إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [21]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز تخصيص العموم بشروط ذكرها العلماء رحمهم الله، وللنية أثر على اللفظ فتخصص العام، وتعمم الخاص، وتقيد المطلق، ويجوز الاستثناء بها ما لم يصرح بالعدد، أما حكم الصور النادرة أو الخاصة فهما خارجتان عن العموم، وإذا اجتمعت المباشرة والتسبب فالضمان على المتسبب.

    1.   

    القاعدة الرابعة والعشرون بعد المائة: العام الوارد على سبب خاص هل يخص به

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الرابعة والعشرون بعد المائة: هل يخص اللفظ العام بسببه الخاص إذا كان السبب هو المقتضي له؟ فيه وجهان:

    أحدهما: لا يخص به، بل يقضي بعموم اللفظ, وهو اختيار القاضي في الخلاف والآمدي وأبي الفتح الحلواني وأبي الخطاب وغيرهم، أخذوه من نص أحمد في رواية علي بن سعيد في من حلف لا يصطاد من نهر لظلم رآه فيه ثم زال الظلم، قال أحمد : النذر يوفى به. وكذلك أخذوه من قاعدة المذهب في من حلف لا يكلم هذا الصبي، فصار شيخًا أنه يحنث بتكليمه تغليبًا للتعيين على الوصف، قالوا: والسبب والقرينة عندنا تعم الخاص ولا تخصص العام.

    والوجه الثاني: لا يحنث, وهو الصحيح عند صاحبي المغني والمحرر, ولكن صاحب المحرر استثنى صورة النهر وما أشبهها، كمن حلف لا يدخل بلدًا لظلم رآه فيه ثم زال, وصاحب المغني عزا الخلاف إليها, ورجحه ابن عقيل في عمد الأدلة, وقال: هو قياس المذهب; لأن المذهب أن الصفة لا تنحل بالفعل حال البينونة; لأن اليمين بمقتضى دلالة الحال تقتضي التخصيص بحالة الزوجية دون غيرها. وكذا جزم به القاضي في موضع من المجرد، واختاره الشيخ تقي الدين , وفرق بينه وبين مسألة النهر المنصوصة بأن نص أحمد إنما هو النذر, والناذر إذا قصد التقرب بنذره لزمه الوفاء مطلقًا كما منع المهاجرون من العود إلى ديارهم التي تركوها لله, وإن زال المعنى الذي تركوها لأجله، فإن ترك شيئًا لله امتنع عليه العود فيه مطلقًا, وإن كان بسبب قد يتغير, ولهذا نهي المتصدق أن يشتري صدقته, وهذا أحسن, وقد يكون جده صاحب المحرر لحظ هذا حيث خص صورة النهر بالحنث مع الإطلاق بخلاف غيرها من الصور، وأما مسألة الحلف على العين الموصوفة بالصفة فإن كان ثَمَّ سببٌ يقتضي اختصاص اليمين بحال بقاء الصفة لم يحنث بالكلام بعد زوالها، صرح به في الكافي والمحرر فهي كمسألتنا, ويتفرع على هذه القاعدة مسائل:

    منها: لو دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى, فهل يحنث بغداء غير ذلك المحلوف بسببه؟ على وجهين، وجزم القاضي في الكفاية وصاحب المحرر بعدم الحنث.

    ومنها: لو حلف لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى فلان القاضي, فعزل فهل تنحل يمينه؟ على وجهين ].

    من القواعد المتعلقة بالعام وتخصيصه القاعدة الرابعة والعشرون بعد المائة، وقد تقدم لنا: أن العام هل يخص بالعادة أو لا يخص؟ وهل يخص بالشرع؟ وكذلك أيضاً هل يخص بالعرف؟ وذكر في هذه القاعدة هل العام يخص بالسبب الخاص به أو لا يُخص به؟

    قوله رحمه الله: (هل يُخص اللفظ العام بسببه الخاص إذا كان السبب هو المقتضي له؟ فيه وجهان).

    معنى هذه القاعدة: أن السبب الخاص يُخص به عموم اللفظ، وقيل: لا يُخص به.

    إذاً: هنا قولان: القول الأول: أنه يُخص به العموم، والقول الثاني: أنه لا يُخص به العموم.

    وهذا الخلاف يتضح بالمثال، مثلاً: لو قالت امرأة لزوجها: تزوجت عليّ؟ فقال: كل امرأة لي فهي طالق، فقوله: كل امرأة لي فهي طالق، هذا عام، وهنا السبب الخاص، فهل تدخل في الحكم؟ أم يخص ولا تدخل في الحكم؟

    إن قلنا بأنه يُخص فلا تطلق، وإن قلنا بأنه لا يُخص فإنها تطلق. إذاً: بقينا في السائلة: هل تدخل في العموم أو نقول: لا تدخل في العموم؟

    إن قلنا: اللفظ العام يُخص به السبب الخاص فلا تطلق، وإن قلنا: لا يُخص به، فتكون داخلة في العموم وتطلق.

    ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: من تزوج امرأة فقيل له: لك غيرها؟ فقال: كل امرأة لي فهي طالق، لم تدخل هذه المرأة.

    ومن الأمثلة ما ذكره المؤلف رحمه الله في قوله: (منها: لو دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدى).

