إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [20]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إطلاق الشركة في العقود والإقرارات والفسوخ ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ فإن كان في العقود فيحمل على المناصفة، أما إن كان في الإقرارات فهو موضع خلاف، والصحيح أنه مبهم، أما في الفسوخ فمثاله في الطلاق لو طلق إحدى زوجاته ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال لزوجته الأخرى: وأنت شري

    1.   

    القاعدة الحادية عشرة بعد المائة: تبعُّض الأحكام لاختلاف الأسباب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الحادية عشرة بعد المائة: إذا كان الواجب بسبب واحد أحد شيئين، فقامت حجة يثبت بها أحدهما دون الآخر، فهل يثبت به أم لا؟ على روايتين، ويتخرج عليها مسائل:

    منها: لو ادعى جراحة عمد على شخص، وأتى بشاهد وامرأتين فهل تلزمه ديتها؟ على روايتين].

    فقد تقدم لنا جملة من القواعد، ومن تلك القواعد قاعدة قبول الدعوى في الوصف، وثبوت الحقوق بالقرائن، وكذلك أيضاً من القواعد التي سبقت لنا أداء الواجب عن الغير من مال الغير، وكذلك أيضاً الواجب بالنذر هل يلحق بالواجب بالشرع، أو يلحق بالمندوب شرعاً؟ وكذلك أيضاً من خير بين شيئين وأتى بنصفيهما، هل يجزئه ذلك أو لا يجزئه؟ وأيضاً ما يتعلق بالمجهولات والمبهمات، ومتى تصح في العقود والفسوخ، ومتى لا تصح؟ هذا كله سبق في القواعد التي مرت بنا.

    قال المؤلف رحمه الله: (القاعدة الحادية عشرة بعد المائة: إذا كان الواجب بسبب واحد أحد شيئين، فقامت حجة يثبت بها أحدهما دون الآخر، فهل يثبت به أم لا؟ على روايتين).

    هذه القاعدة يعبر عنها بعض العلماء بقولهم: تبعض الأحكام لاختلاف الأسباب، فالأحكام تتبعض لاختلاف أسبابها ومواردها، من ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هنا، فقال: (إذا كان الواجب بسبب واحد أحد شيئين، فقامت..) إلخ.

    يعني: عندنا سبب واحد وجب به شيئان، وقامت حجة بأحد الشيئين، فهل يثبت هذا الشيء الذي قامت به الحجة؟ ذكر المؤلف أنه ما دام أن الحجة قامت بأحد الشيئين دون الآخر، فإنه يثبت هذا الشيء، وهذا من باب تبعض الأحكام.

    ومثل المؤلف رحمه الله على ذلك فقال: (لو ادعى جراحة عمد على شخص، وأتى بشاهد وامرأتين، فهل يلزمه ديتها؟ على روايتين).

    جراحة العمد لا بد لها من شاهدين، والقود لا بد له من شاهدين، لكن المال يكتفى له بشاهد وامرأتين، فهنا السبب واحد وهو الجراحة، وهذه الجراحة يثبت بها شيئان: القود والدية، فتعذر القود؛ لأن القود لا بد له من شاهدين ذكرين، لكن المال -الدية- ثبتت حجته فنقول: يثبت المال لقيام حجته، ولا يثبت القود لأن حجته لم تقم، ومثله أيضاً: لو شهد رجل وامرأتان بأن رقيقاً قتل رقيقاً، فيقاد به، فالقتل سبب واحد ويثبت به شيئان: القود والدية، فالقود لا بد له من شاهدين ذكرين، وأما المال فإنه يثبت برجل وامرأتين، فنقول: تثبت قيمة هذا العبد المقتول، لكن بالنسبة للقود لا يثبت، ومثله أيضاً: لو شهد رجل وامرأتان بأن رجلاً قد سرق من الحل، فالسرقة يثبت بها أمران: القطع والمال، فالقطع تعذر؛ لأنه لا بد من ذَكَرين، والمال يثبت برجل وامرأتين، وعلى هذا فقس، وهذا هو تبعض الأحكام لاختلاف الأسباب والموارد.

    1.   

    القاعدة الثانية عشرة بعد المائة: ارتكاب أخف المحرَّمين عند التزاحم

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثانية عشرة بعد المائة: إذا اجتمع للمضطر محرمان كل منهما لا يباح بدون الضرر وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضرراً; لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا تباح, ويتخرج على ذلك مسائل...] إلى آخره.

    هذه قاعدة ارتكاب أخف المحرمين عند التزاحم، أي: إذا تزاحم عند شخص محرمات، ولا بد أن يرتكب أحدهما، فنقول: يقدم أخف المحرمين، والعلة في ذلك قال المؤلف: (لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا تباح)، الزيادة محرمة لا ضرورة إليها فلا تباح.

    وضده تزاحم المفاسد يرتكب الأدنى من المفاسد

    والعلة كما قال المؤلف رحمه الله: (لأن الزيادة) في المحرم الثاني (لا ضرورة إليها، فلا تباح)، (ويتخرج على ذلك مسائل):

    قال رحمه الله: [لو وجد المحرم ميتةً وصيداً].

    هل يأكل من الميتة أو يأكل من الصيد؟ قال رحمه الله: [فإنه يأكل من الميتة]؛ لأن الصيد لو قتله المحرم فهو ميتة، فيجتمع عنده فعل المحرم، والأكل من الميتة، فنقول: يأكل من الميتة؛ لأنه حتى لو قتل المحرمُ الصيد فإنه يسمى ميتة، ولهذا قال الله عز وجل: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95]، فسماه قتلاً، ولم يسمه ذكاةً، فنقول: يأكل الميتة.

    قال رحمه الله: [ويقدم نكاح الإماء على الاستمناء].

    الأمة لا يباح نكاحها إلا بشرطين:

    الشرط الأول: أن يخشى العنت، أي: عنت العزوبة.

