إسلام ويب

شرح الفروق والتقاسيم للسعدي [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من التقاسيم البديعة التي تترتب عليها أحكام مختلفة؛ تقسيم كل من التكبيرات في الصلاة، والمرور بين يدي المصلي إلى ثلاثة أقسام، وتقسيم موقف المأموم إلى أربعة أقسام، كما أن من الفروق الصحيحة المؤثرة في الأحكام التفريق بين أصناف الزكاة، وبين الموسر والمعسر في ا

    1.   

    أقسام التكبيرات في الصلاة

    قال رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أن التكبير في الصلاة ثلاثة أقسام:

    قسمٌ ركن: وهي تكبيرة الإحرام، وتكبيرات الجنازة كلها.

    وقسمٌ مستحب: وهي تكبيرة المسبوق الذي أدرك إمامه راكعاً ينبغي له أن يكبّر للركوع.

    والباقي من التكبيرات واجبات يجبرها سجود السهو].

    المؤلف رحمه الله قسّم التكبير في الصلاة إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ركن، وهو تكبيرة الإحرام فقط، ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث المسيء صلاته: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر... ) إلى آخره.

    وتكبيرات الجنازة أيضاً ذكر المؤلف رحمه الله أنها أركان في صلاة الجنازة، ويدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر على النجاشي أربع تكبيرات، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن هذه التكبيرات الأربع تقوم مقام الركعات الأربع في الصلاة، فهي كلها أركان.

    وأيضاً مداومة النبي عليه الصلاة والسلام على هذه التكبيرات وأمره بها، وكذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    القسم الثاني: مستحب، وهذا تكبير المسبوق إذا أدرك الإمام وهو راكع فإنه يستحب له أن يكبّر أولاً للإحرام، ثم بعد ذلك يكبّر للركوع، ولو أنه كبّر تكبيرة واحدة اجتزأ بها عن تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أجزأت، فإذا جاء الإنسان والإمام راكع فله ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكبّر تكبيرتين: تكبيرة للإحرام، وتكبيرة للركوع، وهذا هو الأفضل.

    الحالة الثانية: أن يكبّر تكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرة الإحرام، وهذه تجزئ عن تكبيرة الركوع.

    الحالة الثالثة: أن يكبر تكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرة الركوع، وهذه التكبيرة لا تجزئ عن تكبيرة الإحرام.

    القسم الثالث: تكبير واجب، وهذا هو سائر تكبيرات الانتقال، فإذا ترك شيئاً منها جبره سجود السهو.

    1.   

    الفرق بين أنواع المار بين يدي المصلي

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: أن المار بين يدي المصلي على ثلاثة أقسام: قسمٌ يُبطل الصلاة، وهو الكلب الأسود، وكذلك المرأة، والحمار على الصحيح].

    يقول المؤلف رحمه الله: ما يبطل الصلاة بالنسبة للمار، إذا مر بين يدي المصلي أو بينه وبين سترته ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما يبطل الصلاة، وهو الحمار، والكلب الأسود، والمرأة، والمشهور من المذهب أن الذي يبطل الصلاة هو الكلب الأسود، أما المرأة والحمار فلا تبطل، والصواب أن هذه الأشياء الثلاثة تبطل؛ بدلالة حديث أبي ذر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما على ذلك.

    القسم الثاني: قال رحمه الله: [وقسمٌ ينقص الصلاة ولا يبطلها وهو مرور مَنْ عدا المذكورات].

    يعني: إذا مر رجل أو مرت امرأة غير بالغة، أو مر حيوانٌ غير الكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي، فهذه تنقص الصلاة ولا تبطلها.

    القسم الثالث: قال رحمه الله: [وقسمٌ لا بأس به، وهو المرور بين يدي المصلي عند زحمة الطائفين، والمار بين المصلين في المسجد الحرام].

    يعني: إذا صلى الإنسان في صحن الطواف ومر الناس بين يديه، فإن هذا لا بأس به؛ لأن المكان حقٌ للطائفين.

    وكذلك المشهور من المذهب، أنه لا بأس من المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام، وهذا فيه نظر، والصواب: العموم، أي: أنه لا يجوز المرور بين يدي المصلي لا في المسجد الحرام ولا في غيره؛ لعموم الأدلة، اللهم إلا إذا كان في الزحمة، فموضع الضرورة يقدر بقدره، فإذا كان هناك زحمة فلا بأس، أما إذا لم يكن هناك زحمة فالأصل أنه لا يجوز.

    1.   

    الفرق بين أقسام وقوف المأمومين وراء الإمام

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: قسموا موقف المأموم خلف إمامه إلى أربعة أقسام:

    موقف واجب: وهو وقوف الرجل الواحد، فيجب أن يكون عن يمين الإمام... ]إلى آخره.

    الموقف الأول: موقف واجب، وهو وقوف الرجل الواحد فيجب أن يكون عن يمين الإمام، وهذا على المشهور من المذهب، وعند جمهور أهل العلم أنه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، فلو وقف عن يساره فإن الصلاة صحيحة، وهذا هو الصواب.

