إسلام ويب

شرح الفروق والتقاسيم للسعدي [14]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الإسلام لكل شيء قدراً ومكاناً وحكماً مناسباً له، ففرق بين الخارج من الذكر إلى موجب للغسل وموجب للوضوء، وإلى طاهر ونجس، وفرق في الأحكام المتعلقة بالجنين بحسب اختلاف مراحله، وفرق بين الشهادات بحسب أنواعها وغير ذلك.

    1.   

    تابع الفرق بين الخارج من السبيلين والخارج من دونهما

    قال رحمه الله: [ومن جهة أخرى الخارج من السبيلين ناقض للوضوء مطلقاً، والخارج الكثير النجس غيرهما ناقض أيضاً دون اليسير، وما سوى ذلك فغير ناقض ].

    هذا بالنسبة لنقض الوضوء، فالناقض قسّمه المؤلف رحمه الله إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يكون خارجاً من السبيلين، فهذا ناقض مطلقاً، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم، سواءٌ كان قليلاً أو كثيراً، وسواءٌ كان نجساً أو طاهراً.

    فمثال النجس: قليل البول، أو كثيره نجس كالغائط والدم، ومثال الطاهر: الولد، فلو أن المرأة ولدت ولم ترَ دماً فالولد طاهر، ويجب عليها الوضوء والغسل، وإن لم ترَ الدم، كذلك المني طاهر ويعتبرونه ناقضاً، وسواءٌ كان معتاداً أو غير معتاد.. فالمعتاد كالبول والغائط وغير ذلك، وغير المعتاد كما لو خرج من جوف الإنسان حصاة ونحو ذلك، فهذا غير معتاد.

    وعند الإمام مالك رحمه الله: أن الناقض هو الخارج المعتاد فقط، فليس كل ما خرج من السبيلين ناقضاً، وإنما الخارج المعتاد هو الذي ينقض، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    وعلى هذا فالأحداث الدائمة للإنسان ليست ناقضة، مثل: سلس البول، سلس الغائط، الاستحاضة ونحوها، فإذا توضأ الإنسان ثم خرج منه شيء من هذا لا ينتقض وضوءه حتى يخرج شيء آخر غير هذه الأشياء، فإذا خرج شيءٌ آخر غير هذه الأشياء فإنه ينتقض وضوءه، هذا القسم الأول.

    قال رحمه الله: [الخارج الكثير النجس غيرهما ناقضٌ أيضاً دون اليسير].

    هذا القسم الثاني: إذا كان غير خارج من السبيلين من القُبل والدبر، إن كان غير بول وغائط كالدم والقيء ونحو ذلك، فيقول: إن كان كثيراً فهو ناقض، وإن كان غير كثير فليس ناقضاً.

    والصواب في ذلك: أن الدم الخارج من غير الفرج، والقيء ونحوها ليست ناقضة، وقول المؤلف رحمه الله: [النجس]. يفيد أن الدم الخارج من غير الفرج نجس، وأن القيء نجس. والصواب في ذلك: أن هذه الأشياء طاهرة وليست نجسة.

    قال: [وما سوى ذلك فغير ناقض].

    هذا القسم الثالث: يعني: ما سوى الخارج من السبيلين، وما سوى الكثير النجس كالقيء والدم، فهذا غير ناقض، كالريق، والعرق.

    1.   

    الفرق بين ما يجوز إزالته من شعر الآدمي وما لا يجوز

    قال رحمه الله: [وقسّموا شعور بدن الإنسان إلى ثلاثة أقسام: قسم تحرم إزالته وهو شعر اللحية].

    هذه بالنسبة لأقسام شعور الإنسان من حيث الإزالة، قسمٌ تحرم إزالته وهو شعر اللحية، وهذا ظاهر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أرخو اللحى )، ( أعفوا اللحى )، ( أوفروا اللحى )، ( خالفوا المجوس )، ( خالفوا المشركين ).. وغير ذلك من الروايات.

    فشعر اللحية يحرم على الإنسان أن يزيله، أو أن يأخذ منه؛ لعموم الأدلة.

    قال رحمه الله: [وشعر رأس الأنثى من غير ضرورة].