    دُعي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى، وهذا عام يشمل الغداء الذي دُعي إليه وغيره، فلو أكل غير هذا الغداء، هل يحنث أو لا يحنث؟

    إن قلنا بأن اللفظ العام يُخص به السبب الخاص لا يحنث، وإن قلنا لا يُخص به ويبقى على عمومه فإنه يحنث.

    ومثله أيضاً لو أنه قال: (لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى فلان القاضي، فعُزل، فهل تنحل يمينه أو لا تنحل يمينه؟).

    إن قلنا: يُخص به انحلت يمينه، وإن قلنا: لا يُخص به فإنها لا تنحل يمينه، ويشمل هذا القاضي وغيره، وليس خاصاً بهذا القاضي.

    بهذا الكلام في هذه المسألة نتلخص أن المؤلف رحمه الله تعالى لما تكلم عن تخصيص العموم أو العام بالشرع وبالعرف وبالعادة، تكلم عن تخصيص العام بسببه الخاص، وذكر قولين، ثم استطرد المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر بعض المسائل الخارجة عن هذه القاعدة.

    1.   

    القاعدة الخامسة والعشرون بعد المائة: أثر النية على اللفظ

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الخامسة والعشرون بعد المائة: النية تعم الخاص، وتخصص العام بغير خلاف، وهل تقيّد المطلق أو يكون استثناء من النص؟ على وجهين فيهما... إلخ].

    هذه القاعدة في أثر النية على اللفظ، وأن النية لها أثر على اللفظ، فكما ذكر المؤلف أن (النية تعم الخاص)، يعني: تصيّر الخاص عاماً، وتصيّر العام خاصاً، وأيضاً تقيد المطلق، ويصح الاستثناء بها.

    القسم الأول: النية تصير الخاص عاماً

    القسم الأول: أن النية تصيّر الخاص عاماً.

    ومن أمثلته، قال رحمه الله: [لو حلف على زوجته: لا تركتِ الصبي يخرج، فخرج بغير اختيارها، فنص أحمد في رواية مهنا أنه إن نوى ألا يخرج من الباب فخرج فقد حنث]، فالنية الآن جعلت العام خاصاً. هو حلف على زوجته: (لا تركتِ الصبي يخرج، فخرج بغير اختيارها).

    فقوله: (لا تركتِ الصبي يخرج). المقصود هنا: باختيارها، لكن إن نوى ألا يخرج من الباب فخرج، فإنه يشمل اختيارها وعدم اختيارها، أي: مطلق الخروج، وإلا فقوله في أول الأمر: (لا تركت الصبي يخرج)، هذا يفيد الاختيار؛ لأنه أضاف الفعل إليه، والفعل المكره عليه لا يكون داخلاً تحت الاختيار، لكن لما قصد ألا يخرج من الباب فإنه يشمل ما إذا كان اختياراً لها، أو كان بغير اختيار، فالنية هنا جعلت الخاص عاماً.

    قال رحمه الله: [ومنها: لو حلف لا يدخل هذا البيت، يريد هجران قوم، فدخل عليهم بيتاً آخر حنث].

    فاللفظ خاص بالبيت، لكن لما قصد الهجران، فهذه النية عممت اللفظ، فشملت هذا البيت وغيره، مع أن اللفظ خاص بالبيت.

    ومثله أيضاً قال رحمه الله: [حلف لا يغلبه، فأكمه بغير ضرب حنث]، يعني: هو حلف على الضرب، لكن قصده الإيذاء، فالنية عممت.

    القسم الثاني: النية تصير العام خاصاً

    قال رحمه الله: [وأما القسم الثاني]: أن النية تصيّر العام خاصاً.

    مثال ذلك: [ أن يقول: نسائي طوالق]. أي: لو كان له أربع نساء وقال: نسائي طوالق، ونوى بقلبه إلا هنداً، فتطلق نساؤه إلا هنداً لا تطلق، ما لم يصرّح بالعدد، ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ونوى إلا هنداً لم تصح النية؛ لأنه نص على العدد، والنية لا تقوى أن ترفع العدد، يعني: أن اللفظ أقوى من النية.

    ولكن العام يأتي ويراد به الخاص في اللغة العربية، فإذا قال مثلاً: بيوتي وقف، ونوى إلا البيت الذي يسكنه، فالعام هنا صيّرته النية خاصاً.

    ومثاله أيضاً: لو قال: رقيقي أحرار، ونوى إلا زيداً، فيعتق رقيقه إلا زيد.

    القسم الثالث: النية تجعل المطلق مقيداً

    قال رحمه الله: [وأما القسم الثالث] أن النية تجعل المطلق مقيداً، أي: تقيد المطلق.

    قال رحمه الله: [منها: إذا نذر الصدقة بمال، ونوى في نفسه قدراً معيناً فنص أحمد أنه لا يلزم].

    أي: لو نذر وقال: نذرٌ لله أن أتصدق بمرتبي هذا الشهر، ونوى إلا نصفه، إلا مائة ريال أو مائة دينار... إلى آخره، صح ذلك. فالنية هنا جعلت المطلق مقيداً.

    القسم الرابع: الاستثناءات بالنية

    القسم الرابع: الاستثناء بالنية، نقول: الاستثناء بالنية صحيح ما لم يصرح بالعدد.