    فنقول: لا بأس أن يقف عن يمينه أو عن يساره، لكن الأفضل والأحوط أن يقف عن يمين الإمام.

    قال رحمه الله: [وموقفٌ مستحب وهو وقوف المأمومين اثنين فأكثر خلف الإمام، ووقوف المرأة خلف الرجل].

    الموقف الثاني: موقف مستحب، وهو وقوف المأمومين اثنين فأكثر خلف الإمام، ودليله حديث جابر وجبار : أن النبي عليه الصلاة والسلام ردهما إلى خلفه، وكان في أول الإسلام أنهم إذا كانوا اثنين والإمام هو الثالث أنه يقف في وسطهم، ثم نسخ هذا، وأصبح السنة أن يتقدم الإمام ويتأخر المأمومون إذا كانوا اثنين فأكثر، لكن إن وقفوا عن يمين الإمام وعن يساره صحت الصلاة، مع تركهم السنة والفضيلة.

    وقوله رحمه الله: [ووقوف المرأة خلف الرجل].

    أيضاًهذا هو السنة، يعني: لا تقف عن يمينه، وإنما السنة أن تقف خلفه، حتى ولو كان محرماً لها، فلو صلى الإنسان بأهله فإن السنة أن تكون المرأة خلفه.. وهكذا، ولو وقفت عن يمينه وهي محرم صح وجاز ذلك، لكن السنة أن تقف خلفه، وهذا إذا كانت المرأة مع الرجل.

    أما المرأة مع المرأة فكالرجل مع الرجل.. فتقف المرأة عن يمين المرأة ولا تقف خلفها، ووقوفها خلفها لا يصح، ولو وقفت عن يسارها فيصح عند الجمهور، لكن عند الحنابلة يرون أنه لا يصح.

    الموقف الثالث: قال رحمه الله: [وموقفٌ مباح: وهو وقوف المرأة مع الرجل، ووقوف المأمومين اثنين فأكثر عن يمينه أو عن جانبيه].

    يعني: إذا وقفت المرأة عن يمين الرجل، إذا كان محرماً لها فهذا مباح، والصلاة صحيحة، لكن السنة أن تقف خلفه.

    كذلك بالنسبة للمأمومين إذا وقفوا عن يمينه وعن شماله فإن هذا جائز، وقد أشرت أن هذا كان في أول الإسلام ثم نُسخ، وقد خفي الناسخ على ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فـابن مسعود صلى بين علقمة والأسود ، لكن السنة إذا كانوا ثلاثة أن يتقدم الإمام وأن يتأخر المأمومان.

    قال رحمه الله: [ ووقوفٌ ممنوع وهو وقوف الرجل الواحد خلفه أو خلف الصف مع القدرة على المصافّة، وكذلك على المذهب وقوفه عن يسار إمامه إذا كان وحده، والله أعلم ].

    الوقوف الرابع: وقوفٌ ممنوع، وهو وقوف الرجل الواحد خلف إمامه أو خلف الصف، وهذا ظاهر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا صلاة لمنفرد خلف الصف ).

    فالصلاة خلف الصف يعني: وقوف الرجل خلف الرجل، أو وقوف الرجل خلف الصف منفرداً هذا لا تصح صلاته؛ لحديث وابصة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا صلاة لرجل خلف الصف ).. إلى آخره.

    وقال المؤلف رحمه الله: مع القدرة على المصافّة، وهذا هو المشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما المشهور عن المذهب فإنه لا تصح الصلاة مطلقاً، سواءٌ قدر على المصافة أو لم يقدر على المصافة، فلو كان الصف مكتملاً فإنه لا يصلي خلف الصف بتاتاً على المذهب، وإنما يجترر شخصاً، أو يتقدم ويصلي عن يمين الإمام.. إلى آخره، المهم ألا يصلي خلف الصف.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إنه تسقط المصافّة، وإن كانت واجبة لكنها مع العذر عند اكتمال الصف تسقط، وهذا هو الصواب.

    وكذلك على المذهب يمنع وقوفه عن يسار إمامه إذا كان وحده، وتكلمنا عليه، وقلنا: المذهب أنه لا بد أن يكون الوقوف عن يمين الإمام، ووقوفه عن يساره لا يجزئ، وذكرنا أن رأي جمهور أهل العلم: أنه يجزئ؛ لكنه خلاف السنة، وهذا هو الصواب.

    1.   

    الفرق بين إيجاب الزكاة في بهيمة الأنعام وعدم إيجابه في غيرها من الحيوانات

    قال: [ومن الفروق الصحيحة: تفريق الشارع بين إيجاب الزكاة في الأنعام الثمانية بوجود شروطها؛ لكمالها وكمال منافعها وكثرتها، وبين ما لم يجب فيه زكاة من أنواع الحيوانات كالخيل والبغال والحمير والطيور ونحوها؛ لقلتها غالباً، ولعدم وجود جميع المنافع التي في الأنعام الثمانية، إلا إذا كانت عروض تجارة فحينئذ قد أُعدّت وهيئت للنماء].