    أيضاً رأس الأنثى إزالته من غير ضرورة محرم؛ لأن ذلك مثلة، وفيه أيضاً تشبيه لها بالرجل، وقد ورد: ( ليس على النساء حلق، إنما الحلق على الرجال ) يعني: في النسك، فهي ممنوعة من الحلق في النسك؛ لما سلف من المثلة والتشبه بالرجال.

    قال رحمه الله: [وشعر الحاجب وأهداب العينين].

    لحديث ابن مسعود : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لعن النامصة والمتنمصة )، والنمص اختلف العلماء رحمهم الله في تفسيره على قولين:

    القول الأول: أنه نتف شعر الحاجبين خاصة.

    والقول الثاني: أنه نتف شعر الوجه عموماً، سواءٌ كان شعر الحاجبين أو غيرهما، فكون الإنسان ينتف شعر وجهه فهذا داخلٌ في النمص، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه يحرم النمص من شعر الحاجبين، وأهداب العينين لضرورتهما.

    قال رحمه الله: [وقسمٌ يُشرع إزالته وهو شعر الشارب والإبط والعانة].

    قوله: (إزالته) بالنسبة للشارب هذا فيه نظر، بل الشارب لا تشرع إزالته بالكلية، بل يُشرع حف الشارب.

    وقد اختلف العلماء رحمهم الله بالنسبة للشارب: هل الأفضل القص أو الأفضل الحف؟

    القص: هو قص أطرافه حتى تبدو الشفة العليا. والحف: هو المبالغة في قصه من جميع الجوانب، لكن بدون حلق، فيبالغ الإنسان بنهكه بدون حلق، وهذا هو الأفضل.

    وقد ورد القص وورد الحف؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أحفوا الشوارب )، وقال أيضاً: ( خمس من الفطرة )، وذكر منها النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: ( قص الشارب )، لكن الأفضل الحف؛ لأن الإنسان إذا حف شاربه فإنه يدخل في ذلك القص، فيجمع بين القص والحف.

    قال رحمه الله: [وقسمٌ يباح وهو باقي الشعور].

    هذا القسم الثالث، يعني: لو أن الإنسان أزال شعر ساقه أو أزال شعر صدره ونحو ذلك، فإن هذا مباح ولا بأس به ما لم يكن في ذلك تشبهٌ بالمرأة أو يترتب على ذلك محذور شرعي، وإلا فالأصل في ذلك أنه يباح ولا بأس به.

    1.   

    الفرق بين مس المرأة بشهوة وبغير شهوة

    قال رحمه الله: [وفرقوا بين مس المرأة بشهوة وبغير شهوة، فنقضوا بالأول الوضوء وحرموا ذلك على الصائم، وعلى المحرم بحجٍ أو عمرة، بخلاف المس بغير شهوة.. ].

    أيضاً: مس المرأة بالنسبة للشهوة وغيره ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون مسها بشهوة، فهذا على المشهور من المذهب أنه ينقض الوضوء فإذا مس الإنسان امرأته بشهوة نقض الوضوء، والصواب في ذلك: أنه لا ينقض، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

    قال رحمه الله: [وحرّموا ذلك على الصائم، وعلى المحرم بحج أو عمرة بخلاف المس بغير شهوة، وكذلك يحرم مس غير الزوجة والسرية لشهوة].

    المحرم بالحج أو عمرة يحرم عليه أن يمس امرأته بشهوة، أو يمس سُرّيته أي: ملك اليمين بشهوة.

    وكونه يحرم على الصائم أن يمس امرأته بشهوة.. إلخ، هذا فيه نظر، إلا إذا كان يعرف من نفسه أنه سيحصل منه إنزال، فإنه يحرم عليه.

    فمس المرأة بشهوة الصواب: أنه ليس ناقضاً للوضوء، ويحرم على المحرم بحج أو عمرة، وأما الصائم فهذا فيه تفصيل:

    إن كان الإنسان يعرف من نفسه أنه إذا مس امرأته بشهوة سيحصل منه إنزال، فإن هذا محرم ولا يجوز.

    وإن كان لا يعرف من نفسه أنه سيحصل منه إنزال، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    الفرق بين الخارج من الذكر مما هو نجس وما ليس بنجس

    قال رحمه الله: [وفرّقوا بين الخارج من الذكر، منه نجسٌ لا يعفى عن يسيره، ويوجب غسله ونقض الوضوء به وهو البول، ومنه نجسٌ ينقض الوضوء ويجب غسله، وغسل الذكر والأنثيين منه وهو المذي، ومنه طاهرٌ يوجب الغسل وهو المني].