    قال رحمه الله: [ومنها: لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً ونوى بقلبه إلا واحدة، فهل تلزمه الثلاث في الباطن؟ على وجهين:]

    هنا قال: أنتِ طالق ثلاثاً، نص على العدد، والأصوليون يقولون: إذا نص على العدد فإن النية لا تقوى على رفع اللفظ، لكن لو قال: نسائي طوالق، ونوى إلا هنداً -كما تقدم- صح، أو بيوتي وقف، ونوى إلا البيت الذي يسكنه صح ذلك.

    قال رحمه الله: [تنبيه حسن: فرّق الأصحاب بين الإثبات والنفي في الأيمان وقالوا: في الإثبات لا يتعلق البر إلا بتمام المسمى، وفي الحنث يتعلق ببعضه على الصحيح، وقالوا: الأيمان تُحمل على عرف الامتثال بدون الإثبات بكماله، فأخذ الشيخ تقي الدين .. إلى آخره].

    هذا تفريقٌ بين الإثبات والنفي، ففي الإثبات لا يتعلق البر إلا بتمام المسمى، فمثلاً لو قال: والله لآكلن هذه الخبزة، فلا يبر إلا بأكل جميع الخبزة، ولو أكل بعضها لم يبر، ولكن الحنث لا يتعلق بالجميع، ولكنه يتعلق بالبعض، مثاله: لو قال: والله لا آكل هذه الخبزة فأكل بعضها، يحنث؛ لأن النهي يتعلق بجميع أفراد المنهي عنه.

    والقاعدة في ذلك: أن البر يتعلق بتمام المسمى، وأما الحنث فيتعلق ببعضه.

    1.   

    القاعدة السادسة والعشرون بعد المائة: الصورة النادرة لا تدخل في العموم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة السادسة والعشرون بعد المائة: الصور التي لا تُقصد من العموم عادة إما لندورها أو لاختصاصها بمانع لكن يشملها اللفظ، مع اعتراف المتكلم أنه لم يرد إدخالها فيه، هل يُحكم بدخولها فيها أم لا؟ في المسألة خلاف، ويترجح الدخول في بعض المواضع...] إلى آخره.

    الصور النادرة التي لا تُقصد من العموم عادة، هذه لا تكون داخلة في العموم.

    ومثّل المؤلف رحمه الله تعالى لذلك فقال: [منها: إذا قيل له: تزوجت على امرأتك؟ فقال: كل امرأة لي طالق، هل تطلق زوجته المخاطبة أم لا؟].

    إذا قال: كل امرأة لي طالق، تقدم أنها لا تطلق؛ لأن هذه الصورة خاصة لا تراد في العموم عادة.

    قال رحمه الله: [أو حلف لا يسلم على فلان فسلّم على جماعة فيهم فلان ولم يرده، ففيه روايتان] نقول: لا يحنث؛ لأن هذه الصورة لا تراد عادة، وكذلك أيضاً لما قال: كل امرأة لي طالق لا تطلق زوجته المخاطبة؛ لأنه لا يريدها عادة.

    فالصور التي لا تُقصد بالعموم عادة إما لندرتها أو اختصاصها، فهذه لا تكون داخلة في العموم.

    1.   

    القاعدة السابعة والعشرون بعد المائة: الضمان في المباشرة والسبب

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة السابعة والعشرون: إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب، تعلق الضمان في المباشرة دون السبب... إلخ].

    هذه القاعدة: إذا اجتمع -في الإتلاف للأموال أو النفوس- مباشرٌ ومتسبب، عندنا أصل، والأصل هو: تضمين المباشر، وهذا يكثر في حوادث السيارات، فيوجد مباشر ويوجد متسبب، لكن نقول: الأصل في ذلك هو تضمين المباشر -الذي باشر الجناية- بإتلاف المال أو بإتلاف النفس.

    1.   

    أقسام وصور اجتماع المباشر والمتسبب

    وإذا اجتمع مباشرٌ ومتسبب فقد ذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يجتمع مباشر ومتسبب والمباشرة ليست مبنية على السبب

    القسم الأول: أن يجتمع مباشرٌ ومتسبب، والمباشرة ليست مبنية على السبب.

    فالذي يضمن هنا المباشر، قال رحمه الله: [ومن صور القسم الأول مسائل: منها: إذا حفر واحدٌ بئراً عدواناً، ثم دفع غيره فيها آدمياً معصوماً، أو مالاً لمعصوم فسقط فتلف، فالضمان على الدافع وحده].

    فهنا عندنا مباشر، ومتسبب، والمتسبب هو الذي حفر البئر، فجاء شخص ودفع شخصاً فيها، فهذا مباشر.

    فاجتمع عندنا مباشر ومتسبب، فالضمان يكون على المباشر؛ لأن المباشرة هنا ليست مبنية على السبب، ولا يوجد ارتباط بين الحفر وبين الدفع، فهذا حفر اليوم وبعد أسبوع جاء شخص ودفعه فيها، فنقول: ما دام أن المباشرة ليست مبنية على السبب فالضمان يكون على المباشر.

    قال رحمه الله: [أو أزال رباط مربوط فنفّره آخر].

