إسلام ويب

شرح الفروق والتقاسيم للسعدي [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الفروق الصحيحة: الفرق بين ما لا تصح فيه الوكالة وما تصح فيه، والفرق بين اليمين الذي تحله الكفارة والنذر الذي يجب الوفاء به، والفرق بين إيقاع التحريم على الزوجة بلفظ التحريم أو الظهار أو غيرها، وتحريم غير الزوجة من سرية وطعام وشراب ونحو ذلك.

    1.   

    الفرق بين ما تصح فيه الوكالة وما لا تصح

    قال رحمه الله تعالى: [ومن الفروق الصحيحة: الفرق بين ما لا تصح فيه الوكالة كحقوق الله المحضة، وحق الآدمي الذي يتعين فيه صاحبه، وبين ما تصح فيه الوكالة من حقوق الآدميين وحقوق الله التي تدخلها النيابة، التي القصد الأعظم منها حصولها بقطع النظر عن الفاعل والمباشر، وهذه حكمة بينة واضحة].

    هذا أيضاً من الفروق الصحيحة، وهذه المسألة التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما تدخله النيابة من حقوق الله وحقوق الآدميين، فهذا تصح الوكالة فيه، ويدخل في هذا أشياء كثيرة:

    منها: البيع والشراء تدخله النيابة، وتصح الوكالة فيه.

    وكذلك تصح النيابة والوكالة في: الرهن، والشركة، والمساقاة، والمزارعة، والوصية.. إلى آخره.

    وكذلك الطلاق تدخله النيابة، وما دام أن له أن يطلق زوجته فيملك أيضاً أن ينيب غيره.

    ومنها: تفريق الزكاة تدخله النيابة؛ فله أن يوكّل في ذلك من يفرق زكاة ماله، وله أن يوكل أيضاً من يفرق صدقاته، وله أن يوكل أيضاً من يفرق زكاة بدنه: زكاة الفطر.. إلى آخره.

    فهذه أشياء سواءٌ كانت من حقوق الله أو حقوق الآدميين، تدخلها النيابة فتصح الوكالة فيها.

    القسم الثاني: ما لا تدخله النيابة من حقوق الله وحقوق الآدميين؛ بحيث تكون متعلقة ببدن الشخص وذاته، فهذا لا تصح فيه الوكالة، وهذا أيضاً يدخل فيه أشياء كثيرة:

    منها: الوضوء، لا تدخله النيابة، فلا يصح أن يقول لأحد: توضأ عني؛ لأنه متعلق بذات الشخص.

    ومنها: الغسل، والتيمم، والصلاة، فيجب على الإنسان أن يبادر بهذه الأشياء بنفسه.

    ومنها: الصيام، والاعتكاف، يجب عليه أن يبادرها بنفسه.

    ومنها: الظهار، أيضاً لا تدخله النيابة؛ لأنه متعلق بذات الشخص فلو قال قائل: أنبتك في أن تظاهر من زوجتي! فلا يصح.

    ومنها: الإيلاء، وكذلك اليمين، فلو قال: احلف عني، أو أنبتك أو وكلتك في أن تحلف عني! فهذا لا تدخله النيابة.

    ومنها: القسم بين الزوجات، فلو كان له عدة زوجات وكل زوجة لها حصة من الزمان، فلو قال مثلاً: أنبتك عني في أن تكون في هذا الزمن عند فلانة.. إلى آخره.

    إذاً: هذا متعلق بذات الشخص ولا يدخله النيابة، وهذا القسم الثاني.

    القسم الثالث: ما يدخله النيابة عند العجز، فهذا تصح فيه الوكالة عند العجز، مثل: الحج تصح فيه النيابة عند العجز، سواءٌ كان فرضاً أو تطوعاً على الصحيح، ومثل: العمرة تدخله النيابة عند العجز، سواءٌ كان فرضاً أو تطوعاً على الصحيح.

    1.   

    الفرق بين اليمين والنذر

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الصحيحة: الفرق بين اليمين الذي تحله الكفارة الذي مقصوده الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب ].

    هذا فرقٌ بين اليمين والنذر؛ فاليمين تحله الكفارة، ومن ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1]، وقوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:2]، وإخراج الكفارة قبل الحنث هذا يسمى تحلة، فمثلاً: إذا حلف الإنسان على فعل شيء أو ترك شيء، وأخرج هذه الكفارة قبل أن يفعل هذا الذي حلف على تركه، أو يترك هذا الذي حلف على فعله، فإخراج الكفارة قبل الحنث يسمى تحلة، وإخراجها بعد الحنث يسمى كفارة.

    واليمين هذه لا يجب عليه فيها الحنث، فلو حلف الإنسان على يمين فقال: والله لأتصدقن بهذا الريال، أو والله لأصلين هاتين الركعتين، فيخيَّر بين الفعل وبين أن يكفر كفارة يمين، وأما النذر فإنه يجب الوفاء به إذا نذر طاعة؛ لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) فلو قال: لله عليَّ أن أصلي ركعتين فيجب أن يوفي بذلك، وليس كاليمين.