    الشرط الثاني: أن لا يجد مهر حرة، فإذا دار الأمر عنده إما أن يتزوج الأمة أو أن يصير إلى الاستمناء، فلا يصير إلى الاستمناء.

    قال رحمه الله: [وإذا وقعت نار في سفينة].

    هم بين أمرين: إما أن يبقوا في السفينة فتأكلهم النار، وإما أن يلقوا بأنفسهم في البحر، فيصيرون إلى أخفهما وهو: أن يبقوا في السفينة، هذا أخف؛ لأنه ربما تنطفئ النار، أما لو ألقوا بأنفسهم في البحر فهو هلاك محقق.

    1.   

    القاعدة الثالثة عشرة بعد المائة: الجملة ذات العدد الموزعة على جملة أخرى هل يتوزع أفرادها على أفراد الأخرى؟

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثالثة عشرة بعد المائة: إذا وجدنا جملةً ذات عدد موزعةً على جملة أخرى, فهل يتوزع أفراد الجمل الموزعة على أفراد الأخرى...] إلى آخره.

    أي: إذا كان عندنا جملة ذات عدد، هل نوزعها على مجموع الجملة الأخرى، أو على كل فرد، بحيث كل فرد من هذه الجملة يقابل كل فرد من الجملة الأخرى؟ هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: توزيع الجملة ذات العدد عند وجود قرينة تدل على التخصيص

    القسم الأول: أن يوجد عندنا جملة ذات عدد موزعة على جملة أخرى ذات عدد، ووجدت قرينة تدل على تخصيص كل فرد من أفراد الجملة الموزعة بفرد من أفراد الجملة الأخرى، فإنه يعمل بهذه القرينة، ونخصص كل فرد من هذه الجملة بالفرد الآخر من الجملة الأخرى التي دلت عليه القرينة.

    مثال ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مثل أن يقول لزوجتيه: إن أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقتان، فإذا أكلت كل واحدة منهما رغيفاً طلقتا]. لأن القرينة دلت على تخصيص كل زوجة برغيف.

    قال رحمه الله: [لاستحالة أكل كل واحدة للرغيفين].

    ومثله أيضاً قال رحمه الله: [أو يقول لعبديه: إن ركبتما، أو لبستما ثوبيكما، أو تقلدتما سيفيكما، أو اعتقلتما رمحيكما، أو دخلتما بزوجتيكما، فأنتما حران].

    فإذا دخل كل واحد من العبدين بزوجته فإنهما يعتقان، فالمقصود هنا أن يدخل كل واحد من العبدين بزوجته؛ لأنه يستحيل أن يدخل العبد الأول بالزوجتين، أو أن يلبس الثوبين، أو أن يتقلد السيفين... إلى آخره، فتلخص من هذا القسم: أنه إذا وجدت قرينة تدل على تخصيص كل فرد من الجملة الموزعة على الجملة الأخرى بكل فرد من الجملة الأخرى فإنه يعمل بهذه القرينة.

    القسم الثاني: توزيع الجملة ذات العدد عند عدم قرينة التخصيص

    القسم الثاني: كالقسم الأول إلا أنه لا قرينة، يقول المؤلف رحمه الله: [والقسم الثاني: ألا يدل دليل على إرادة أحد التوزيعين، فهل يحمل التوزيع عند هذا الإطلاق على الأول أو الثاني؟ في المسألة خلاف، والأشهر: أن يوزع كل فرد من أفراد الجملة على جميع أفراد الجملة الأخرى إذا أمكن].

    يعني: لو وجدنا جملة ذات عدد موزعة على جملة أخرى ذات عدد، ولم يوجد قرينة، فهل نقول بأن الفرد موزع على جميع الأفراد، أو كل فرد يقابل فرداً آخر؟

    يقول رحمه الله: (في المسألة خلاف)، ومثال ذلك: [قول النبي صلى الله عليه وسلم في مسح الخفين: (إني أدخلتهما طاهرتين)]، فإذا قلنا: يقابل كل فرد من الجملة الموزعة بفرد من الجملة الموزعة عليها؛ فيصح أن يغسل رجله ويلبس الخف، كما قال الحنفية وشيخ الإسلام .

    وإذا قلنا: كل فرد من الجملة لابد أن يقابل بمجموع الجملة الأخرى، فلا بد أن يلبسهما على طهارة الرجلين معاً وإلا لم يصح كما هو المذهب.

    قال المؤلف رحمه الله: [ومنها: مسألة مُد عجوة ودرهم، وهي قاعدة عظيمة مستقلة بنفسها ملخصها: إذا باع ربوياً بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه].

    هذه مسألة مد عجوة ودرهم، وهي: مبادلة ربوي بجنسه، مثل: ذهب بذهب، أو دنانير بدنانير، ومع كل واحد منهما من غير جنسهما، كذهبٍ مع تمر، إذا قلنا: مقابلة كل فرد فإنه بفرد فإنه يصح، وإذا قلنا: كل فرد على مجموع الجملة، فلا يصح.

    فالخلاصة في هذه المسألة: إذا كان عندنا جملة ذات عدد موزعة على جملة ذات عدد، فإن دلت القرينة على تخصيص كل فرد بفرد عُمل بالقرينة، وإن لم تدل القرينة على تخصيص كل فرد بفرد، فهذا موضع خلاف.

    1.   

    القاعدة الرابعة عشرة بعد المائة: إطلاق الشركة هل ينزل على المناصفة أم يفتقر إلى تفسير؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الرابعة عشرة بعد المائة: إطلاق الشركة، هل ينزل على المناصفة أم هو مبهم يفتقر إلى تفسير؟...] إلى آخره.