    حلَّ رباط الحيوان وجاء شخص ونفّره، أو الصيد فتح الباب وجاء شخص ونفّره، فاجتمع عندنا مباشر ومتسبب، فالضمان يكون على المباشر. قال: [فالضمان على المنفّر]. هذا هو القسم الأول.

    القسم الثاني: أن يجتمع مباشر ومتسبب والمباشرة مبنية على السبب

    القسم الثاني: أن تكون المباشرة مبنية على السبب، ولكن لا عدوان فيها، فالذي يضمن المتسبب.

    مثال ذلك: قال المؤلف رحمه الله: [ومن صور القسم الثاني: إذا قدّم إليه طعاماً مسموماً عالماً به، فأكله وهو لا يعلم الحال].

    فالآكل هو الذي باشر الجناية، ولكن هل المباشرة فيها عدوان هنا؟ ليس فيها عدوان، والمباشرة هنا مبنية على السبب، فالضمان هنا يكون على المتسبب، هو الذي قدّم السم، وهذا أكل السم وباشر الأكل، لكنه ليس فيها عدوان، وكان يظنه مباحاً له، وكان يظن أنه فعل ما له فعله، فنقول: الضمان على المتسبب.

    قال رحمه الله: [فالقاتل هو المقدِّم، منها: المكره على إتلاف مال الغير].

    إذا كان المباشر مُكره، والمُكرِه متسبب، فالمباشرة ليس فيها عدوان، مع أن المباشرة مبنية على السبب، إلا أن الضمان يستقل به المتسبب.

    مثال آخر: [أو تسليم الأمانة لغير ربها]، فعندنا مباشر ومتسبب، فالذي سلّم هذا هو الذي باشر وليس فيه عدوان، وكذلك المُكرِه هو المتسبب، فنقول: يستقل السبب.

    القسم الثالث: أن يكون المباشرة مبنية على السبب وفيهما عدوان

    القسم الثالث: أن تكون المباشرة مبنية على السبب، وفيها عدوان، فيشتركان المتسبب والمباشر.

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن صور القسم الثالث: المكره على القتل، والمذهب الاشتراك في القود والضمان].

    إذا أكره زيدٌ عمراً على القتل فقتل، فهنا المباشرة مبنية على السبب، والمباشرة فيها عدوان، إذ ليس لك أن تقتل نفساً؛ فنفسك ليست أولى بالبقاء من نفس المقتول، فهنا يشترك المتسبب والمباشر، والمذهب أن القود على المُكرِه والمُكره.. أي المتسبب والمباشر.

    قال رحمه الله: [والممسك مع القاتل، فإنهما يشتركان في الضمان والقود].

    فلو أن هذا أمسكه وهذا قتله، فنقول: يشتركان في الضمان، فهنا المباشرة مبنية على السبب، وفيها عدوان وظلم فيشتركان في الضمان.

    1.   

    القاعدة الثامنة والعشرون بعد المائة: يختلف حال المضمون في الجناية والسراية

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثامنة والعشرون بعد المائة: إذا اختلفت حال المضمون في حال الجناية والسراية، فهنا أربعة أقسام... إلخ].

    عندنا جناية وعندنا سراية، فالجناية أصل الجناية، والسراية زيادة الجناية.

    ومعنى القاعدة: أن المجني عليه حال الجناية كان في حال، وحال السراية تغيرت حاله، فهل نعتبر حال الجناية أو نعتبر حال السراية؟ نقول: هذا تحته أربعة أحوال:

    المجني عليه حال الجناية والسراية

    القسم الأول: أن يكون مضموناً في الحالين مع تفاوت قدر الضمان فيهما

    قال المؤلف رحمه الله: [أن يكون مضموناً في الحالين، لكن يتفاوت قدر الضمان فيهما، فهل الاعتبار بحال السراية أو حال الجناية؟ على روايتين].

    أي: هو مضمون في حال الجناية وحال السراية، لكن يختلف قدر الضمان.

    قال رحمه الله: [فأما القسم الأول فله أمثلة:

    منها: لو جرح ذمياً فأسلم ثم مات، فلا قود، وهل يجب فيه دية مسلم أو دية ذمي]؟ فلو جرحه وهو ذمي -والذمي مضمون- فأسلم ثم مات، أي: صارت الجناية ومات، فليس فيه قود، لكن هل العبرة بحال الجناية، وحال الجناية هو ذمي؟ أي: هل نقول: اعطنا دية ذمي؟ أم العبرة بحال السراية، -وحال السراية هو مسلم- فنقول: اعطنا دية مسلم.

    قال رحمه الله: (على وجهين) يعني: فيها وجهان.

    الوجه الأول: أن المعتبر حال الجناية، والوجه الثاني: أن المعتبر حال السراية.

    القسم الثاني: أن يكون مهدداً في الحالين

    قال رحمه الله: [والقسم الثاني: أن يكون مهدراً في الحالين].

    ففي حال الجناية مهدر، وفي حال السراية مهدر، وهذا ليس فيه ضمان في الحالين.

    قال رحمه الله: [فمن أمثلته: ما إذا جرح عبداً حربياً ثم عتق ثم مات].

    فهو حربي، والحربي سواءٌ كان رقيقاً أو كان حراً ليس له ضمان، مثاله: جرحه وهو رقيق، ثم أعتقه سيده، ثم مات وهو حر، لكنه لا يزال حربياً. فليس للحربي ضمان، سواءٌ كان حراً أو رقيقاً، نقول: لا ضمان عليه.