    هذا الفرق ذكر فيه المؤلف رحمه الله وجه الحكمة من إيجاب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم، سواءٌ كانت معزاً أو ضأناً، وهذه هي الأصناف الثمانية التي أشار إليها الله عز وجل في سورة الأنعام، فهذه تجب فيها الزكاة بشروطها المعروفة عند العلماء: أن تكون سائمة للحول، يعني: راعية لمباح الحول كله أو أكثر الحول، وأن تكون بالغة للنصاب، وأن تكون متخذة للدر والنسل والتسمين.. إلى آخره.

    فإن كانت عاملة أو تؤجر فهذه ليس فيها زكاة، لكن الزكاة في أجرتها إن كانت تؤجر، إذا حال عليها الحول في العقد، وإذا كانت غير سائمة أي: ليست راعية المباح، وإنما هي معلوفة فهذه ليس فيها زكاة، وكذلك إذا لم تبلغ النصاب فلا زكاة فيها.

    وأما بقية الحيوانات فلا زكاة فيها، يعني: قد يكون إنسان عنده ألف حمامة، وألف دجاجة أعدها لأخذ البيض، أو للنماء، أو مثلاً عنده خيل، أو غزلان أو أرانب أو نحو ذلك، فهذه كلها لا زكاة فيها، ولا تجب زكاة إلا في هذه السائمة: الإبل، والبقر، والغنم معزاً كانت أو ضأناً، وما عدا ذلك لا زكاة فيه.

    يقول المؤلف رحمه الله: [إلا إذا كانت عروض تجارة]. أي: إلا إذا كانت عروض تجارة فإنه تجب فيها الزكاة، مثلاً: الحمام، أو الدجاج، أو الأرانب، أو الحمر، أو الخيل... هذه عروض تجارة، فإنه تجب فيها الزكاة. ووجه الفرق والحكمة من كون الشارع أوجب الزكاة في هذه، ولم يوجب الزكاة في هذه: قال المؤلف رحمه الله: [ لكمالها وكمال منافعها وكثرتها ].

    يعني: وجبت الزكاة في بهيمة الأنعام دون غيرها لكمال منافعها وكثرتها، أما الأخرى فلم تجب فيها لقلتها غالباً، ولعدم وجود المنافع التي في الأنعام الثمانية، إلا إذا كانت عروض تجارة كما سبق. ‏

    1.   

    الفرق بين الحبوب المدخر وما لا يدخر من الفواكه والخضر من حيث إيجاب الزكاة

    قال رحمه الله: [وكذلك التفريق بين ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار المدخرة إذا بلغت نصابها الشرعي؛ لكمال النعمة فيها دون بقية الخضر والفواكه؛ لأنها دون ذلك في كل شيء].

    الزكاة على المذهب تجب في كل مكيل مدخر من الحبوب والثمار، فإذا جمع هذين الوصفين: الكيل، والادخار، فإنه تجب فيه الزكاة.

    وسيدخل في ذلك البر والشعير والأرز والدخن والذرة، وحب الرشاد.. إلى آخره، حتى وإن لم يكن يوزن، فما دام أنه يكال ويقدّر بالكيل؛ بالصاع أو بالمد.. إلى آخره، ويدّخر فإنه تجب فيه الزكاة، وما عدا ذلك مما لا يكال أو لا يدخر مثل: الخضروات على سائر أنواعها، والفواكه على سائر أنواعها فهذه كلها لا زكاة فيها.

    وكانت هذه الأشياء تُزرع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يأخذ الزكاة من هذه الأشياء، أو قدر لها نصاباً، فهذا يدل على عدم الوجوب.

    والحكمة في أن الزكاة تجب فيما كان مكيلاً مدخراً كما هو المذهب، أو ما كان مقتاتاً مدخراً كما قال مالك، والشافعي كما قال المؤلف رحمه الله: هي كمال النعمة في المدخرات والمكيلات، دون الخضار والفواكه فإن النعمة لا تكتمل فيها لعدم ادخارها.

    1.   

    الفرق بين الأمتعة المعدة للتجارة والمعدة للقنية من حيث الزكاة

    قال رحمه الله: [وكذلك التفريق في الأمتعة والأثاثات ونحوها، المعدة للتجارة فتجب فيها الزكاة إذا بلغت قيمتها نصاباً دون الأشياء المعدة للقنية المصروفة عن النماء].

    كذلك أيضاً عروض التجارة، أو نقول: العروض المعدة للتجارة فهذه فيها الزكاة مثل: السيارات، والفرش، والكتب، والمواد الغذائية... إلى آخره.

    فإذا كانت معدة للربح ففيها الزكاة، وإذا لم تكن معدة لذلك فإنه لا زكاة فيها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة )، والإضافة هنا للتمليك والاختصاص، فالأشياء التي يملكها أو يختص بها الإنسان بحيث لم يعدها للتجارة، فإنه لا زكاة فيها.