    هذه القاعدة في إطلاق الشركة في العقود والإقرارات والفسوخ، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: إطلاق الشركة في العقود، فيحمل على المناصفة، فمثلاً: لو أنه اشترى سيارةً، وقال لزيد: أشركتك معي في السيارة، فيحمل على المناصفة، أو عقد عقد مضاربة بينه وبين العامل فقال: أنا وأنت شريكان، فيحمل على المناصفة، أي: مناصفة الربح.

    القسم الثاني: في الإقرارات، هل يحمل على المناصفة أم هو مبهم يحتاج إلى تفسير؟ هذا موضع خلاف، والصحيح أنه مبهم، فإذا أقر فقال: زيد شريك، فالصواب أنه مبهم ويحتاج إلى تفسير، ربما أنه شريكه في النصف أو في الربع أو في الخمس أو في غيرها.

    القسم الثالث: في الفسوخ، مثاله: في الطلاق: فلو طلق إحدى زوجاته ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال لزوجته الأخرى: وأنت شريكة لها، فإذا قلنا: يحمل على المناصفة فإنها تطلق طلقتين.

    وإذا قلنا: أنه مبهم تطلق طلقة واحدة.

    ولو قال لزوجته: أنت طالق نصف طلقة أو ثلث طلقة تحسب عليه طلقة كاملة.

    1.   

    القاعدة الخامسة عشرة بعد المائة: في تزاحم الحقوق

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الخامسة عشرة بعد المائة: الحقوق المشتركة بين اثنين فصاعداً نوعان...] إلى آخره.

    هذه القاعدة في التزاحم في الحقوق -كما تقدم لنا التزاحم في المحرمات- وهي تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون صاحب الحق إذا انفرد حاز جميع الحق، وإذا لم ينفرد زاحمه غيره في الحق، وهذا له أمثلة.

    قال المؤلف رحمه الله: [منها: الشفعاء].

    صورة المسألة: هؤلاء خمسة شركاء في أرض، فزيد باع نصيبه على صالح، فالأربعة الشركاء الباقون لهم حق الشفعة، فلو انفرد واحد أخذ جميع الشفعة، لكن لو طالب كل منهم بالشفعة فإنهم يتزاحمون فيها على قدر أملاكهم.

    فإذا انفرد أحدهم بطلب الشفعة فلا بد أن يشفع في كل نصيب؛ لأن هذا فيه ضرر على المشتري، إلا إذا رضي المشتري، وإذا لم ينفرد وشاركه الآخرون في طلب الشفعة فإنهم يزاحمونه.

    قال رحمه الله: [وغرماء المفلس].

    والمفلس: هو الذي دينه أكثر من ماله فحجر عليه، فهذا إذا كان غرماؤه خمسة فإنهم يتزاحمون في ماله.

    لكن لو خرج واحد من الغرماء فقال: أنا لا أريد، أو خرج الغرماء إلا واحداً فإنه يأخذ كل نصيبه، لكن إذا زاحمه غيره فإنهم يتزاحمون ويقسم المال عليهم بالقسط، فيدخل النقص عليهم جميعاً كالعول.

    قال رحمه الله: [والأولياء]، فالأولياء يتزاحمون في عقد النكاح، مثلاً: عندنا سبعة أبناء، أو سبعة إخوة أشقاء فإنهم يتزاحمون، وإذا لم يطالب البقية فإن أحدهم يستقل به إذا طالب، ولنفرض أنهم ثلاثة إخوة أشقاء، كل منهم أراد أن يعقد لهذه المرأة فإنهم يتزاحمون، لكن لو أن الأول والثاني خرجا يبقى حق العقد لمن طلبه.

    قال رحمه الله: [والعصبات]، يتزاحمون في الميراث، فلو هلك هالك عن زوجة وخمسة أبناء، فالزوجة تأخذ الثمن، والأبناء يتزاحمون في الباقي، فلو ترك بعضهم وأخذ البعض الآخر استقل به، لكن لو طالب كل منهم فإنهم يتزاحمون في الميراث.

    قال رحمه الله: [وذوو الفروض]، يتزاحمون، فلو هلك هالك عن أربع زوجات وابن، فإن الزوجات يتزاحمن في الثمن.

    قال رحمه الله: [والوصايا المزدحمة في عين].

    أي: الوصايا لا ينسخ بعضها بعضاً؛ لأنها تبرع بعد الموت، فلو قال مثلاً: أوصيت بهذه السيارة لزيد، قال هذا عام ألف وأربعمائة وعشرين، وفي عام ألف وأربعمائة وخمس وعشرين قال: أوصيت بها لعمرو، ثم في عام ألف وأربعمائة وثلاثين قال: أوصيت بها لبكر، فتكون السيارة للجميع، يتزاحمون فيها.

    قال رحمه الله: [والغانمون]، أيضاً يتزاحمون في الغنيمة.

    قال رحمه الله: [والموقوف عليهم]، فلو قال رجل: هذه المزرعة وقف على طلاب العلم فيتزاحمون فيها.

    القسم الثاني: قال المؤلف رحمه الله: [والثاني: ما يستحق كل واحد من الحق حصةً خاصة] بحيث أنه لو شاركه غيره لم يتغير نصيبه، فيستحق حصة خاصة، وهذا القسم نوعان:

    النوع الأول: تمليك بعوض، قال المؤلف رحمه الله: [مثل: أن يبيع من رجلين عبداً أو عبدين بثمن واحد فيقع الشراء بينهما نصفين]، فهذا الرجل باع عبداً على رجلين، فحصة كل واحد منهما النصف، حتى لو ترك أحدهما البيع فلا يتغير نصيب الآخر.

    النوع الثاني: تمليك بغير عوض، قال المؤلف رحمه الله: [مثل: أن يهب لجماعة شيئاً، أو يملكهم إياه عن زكاة أو كفارة مشاعاً، فقياس كلام الأصحاب في التمليك أنهم يتساوون في ملكه].