    الخارج من الذكر يقول المؤلف رحمه الله بأنه أقسام:

    القسم الأول: منه نجسٌ لا يُعفى عن يسيره، ويوجب غسله ونقض الوضوء به.

    وهو البول وهذا بالإجماع.

    وقوله: [لا يُعفى عن يسيره]. هذا موضع خلاف، هل يُعفى عن يسير البول أو لا يُعفى عن يسيره؟ وتقدم أن أشرنا أن شيخ الإسلام يرى العفو عن يسير النجاسات، ودليل ذلك أحاديث الاستجمار.

    وقوله: [ويوجب غسله]. ظاهر، فالبول يجب غسله، ونقض الوضوء به، وهذا بالإجماع ما لم يكن سلساً؛ فإنه موضع خلاف: هل السلس ناقض أو ليس ناقضاً؟

    قال: [ومنه نجسٌ ينقض الوضوء ويوجب غسله، وغسل الذكر والأنثيين].

    القسم الثاني: المذي، ينقض الوضوء، هذا ظاهر، ويوجب غسله، وهذا هو المذهب وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المذي طهارته مخففة، لا يجب الغسل وإنما يكفي فيه النضح.

    وقوله: [وغسل الذكر والأنثيين منه]. يعني: إذا خرج من الإنسان مذي فإنه يجب عليه أن يغسل ذكره وأنثييه.

    واستدلوا بأمر النبي عليه الصلاة والسلام من حديث علي بغسل الذكر والأنثيين، وضعف الحديث الوارد في ذلك، والذي ورد غسل الذكر فقط، وهذا ثابت في الصحيح، وأما الذكر والأنثيان فهذا ضعّفه بعض أهل العلم، والأحوط في ذلك غسل الذكر والأنثيين جميعاً؛ لأن المقصود من الغسل هو تخفيف الشهوة، وإذا حصل غسل للذكر والأنثيين جميعاً، حصل تخفيف لهذه الشهوة.

    قال: [ومنه طاهر يوجب الغسل وهو المني].

    المني طاهر ويوجب الغسل، أما البول فتقدم أنه يوجب الوضوء.

    1.   

    الفرق بين نجاسات الأحداث ونجاسات الأخباث

    قال رحمه الله: [وفرّقوا بين نجاسة البدن فأوجبوا لها التيمم عند تعذر غسلها دون نجاسة الثوب والبقعة فليس عنهما تيمم.

    والصحيح: اختيار شيخ الإسلام أن النجاسات كلها لا تيمم عنها، وإنما التيمم عن الأحداث لاستواء النجاسات في عدم ورود النص بها، وقياس بعضها على الحدث دون بعض فيه نظر، وإنما الواجب إزالة النجاسة والبعد عنها بحسب الإمكان، فإذا فعل ذلك فعبادته صحيحة، والله أعلم].

    نجاسة البدن هل يُشرع لها التيمم أو لا يشرع لها التيمم؟

    فلو أن الإنسان على بدنه نجاسة وأراد أن يصلي، ولم يجد ماءاً يزيل به هذه النجاسة، هل يتيمم أو لا يتيمم؟

    المشهور من المذهب أنه يتيمم، يعني: إذا ما استطاع إزالة هذه النجاسة الموجودة على بدنه فإنه يتيمم عنها؛ قياساً لنجاسة الخبث على نجاسة الحدث.

    والرأي الثاني وهو رأي جمهور أهل العلم، وهذا اختيار شيخ الإسلام كما نص عليه المؤلف رحمه الله: أنه لا تيمم عن النجاسات مطلقاً، وهذا القول هو الصواب.

    وعلى هذا نقول: الإنسان إذا كان على بدنه نجاسة فإنه يخففها ما أمكن التخفيف بالتراب، وإذا بقي شيء فإنه لا يتيمم عنها؛ لعدم الدليل؛ لأن الدليل إنما ورد في الحدث فقط.

    1.   