    ووجه الفرق كما ذكر المؤلف رحمه الله: أن المعدة للتجارة معدة للنماء، وأما التي ليست معدة للتجارة مثل السيارة التي يركبها، والبيت الذي يسكنه... إلى آخره، فهذه ليست معدة للنماء.

    1.   

    الفرق في إيجاب الزكاة بين الديون التي على الموسرين والديون التي على المعسرين

    قال رحمه الله: [وكذلك على الصحيح التفريق بين الديون التي في ذمم الموسرين الباذلين فتجب فيها الزكاة؛ لأنها مالٌ في الحقيقة، وهي في قوة الموجودة عند الإنسان، دون الديون التي في ذمم المعسرين، أو التي لا يقدر على استخراجها فإنها ليست بمنزلة الأموال الحقيقية، ولا تفيد صاحبها ولا تغنيه، فضلاً عن كونها غير نامية].

    أيضاً هذا فرقٌ في الدين، فالدين إذا كان على موسر باذل وجبت فيه الزكاة، وأما إذا كان على معسر أو موسر غير باذل؛ فإنه لا تجب فيه الزكاة.

    ووجه الفرق: أنه إذا كان على موسر باذل فهو في قوة الموجود عند الإنسان، أي: كأنها موجودة عند الإنسان؛ إذا ما رأى أخذها، يذهب ويأخذها، أما إذا كانت على معسر أو على موسر مماطل، فهذه لا تجب فيها الزكاة؛ لأنها ليست بمنزلة الأموال الحقيقية، ولا تزيد صاحبها ولا تغنيه.

    والصواب في مثل هذه الأموال التي على المعسرين أو على موسر مماطل: أنه لا تجب فيها الزكاة إلا مرة واحدة فقط.

    ومثل ذلك أيضاً الأموال الضائعة، والأموال المفقودة، فلو كان للإنسان مال مفقود، أو مال ضائع ثم وجده، أو مال مغصوب، أو مسروق، أو منتهك، أو مختلس ثم خلّصه، فهذا تجب فيه الزكاة مرة واحدة فقط.

    1.   

    الفرق بين من يعطى من الزكاة لحاجته ومن يعطى لحاجة الناس إليه

    قال رحمه الله: [وكذلك التفريق بين من يعطى من الزكاة لحاجته، فلا بد أن يكون فقيراً أو محتاجاً، وبين من يأخذ لحاجة الناس إليه، فيُعطى ولو كان غنياً].

    هذا أيضاً فرق فيما يتعلق بآخذ الزكاة، وأهل الزكاة ثمانية كما نص الله عز وجل عليهم، منهم من يأخذ الزكاة لحاجته، وهذا لا بد أن يكون فقيراً أو محتاجاً مثل: المسكين، والغارم لنفسه.

    ومنهم من يأخذ من الزكاة لحاجة الناس إليه، فهذا لا يُشترط أن يكون فقيراً أو محتاجاً مثل: الغارم لإصلاح ذات البين. فهذا حتى ولو كان غنياً فإنه يعطى من الزكاة؛ لكونه تحمل في ذمته، فهذا يعطى حتى ولو كان غنياً؛ لأنه هنا لا يأخذه لحاجته وإنما لحاجة الناس، ومثل ذلك أيضاً: العامل على الزكاة نعطيه منها ولو كان غنياً، والمجاهد في سبيل الله نعطيه من الزكاة حتى ولو كان غنياً.

    وأيضاً ابن السبيل: المسافر يعطى من الزكاة حتى ولو كان غنياً في بلده، وإنما نعطيه من الزكاة لحاجته، فنشترط أن يكون محتاجاً حال السفر.

    وهكذا المؤلَّف قلبه يُعطى من الزكاة حتى ولو كان غنياً.

    فلا بد لمن يأخذ لحاجته أن يكون فقيراً محتاجاً، ومن يأخذ لحاجة الناس إليه يعطى ولو كان غنياً.

    1.   

    الفرق بين تصرفات المكره بغير حق والمكره بحق

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: التفريق بين تصرفات المكره بغير حق، وأنها غير صحيحة، ولا تفيد ملكاً ولا غيره، والمكره بحق كالذي يُكره على الواجب عليه، فإنه إكراهٌ بحق والتصرف فيه صحيح].

    أيضاً هذا من الفروق الصحيحة، بالنسبة لباب التصرفات هناك فرقٌ بين المكره بحق والمكره بغير حق، فإذا كان الإكراه بغير حق فالتصرف غير صحيح، فلو أن الإنسان أُكره على بيع ماله، وهذا الإكراه بغير حق فنقول: هذا البيع باطل، أو أُكره على تأجير بيته، أو أُكره على عقد الشركة، أو على عقد الضمان.. إلى آخره، فنقول: هذا إكراهٌ باطل غير صحيح.