    فلو وهب إنسان سيارةً لخمسة، فإنه يملك كل واحد منهم الخمس بالتساوي، ولو أن بعضهم رد هذه الهبة، فلا يتغير نصيب الآخرين حتى لو رد الأول والثاني والثالث والرابع أنصباءهم، فيبقي نصيب الأخير هو الخمس لا يتغير.

    1.   

    القاعدة السادسة عشرة بعد المائة: وقت ثبوت الملك

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة السادسة عشرة بعد المائة: من استند تملكه إلى سبب مستقر لا يمكن إبطاله وتأخر حصول الملك عنه...] إلى آخره.

    هذه القاعدة في وقت ثبوت الملك، فإذا استند الملك إلى سبب، فنقول: متى يثبت الملك؟ هل يثبت الملك وقت انعقاد السبب، أو من حين ثبوت الملك؟ هذه القاعدة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لها قسمين:

    القسم الأول: تأخر ثبوت الملك عن السبب

    القسم الأول: أن يتأخر ثبوت الملك عن السبب، فيعتبر حكم الملك من حين ثبوت الملك، وذكر المؤلف رحمه الله لذلك أمثلة، فقال: [ملك الموصى]، أي: الموصى له، فهل يملك الموصى به عند الموت أو عند القبول؟ عند الموت حصل السبب، ولمَّا قَبِل تم الملك.

    لا إشكال أن القبول لا يكون إلا بعد الملك، فلو أن الموصي مات يوم الثلاثاء والموصى له قَبِل يوم الجمعة، فهل تثبت أحكام الملك يوم الثلاثاء أو يوم الجمعة؟ هذا أراد أن يبينه المؤلف، هل تثبت أحكام الملك من حين وجود السبب، أو أنها تثبت بتمام الملك؟

    إذا قلنا: إنه من حين وجود السبب فما حصل من نماء يكون للموصى له، وإذا قلنا: أحكام الملك ثبتت من حين تمام الملك، فيكون النماء للورثة. هذا الذي أراد المؤلف أن يبينه هنا.

    وهذا الكلام حين تكلم به العلماء صار له ثمرة، أي: أن هذا ليس كلاماً لفظياً لا فائدة فيه، المثال الثاني: قال رحمه الله: [دية المقتول]، هذا مثاله: لو أن رجلاً جُرح يوم الثلاثاء ومات يوم الجمعة، فالسبب حصل يوم الثلاثاء، وتمام ملك الدية يوم الجمعة، فهذه الدية هل نقول: يثبت لها حكم الملك من يوم السبب (الثلاثاء) أو من يوم تمام الملك (الجمعة)؟

    إذا قلنا بأنها من حين تمام الملك فإن الدية تكون للورثة، وإذا قلنا: إنها من حين السبب فإنها تكون للمجروح.

    ويترتب على ذلك مسألة، إذا قلنا: بأنها للمقتول، فيجب أن ننفذ من هذه الدية الوصايا، ويقضى منها ديونه، وإذا قلنا بأن هذا ملك الورثة فلا نقضي منها ديون الميت، ولا ننفذ وصاياه.

    قال رحمه الله: [والفسخ بالعيب والخيار].

    هل الفسخ بالعيب والخيار رفع للعقد من أصله أو من حينه؟ سبب الفسخ وجد عند العقد، وتمام الفسخ لما حصل عيب وفسخ، فإذا قلنا: الفسخ في العيب والخيار رفعٌ لأصل العقد، فيكون النماء للبائع.

    وإذا قلنا أنه ليس رفعاً للأصل، وإنما هو رفع من حين الفسخ، يكون النماء للمشتري.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا انعقد سبب الملك في الحياة وتحقق بعد الوفاة].

    مثاله: رجل نصب شبكةً للصيد، ومات ثم صاد، فهل الصيد هذا يرجع على ملكه أو على ملك الورثة؟

    إذا قلنا بأنه يرجع على ملكه؛ فمال الصيد هذا نقضي منه دينه وننفذ وصاياه، وإذا قلنا بأنه ملك الورثة فلا نقضي منه ديناً ولا ننفذ وصاياه.

    القسم الثاني: العبادات التي يكتفى بحصول بعض شرائطها

    القسم الثاني من أمثلة هذه القاعدة.

    حقيقةً: القسم الثاني من الأمثلة ليس بداخل في هذه القاعدة، لكن المؤلف رحمه الله أتى به تبعاً، فقال: [ويلتحق بهذه القاعدة: العبادات التي يكتفى بحصول بعض شرائطها في أثناء وقتها، إذا وجد الشرط في أثنائها فهل يحكم له بحكم ما اجتمعت شرائطه من ابتدائها أم لا؟ فيه خلاف...].

    من الأمثلة على ذلك، قال رحمه الله: [إذا نوى الصائم المتطوع من أثناء النهار، فهل يحكم له بحكم الصيام من أوله أو من حين نواه، فلا يثاب على صومه إلا من حين النية؟ على وجهين، والثاني: ظاهر كلام أحمد ].

    هذه عبادة اكتفي بحصول بعض الشرائط في وقتها، فالنية: اكتفي بها ولم يكن نوى في أول الوقت، لكن نوى واكتفى في أول الوقت، فهذا كما لو وجدت جميع الشرائط.

    ومثله أيضاً قال رحمه الله: [إذا بلغ الصبي، أو أعتق العبد وهما محرمان قبل فوات وقت الوقوف، فهل يجزئهما عن حجة الإسلام؟ على روايتين، أشهرهما: الإجزاء].

    أي: أن البلوغ لم يحصل إلا في أثناء العبادة، والحرية ما حصلت إلا في أثناء العبادة، فيقول: يجزئ كما لو وجدت جميع الشرائط.

    1.   

