هم عصبة المتعصبين بأنفسهم لا بغيرهم ولا مع غيرهم، فلو هلك زيد وترك زوجةً وابن معتق، فالزوجة لها الربع، وابن المعتق له الباقي. ولو هلك زيد وترك زوجةً وابناً معتقاً وبنتاً معتقة، فالزوجة لها الربع والابن له المال، وبنت المعتق ما ترث شيئاً.

    فالأخ المعتق هو الذي يرث، وابن ابن ابن عم المعتق ولو كان بعيداً يرث، أما بنت المعتق فليس لها شيء.

    أقسام الحجب وأنواعه

    قال رحمه الله: [ وتقسيم الحجب إلى ثلاثة أنواع: محجوب بالوصف، بأن يتصف المحجوب بصفة تمنعه من الميراث كالقتل والرق واختلاف الدين ].

    الحجب في اللغة: المنع، وأما في الاصطلاح: فهو منع الوارث من الإرث بالكلية أو من أوفر حظيه، وينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الحجب بالوصف: وهو الذي اتصف بمانع من موانع الإرث الثلاثة:

    ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث

    رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين

    فإذا كان قاتلاً فلا يرث؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يرث القاتل شيئاً )، وإذا كان رقيقاً فلا يرث؛ لأن الرقيق لا مال له، ولو كان له مال صار لسيده، وأيضاً: اختلاف الدين لا يرث؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم )، وهذا القسم الأول محجوب بوصف.

    مثال ذلك: هلك هالك عن ابن وابن قاتل فالمال للابن، والابن القاتل لا شيء له، ولو هلك هالك عن ابن وابن رقيق فالمال للابن الحر، والرقيق لا شيء له.. وهكذا.

    قال رحمه الله: [ومحجوب بالشخص حجب نقصان].

    هذا القسم الثاني: محجوب بالشخص حجب نقصان، وهذا معنى قولهم: أو من أوفر حظيه، فلو هلك هالك عن زوج وابن، فالزوج له الربع، والابن حجب الزوج حجب نقصان، بدلاً من أن يأخذ النصف أخذ الربع.

    ولو هلك هالك عن أم وابن فالأم تأخذ السدس، لأنها حجبت حجب نقصان.

    قال رحمه الله: [وهذان القسمان يتأتى دخولهما على جميع الورثة].

    كل الورثة يدخل عليهم هذان القسمان: حجب الوصف، وحجب الشخص حجب نقصان، وأما القسم الثالث فهو:

    قال رحمه الله: [ ومحجوب بالشخص حجب حرمان، وهذا يدخل على جميع الورثة إلا الزوجين والأبوين والولدين للصلب، وهذه الجمل قد فصلت ووضحت في المواريث].

    هؤلاء الستة لا يمكن أن يحجبوا أبداً، فالأبوان المباشران أعني: الأم والأب لا يمكن أن يسقطوا، والزوجان لا يمكن أن يسقطوا، والولدان المباشران أي: الابن والبنت لا يمكن أن يسقطوا.