    القسم الثاني: أن يكون الإكراه بحق، كما لو أُكره الإنسان على بيع ماله لوفاء دينه، أو أكره على بيع ماله للنفقة على أولاده، أو قريبه الذي تجب عليه لهم النفقة، فهنا نقول بأن هذا الإكراه إكراه بحق، فيصح التصرف.

    1.   

    الفرق بين ما يحتاج إلى توفية وما لا يحتاج إليها

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: الفرق بين الداخل في ملكه الذي يحتاج إلى حق توفية، فلا يصح تصرفه فيه كالمكيل، والموزون، والمذروع، والمعدود، والموصوف قبل وجود الكيل، والوزن، والعد، والذرع، والوقوف على الوصف، وبين ما لا يحتاج إلى حق توفية كالمعينات المتميزات فيصح التصرف فيها قبل قبضها].

    هذا أيضاً على المذهب بالنسبة للتصرف في المبيع قبل قبضه، وأعتقد أنا تكلمنا عليه في أحكام البيع، وأنهم فرقوا فقسموا المبيع إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما لا يحتاج إلى توفية، كالذي يبيع جزافاً، كأن تبيع هذه المحركات، أو هذه السيارات، أو هذه الأقمشة، أو المواد الغذائية.. إلى آخره، فهذه لا تحتاج إلى توفية؛ لأنك تراها الآن فيجوز لك أن تتصرف فيها قبل القبض.

    القسم الثاني: ما بيع بوصفٍ أو رؤية متقدمة، فهذا لا يصح التصرف فيه قبل قبضه.

    القسم الثالث: ما يحتاج إلى توفية، كالذي يبيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع، أي أنه يحتاج إلى كيل، ويحتاج إلى وزن وعد، فمثلاً: باعك البر كل صاع بريال، أو باعك هذه المذروعات كل متر بريال.. إلى آخره، فهذه تحتاج إلى توفية.

    وما دامت تحتاج إلى توفية فإنه لا يصح التصرف فيها قبل قبضها.

    والمؤلف رحمه الله مشى على المذهب، لكن الصواب في ذلك: أن كل مبيع قبل قبضه لا يصح التصرف فيه حتى يقبض، إلا أن شيخ الإسلام استثنى مسألتين: إذا باع تورية، أو باع على البائع الأول.

    قال رحمه الله: [وكذلك الضمان وعدمه، فما احتاج إلى حق توفية وتلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع، وكالثمار إذا أصابتها جائحة، والمبيع الذي منعه البائع من القبض بغير حق، فكلها من ضمان البائع، وما عدا ذلك من ضمان المشتري].

    بالنسبة لضمان المبيع قبل قبضه، هل هو من ضمان البائع أم من ضمان المشتري؟

    الأصل أنه من ضمان المشتري؛ لأنه انتقل إليه، والخراج بالضمان، وقد أصبح الآن ملكاً له والخرج بالضمان، إلا أنهم استثنوا من ذلك ما احتاج إلى توفية، يعني: ما بيع بتقدير كالمكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع.

    ثانياً: ما بيع برؤية أو وصف متقدم.

    ثالثاً: الثمر على الشجر.

    فهذه كلها من ضمان البائع، وأضاف المؤلف رحمه الله هنا أمراً رابعاً وهو ظاهر: إذا منع البائع المشتري من قبض المبيع، ثم تلف، فهو الآن متعدٍ مفرّط فيضمن.

    1.   

    الفرق في الأملاك في التعمير بين ما تعلق به حق الغير وما لا يتعلق به

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: التفريق بين الأملاك التي ليست بحيوانات، ولا تعلق بها حق الغير، فلا يُجبر صاحبها على تعميرها، وبين ما تعلق به حق الغير فيجبر على مجاراة شريكه فيه كتعمير المشتركات والحيطان التي بين الجيران ونحوها، فمن امتنع مما يجب عليه من التعمير أُجبر عليه].

    الأملاك إذا كانت مشتركة بين شخصين فهي لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون حيواناً، فهنا يجب على كلٍ من الشريكين النفقة على هذا الحيوان.

    ولو أن أحدهم امتنع من الإنفاق فإنه يُجبر على ذلك، وهذا ظاهر.

    الأمر الثاني: ألا تكون حيواناً مثل: البيوت، والحيطان، فلو أن البيت انهدم، وأحدهم له الدور الأسفل والآخر له الدور العلوي، فلو قال الفوقاني: أنا أحتاج أن أبني، فهل نجبر الأسفل أن يبني لكي يبني الذي فوقه؟ أو جاران بينهما جدار، ثم انهدم هذا الجدار، فهل نجبره على أن يبني أو لا نجبره على أن يبني؟

    المؤلف رحمه الله قسم الأملاك إلى قسمين:

    القسم الأول: الحيوان، وهذا يُجبر على الإنفاق عليه كما مر.

    القسم الثاني: غير الحيوان. مثل العقارات، وقسّمه المؤلف رحمه الله إلى أمرين:

    الأمر الأول: ألا يكون هناك تعلق بحق الغير في هذا العقار، فلا نجبره على بناء حائطه أو بناء بيته لو سقط.