    القاعدة السابعة عشرة بعد المائة: المعتبر في العقود والفسوخ المعلقة وأقسامه

    قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة السابعة عشرة بعد المائة: كل عقد معلق يختلف باختلاف الحالين إذا وجد تعليقه في أحدهما ووقوعه في الآخر...] إلى آخره.

    هذه القاعدة في المعتبر في العقود والفسوخ المعلقة.

    الأصل عند جمهور العلماء أن العقود لا يصح تعليقها، بخلاف الفسوخ فإنهم يتوسعون فيها، يقولون: يصح تعليق الفسوخ، فالفسوخ أوسع من العقود، لكن هناك من العقود ما يصح تعليقه، فإذا علقت هذه العقود والفسوخ، فما هو المعتبر في التعليق؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كل عقد معلق يختلف باختلاف الحالين إذا وجد تعليقه في أحدهما ووقوعه في الآخر، فهل يغلب عليه حكم جانب التعليق أو جانب الوقوع).

    يعني: العقود والفسوخ المعلقة، هل نغلب جانب التعليق إذا كانت الأحكام تختلف في حال التعليق وفي حال الوقوع؟ نقول بأنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: العقد الذي يختلف باختلاف حالين ولم يفض أحدهما إلى ممنوع

    القسم الأول: كل عقد معلق يختلف باختلاف حالين: حال الوقوع، وحال التعليق، ولم يفض أحدهما إلى ممنوع شرعاً؛ فالمعتبر هو حال الوقوع، مثال ذلك: لو علق طلاق زوجته على صفة، ثم وجدت هذه الصفة في مرض موته، مثلاً قال: إن كلمتِ زيداً فأنت طالق، ثم كلمت زيداً وهو مريض مرض الموت، فإذا قلنا: المعتبر حال التعليق لا ترث، وإذا قلنا: المعتبر حال الوقوع ترث؛ لأنه يعتبر طلقها في مرض موته، فيعامل بنقيض قصده؛ لأنه يكون متهماً بحرمانها من الإرث.

    مثال آخر، كذلك أيضاً قال المؤلف رحمه الله: [ومنها: إذا علق عتق عبده في صحته بشرط فوجب في مرضه، فهل يعتق من الثلث أو من رأس المال؟].

    إذا قال لعبده: إذا كلمت زيداً فأنت حر، فكلمه وهو مريض مرض الموت، فإذا قلنا: المعتبر حال التعليق، فيعتق من جميع المال؛ لأنه في حالة الصحة يكون من جميع المال، وإذا قلنا: المعتبر حال الوقوع يعتق من الثلث؛ لأنه في مرض الموت ما له من التبرعات إلا الثلث، فهذا القسم الأول.

    القسم الثاني: العقد الذي يختلف باختلاف حالين وأفضى أحدهما إلى ممنوع

    القسم الثاني: وهو كالأول، لكن القسم الأول كل عقد يختلف باختلاف حالين: حال التعليق وحال الوقوع، فهل المعتبر حال التعليق أو حال الوقوع؟ قلنا: في الأول المعتبر حال الوقوع ما لم يفض أحدهما إلى ممنوع شرعاً، وهنا أفضى أحدهما إلى ممنوع شرعاً.

    إذاً: كل عقد معلق له حالان: حال وقوع، وحال تعليق، ويختلفان، وأفضى أحد الحالين إلى ممنوع شرعاً؛ فنقول: هذا الممنوع شرعاً ملغى، ويتعين الآخر، مثال ذلك: إذا علق طلاق امرأته على صفة، ثم وجدت هذه الصفة وهي حائض، فلو قال: إن كلمت زيداً فأنت طالق، فكلمت زيداً وهي حائض، فهل نعتبر حال التعليق أو حال الوقوع؟ نعتبر حال التعليق؛ لأن حال الوقوع يفضي إلى أن يقع الطلاق وهي حائض، وهذا ممنوع شرعاً.

    مثال آخر: قال المؤلف رحمه الله: [الوصية لمن هو في الظاهر وارث، فيصير عند الموت غير وارث، أو بالعكس].

    قوله: (الوصية لمن هو في الظاهر وارث) يعني: لو أوصى لأخيه في حال الصحة، وعند الموت ولد للأخ الموصي ولد، فأصبح أخوه الموصى له غير وارث، هل المعتبر عند الموت ما كان عند الوقوع، أو المعتبر ما كان عند التعليق؟ نقول: المعتبر ما كان عند الوقوع؛ لأنه الآن أصبح غير وارث، فتصح له الوصية.

    1.   

    القاعدة الثامنة عشرة بعد المائة: تعليق فسخ العقد وإبطاله بوجوده

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الثامنة عشرة بعد المائة: تعليق فسخ العقد وإبطاله بوجوده...] إلى آخره.

    يعني: مثلاً رجل قال لزوجته: إن تزوجتُ هنداً فهي طالق، هنا الآن علق الفسخ والطلاق بوجود النكاح، أو قال: إن ملكتُ زيداً فهو حر، علق الإعتاق على الشراء والملك، هنا تعليق فسخ العقد بوجوده، فهل يصح هذا أو لا يصح؟ نقول: ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يترتب على تعليق فسخ العقد مقصود شرعي، فيصح. مثال ذلك: قول أحدهم: إن ملكتُ زيداً فهو حر، يترتب عليه مقصود شرعي وهو الإعتاق.

    أو قال: إن ملكت هذه السيارة فهي وقف لله عز وجل؛ صح أيضاً؛ لأنه يترتب عليه مقصود شرعي، أو قال مثلاً: إن ملكت هذا المال فهو نذر لله عز وجل، يصح كذلك.

    القسم الثاني: ألا يترتب عليه مقصود شرعي؛ فهذا لا يصح.

