إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [17]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فيما يتعلق بضمان الأيدي المستولية على مال الغير فهي تنقسم إلى أقسام؛ فإما أن تكون يد يمكن أن تملك ما استولت عليه فهذه لا ضمان عليها، وإما أن تكون يد قبضت مالاً بغير إذن مالكه لكن بولاية شرعية أو لمصلحة فهذه لا ضمان عليها، وإما أن تكون يد قبضت مالاً بغير إ

    1.   

    القاعدة الثامنة والثمانون: الانتفاع والإحداث في الطرق العامة هل يجوز أم لا

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الثامنة والثمانون: في الانتفاع وإحداث ما ينتفع به في الطرق المسلوكة في الأمصار والقرى وهوائها وقرارها.

    أما الطريق نفسه فإن كان ضيقاً وأحدث فيها ما يضر بالمارة فلا يجوز بكل حال، وأما مع السعة وانتفاء الضرر: فإن كان المحدث فيه متأبداً كالبناء والغراس: فإن كان لمنفعة خاصة لآحاد الناس لم تجز على المعروف من المذهب، وإن كان لمنفعة عامة ففيه خلاف معروف، منهم من يطلقه، ومنهم من يخصه بحالة انتفاء إذن الإمام فيها.

    وإن كان غير متأبد ونفعه خاص كالجلوس وإيقاف الدابة، ففيه خلاف أيضاً.

    وأما القرار الباطن: فحكمه حكم الظاهر على المنصوص.

    وأما الهواء: فإن كان الانتفاع به خاصاً بدون إذن الإمام فالمعروف منعه, وبإذنه فيه خلاف، ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة:

    منها: حفر البئر في الأسواق، وبناء المساجد وغيرها، واختصاص الجلوس في محل واحد، والحفر في الطريق، وإشراع الأجنحة والساباطات والخشب والحجارة في الجدار إلى الطريق].

    تقدم لنا من القواعد ما يتعلق بالنماء، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى قاعدةً تتعلق بالنماء المتصل، وكذلك أيضاً قاعدةً تتعلق بالنماء المنفصل، وما يندرج تحت ذلك من أقسام، وكذلك أيضاً سبق لنا قاعدة في الحمل، وكذلك أيضاً قاعدة في الحقوق وأنواعها، وقاعدة أخرى في الأملاك وأنواعها، وما يقبل النقل منها والمعاوضة، وما لا يقبل النقل والمعاوضة.

    ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: (القاعدة الثامنة والثمانون: في الانتفاع وإحداث ما ينتفع به في الطرق المسلوكة في الأمصار والقرى وهوائها وقرارها).

    هذه القاعدة في الانتفاع والتصرف في الطرق العامة، وهذه الأمور مرجعها إلى البلديات، فشؤون البلديات هي التي تنظم مثل هذه الأشياء، وما الذي يجوز أن ينتفع به من الطريق ويتصرف فيه، وما الذي لا يجوز، وعلى كل حال فنقول: الانتفاع والتصرف بالطرق العامة ينقسم إلى أقسام كما أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذه القاعدة:

    الإحداث في الطرق الضيقة

    القسم الأول: الطرق الضيقة، فهذه لا يجوز إحداث شيء فيها ولو بإذن الإمام؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (أما الطريق نفسه فإن كان طريقاً ضيقاً وأحدث فيه ما يضر بالمارة فلا يجوز بكل حال)، أي: لا يجوز الإحداث فيه لما يترتب عليه من إضرار المارة.

    الإحداث المتأبد في الطرق الواسعة

    القسم الثاني: أن يكون الطريق واسعاً ولا ضرر، والمحدث متأبد كالبناء والغراس، كما لو بنى في الطريق أو غرس فيه.

    قال المؤلف: (إن كان لمنفعة خاصة لآحاد الناس لم تجز على المعروف من المذهب)، يعني: أن الطريق إن كان واسعاً ولا ضرر، والإحداث متأبد، فقال: (إن كان لمنفعة خاصة) كما لو بنى لنفسه، ولنفرض أنه بنى دكةً في الطريق؛ لكي يجلس عليها، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يجوز، (وإن كان لمنفعة عامة ففيه خلاف)، والأقرب في ذلك: أنه راجع إلى إذن الإمام إن كان لمنفعة عامة، ومثال المنفعة العامة: بناء المساجد، كما لو بنى في الطريق الواسع مسجداً لكي يصلي فيه الناس، فهذا موضع خلاف، (منهم من يطلقه، ومنهم من يخصه بحالة إذن الإمام فيها).