    الأمر الثاني: أن يتعلق به حق الغير، كما مثّلنا: حائط مشترك، أو إنسان يملك نصف هذا البيت وهذا يملك النصف، ثم سقط البيت، فهل نجبرهم على التعمير أو لا نجبرهم على التعمير؟ الأقرب في ذلك أن يقال: إننا نجبره على التعمير بشرط أن يستفيد ولا ضرر عليه؛ لأنه قد يُجبر على التعمير ويتضرر بذلك، كما لو كان لا يساوي شيئاً، أو يجبر على البيع، فإذا كان لا يتضرر؛ بحيث أن هذه الأشياء إذا عمّرها الإنسان يستفيد منها إما بإيجار أو بالبيع.. ونحو ذلك، فإننا نجبره، فنقول: إما أن تعمر، وإما أن تبيع فيشتري شخص ليعمر؛ لكي لا يتضرر صاحب الأعلى.

    1.   

    الفرق بين أفراد العصبة في الولايات المالية وغيرها

    قال: [ومن الفروق الضعيفة: تفريقهم في جميع أبواب الولايات والاستحقاقات أنها لجميع العصبة من القرابات، إلا الولاية المالية؛ فإنها للأب وحده، ثم من بعده تنتقل للحاكم، يقولون: لأن الأموال محل الأطماع فباقي الأولياء يخشى من ولايتهم].

    هذا تفريق جيد يتعلق بباب الولايات.

    يقول: لجميع العصبة من القرابات ولاية النكاح، فيتولى الأصول، وبعد الأصول الفروع، وبعد الفروع الحواشي.

    فيتولى الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الابن وابن الابن وإن نزل، ثم بعد ذلك الحواشي: الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم.. إلى آخره.

    هذا بالنسبة لولاية النكاح، وغيرها كذلك كتولي أمر الميت من التغسيل، والتكفين، والصلاة، ونحو ذلك، فجميع القرابات يتولونه، إلا ما يتعلق بالمال؛ فالصغار والمجانين والسفهاء لا يتولاهم إلا الأب، فإن لم يكن هناك أب فوصيه في النكاح، فإن لم يكن فالحاكم القاضي يتولى أمرهم أو يوكل شخصاً يقوم بالنظر عليهم.

    والمؤلف رحمه الله يقول: بأن هذا فرق ضعيف، كيف نفرّق بين ولاية المال وسائر الولايات؟

    والصواب في ذلك: أن ولاية المال وغيرها من الولايات تكون للقرابات، وأنه لا فرق بين ولاية المال وغيره، والعلة كما يقولون هي أن الأموال محل الأطماع، فباقي الأولياء يخشى من ولايتهم، والصواب في ذلك: أنه لا فرق، وكونه يتولى على صبي يملك ألف ريال أو يملك مائة ريال، فما يتعلق بعقد النكاح أعظم مما يتعلق بالمال؛ لكونه يتولى على هذه المرأة ويقوم بتزويجها، وقد يزوجها على غير كفؤ، نظراً لمصلحته، وغير ذلك.

    والغبن في عقد النكاح لا يساوى بالغبن في المال؛ لأن الغبن في النكاح كما لو زوجت المرأة بغير كفء، أو برجل غير صالح، أو بسيئ الخلق، فهذا الكسر لا يمكن جبره، لكن لو أنه فرّط في هذا المال وخسر فهذا يمكن جبره.

    قال رحمه الله: [والصواب أن هذا الباب كغيره، وإذا شرطنا أن الولي لا بد أن يكون عدلاً مرضياً زال المحذور الذي يُخشى منه، ويقال: ما للأقارب من الحنو والشفقة يقتضي أن ولاية المال كغيرها من الولايات، بل أولى، والله أعلم].

    وهذا هو الصواب: أنه لا فرق بين ولاية المال وسائر الولايات، ونشترط كما قال المؤلف: أن يكون عدلاً مرضياً، قوياً أميناً. فإذا كان أميناً على هذا المال، قوياً على تدبيره وحفظه، أميناً على هذه المرأة، قوياً على تدبيرها فإنه يتولى؛ لقول الله عز وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    1.   

    الفرق في قبول قول الأمين بين دعوى التلف والرد

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: أن قول جميع الأمناء مقبولٌ في دعوى التلف الممكن، وأما مسألة دعوى الرد فمن قبض منهم المال لمصلحة تعود إليه لم يُقبل قوله في الرد إلا ببيّنة، ومن قبض الشيء لمصلحة صاحبه فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، فقوله مقبولٌ بيمينه].

    من الفروق الصحيحة: أن قول جميع الأمناء مقبول في دعوى التلف الممكن.

    ومن هو الأمين؟ هو: كل من قبض المال بإذن صاحبه، مثل: الوديعة على الصحيح، أو بإذن الشارع مثل: مال اليتيم.

    إذا قبضه بإذن الشارع فنقبل قوله في دعوى التلف ما دام أن قوله ممكن، فلو قال: تلف هذا الكتاب، أو تلفت السيارة فإننا نقبل قوله.