    قال المؤلف: [منها: إذا علق الطلاق بالنكاح فالمذهب أنه لا يصح]، إذا قال: إن تزوجت هنداً فهي طالق، نقول: هذا التعليق غير صحيح، فالزواج صحيح والطلاق لا يصح، [تعليق العتق بالموت] تقدم، [وتعليق النذر بالملك] تقدم، [وتعليق فسخ الوكالة على وجودها، وتعليق الوكالة على فسخها كالوكالة الدورية]، كأن يقول: إن وكلتك فقد عزلتك، فهذا ليس صحيحاً؛ لأنه يلزم عليه الدور، يعني: أن يقول الموكل للوكيل: وكلتك، وكلما عزلتك فقد وكلتك، فهذا لا يترتب عليه مقصود شرعي، المذهب يرون الصحة، [وتعليق فسخ البيع بالإقالة]، كقوله: إذا بعتك فقد أقلتك أو فسخت، فلا يصح هذا، [وتعليق فسخ النكاح بالعيب على وجود النكاح، وقد صرح الأصحاب ببطلان ذلك، وتعليق فسخ التدبير بوجوده].

    فالخلاصة في هذه القاعدة نقول: إذا كان التعليق يتضمن مقصوداً شرعياً فهذا جائز، وإن كان لا يتضمن مقصوداً شرعياً فهو غير صحيح في الجملة، وأغلب الصور التي ذكرها المؤلف رحمه الله لا يصح فيها التعليق.

    1.   

    القاعدة التاسعة عشر بعد المائة: ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة التاسعة عشرة بعد المائة: إذا وجدنا لفظاً عاماً قد خص بعض أفراده بحكم موافق للأول أو مخالف له...] إلى آخره.

    خلاصة هذه القاعدة: ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، وبحكم يخالف العام يقتضي التخصيص.

    مثلاً تقول: أكرم الطلبة، ثم تقول: أكرم زيداً، وزيد من الطلبة، فلا يقتضي التخصيص، فأنت تعني إكرام كل الطلبة، لكنك تنص على زيد للعناية به، لكن إذا ذُكر بعض أفراد العام بحكم يخالف العام، فالحكم هنا يقتضي التخصيص، مثل: أكرم الطلبة ولا تكرم زيداً.

    وهذا التخصيص ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون في كلام واحد متصل، قال المؤلف رحمه الله: [أن يكون الخاص والعام في كلامٍ واحدٍ متصل فالمذهب: أنه يفرد الخاص بحكم ولا يقضى بدخله]، فهذا لا يأخذ حكم العام.

    مثاله: قال رحمه الله: [هذه الدار لزيد ولي منها هذا البيت]، قوله: (هذه الدار)، هذا يشمل كل الدار ولي هذه الغرفة منها، فقوله هنا: ذكر الخاص بحكم يخالف العام، فالغرفة هذه يصير لها حكم أنها تبقى له، والبيت يكون لزيد، فالبيت لزيد والغرفة تكون له، ولو قال: أقر أن هذه الأرض لعمرو إلا هذا الجزء؛ يكون هذا الجزء حكمه يخالف العام.

    ومثله أيضاً قال رحمه الله: [لو وصى لزيد بشيء وللمساكين وهو مسكين، فإنه لا يستحق مع المساكين من نصيبهم شيئاً].

    القسم الثاني: إذا كان في كلامين منفردين، قال المؤلف رحمه الله: [القسم الثاني: أن يكون الخاص والعام في كلامين منفردين]، جعل هذا تحته حالتان: إذا كان في كلامين منفردين، كأن يقول اليوم: البيت لزيد، وفي الغد قال: الغرفة هذه لي، قال المؤلف: لا يقبل كلامه، هنا الآن ذكر بعض أفراد العام بحكم يخالف العام، ومع ذلك قلنا: لا يقتضي التخصيص، بل يدخل مع العام، ما دام أنه اختلف الكلام، أي: حصل بينهما فاصل؛ فالفرد يتبع العام، ولهذا قال رحمه الله: (إذا كان في كلامين منفردين)، فهاهنا حالتان:

    الحالة الأولى: [أن يكون المتكلم بهما لا يمكنه الرجوع عن كلامه، ولا يقبل منه؛ كالأقارير والشهادات والعقود..] إلى آخره، فلا يقبل منه، كما قلنا: أقر اليوم فقال: البيت لزيد، أو الأرض هذه لزيد، وفي الغد قال: لا، الجزء هذا لي، فلا نقبله، أو شهد أو عقد... إلى آخره، نقول: هذا لا نقبله ما دام أنه لا يمكن الرجوع.

    قال رحمه الله: [الحالة الثانية: أن يكون الرجوع ممكناً كالوصية]، فالوصية يصح إبطالها، كمن أوصى بهذه الأرض لزيد، وفي الغد قال: إلا هذا الجانب، فنقول: يصح.

    فالخلاصة في هذه القاعدة: أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، لكن إذا كان يخالف العام فإنه يقتضي التخصيص، وهذا تحته قسمان: أن يكون في كلام واحد لا يقتضي التخصيص، وفي كلامين منفردين لا يقتضي التخصيص إلا في ما يصح رجوعه فيه، كالوصية كما مثل المؤلف فقال: [وعزل الإمام لمن يمكنه عزله وولايته..] إلى آخره.

    1.   

    قاعدتان لهما اتصال بهذه القاعدة

    في الأخير قال المؤلف: [ويتصل بهذه القاعدة قاعدتان:

    القاعدة الأولى: إذا اجتمع في شخص جهتان عامة وخاصة

    إحداهما: إذا اجتمع في شخص استحقاق بجهة خاصة كوصية معينة وميراث، واستحقاق بجهة عامة كالفقر والمسكنة، فإنه لا يؤخذ إلا بالجهة الخاصة].

    هذه قاعدة، إذا اجتمع في الشخص جهتان: جهة استحقاق عامة، وجهة استحقاق خاصة، فنقول: يأخذ بالخاصة ولا يأخذ بالعامة، مثاله: قال رحمه الله: [إذا أوصى لزيد بشيء ولجيرانه بشيء، وهو من الجيران].