    الفرق بين ما يطهر بالتحلل وما لا يطهر

    قال رحمه الله: [وفرّقوا بين تطهير الخمرة إذا انقلبت خلاً، والعلقة إذا صارت حيواناً طاهراً، والماء المتغير بالنجاسة إذا زال تغيره أنها تطهر بالاستحالة من الخبث إلى الطيب دون غيرها، وشيخ الإسلام يعمم ذلك في كل شيء استحال من الخبث إلى الطيب أنه يطهر، والله أعلم].

    المذهب أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة فلو أن إنساناً عنده نجاسة، كروث حمار..، وأحرقنا روث الحمار هذا وانقلب، واستحال من عين إلى عين أخرى، فاستحال إلى رماد، أو عنده عذرة إنسان وأحرقها فاستحالت من عين إلى عين أخرى، هل يطهر بالاستحالة أو لا يطهر بالاستحالة؟ المذهب أنه لا يطهر، وهو قول جمهور أهل العلم: أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة.

    الرأي الثاني: أنها تطهر بالاستحالة.

    وهذا مذهب الظاهرية، واختيار شيخ الإسلام ، فإذا كان الإنسان عنده روث نجس ثم انقلب إلى عين أخرى طهر، كذلك لو كان عندنا كلب وسقط في مملحة فأصبح ملحاً، فإنه يكون طاهراً.

    ومن قال: النجاسة لا تطهر بالاستحالة، استثنوا من ذلك أشياء منها: الخمرة إذا انقلبت خلاً بنفسها فإنها تطهر بالإجماع. وهذه الصورة الأولى.

    الصورة الثانية: العلقة إذا صارت حيواناً طاهراً، فالعلقة قطعة الدم، تنقلب بإذن الله عز وجل أولاً نطفة، ثم بعد النطفة علقة قطعة دم، والعلقة تنقلب بإذن الله إلى حيوان طاهر، فقالوا: يستحيل من عين إلى عين أخرى، فالعلقة قالوا بأنها نجسة، وقد استحالت إلى عين أخرى فتطهر.

    الصورة الثالثة: [الماء المتغير بالنجاسة إذا زال تغيره] يعني: إذا زال تغيره بنفسه، فإنه يطهر.

    قال رحمه الله: [وشيخ الإسلام يعمم ذلك في كل شيء استحال من الخبث إلى الطيب أنه يطهر، والله أعلم].

    وما ذهب إليه شيخ الإسلام وهو مذهب الظاهرية من أن النجاسة تطهر بالاستحالة هو الصواب.

    1.   

    الفرق في السقط قبل نفخ الروح وبعده

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: أن الجنين له ثلاثة أحكام: حكم يتعلق بنفخ الروح فيه، وهو السقط الذي لا يصلى عليه حتى يتم له أربعة أشهر؛ لأنه ابتدأ نفخ الروح، ومثل ذلك العقيقة لأنه قبل ذلك جماد].

    نقول: الجنين له أقسام:

    القسم الأول: أن يتم له أربعة أشهر، فإذا تم له أربعة أشهر نفخت فيه الروح، فترتب عليه أحكام، من ذلك: يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويقبر في مقابر المسلمين، ويسمى، وتذبح عنه العقيقة، وتجب الكفارة بقتله.. وفيه دية الجنين.

    أما قبل ذلك لو أسقطته قبل نفخ الروح فيه يعني: قبل تمام أربعة أشهر، فهذا لا يغسّل ولا يكفّن، ولا يقبر في مقابر المسلمين، ولا يسمى، ولا يعق عنه، وليس في قتله كفارة.

    لأنه قبل ذلك جماد كما ذكر المؤلف.

    قال رحمه الله: [وحكمٌ يتعلق به إذا ولد حياً حياة صحيحة وهو الميراث وملك المال في وصية ووقف ونحوها].

    القسم الثاني: تم له أربعة أشهر واكتمل حمله، ثم ولد، وبعد أن ولد واستهل صارخاً، يعني: ولد ووجد فيه بعد الولادة علامة من علامات الحياة، فهذا له أحكام أخرى وهي الميراث فيرث.

    فالجنين لا يرث إلا بعد ولادته ووجود علامة من علامات الحياة.