    فحكم كلام الأمناء في التلف أنه يُقبل، ولا حاجة إلى يمينه.

    ثانياً: كلامهم في الرد، لو قال: أنا رددت الأمانة، فهنا فرّق المؤلف: فالذي قبض المال لمصلحة صاحبه يُقبل قوله بلا بينة، مثاله لمصلحة صاحبه: الوديعة. فهي قبض المال لمصلحة صاحبها، فإذا قال: رددتها نقبل قوله، وإذا قبض المال لمصلحته مثل: العارية ولو قال: رددت العارية فإننا لا نقبل قوله إلا ببينة.

    والمؤلف رحمه الله هنا مشى على المذهب، والصواب أنه لا فرق، وأنه يُقبل قوله مطلقاً سواءٌ فيما يتعلق بالتلف أو فيما يتعلق بالرد.

    قال رحمه الله: [ ومن ذلك قولهم: من أدى عن غيره ديناً واجباً ناوياً الرجوع، فإنه يرجع، وإن نوى التبرع لم يرجع ].

    من أدى عن غيره ديناً واجباً كأن يقضي عنه ديناً واجباً، أو يدفع ثمن مبيع أو قيمة متلف، أو أنفق على بيته في مدة غيبته. فهذا له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن ينوي التبرع، فهذا لا يجوز له أن يرجع؛ لأن هذا شيءٌ أخرجه لله عز وجل، ومن أخرج شيئاً لله عز وجل فإنه لا يجوز له أن يرجع فيه.

    الحالة الثانية: أن ينوي الرجوع على صاحبه، فمثلاً: كان غائباً فاحتاجوا إلى نفقة فأنفق عليهم بنية أنه إذا رجع صاحب البيت رجع عليه فهنا له أن يرجع.

    الحالة الثالثة: ألا ينوي رجوعاً ولا تبرعاً، فإذا لم ينوِ رجوعاً ولا تبرعاً فهذا موضع خلاف. المذهب أنه لا يرجع، والصواب أنه يرجع.

    1.   

    الفرق بين الإجارة والجعالة

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: تفريقهم بين الإجارة والجعالة: بأن الإجارة عقد لازم على عمل معلوم مع معين، والجعالة عقدها جائز ].

    الفرق من جهة اللزوم وعدمه

    هذا فرق بين باب الإجارة وباب الجعالة، وباب الجعالة أوسع من باب الإجارة.

    مثاله أن يقول: من بنى هذا الحائط فله ألف ريال، ومن نظّف المسجد اليوم فله خمسة ريالات، فقد يأتي زيد، وقد يأتي عمرو فينظّف المسجد ويستحق الجعالة.

    والجعالة من محاسن الشريعة؛ لأن الإنسان يقول: من رد السيارة المغصوبة لي فله ألف ريال، فلو أردت أن تعقد عقداً مع شخص ليرد السيارة المغصوبة لم تجد أحداً، ولو وجدت فإنه لن يدخل في هذه المعاملة إلا بمبلغ كبير؛ لأنه قد لا يتمكن من الرد، ويكون من باب الغرر، لأنه إما غانم أو غارم، أما هنا فتطلق وتقول: من رد اللقطة فله ألف، ومن رد الضالة فله ألف، ومن رد المغصوب فله ألف، فكل من ردها أخذ الجعل.

    والجعالة هي: أن يجعل جعلاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً، مع معين أو مجهول فالمعلوم مثل: تنظيف المسجد، والمجهول مثل رد اللقطة، وقد يجلس يوماً، أو يومين، أو خمسة أيام.. إلى آخره.

    وقد يكون المجاعَل معلوماً وقد يكون مجهولاً.

    أما الإجارة فأمرها ظاهر؛ فإنها تكون على عمل معلوم مع شخص معلوم، أو تكون على مدة.

    والفرق بينهما: أن الإجارة عقد لازم، أما الجعالة: فهي عقد جائز لكل منهما الفسخ، فلو قال: من نظّف هذا المسجد فله مائة ريال. فأراد العامل أن يفسخ فلا بأس، ولو أراد الجاعل أن يفسخ فلا بأس.

    وعندنا قاعدة في العقود الجائزة التي يجوز لكل واحد الفسخ وهي: ألا يترتب على ذلك ضرر، فإن كان يترتب على ذلك ضرر فإن غير المتضرر يكون العقد في حقه لازماً، والمتضرر يكون العقد في حقه جائزاً: له الفسخ.

    الفروق من جهة العلم والجهالة

    قال رحمه الله: [والعمل قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً].

    العمل في الجعالة قد يكون معلوماً وقد يكون مجهولاً، فالمعلوم كأن يقول: من بنى هذا الحائط، أو من أصلح هذا المكيف.

    والمجهول كأن يقول: من رد اللقطة. فهذا مجهول لا ندري كم يستغرق: يوماً، أو يومين، أو أكثر.