    ومثله أيضاً قال رحمه الله: [أو جرح عبداً مرتداً ثم أُعتق ثم مات، فلا ضمان]؛ لأن المرتد الحربي لا يضمن حراً كان أو رقيقاً.

    القسم الثالث: أن تكون الجناية مهدرة والسراية في حال الضمان

    القسم الثالث قال رحمه الله: (أن تكون الجناية مهدرة، والسراية في حال الضمان، فتُهدر تبعاً للجناية بالاتفاق).

    إذا كان في حال الجناية مهدر، وفي حال السراية مضمون، فهل نعتبر حال السراية أو نعتبر حال الجناية؟ فالجواب أننا نعتبر حال الجناية.

    مثاله: قال: [لو جرح] رجل [حربياً ثم أسلم ثم مات]، فالرجل جرح حربياً، فوقت الجناية دمه مهدر، ووقت السراية مضمون، فيقول: السراية تكون تابعة للجناية فدمه مهدر.

    القسم الرابع: أن تكون الجناية في حال الضمان والسراية مهدرة

    قال رحمه الله: [القسم الرابع: أن تكون الجناية في حال الضمان، والسراية في حال الإهدار].

    هذا القسم الرابع عكس القسم الثالث؛ ففي الثالث دمه مهدر في الجناية ومضمون في السراية، وهنا دمه مهدر في السراية ومضمون في الجناية.

    قال رحمه الله: [منها: لو جرح مسلماً أو قطع يده عمداً ثم ارتد، ثم مات، فهل يجب القود في طرفه أم لا؟ على وجهين، المرجح منهما عدمه].

    أي: قطع يده وهو مسلم، ثم ارتد، ثم مات، فقيمة اليد التي قطعت وهو مسلم كانت محترمة، فهل تُضمن أو نقول: لا تُضمن؛ لأن جنايتها صارت الآن؟

    قال رحمه الله: [المرجح عدمه].

    أي أنه لا يُضمن، ما دام أنه قد ارتد، نسأل الله السلامة.

    1.   

    القاعدة التاسعة والعشرون بعد المائة: تغير حال المرمي والرامي

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة التاسعة والعشرون بعد المائة: إذا تغير حال المرمي والرامي...] إلى آخره.

    هذه القاعدة ملحقة بالقاعدة السابقة، وليت المؤلف رحمه الله ألحقها بها، ولو جعلها قسماً واحداً لكان حسناً.

    قوله: [إذا تغير حال المرمي والرامي بين الإصابة والرمي، فهل الاعتبار بحال الإصابة أم بحال الرمي؟]

    أي: عندنا رمي وعندنا إصابة، الرامي تغير، في حال الرمي له حال، وفي حال الإصابة له حال.

    والمرمي تغير كذلك، في حال الرمي له حال، وفي حال الإصابة له حال أخرى، فما المعتبر في ذلك؟

    قال رحمه الله: [يتفرع على ذلك مسائل: منها: لو رمى مسلم ذمياً، أو حرٌ عبداً فلم يقع به السهم حتى أسلم الذمي أو عتق العبد].

    مثاله: عندنا رجل ذمي، في حال الرمي كان ذمياً، وقبل أن يصيبه السهم شهد أن لا إله إلا الله، ثم مات، فهل يجب القود أم لا؟ وهل العبرة بحال الرمي؟

    فإن قلنا: العبرة بحال الرمي عليه فلا يجب عليه القود؛ لأنه رماه على أنه ذمي، وإن قلنا: العبرة بحال الإصابة فعليه القود؛ لأنه أصاب مسلماً، ومثله أيضاً: الحر إذا وجه إليه سهم على أنه رقيق، فالحر عند الجمهور لا يُقتل بالرقيق، وقبل أن يصيبه السهم قال سيده: هو حر، فهل العبرة بحال الرمي أو بحال الإصابة؟ الذي يظهر والله أعلم أن العبرة بحال الرمي؛ لأنه يثبت تبعاً ما يثبت استقلالاً.

    قال رحمه الله: [أو رمى إلى مرتد، أو إلى حربي فأسلما، ثم وصل إليهما السهم فقتلهما فلا قود بلا خلاف].

    أي: رمى على رجل على أنه مرتد، ثم بعد ذلك رجع، أو على أنه حربي ثم أسلم، وأصابه السهم وهو مسلم، فإنه هنا مأذونٌ له، أي: يجوز له أن يضرب الحربي؛ لأنه مأذون له في ذلك، وما ترتب على المأذون مأذون.

    1.   

    القاعدة الثلاثون بعد المائة: الغنى المانع من الزكاة لا يتحقق بالحوائج الأصلية

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثلاثون بعد المائة: المسكن، والخادم، والمركب المحتاج إليه ليس بمال فاضل يمنع أخذ الزكوات، ولا يجب به الحد والكفارات، ولا توفى منه الديون والنفقات].

    معنى هذه القاعدة: أن الحوائج الأصلية التي لا يستغني عنها الإنسان لا تجعل الشخص في مرتبة الغنى، بحيث تمنعه من أخذ الزكاة، وتوفى الحقوق الواجبة عليه منها.