    فلو قال مثلاً: هذه مائة ألف للجيران، خمسون ألفاً لزيد، وزيد من الجيران وأخذ خمسين ألفاً، لكن هل يأخذ مع الجيران أم لا؟

    قال المؤلف: يأخذ بالخاص فقط، ولا يأخذ بالعام.

    قال رحمه الله: [ولو أوصى لزيد وللفقراء وهو فقير].

    فلو قال مثلاً: هذه مائة ألف للفقراء، خمسون ألفاً لزيد؛ فيأخذ زيد الخمسين المخصصة، لكن هل نعطيه أيضاً لأنه فقير؟ نقول: يكفيك الخاص.

    هذه قاعدة: إذا اجتمع في شخص جهة استحقاق عامة وخاصة، فيأخذ بالخاصة فقط، أي: نقدم الخاصة على العامة.

    القاعدة الثانية: إذا اجتمعت صفات في عين

    قال رحمه الله: [القاعدة الثانية: إذا اجتمعت صفات في عين، فهل يتعدد الاستحقاق بها كالأعيان المتعددة؟ المشهور من المذهب: أنها كالأعيان في تعدد الاستحقاق].

    يعني: هذا الشخص اجتمعت فيه عدة صفات ليست عامة وخاصة كما سبق، وإنما عدة صفات خاصة، هل يستحق بكل الصفات الخاصة أم ببعضها؟

    نقول: يستحق بكلها، كالأخذ من الزكاة بصفة أنه: فقير وغارم وغاز وابن سبيل، فيأخذ بهن كلهن، أي: يصح أن يأخذ من الزكاة بناءً على أنه مدين، فنقول: كم عليك؟ قال: علي ألف دينار مثلاً، نقول: خذ الألف دينار، ويقول أيضاً: أنا فقير وليست عندي ثلاجة، نقول: خذ ثلاجة، يقول أيضاً: أنا مجاهد نقول: خذ، يقول أيضاً: أنا ابن سبيل، نقول: خذ.

    ومثله أيضاً: الأخذ من الخمس، والخمس يكون في بيت المال للمصالح، قال رحمه الله: [الأخذ من الخمس والصدقات المنذورة والفيء والوقوف والإرث بأسباب متعددة]، مثلاً قال: أنا من بني هاشم فنعطيه من الخمس؛ لأن بني هاشم يأخذون من الخمس، أو قال: أنا مسكين فنعطيه من الخمس، قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [الأنفال:41]، أو قال: أنا يتيم فيعطى.

    ومثله: (الوقوف)، فلو قال: هذا وقف على طلاب العلم وعلى الفقراء، وهو طالب علم وفقير؛ فنعطيه صفة طلب العلم، ونعطيه أيضاً بصفة الفقر.

    قال رحمه الله: [وتعليق الطلاق، كإن كلمت رجلاً فأنت طالق، وإن كلمت فقيهاً فأنت طالق، وإن كلمت أسود فأنت طالق، فكلمت رجلاً فقيهاً أسود] فتطلق ثلاث طلقات.

    فالخلاصة في ذلك: أنه إذا كانت جهات الاستحقاق عامة وخاصة يعطى بالخاصة، وإذا كانت كلها خاصة يعطى بها كلها.

    1.   

    القاعدة العشرون بعد المائة: يقدم ذو القرابتين على ذي القرابة الواحدة

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة العشرون بعد المائة: يرجح ذو القرابتين على ذي القرابة الواحدة, ما لم تكن إحداهما لها مدخل في الاستحقاق...] إلى آخره.

    يعني: الأصل أن ذا القرابتين يقدم على ذي القرابة الواحدة، إلا إذا كانت القرابة الزائدة لا تستحق شيئاً في محل التقديم، ولذلك قال: (ما لم تكن إحداهما لها مدخل في الاستحقاق).

    الخلاصة في القاعدة هنا: أن ذا القرابتين يقدم على ذي القرابة الواحدة في جملة من المسائل، قال رحمه الله: [منها تقديم الذي لأبوين على الذي لأب في الميراث]. كأخ شقيق مع أخ لأب، فالمال كله للأخ الشقيق.

    قال رحمه الله: [والولاء]، كأخ شقيق للمعتق مع أخ لأب للمعتق، يعني: هذا شخص قد أعتق، وما وجدنا أحداً يرثه من عصباته، ولا من ذوي الفروض؛ فيرثه معتقه، لكن لم نجد معتقاً، فيرثه عصبة المعتق، فوجدنا مثلاً: أخاً شقيقاً للمعتق، وأخاً لأب للمعتق، فنقدم الأخ الشقيق.

    قال رحمه الله: [وولاية النكاح] كأخ شقيق وأخ لأب، يقدم الأخ الشقيق، [والصلاة على الجنازة] يقدم الأخ الشقيق، [والوقف] إذا قال: هذا وقف على إخواني، يقدم الأخ الشقيق، [والوصية]، إذا وصى لإخوانه نقدم الأخ الشقيق.

    1.   

    القاعدة الحادية والعشرون بعد المائة: تخصيص العموم بالعرف

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الحادية والعشرون بعد المائة: في تخصيص العموم بالعرف...] إلى آخره.

    هذه القاعدة والتي تليها والتي تليها تقريباً أربع قواعد أو خمس قواعد، كلها في العمومات ومخصصات العمومات، وكلها قواعد سهلة.

    قوله: (في تخصيص العموم بالعرف)، بالنسبة للعرف هل يخصص العام أو لا يخصصه نقول: هذا تحته ثلاثة أقسام:

    القسم الأول، قال المؤلف رحمه الله: [أن يكون قد غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده حتى صار حقيقةً عرفية] فالمعتبر هو الحقيقة العرفية، مثال ذلك: السراج يطلق على الشمس، ويطلق على الذي يستضاء به، لكن غلب على فرد من أفراده، فالعام هنا: هو الذي يستضاء به، والفرد من أفراده هو: الشمس.