    أما العمل في الإجارة فإنه معلوم، كأن تؤاجره على أن يبني هذا الحائط طوله كذا وعرضه كذا، أو تؤاجره على أن ينظف المسجد فهذا معلوم، أما أن تؤاجره على أن يرد اللقطة فإنه يصح؛ لأنه مجهول، لكن في باب الجعالة يصح.

    الفرق من جهة تعيين العامل وعدم تعيينه

    قال رحمه الله: [وتكون مع معيّن ومع غير معين].

    الجعالة تكون مع معين وتكون أيضاً مع غير معين، مع غير معين كأن تقول: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، ومع المعين كأن تقول: نظف المسجد ولك جُعل كذا وكذا، فهذا جائز.

    أما الإجارة فإنها لا تكون إلا مع معيّن، فلا يصح أن تعقد عقد إجارة مع إنسان مجهول.

    الفرق من جهة الجواز على أعمال القرب

    قال: [وأيضاً الجعالة أوسع من الإجارة فتجوز على أعمال القرب دون الإجارة].

    ذكر الفرق الأول: اللزوم وعدمه، الثاني: العلم، الثالث: تعيين العامل. الرابع: أن الجعالة تجوز على أعمال القرب.

    كأن تقول: من صلى إماماً في هذا المسجد لمدة شهر فله ألف ريال، أما أن تؤاجر شخصاً مشارطة على أنه يصلي في هذا المسجد أو يؤذن لمدة شهر بألف ريال، فهذا محرم ولا يجوز.

    ويدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً ).

    فالمؤاجرة على الأذان -المشارطة على الأذان- محرمة ولا تجوز، أما الجعل فهو جائز.

    فأعمال القرب يصح أخذ الجعل عليها، وأما الإجارة فالمؤلف رحمه الله يقول: لا يصح، وهذا على المذهب.

    والصواب أن أعمال القرب يصح أخذ الأجرة عليها إلا فيما استثناه الشارع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله )، لكن الذي استثناه الشارع يمنع منه، مثل الأذان، والإمامة يمنع الأخذ عليها من باب أولى.

    الفرق في شروط استحقاق العوض

    قال رحمه الله: [ولا يستحق العوض في الجعالة حتى يعمل جميع العمل، وأما الإجارة ففيها تفصيل: إن كان المانع من جهة المؤجر فلا شيء له، وإن كان من جهة المستأجر فعليه كل الأجرة ].

    بالنسبة للعوض لا يستحقه العامل في باب الجعالة إلا إذا عمل كل العمل، مثلاً قال: من أدخل هذا الرمل إلى هذا المكان فله مائة ريال، فأدخل النصف ولم يكمل، فقال العامل للجاعل: أعطني نصف المائة، فإنه لا يستحق ذلك. هذا في باب الجعالة.

    أما في باب الأجرة ففيه تفصيل: فإن كان المانع من جهة المؤجر فلا شيء له.

    مثلاً: زيد أجّر عمراً بيته لمدة سنة بعشرة آلاف ريال، فلما مضى خمسة أشهر أخرج المؤجر المستأجر فليس له شيء، يجب أن يوفي بالعقد، وإن كان الترك من جهة المستأجر فعليه كل الأجرة؛ لأن الإجارة عقد لازم، فإذا جلس المستأجر خمسة أشهر ثم خرج، لزمه عشرة آلاف ريال: أجرة سنة كاملة، وباقي المدة تنتفع بها وتؤجرها أنت.

    فإذا جلست في البيت ستة أشهر فبدلاً من أن تدفع ستة أشهر فإنك تؤجرها، فالإجارة عقد لازم، إلا إذا رضي المؤجر أن تدفع نصف الأجرة فالأمر ظاهر، لكن إذا لم يرض فالأصل أنه يجب عليك الأجرة كاملة.

    فالخلاصة: أنه إن كان المنع من قِبل المؤجر فلا شيء له، وإن كان المنع من قِبل المستأجر فعليه الأجرة كاملة. هذا إذا كانت الإجارة على مدة؛ لأن الإجارة إما أن تكون على مدة، أو تكون على عمل.

    قال رحمه الله: [وإن كان بغير ذلك وجب من الأجرة بقدر ما استوفى، والله أعلم].

    يعني: إن كان المنع لا من جهة المؤجر ولا من جهة المستأجر، كأن جلس في البيت ستة أشهر، وبعد أن مضى ستة أشهر جاءت أمطار سقط البيت، فعليه من الأجرة بقدر ما استأجر مدة ستة أشهر، ولا يجب على المؤجر أن يبني البيت لكي يجلس السنة، هذا إذا كانت الأجرة على مدة.

    فإذا كانت الأجرة ليست على مدة، وإنما هي على عمل فكذلك أيضاً، إذا كان المنع من المؤجر كما لو استأجر شخصاً لكي يبني حائطاً، فلما شرع في البناء قال المؤجر: لا تعمل. فعليه الأجرة كاملة، وإن كان من قِبل المستأجَر فلا شيء له، والله أعلم.