    فمثلاً: قال مما يترتب على هذه القاعدة: (المسكن، والخادم، والمركب المحتاج إليه ليس بمال فاضل يمنع من أخذ الزكوات)، وأن هذا الرجل عنده بيت، وعنده سيارة، وعنده ثلاجة، وعنده غسالة، وليس عنده طعام يأكله، فهل نقول له: بع الثلاجة بالطعام؟ أو نقول: خذ من الزكاة؟

    أولاً: هذه لا نقول بأنها مال فاضل، ولذلك لا نقول له: بع البيت واشتر الطعام، بل نقول: خذ من الزكاة، أيضاً ولا نقول أيضاً: بع الأواني واشتر الطعام، بل نقول: خذ من الزكاة.

    وهل توفى الكفارات منها؟ قال رحمه الله: (ولا يجب به الحد والكفارات). يعني: هل نقول بأن الذي عنده الحوائج الأصلية تجب عليه الكفارة، أو نقول بأنه فقير؟

    نقول بأنه فقير. مثاله: إنسان ليس عنده مال، لكن عنده بيت يسكنه، وسيارة يركبها، وأواني البيت، والثلاجة والغسالة وآلة الطبخ، هذه كلها حوائج أصلية، فهل نقول: تجب عليه الكفارة، أو نقول: لا تجب عليه الكفارة؟ نقول: لابد أن يكون هناك زائد على هذه الحوائج الأصلية.

    أيضاً نقول: هل توفى الديون منها، أو نقول: الديون لا توفى منها؟

    نقول: الديون لا توفى من هذه الأشياء.

    مثاله أيضاً: الحج، هل يجب عليه أن يحج من هذه الأشياء، أو لا يجب عليه؟ نقول: لا يجب عليه؛ لأنه لا بد أن يجد مالاً زائداً على هذه الأشياء.

    1.   

    القاعدة الحادية والثلاثون بعد المائة: الغنى المانع من الزكاة لا يعتبر باكتساب المال بالبضع

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الحادية والثلاثون بعد المائة: القدرة على اكتساب المال بالبضع ليس بغنى معتبر لمنع الزكاة، ووفاء الدين، ووجوب النفقة].

    معنى هذه القاعدة: أن قدرة المرأة على اكتساب المال بالنكاح، هل يُعتبر غنى، أو لا يُعتبر غنى؟

    نقول بأنه لا يُعتبر غنى.

    فمثلاً: امرأة فقيرة، هل لها أن تأخذ الزكاة؟ أو نقول لها: تزوجي، وخذي المهر، ولا تأخذي من الزكاة؟

    نقول: لا يلزم أن تتزوج؛ لأنها لا تريد الزواج، أو قد لا يناسبها هذا الرجل.

    مثال آخر: وفاء الدين، هل نقول: يجب عليها أن تتزوج لكي تأخذ المهر وتوفي الدين الذي عليها، أو نقول: لا يلزمها أن تتزوج؟ نقول: لا يلزمها.

    مثال آخر: وجوب النفقة، هل نقول: يجب عليها أن تتزوج لكي تنفق على أقاربها، أو نقول: لا يجب؟ نقول: لا يجب.

    1.   

    القاعدة الثانية والثلاثون بعد المائة: اكتساب المال بالصناعات هل يعتبر غنى

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثانية والثلاثون بعد المائة: القدرة على اكتساب المال بالصناعات غنى... إلخ].

    هذه القاعدة: إذا كان الرجل يقدر على اكتساب المال بالصناعة -بالحرفة- مثاله: رجل عنده صناعة الأبواب، والصناديق، والكتابة في الحاسب الآلي... إلى آخره، فهل نقول: يجب عليه أن يؤجر نفسه، أو نقول: لا يجب عليه؟ وهل نقول بأن قدرته على اكتساب المال بالصناعة غنى أو نقول بأنها ليست غنى؟

    مسائل حول اكتساب المال بالصناعات

    قال المؤلف رحمه الله: (يترتب عليها مسائل).

    المسألة الأولى: [القدرة على اكتساب المال بالصناعات غنى بالنسبة إلى نفقة النفس، ومن تلزمه نفقته]. فيجب على من لديه حرفة أن يكتسب لكي يأكل، ويجب عليه أن يكتسب لكي يحفظ نفسه من الهلاك، ويجب أيضاً: أن يكتسب لكي ينفق على من تلزمه نفقته من الزوجة والخادم ونحو ذلك.

    المسألة الثانية: هل القدرة على اكتساب المال بالصناعة غنى يمنع من أخذ الزكاة أو لا يمنع من أخذ الزكاة؟

    مثاله: رجل عنده حرفة لكنه فقير ليس عنده شيء، فهل نقول له: اشتغل أو لا بأس أن تأخذ من الزكاة؟

    قال المؤلف رحمه الله: [على وجهين]. والصحيح من المذهب أنه يجب عليه أن يعمل، فالقدرة على اكتساب المال بالصناعة غنى في منعه من أخذ الزكاة.

    المسألة الثالثة: القدرة على اكتساب المال بالصناعة، هل هي غنى توجب الحج أو لا؟

    فالجواب: أنه إن كان بعيداً فهذا ليس غنى، وإن كان قريباً فهو غنى.

