إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [24]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرعة مشروعة في الإسلام، ويصار إليها لتمييز المستحق من بين أمثاله، ويشترط في اللجوء إليها ألا يترتب على ذلك محظور شرعي، ومن الأحوال التي تكون فيها أن يميز المستحق ابتداء لمبهم غير معين، أو يميز المستحق المعين في نفس الأمر عند اشتباهه، أو يميز المستحق في

    1.   

    القاعدة التاسعة والخمسون بعد المائة: تعارض الأصل والظاهر

    تقدم لنا في القاعدة التاسعة والخمسين بعد المائة فيما إذا تعارض الأصل والظاهر، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أقساماً:

    القسم الأول: أن يكون الظاهر حجةً شرعية، فيعمل به.

    القسم الثاني: أن يضعف الظاهر فيعمل بالأصل.

    القسم الثالث: أن يقوى الظاهر، تقوى القرائن، فيعمل بالقرائن أي بالظاهر.

    القسم الرابع: أن يتساوى الأصل والظاهر

    القسم الرابع والأخير: أن يتساوى الأصل والظاهر، فهنا نُعمل الأصل؛ لأنه الأصل.

    قال رحمه الله: [منها: الماء المسخن بالنجاسة، إذا غلب على الظن وصول الدخان إليه].

    الأصل عدم وصول الدخان إليه، وأنه طاهر، فالأصل الطهارة.

    قال رحمه الله: [وإذا أدخل الكلب رأسه وشك في ولوغه].

    عندنا ظاهر وأصل، فالظاهر أنه ولغ لكونه أدخل رأسه، والأصل عدم ولوغه، فيعمل بالأصل.

    قال رحمه الله: [وطين الشوارع].

    الأصل طهارة هذا الطين، وإن كان الظاهر النجاسة، وخروج مياه الاستنجاء فيها ونحو ذلك، فطين الشوارع هذه عندنا فيها أصل وهي الطهارة، والظاهر فيها هو النجاسة؛ لخروج هذه المياه النجسة ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: [وثياب الكفار وأوانيهم].

    الأصل فيها الطهارة، والظاهر النجاسة؛ لأن الكفار لا يتورعون عن النجاسات.

    قال رحمه الله: [وثياب الصبيان].

    الأصل فيها الطهارة، والظاهر نجاستها؛ لأن الصبي لا يتورع عن النجاسات ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: [وإذا شك في عدد الركعات أو الطواف].

    يعني: إذا شك في عدد الركعات، أو شك في عدد أشواط الطواف، فالمذهب أنه يأخذ باليقين وهو الأقل، والرأي الثاني: أنه يرجع إلى الظن كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن المذهب أنه يُعمل الأصل، فإذا شك هل طاف ثلاثاً أو أربعاً؟ يعمل الأصل وهو أنه طاف ثلاثاً، وإذا شك في الركعات فيعمل بالأصل وأنهن ثلاث.

    1.   

    القاعدة الستون بعد المائة: القرعة مشروعة في تمييز المستحق

    القاعدة الستون بعد المائة وهي القاعدة الأخيرة، قال المؤلف رحمه الله: [تستعمل القرعة في تمييز المستحق ابتداءً لمبهم من غير تعيين عند تساوي أهل الاستحقاق، وتستعمل أيضاً في تمييز المستحق المعين في نفس الأمر عن اشتباهه، والعجز عن الاطلاع عليه، وسواء في ذلك الأموال والأبضاع في ظاهر المذهب... إلى آخره].

    تعريف القرعة ودليل مشروعيتها

    القرعة في اللغة: السهمة، وأما في الاصطلاح: فهي طريق يصار إليه لتمييز المستحق من بين أمثاله.

    وقد جاءت القرعة في القرآن في موضعين: في قول الله عز وجل في شأن مريم : وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44]، وقال في شأن يونس عليه السلام: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141].

    وأما السنة فقد جاءت في عدة أحاديث، منها حديث عائشة وحديث كعب بن مالك وغير ذلك من الأحاديث.

    أقسام القرعة وضوابط كل قسم

    ومؤلف أصل القواعد ابن رجب رحمه الله تعالى حشد كل صور القرعة في هذه القاعدة، واستقرأ الفقه من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الإقرار، وجمع فروع القرعة، والفروع التي قال الفقهاء رحمهم الله: أنها تجرى فيها القرعة.

    القرعة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ألا يترتب عليها محظور شرعي فيصار إلى القرعة، وهذا القسم تحته أنواع ذكرها المؤلف.

    النوع الأول قوله رحمه الله: (في تمييز المستحق ابتداءً لمبهم غير معين).

    هذا الضابط الأول، يصار إلى القرعة في تمييز المستحق ابتداءً لمبهم غير معين.

    ومن أمثلة ذلك: إذا عقد على امرأتين، وزفت إليه المرأتان، فبأيهما يبدأ القسم؟ والقسم حق مبتدأ، فهل يبدأ بهند أو بفاطمة؟ إذا زفت إليه امرأتان وتساويتا في الاستحقاق، فنقول: يجري القرعة.