    الذي تحله الكفارة، أما هذا فلا تحله الكفارة، فيجب عليه أن يوفي به مادام أنه نذر أن يطيع الله.

    والنذر ليس له صيغة محددة، فقد يكون نذراًمؤكداً بيمين، مثل لو قال: إن حصل كذا فوالله لأصومن، فهذا ليس يميناً وإنما هو نذر مؤكد باليمين.

    قال رحمه الله: [ وبين النذر الذي يتعين الوفاء به الذي هو إلزام المكلَّف نفسه طاعة لله مطلقة، أو معلقة على حصول نعمة حصلت أو دفع نقمة اندفعت ].

    يعني: النذر إما أن يكون مطلقاً مثل لو قال: لله عليَّ أن أصلي ركعتين، أو معلقاً على حصول نعمة أو اندفاع نقمة، نحو: إن ولد لي ولد فلله عليَّ أن أصلي ركعتين، فهذا معلق على حصول نعمة، أو قال: إن سلم مالي الغائب فلله عليَّ أن أصلي ركعتين وهذا معلق على اندفاع نقمة، فسواء كان النذر مطلقاً، أو كان معلقاً على حصول نعمة أو اندفاع نقمة، فما دام أنه على طاعة فيجب على الإنسان أن يوفّي به؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) إلى آخره.

    الفرق بين التعليق المحض والتعليق المقصود به اليمين في الطلاق

    قال رحمه الله: [فإن الملزم نفسه طاعة الله لا تبرأ الذمة إلا بأداء هذا الواجب الذي التزمه، فالطاعة فيه مقصودة بخلاف اليمين.

    وبهذا الفرق فرّق شيخ الإسلام بين التعاليق المحضة في الطلاق التي إذا وجدت وقع الطلاق، وبين الطلاق المعلّق على أمر يقصد المنع منه أو الحث عليه، أن الأخير عنده يجري مجرى اليمين لوجود روح اليمين فيه ومعناه، والله أعلم ].

    فرّق شيخ الإسلام بالنسبة لإيقاع الطلاق بين ما إذا كان الطلاق منجزاً، كما إذا قال لزوجته: أنتِ طالق فتطلق، وبين ما إذا كان الطلاق معلقاً مثل: إن ذهبتِ إلى كذا فأنتِ طالق، أو إن لم أذهب إلى كذا فأنتِ طالق، فـشيخ الإسلام يفرّق بين التعليق المحض، والتعليق الذي قصد به اليمين.

    فالتعليق المحض مثل لو قال: إذا دخل هذا الشهر، أو إذا دخل شهر رمضان، أو إذا مضى يوم، أو إذا مضى يومان، فأنت طالق، المهم أنه لم يقصد به الحث ولا المنع ولا التصديق ولا التكذيب، وأما إن قصد الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب فهذا حكمه حكم اليمين، مثلاً: قال: إن خرجتِ اليوم من البيت فأنتِ طالق، فهذا إذا كان قصده المنع فحكمه حكم اليمين، فإن خرجت فعليه كفارة يمين وإن لم تخرج فلا شيء عليه، وإما إن قال: إن خرجتِ من البيت فأنتِ طالق، أو إن ذهبتِ أو إن كلمتِ فلانة فأنتِ طالق، أو إن لم يكن هذا الخبر صدقاً -وأراد التصديق- أو إن لم يكن كذباً -وأراد التكذيب- فأنتِ طالق، فهنا في هذه الحالة ما دام أنه قصد الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، فإذا حنث فلا يقع عليه طلاق، وإنما عليه كفارة يمين.

    أما إذا لم يقصد الحث ولا المنع ولا التصديق ولا التكذيب، وإنما قصد بهذا التعليق إيقاع الطلاق، مثل لو قال: إن خرجتِ فأنتِ طالق، وقصده أنها متى خرجت يقع عليه طلقة، وأنه لا يريدها، وليس قصده مجرد المنع، فهنا يقع عليه طلقة.

    وفرقٌ بين التعليق الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، وبين التعليق المحض، فـشيخ الإسلام يفرّق بينهما، وهذه المسألة من المسائل التي خالف فيها شيخ الإسلام الأئمة الأربعة.

    الأئمة الأربعة قالوا: إذا علّق الطلاق ووجد المعلق عليه فيقع الطلاق، فلو قال: إن خرجتِ من البيت فأنتِ طالق وخرجت طلقت، سواءٌ قصد المنع أو قصد إيقاع الطلاق، ما فيه فرق، وهذا على رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    وشيخ الإسلام له مسائل خالف فيها الأئمة الأربعة جميعاً، وهذه منها، واستدلال شيخ الإسلام بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم جعلوا النذر الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب جعلوه في حكم اليمين، والإنسان مخير بين فعله وبين كفارة يمين فكذلك الطلاق الذي هو مكروه لله عز وجل؛ فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعائشة وأم سلمة وغيرهما قالوا: لليلى بنت العجماء لما قالت لمولاها: كل مال لها هدي، وهي يهودية أو نصرانية إن لم تطلق زوجتك، فأفتوا أن عليها كفارة يمين.