    قولنا: إن كان بعيداً أي: لا نقول له اعمل حتى تحصّل المال وتحج، وأما إن كان قريباً، أي: كان شيئاً يسيراً فنقول بأنه غنى.

    المسألة الرابعة والأخيرة: اكتساب المال بالصناعة، هل هو غنى لوفاء الديون أو ليس غنى؟

    المذهب أنه غنى ويجب عليه الاكتساب، مثاله: رجل عنده صنعة وعليه ديون، فنقول له: إن اكتساب المال بالصنعة غنى، ويجب عليك أن تعمل لكي توفي الدين الذي عليك.

    1.   

    القاعدة الثالثة والثلاثون بعد المائة: يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً

    قال المؤلف رحمة الله: [القاعدة الثالثة والثلاثون بعد المائة: يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً... إلخ].

    يعني: أن من المسائل ما يكون لها حكم إذا كانت مستقلة، وحكمٌ آخر إذا كانت تابعة لغيرها، من حيث الحل والحرمة والطهارة والنجاسة.

    فمن الأمثلة على ذلك: التعذيب بالنار لا يجوز؛ لأنه (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، ولكن لو أن شخصاً أحرق أرضه لكي تعود خصوبتها، فهذا يجوز، مع أن فيها حشرات وهوام؛ لكن هنا جاء على وجه التبع، فيثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

    ومثلاً: صلاة المغرب فيها تشهدان، ولكن قد يصلي المرء أربع تشهدات، وجاء هذا على وجه التبع -أي متابعة الإمام- صورة المسالة: أنك تأتي والإمام في التشهد الأول فتجلس معه وتتابعه، ثم يجلس فتجلس معه، فأنت أدركت الآن ركعة وعملت تشهدين، فتقوم وتأتي بركعة وتجلس، ثم تأتي بالثالثة وتجلس فهذه أربع تشهدات، كل ذلك من أجل متابعة الإمام، فيثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

    قال المؤلف رحمه الله: [في هنا مسائل: منها: شهادة النساء بالولادة يثبت بها النسب].

    مع أن النسب لا يثبت إلا برجلين، لكن إذا شهدت النساء على أن هذه المرأة ولدت هذا الولد، فقد نُسب إلى صاحب الفراش تبعاً، مع أن النسب لا يثبت إلا برجلين.

    قال رحمه الله: [وشهادتهن على إسقاط الجنين بالضربة يوجب الغرة].

    أي: إذا شهد النساء على أن هذه المرأة هي التي ضربت تلك المرأة فسقط الجنين منها، فقد وجبت الغرة، مع أن المال يثبت برجل وامرأتين ولا يثبت بنساء، وأنه لا بد مع النساء رجل وهذا على المذهب، أما نساء منفردات فلا يثبت.

    قال رحمه الله: [وشهادة المرأة بالرضاع يُقبل، ويتفرع عليه انفساخ النكاح].

    أي: إذا شهدت امرأة أنها أرضعت رجلاً، وهذه المرأة زوجته فقد فسخ النكاح، مع أن الفسوخ لا تثبت إلا برجلين.

    قال رحمه الله: [وإذا شهد واحد برؤية هلال رمضان، ثم أكملوا العدة ولم يروا الهلال فهل يفطرون أم لا؟ على وجهين].

    فإذا قلنا بأنهم يفطرون خرج الشهر بناءً على رؤية واحد؛ لأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، ولو أخبر واحدٌ بغروب الشمس جاز الفطر؛ بناءً على خبره، أي: تبعاً لخبره.

    قال رحمه الله: [وصلاة التراويح ليلة الغيم تبعاً للصيام]، وعلى المذهب يجب أن يدخل رمضان احتياطاً، وتصلى التراويح تبعاً، فيثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

    1.   

    القاعدة الرابعة والثلاثون بعد المائة: المنع أسهل من الرفع

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الرابعة والثلاثون بعد المائة: المنع أسهل من الرفع، والاستدامة أقوى من الابتداء...] إلى آخره.

    يعني: منع الشيء ابتداءً أسهل من رفعه، فإذا اشتغل أصبح له حكم، وقبل الاشتغال يكون له حكمٌ آخر.

    فقال رحمه الله: [ويتفرع على ذلك مسائل كثيرة جداً، منها: تخمر الخل ابتداءً بأن يوضع فيه خلٌ يمنع من تخمرها مشروع].

    مثاله: أن تضع في الخل ابتداءً ما يمنع الخمر فهذا جائز، ولكن إذا تخمّرت، فلا يصح أن تضع فيها ما يمنع تخمرها، ولا أن تضع فيها ما يخللها فهذا لا يجوز.

    قال رحمه الله: [وذبح الحيوان المأكول يمنع نجاسة لحمه وجلده وهو مشروع، والسفر قبل الشروع في الصيام يبيح الفطر، فلو سافر في أثناء يومٍ من رمضان ففي استباحة الفطر روايتان].

    يعني: قبل الشروع في السفر يجوز لك أن تُفطر، فلو سافرت قبل طلوع الفجر يجوز لك أن تفطر، ولكن بعد طلوع الفجر هل يجوز لك أن تفطر أو لا يجوز؟

    فالجواب أن نقول: إن (المنع أسهل من الرفع)، يعني: قبل الشروع فيه يجوز لك أن تفطر، ولكن لما شرعت فيه فهذا فيه روايتان كما يقول المؤلف، وإن كان الصحيح أنه يجوز لك أن تفطر.