    وأيضاً: يملك المال الموقوف، فلو أن شخصاً وقف عليه فقال: هذه وقف على زيد الحمل، فإذا ولد ووجدت فيه علامة الحياة ملك الوقف، وأيضاً: الوصية فلو أوصي له ببيت أو كتاب ونحو ذلك، فإنه يملك هذه الوصية إذا ولد ووجدت فيه علامة من علامات الحياة.

    قال رحمه الله: [وبقية الأحكام كالنفاس والعدة والاستبراء، وما تصير به أمة أم ولد ونحوها، تتعلق بتخليقه ولو خلقة خفية].

    هذا القسم الثالث وهي أحكام أخرى تتعلق بهذا الجنين إذا ابتدأ خلقه، ومتى يبتدئ خلق الجنين؟ إذا مر على الجنين أربعون يوماً نطفة، ثم يكون مثل ذلك علقة قطعة دم، ثم يكون مثل ذلك مضغة، فبعد الثمانين يبدأ تخليقه.

    لكن كونه يخلق بعد الثمانين مباشرة هذا نادر؛ لأنه مضغة، والمضغة هذه تحتمل التخليق وتحتمل عدم التخليق، فإذا تم له تسعون يوماً فهذا الغالب أنه بدأ تخليقه، وإذا تم له مائة وعشرون يوماً هذا نقطع أنه اكتمل تخليقه؛ لأنه ستنفخ فيه الروح.

    فإذا وجدنا فيه ابتداء التخليق، يعني: تخطيط يد -حتى ولو كان خفياً- أو رجل، أو رأس.. ونحو ذلك، فإنه يترتب عليه أحكام إذا أسقطته أمه، من هذه الأحكام: النفاس، فالمرأة تكون نفاساً بذلك، فإذا ألقت هذه المضغة أو العلقة من الدم ولم يبدأ فيه التخليق لم تكن نفاساً، ويكون الدم الذي معها دم فساد والعدة أيضاً.

    إذا ابتدأ تخليقه تنتهي عدتها؛ لأن عدة الحامل تكون بوضع الحمل، أما إذا كان لم يبدأ تخليقه فلا تخرج من العدة، فلو أن امرأة طُلِّقت أو توفي عنها زوجها وألقت هذه المضغة، وهذه المضغة لم تبدأ التخليق فيها، فإنها لا تخرج من العدة، لكن إذا ابتدأ التخليق فإنها تخرج منها.

    وكذلك أيضاً: الاستبراء، وهذا يتعلق بملك اليمين وبالزوجة الحرة في المواضع التي يقتصر فيه على الاستبراء وغيرهما.

    فاستبراء هؤلاء إن وضع ما تبين فيه خلق إنسان فإنه يكون استبراء، فلو أن إنساناً عنده ملك يمين وهو يطؤها وأراد بيعها وهي حامل، ويوم ما وضعت لم يتبين فيه خلق إنسان، نقول: تبين براءة رحمها، ولو أن زانية أرادت أن تستبرئ نفسها ووضعت ما تبين فيه خلق إنسان فإنها قد حصل لها استبراء، ولها أن تتزوج.

    1.   

    الفرق في تصوير ما له روح وما ليس له روح

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: أن تصوير ذوات الأرواح لا يحل، وتصوير الأشجار والقصور والمراكب ونحوها جائز].

    هذا الفرق يتعلق بالتصوير، يقول المؤلف رحمه الله: التصوير ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: تصوير ذوات الأرواح، فنقول: هذا محرم ولا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( كل مصور في النار؛ يُجعل له بكل صورة صورها يوم القيامة نفساً يُعذَّب بها ).

    القسم الثاني: تصوير ما فيه حياة وليس فيه روح، فهذا جائز ولا بأس به على الصحيح وإن كان موضع خلاف، لكن جمهور أهل العلم على أن تصوير ما فيه حياة، وليس فيه روح جائز ولا بأس به، مثل تصوير الأشجار والزروع، ومنع من ذلك بعض السلف؛ لقول الله عز وجل كما في الحديث القدسي: ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، وليخلقوا شعيرة ) وهذه فيها حياة وليس فيها روح، لكن الصواب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وهو الوارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    القسم الثالث: تصوير ما لا حياة فيه ولا روح، كما قال المؤلف رحمه الله: كالقصور والمراكب ونحوها فإن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    الفرق بين شهادة الشهود في الحدود ونحوها

    قال رحمه الله: [وفرقوا بين المشهود عليه، بين ما يُقبل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين كالأموال ونحوها، وبين ما يُقبل به رجلان فأكثر كالقصاص والحدود غير الزنا، وبين ما يُقبل فيه ثلاثة رجال وهو من ادعى الفقر بعد الغنى ليأخذ من الزكاة ].