    التفريق بين النذر الجاري مجرى اليمين والنذر الأصيل

    قال رحمه الله: [وبهذا الفرق بعينه فرق الأصحاب بين أنواع النذر الجارية مجرى اليمين كنذر اللجاج والغضب ونحوها، فيكفر كفارة يمين، وبين النذر الأصيل الذي تقصد فيه الطاعة قصد الداخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) فإنه يتعين الوفاء به ولا يجزي عن كفارة ولا غيرها، والله أعلم].

    أيضاً فرق بين النذر غير المعلق وبين النذر المعلّق الذي يُقصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، فالنذر غير المعلّق كما لو قال: لله عليَّ أن أصوم يوماً أو يومين، يجب عليه أن يوفي به؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ).

    القسم الثاني: النذر المعلق الذي قصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، فهذا عليه كفارة يمين، مثل لو قال: إن لم أسافر اليوم إلى مكة فلله عليَّ أن أصوم شهراً، ثم سافر، فنقول: إما أن تصوم شهراً أو تخرج كفارة يمين، والنذر هنا قصد به أن يحث نفسه على السفر، فحكمه حكم اليمين، فما دام أنك ما وفّيت فإما أن تصوم شهراً، وإما أن تكفر كفارة يمين.

    وكذلك أيضاً لو قال: إن سافرت اليوم، أو إن ذهبت اليوم فلله عليَّ صدقة بألف ريال، ويريد أن يمنع نفسه من السفر، فإذا لم يسافر فهنا نقول: أنت مخير إما أن تتصدق، وإما أن تكفر كفارة يمين.. وهكذا.

    1.   

    الفرق بين تحريم الزوجة وتحريم غيرها

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: الفرق بين إيقاع التحريم على الزوجة بلفظ التحريم أو الظهار أو غيرها، ففيه كفارة ظهار، وبين تحريم غيرها من سرية وطعام وشراب وكسوة وتكليم ودخول بيت وغير ذلك، ففيه كفارة يمين؛ لأن معناه معنى اليمين، بل هو يمين بغير لفظ الحلف].

    هذا أيضاً فرقٌ بين تحريم الزوجة وتحريم غير الزوجة، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله كثيراً، فإذا قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام، ففيه قولان للعلماء رحمهم الله:

    المشهور من المذهب أنه إذا قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام فهو ظهار، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    ولو قال: هذا الطعام عليَّ حرام، أو هذا اللباس عليَّ حرام، أو هذا النوم في هذا المكان، أو الركوب على هذه الدابة، أو السفر.. إلى آخره، فهذا حكمه كفارة يمين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في شرب العسل: هو عليّ حرام، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:1-2]، ففرقٌ بين تحريم الزوجة وغيرها، فتحريم الزوجة ظهار، وتحريم غير الزوجة حكمه حكم كفارة اليمين، حتى تحريم الأمة أيضاً، كما لو قال: هذه الأمة عليّ حرام، أو أمتي هذه عليّ حرام.

    وسواء حرّم هكذا، أو من حلف، كقوله: إن فعلت كذا فهذا الطعام عليك حرام، فهي يمين، وعليه كفارة يمين، أما تحريم الزوجة فظهار حتى ولو نوى الطلاق. هذا هو المشهور من المذهب.

    والصواب في ذلك: أن تحريم الزوجة أيضاً لا يكون ظهاراً، بل نقول: إن نوى الطلاق فهو طلاق؛ لأن التحريم من جهة الطلاق، وإن لم ينو الطلاق فهو يمين وعليه كفارة اليمين، فهذا هو الصواب في هذه المسألة؛ لأن الظهار له لفظ خاص، والظهار: أن يشبه أحل الناس له بأحرم الناس عليه، يعني: يقول: أنت عليَّ كظهر أمي، فشبه وطء الزوجة بوطء الأم، فنقول: يكون ظهاراً إذا كان بنص الظهار كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، أو شبهها بمن تحرم عليه على التأبيد ولو كانت غير الأم؛ فإن الزور والمنكر هنا موجود كقوله: أنت عليَّ كظهر أختي، أو قال: وطؤك عليَّ كوطء أختي، جماعك كجماع أختي.. فيشبّه أحل الناس له بأحرم الناس عليه، فهنا يكون ظهاراً، أما مجرد التحريم: أنتِ عليَّ حرام! فهذا لا يكون ظهاراً؛ لأن الزور والمنكر فهو التشبيه الذي استنكره الشارع وأوجب فيه هذه الكفارة المغلظة غير موجودين هنا.

    فالصواب في ذلك: أنه إذا كان بلفظ الظهار أو ما كان بمعناه فهذا تجب فيه كفارة الظهار، أما إذا كان مجرد تحريم فالصواب أن فيه كفارة يمين.

    أما غير الزوجة فتحريم هذه الأشياء فيها كفارة يمين، واختاره ابن عباس سواء كان بلفظ الحلف، يعني: سواءٌ كان تحريماً مطلقاً، أو قصد منه الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، فهذا عليه كفارة يمين.