    قال رحمه الله: [واختلاف الدين المانع من النكاح يمنعه ابتداءً، ولا يفسخه في الدوام على الأشهر بل يقف الأمر على انقضاء العدة فيه].

    اختلاف الدين: أي: أن المسلمة لا تتزوج النصراني ابتداءً، ولكن لو ارتد الزوج فهل نبقى على النكاح أو لا نبقى على النكاح؟ هذا متوقف على العدة، وشيخ الإسلام يقول: حتى بعد العدة نبقى على النكاح.

    قال رحمه الله: [والإسلام يمنع ابتداءً الرق ولا يرفعه بعد حصوله].

    يعني: لو أن الرقيق أسلم قبل أن يُضرب عليه الرق، فهذا يمنع استرقاقه، ولكن لو أُسر وضُرب عليه الرق ثم أسلم، فلا يرتفع عنه الرق؛ لأن المنع أسهل من الرفع.

    1.   

    القاعد الخامسة والثلاثون بعد المائة: الملك القاصر ابتداء هل يستباح به الوطء؟

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الخامسة والثلاثون بعد المائة الملك القاصر من ابتدائه لا يستباح به الوطء... إلخ].

    هذه القاعدة الخامسة والثلاثون، والقاعدة السادسة والثلاثون في الوطء.. أي: في وطء الأمة.

    فالأصل هو حل وطء الأمة، قال تعالى: والّذِين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون * إِلّا على أزْواجِهِمْ أوْ ما ملكتْ أيْمانُهُمْ [المؤمنون:5-6]، فهاتان القاعدتان في وطء الأمة والاستمتاع بها، فالأصل حل وطء الأمة، وكذلك الاستمتاع بها.

    1.   

    أنواع القصور في الملك

    قال المؤلف رحمه الله: (الملك القاصر من ابتدائه لا يُستباح به الوطء بخلاف ما إذا كان القصور طارئاً عليه).

    أي: أن الأصل حل وطء الأمة، لكن يمتنع وطء الأمة في الملك القاصر ابتداءً.

    فعندنا قصورٌ مبتدأ، وقصورٌ طارئ، فالذي يمنع من وطء الأمة هو القصور المبتدأ، أما القصور الطارئ: فإنه لا يمنع وطء الأمة.

    النوع الأول: أن يكون القصور في الملك مبتدأ

    قال رحمه الله: [فمن الأولى] أي: القصور المبتدأ: [المشتراة بشرط الخيار في مدة الخيار] فلو اشترى أمة وقال: لي الخيار لمدة ثلاثة أيام، أو قال: هي عندي بالخيار لمدة ثلاثة أيام، فليس له أن يطأها؛ لأن الملك حتى الآن قاصر ولم يتم له، فهنا قصور مبتدأ. قال رحمه الله: [وكذا المشتراة بشرط ألا يبيع ولا يهب، أو إن باعها فالمشتري أحق بها، نص عليه، ونصوصه صريحة بصحة البيع، والشرط، ومنع الوطء].

    فالمشتراة بشرط الخيار في مدة الخيار ليس له أن يطأها، وكذلك المشتراة بشرط ألا يبيعها ولا يهبها، فإن باعها فالمشتري أحق بها. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا توطأ؛ لأن الملك هنا قاصر، وليس تاماً، وما دام أنه قد اشتُرط عليه أنه لا يبيع ولا يهب، لم يملكها ملكاً تاماً، أي: أن ملك التصرف فيها ليس ملكاً تاماً، فليس له الحق في الوطء.

    أما القصور إذا كان طارئاً فإنه يبيح الوطء.

    النوع الثاني: أن يكون القصور في الملك غير مبتدأ

    قال رحمه الله: [ومن الثاني: أم الولد].

    أي: أن أم الولد الملك فيها قاصر، ولكنه ليس مبتدأ، وإنما هو طارئ؛ لأنها الآن انعقد فيها سبب الحرية فله أن يطأها، فله أن يطأ المدبّرة التي عُلِّق عتقها بالموت، وله أن يطأ [المكاتبة، إذا اشترط وطأها في عقد الكتابة، والمؤجرة] له أن يطأها، [والجانية] كذلك.

    قال رحمه الله: [وأما المرهونة فإنما مُنع من وطئها لمنع الراهن من الانتفاع بالرهن بلا إذن ويُفضي إلى استيلادها].

    فعندك: أم الولد، والمدبّرة، والمكاتبة، والمؤجرة، والجانية، فهؤلاء خمس يملك هذه الأشياء، ولكن الملك هنا قاصر؛ لأنه انعقد فيهن أسباب الحرية، فالمدبّرة عُلِّق عتقها بالموت، والمكاتبة اشترت نفسها من سيدها، وأم الولد تعتق بموت سيدها، والمؤجرة منفعتها للمستأجر، والجانية تعلقت برقبتها، فالملك هنا قاصر، فله أن يطأ هذه الأشياء.

    أما المرهونة فلا يملك أن يطأها؛ لأنها تصير أم ولد، وأم الولد ما يمكن بيعها، وحينئذ لا يمكن أن يوفي الدين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.