    فلو قال: والله لأنظرن إلى السراج، ثم نظر إلى الشمس، فهل وفى بيمينه أم لا؟ نقول: لم يوف، بل لا بد أن ينظر إلى السراج الذي يستضاء به.

    أيضاً: مثله الوتد يطلق على الجبل، ويطلق على ما يوضع في الجدار وتوضع عليه الثياب، والسقف يطلق على السماء، ويطلق على سقف الحجرة... إلى آخره.

    القسم الثاني: ألا يستعمل الاسم إلا مقيداً مضافاً، فلا يدخل في العام، مثل ماء الورد، لو قال: والله لأشربن ماءً، ثم شرب ماء ورد فهذا لم يبر بيمينه، ولو قال: والله لآكلن تمراً، ثم أكل تمر هندي فلم يبر أيضاً.

    القسم الثالث والأخير: ما لا يدخل في الاسم العام غالباً إلا بقرينة، ولا يفهم دخوله عند الإطلاق، فهذا نقول: لا يدخل، مثلاً لو قال: والله لا آكلن لحماً، هل يدخل في ذلك لحم السمك أم لا؟ من حيث العموم يدخل، لكن لا يفهم إلا بقرينة، أو بقيد الإضافة للحم السمك.

    ومثله أيضاً: قال المؤلف رحمه الله: [لو حلف لا يأكل الرؤوس، فقال القاضي: يحنث بكل ما سمي رأساً من رؤوس الطير والسمك...] إلى آخره.

    مثلاً: لو قال: والله لآكلن رأساً، فأكل رأس طير، أو رأس سمك، فهو من حيث العموم يدخل، لكن رأس الطير الغالب أنه لا يقال له: رأس إلا مقيداً مضافاً، يقال: رأس طير، أو رأس سمكة، فالغالب أنه يقيد، بخلاف رأس شاة فلو قال: أكلت رأساً، يفهم أنه رأس شاة، لكن لو أراد أن يقول: أكلت رأس طير، فلا بد أن يقول: رأس طير، أي: مقيداً مضافاً.

    1.   

    القاعدة الثانية والعشرون بعد المائة: يخص العموم بالعادة

    قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة الثانية والعشرون بعد المائة: يخص العموم بالعادة على المنصوص... ] إلى آخره.

    العموم يخص بالعادة في الجملة، ومثّل المؤلف رحمه الله لهذا، ودليل ذلك أن عندنا قاعدة تقول: العادة محكمة.

    قال رحمه الله: [لو وصى لأقربائه أو أهل بيته], فقال: هذه الدراهم وصية لأقاربي، فإذا كان له عادة أنه يصل هؤلاء الناس، فتختص الوصية بهم، أي: عادةً له خالات يصلهن وعمات ونحو ذلك، فنقول: العموم تخصه العادة.

    قوله: (أو لأهل بيته)، أي: من يصلهم عادةً، [أو وقف على بعض أولاده]، وله عادة أنه يصل بعض الأولاد، وهذا على القول بصحة الوقف على بعض الأولاد، وإلا فالصحيح أنه لا يصح، والمشهور من المذهب أنهم يصححون الوقف على الذكور دون الإناث! وهذا غير صحيح، والصواب: أنه لا يصح.

    خلاصة الكلام: إذا كان له عادة فإن هذا العام يخصص بالعادة.

    قال رحمه الله: [أو استأجر أجيراً لعملٍ مدةً معلومة]، فالعمل هذا يصير حسب العادة، كأن تكون العادة أنه يعمل من الصباح إلى الظهر ويستريح بعد الظهر ويعمل بعد العصر، حسب العادة.

    قال رحمه الله: [أو حلف لا يأكل من هذه الشجرة: اختصت يمينه بما يؤكل منها عادة]، وهو الثمر، فلو قال: والله لا آكل من هذه الشجرة، ثم أكل من ورقها، نقول: لا يحنث؛ لأن العادة أنه لا يؤكل ورقها إنما يؤكل الثمر، والمقصود من ذلك الثمر دون ما لا يؤكل عادة كالورق والخشب.

    1.   

    القاعدة الثالثة والعشرون بعد المائة: يخص العموم بالشرع

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثالثة والعشرون بعد المائة: ويخص العموم بالشرع في مسائل... إلخ].

    أي: في الجملة أيضاً. مثال ذلك: [إذا نذر صوم الدهر، لم يدخل في ذلك ما يحرم صومه من أيام السنة]، كيوم العيد، وأيام التشريق، هذه لا تكون داخلة.

    قال رحمه الله: [أو ما يجب صومه شرعاً كرمضان] فهو غير داخل.

    قال رحمه الله: [ومنها: لو حلف لا يأكل لحماً، لم تتناول يمينه اللحم المحرم شرعاً].

    فلو قال: والله لا آكل لحماً، ثم أكل لحم خنزير، فلا يحنث؛ لأن هذا خصصه الشرع من العموم.

    قال رحمه الله: [أو وصى لأقاربه لم يدخل فيهم الوارثون في أحد الوجهين، أو وكله بتطليق زوجته، لم يتناول الطلاق المحرم].

    لو قال: وكلتك بطلاق زوجتي، فلا يملك أن يطلقها وقت الحيض، وهذا مخصوص بالشرط، وهل يملك أن يطلقها ثلاثاً؟ نقول: لا يملك.

    قال رحمه الله: [أو نذر اعتكاف شهر متتابع، فله أن يعتكف في غير الجامع ويخرج للجمعة].

    الجمعة مستثناة، وإن قال: متتابع، لكن الجمعة مستثناة شرعاً، وإن نص على التتابع.