    إذاً: خلاصة القسم الثاني: أن يكون الطريق واسعاً، وأن ينتفي الضرر، وأن يكون الإحداث متأبداً، فإن كان لمنفعة خاصة فإنه لا يجوز، وإن كان لمنفعة عامة فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، ومثال المنفعة الخاصة -كما ذكرنا-: لو غرس لنفسه أو بنى لنفسه، ومثال المنفعة العامة: كما لو غرس لعموم المسلمين، أو بنى لعموم المسلمين.

    الإحداث غير المتأبد في الطرق الواسعة

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن كان غير متأبد ونفعه خاص كالجلوس وإيقاف الدابة ففيه خلاف أيضاً).

    القسم الثالث: أن يكون الطريق واسعاً ولا ضرر، وأن يتصرف تصرفاً غير مؤبد، فإن كان النفع عاماً فهذا جائز، وإن كان النفع خاصاً فيقول المؤلف رحمه الله: فيه خلاف، والصحيح أنه جائز ما لم يكن هناك ضرر، وكان النفع عاماً، وإن كان النفع خاصاً كالجلوس وإيقاف الدابة، فما دام أنه لا يترتب على ذلك ضرر فهذا جائز ولا بأس.

    التصرف في باطن الطريق

    القسم الرابع: قال رحمه الله: (وأما القرار الباطن: فحكمه حكم الظاهر على المنصوص).

    مثال القرار الباطن: كحفر البئر في الطريق، فباطن الطريق هذا حكمه حكم الظاهر كما تقدم في الأقسام السابقة.

    الانتفاع بهواء الطريق وبناء الساباط

    القسم الخامس: (وأما الهواء فإن كان الانتفاع به خاصاً بدون إذن الإمام فالمعروف منعه، وبإذنه فيه خلاف).

    الهواء مثل الساباط، والساباط: هو البناء الذي يكون بين البنائين، فهذان جاران وبينهما طريق، فإذا أتى هذا الجار وبنى ساباطاً أي مد خشبة إلى جدار جاره، فهو الآن تصرف في هواء الطريق، فهل هذا جائز أو ليس جائزاً؟ ومثله أيضاً: إشراع الأجنحة وإخراجها، والمراد بالأجنحة ما يسمى عندنا بالبلكونة، أي: أن يخرج أطراف الخشب، أو أطراف الصبة، ويستفيد من هواء الطريق، فهل يجوز هذا التصرف في هواء الطريق، أو لا يجوز؟

    قال المؤلف رحمه الله: إن كان الانتفاع بهذه الأجنحة والساباطات خاصاً وبدون إذن الإمام فإنه ممنوع، وبإذنه فيه خلاف، والصحيح أنه راجع إلى إذن الإمام، وهذا إذا كان خاصاً.

    وأما إذا كان عاماً لمنفعة المسلمين، كأن يجعل مظلة لمنفعة الناس وليس لمنفعته الخاصة فهذا جائز ولا بأس به؛ لأن المقصود بذلك هو مصلحة الناس.

    ثم ذكر المؤلف رحمه الله الصور، وسبق الإشارة إليها في هذه الأقسام.

    فتلخص لنا: أن التصرف في الطرقات العامة والانتفاع بها ينقسم إلى هذه الأقسام الخمسة: وأن يكون الطريق ضيقاً، وأن يكون الطريق واسعاً والتصرف مؤبداً، فهذا إما أن يكون عاماً، وإما أن يكون خاصاً، وأن يكون الطريق واسعاً والتصرف غير مؤبد، وهذا إما أن يكون عاماً، وإما أن يكون خاصاً، والتصرف في باطن الطريق، والتصرف في هواء الطريق.

    1.   

    القاعدة التاسعة والثمانون: أسباب الضمان ثلاثة: عقد، ويد، وإتلاف

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة التاسعة والثمانون: أسباب الضمان ثلاثة: عقد, ويد, وإتلاف.

    أما عقود الضمان فقد سبق ذكرها... إلخ].

    المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذه القاعدة في بيان أسباب الضمان، يعني: ما هي الأسباب التي يضمن بها؟ وذكر أن أسباب الضمان ثلاثة: عقد، ويد، وإتلاف.

    أما العقد: فهذا صوره كثيرة، ومثال العقد: عقد البيع؛ فإذا باع ما يحتاج إلى توفية، كالمكيل والموزون والمعدود والمذروع، فهذا من ضمان على البائع، ما دام أن المشتري لم يقبضه، لكن إذا قبضه المشتري فالضمان يكون على المشتري، ومن الأمثلة على ذلك: عقد العارية، فعقد العارية على المشهور من المذهب أنها مضمونة، فإذا عقد على هذه العارية فالعارية مضمونة، هذا القسم الأول: عقد.