    هذا الفرق يتعلق بعدد الشهود، فيقول المؤلف رحمه الله بأنه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: ما يُقبل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين. وهذا فيما يتعلق بالأموال.

    والصحيح أيضاً: أربع نسوة.

    القسم الثاني: [بين ما يُقبل فيه رجلان فأكثر، كالقصاص والحدود غير الزنا].

    القصاص كقتل النفس، والحدود كحد القذف، وعقوبة الشرب، حد السرقة.. إلخ. فلا بد فيهما من رجلين.

    وظاهر كلام المؤلف أن النساء لا يُقبلن في ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم.

    والصواب: أن المرأة كالرجل في ذلك، وخشية نسيان المرأة أو خشية ضلال المرأة عوِّض بأن شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين، فالصواب في ذلك: أن شهادة النساء لها مدخل حتى في الحدود، وفي القصاص، وهذا هو الصواب، وهو مذهب الظاهرية.

    أما حد الزنا فلا بد فيه من أربعة شهود.

    القسم الثالث: [ ما يُقبل فيه ثلاثة رجال وهو من ادعى الفقر بعد الغنى ليأخذ من الزكاة ]، إذا كان الإنسان فقيراً ليأخذ من الزكاة وقد كان غنياً قبل ذلك، فإنه لا بد كما ورد في حديث قبيصة : أن يقوم ثلاثة من أهل الحجا من أهله، فيشهدوا على أن فلاناً أصابته فاقة.

    قال رحمه الله: [وبين ما لا يُقبل فيه إلا أربعة وهو الزنا، وبين ما يُقبل فيه الواحد من رجل أو امرأة وهو شهر رمضان وإخبار الديانات والفتاوى].

    القسم الرابع: ما لا يقبل فيه إلا أربعة وهو الزنا، وسبق الحديث عنه.

    والقسم الخامس: ما يُقبل فيه واحد من رجل أو امرأة، حر أو رقيق كدخول شهر رمضان، وغير ذلك من الإخبارات التي تتعلق بالدِّين: كدخول الوقت، وخروج الوقت، وطهارة الماء، ونجاسة الماء وقربه، وبعده، والقبلة.. إلى آخره. فهذا يُقبل فيه واحد من رجل أو امرأة.

    وكذلك أيضاً نقل الفتوى، هذا يُقبل فيه واحد من رجل أو امرأة.

    قال رحمه الله: [وبين ما تُقبل فيه شهادة امرأة واحدة، وهو ما لا يطلع عليه إلا النساء غالباً].

    هذ القسم السادس: ما يطلع عليه إلا النساء غالباً تُقبل فيه شهادة امرأة واحدة، كالبكارة، والثيوبة، والرضاع إذا شهدت أنها أرضعت، أو أن هذه بكر، أو أنها ثيب فالأشياء التي لا يطّلع عليها إلا النساء غالباً وتكون في معزل من الرجال، فإنه يُقبل فيه شهادة امرأة واحدة فقط، كما مثّلنا.

    قال رحمه الله: [وبين ما يُقبل فيه قول طبيب واحد، أو بيطار واحد، وهو داء الآدمي والدواب ونحوها وذلك بحسب الآثار الواردة في هذا الباب وبحسب الحكم المترتبة على ذلك التحديد والله أعلم].

    القسم الرابع: الآدمي بالنسبة لما يتعلق بدائه ومرضه يقبل فيه قول واحد، فإذا قال الطبيب: هذا المرض يحتاج إلى أن تجلس في الصلاة، أو يحتاج إلى أن تفطر في رمضان، يُقبل قوله، أو قال: هذا المرض مرض مخوف فيما يتعلق بالعطايا فيقبل قوله.

    وأيضاً: البيطار فيما يتعلق بالدواب، إذا قال: هذا مرض يُنقص قيمة الدابة، فإنه يُرجع إلى قوله.

    وأيضاً: القافة يُقبل فيها قول واحد.