    الضابط الثاني: قوله: (وتستعمل في تمييز المستحق المعين في نفس الأمر عند اشتباهه، وسواء في ذلك الأموال والأبضاع).

    مثال الأموال: أعتق عبداً من عبيده وجهلنا هذا العبد، فهنا نصير إلى القرعة.

    مثال الأبضاع: طلق زوجةً من زوجاته، ونسي هذه المرأة، فهنا يصير إلى القرعة، ولهذا قال: (سواء كان في الأبضاع أو في الأموال).

    الضابط الثالث قال رحمه الله: [وتستعمل في حقوق الاختصاصات].

    عند التزاحم في الاختصاصات، والمرافق العامة، نصير إلى القرعة، تقدم شخصان للبيع في هذا المكان، ولا يسعهما هذا المكان، فتزاحما فيه، أو للجلوس، أو لإيقاف السيارة، أو للصيد في هذا المكان، أو للاحتشاد أو غير ذلك من المرافق والمختصات، نقول: نصير إلى القرعة، فإن تزاحما ولم يمكن الجمع بينهما، نقول: نصير إلى القرعة.

    قال رحمه الله: [والولايات].

    هذا الضابط الرابع: الولايات الدينية، متى نصير إلى قرعة في الولايات الدينية؟ إذا تشاحَّا في الأذان مثلاً: وكل منهما توفرت فيه الشروط الشرعية في المؤذن، وتشاحَّا فيه، فإنا نصير إلى القرعة، فلو تشاحا في الإمامة، فنصير إلى القرعة، فلو تشاحَّا في الولاية مع التساوي في الولايات الدينية، فنصير إلى القرعة.

    الضابط الخامس: الولايات الدنيوية وهذا الباب واسع، مثل الوظائف ونحو ذلك، فلو تشاحا في هذه الوظيفة وهذه الوظيفة، مع التساوي في الشروط الشرعية، فنقول: نصير إلى القرعة.

    الضابط السادس: الشركات، عند قسمة الشركة، فنعدل مال الشركة بالأنصبة والأجزاء ثم نجري القرعة. مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في أرض، نعدل هذه الأرض، هذا له النصف، وهذا له النصف، أو هذا له الثلث وهذا له الثلث نعدلها، فإن رضي زيد أن يأخذ هذا الجانب، وعمرو أن يأخذ هذا الجانب، فالأمر إليهما، أما إذا لم يرضيا بعد التعديل فإنا نصير إلى القرعة.

    مثلاً: زيد وبكر شريكان في هذه الكتب، أو في هذه الأقلام، نقسم هذه الكتب حسب الأملاك، هذا له الثلث وهذا له الثلثان، إن رضيا هذا له الثلث، وهذا له الثلثان، فالحمد لله، وإلم يرضيا نجري القرعة بعد التعديل.

    هذه الضوابط الست التي يصار فيها إلى القرعة.

    القسم الثاني: لا يصار إلى قرعة إذا ترتب على ذلك محظور شرعي، وذلك في ضابطين:

    الضابط الأول: أن تظهر المصلحة، فلا حاجة للقرعة، مثال ذلك: تشاح رجلان أو رجال في إمامة هذا المسجد، وكل منهم توفرت فيه الشروط الشرعية، كما في الحديث: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً )، أو أقدمهم سناً، توفرت في كل منهم الشروط الشرعية، لكن توليه هذا الرجل لهذا المسجد أصلح من الآخر، فنقول: لا نحتاج إلى القرعة، ما دام أنه ظهرت المصلحة في هذا الشخص دون الآخر.

    الضابط الثاني: أن يترتب على القرعة ميسر فنقول هنا: لا نصير إلى القرعة.

    مثال ذلك: كما قلنا في مسألة الشركة، لم نعدل مال الشركة في الأجزاء والأنصبة حسب الأملاك، وإنما أخذنا جزءاً وجزءاً آخر، ثم قلنا: نجري القرعة، فلا يجوز؛ لأنه يترتب على ذلك ميسر، كل واحد منهم يدخل في هذه القسمة وهو إما ظالم أو غارم، يعني: نحن لم نعدل، هذا له النصف وهذا له النصف، ثم بعد ذلك وضعنا خطاً دون أن يكون هناك تعديل، ربما أن هذا يأخذ نصيبه كاملاً، وربما أنه يأخذ أقل من نصيبه، فنقول هنا: إجراء القرعة، ما دام يترتب عليها ظلم وغرم، فهذا ميسر ولا يجوز.

    الضابط الثالث والأخير: إذا كانت القرعة مصادمة للنص، فنقول: لا تجرى القرعة.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، وأشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

    والحمد لله على التمام في البدء والختام والدوام، ثم الصلاة مع السلام على النبي وآله والتابعين.