    فالأشياء التي تتعلق بالخبرة والعمل والمهنة، يُقبل فيها قول واحد.

    1.   

    صلاة النافلة في أوقات النهي والتفريق بين ذوات الأسباب وغيرها

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة في أوقات النهي عن النوافل كلها إلا سنة الفجر قبلها، وإعادة جماعة أقيمت، وركعتي الطواف، وسنة الظهر إذا جمع، وإذا دخل المسجد والإمام يخطب، وصلاة الجنازة ولو نافلة، واختلف في ذوات الأسباب، فمنهم من منعها وهو المشهور في المذهب، ومنهم من أجازها].

    هذا الفرق يتعلق بأوقات النهي.

    يقول المؤلف رحمه الله: في أوقات النهي يُنهى عن النوافل كلها إلا ما استثني على المذهب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى كما في حديث أبي سعيد ، وحديث عمر ، وحديث أبي هريرة ، وحديث عقبة بن عامر ، وحديث ابن عباس والأحاديث كثيرة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي.

    لكن استثنى المؤلف فقال: [ إلا سنة الفجر قبلها ]. وهذا بناءً على أن النهي يبدأ من طلوع الفجر، فالمذهب أن النهي يبدأ من طلوع الفجر الثاني، إذا قلنا: النهي يبدأ من طلوع الفجر الثاني فإنه يستثنى من النهي سنة الفجر كما في حديث عائشة وحديث حفصة وغيرهما.

    وإذا قلنا: يبدأ من الصلاة كما هو قول الشافعي ، فإنه لا يكون هناك استثناء.

    الثاني: [وإعادة جماعة أقيمت].

    أيضاً: إذا أقيمت وهو في المسجد، فلو أن رجلاً صلى ثم جاء إلى المسجد عصراً، وأقيمت الصلاة وهو في المسجد فإنه يصلي معهم، ما دام أنه لم يقصد الإعادة، وتكون هذه من ذوات الأسباب جائزة.

    ثالثاً: [ركعتي الطواف] فلا بأس، سواء كان يصلي بعد الظهر، أو بعد العصر، أو بعد الفجر أن يصلي ركعتي الطواف، فهذا جائز.

    رابعاً: [سنة الظهر إذا جمع] فلو أن الإنسان جمع لمرض، فصلى الظهر والعصر جمع تقديم، وبعد صلاة العصر دخل وقت النهي، حتى لو فُعلت العصر في وقت الظهر جمع تقديم، فقد دخل وقت النهي فلا يجوز له أن يتنفل، لكن يستثنى من ذلك سنة الظهر البعدية، فلا بأس أن يصليها بعد العصر وتكون مستثناة.

    خامساً: قال: [وإذا دخل المسجد والإمام يخطب] يعني: يوم الجمعة إذا دخل والإمام يخطب فإنه يصلي ركعتين، وقد تكون خطبته في وقت النهي؛ لأنه على المذهب تجوز الجمعة قبل الزوال، فقد يبدأ بالخطبة قبل الزوال، ثم يدخل الإنسان في وقت النهي في وقت الاستواء. فنقول: لا بأس أن تصلي ركعتين.

    سادساً: [وصلاة الجنازة ولو نافلة]، أيضاً الصلاة على الجنازة في الوقتين الطويلين أي: بعد الظهر، وبعد العصر هذا جائز ولا بأس به.

    سابعاً قال: [واختلف في ذوات الأسباب، فمنهم من منعها وهو المشهور في المذهب، ومنهم من أجازها].

    بالنسبة لذوات الأسباب الصواب أنها جائزة مطلقاً في أوقات النهي، ويدخل في ذلك ما ذكره المؤلف مثل: ركعتي الطواف، وتحية المسجد، وإعادة الجماعة، وصلاة الجنازة.. إلى آخره.

    فنقول: الصحيح في ذلك: أن ذوات الأسباب تُشرع في أوقات النهي، والأدلة على ذلك كثيرة، منها: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) وهذا يشمل كل وقت، وأيضاً حديث ابن عمر : ( لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ) فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التحري، وهذا في النافلة مطلقاً.

    أما النافلة ذات السبب فهو لم يتحرها، وإنما فعلها لأجل الشمس، وهذا هو الصواب، ويدخل في ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله، والله أعلم.