    القسم الثاني: يد، ومن أمثلة ذلك: يد الغاصب: فإذا غصب هذه السيارة -سواء كان منقولاً أو عقاراً- فتلف تحت يده فإنه ضامن له، ومثله أيضاً على المشهور من المذهب المقبوض بعقد فاسد، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنهم يجعلونه في حكم المغصوب، وهذا القسم الثاني.

    القسم الثالث: قال المؤلف رحمه الله: [وأما الإتلاف؛ فالمراد به: أن يباشر الإتلاف سبب يقتضيه كالقتل والإحراق، أو ينصب سبباً عدواناً فيحصل به الإتلاف؛ بأن يحفر بئراً في غير ملكه عدواناً، أو يؤجج ناراً في يوم ريح عاصف فيتعدى إلى إتلاف مال الغير، أو كان المال محتبساً وعادته الانطلاق فيزيل احتباسه].

    مثل: طير في قفص، ففتح باب القفص فطار الطير، أو حيوان مربوط فحل الرباط، أو حل الوكاء عن الماء فاندفق، فنقول: يضمن.

    فتلخص لنا أن أسباب الضمان ثلاثة كما ذكر المؤلف رحمه الله: عقد، ويد، وإتلاف.

    1.   

    القاعدة التسعون: ضمان الأيدي المستولية على مال الغير بغير إذنه

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة التسعون: الأيدي المستولية على مال الغير بغير إذنه ثلاثة... إلخ].

    هذه القاعدة في ضمان الأيدي المستولية على مال الغير، فذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الأيدي المستولية على مال الغير بلا إذنه، أنها تنقسم إلى أقسام:

    يد يمكن أن تتملك ما استولت عليه

    القسم الأول: يد يمكن أن تملك ما استولت عليه، فنقول: لا ضمان على هذه اليد.

    ومثل لذلك المؤلف فقال: [منها: استيلاء المسلمين على أموال أهل الحرب]، فاستيلاء المسلمين على أموال أهل الحرب، هذه اليد يمكن أن تملك ما استولت عليه فلا ضمان عليها.

    يد تقبض المال بغير إذن المالك لكن بولاية شرعية

    القسم الثاني: أن يقبض المال بغير إذن مالكه لكن بولاية شرعية أو بمصلحته، ومن الأمثلة على ذلك: قال المؤلف رحمه الله: [وأما اليد الثانية: فيدخل تحتها صور: منها: من له ولاية شرعية بالقبض. ومن قبض المال لحفظه على المالك].

    (من له ولاية شرعية بالقبض) كولي اليتيم، أي: اليتيم لم يأذن له بالقبض، لكن قبضه بولاية شرعية، أو (لحفظه على المالك). مثل: اللقطة، فرب المال لم يأذن له بالالتقاط، لكنه التقطه لكي يحفظه على مالكه، فنقول: لا ضمان عليه.

    يد تقبض المال بغير إذن المالك بلا حرب

    القسم الثالث: أن يقبض المال بغير إذن مالكه بلا حرب، مثاله: الغاصب قبض المال بغير إذن مالكه بلا حرب، فإذا تلف تحت يده فنقول بأنه ظالم.

    ومثل ذلك أيضاً: قبض المودع للوديعة مع المطالبة بردها، فرب الوديعة يطالب المودع أن يرد الوديعة، ولكنه استمر في عدم الرد، فهنا المال قبض بغير إذن مالكه بلا حرب، فيضمن المودع.

    يد لا يثبت لها الملك وعليها الضمان

    القسم الرابع والأخير: قال المؤلف رحمه الله: [يد لا يثبت لها الملك ويثبت عليها الضمان] وهذا كالعارية، فالعارية هذه ضامنة على المذهب، وليس لها الملك، أي ليس لها أن تنتفع بالعين المعارة، يعني: لا تملك، ويثبت عليها الضمان، ولهذا قال: [وأما اليد الثالثة: فهي يد العارية التي يترتب عليها الضمان]، والحقيقة أن العارية هنا قبض المال بإذن المالك، لكن المؤلف رحمه الله أورد هذا القسم.

    فتلخص لنا في ضمان الأيدي المستولية على مال الغير أنها تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: يد يمكن أن تملك ما استولت عليه، فهذه لا ضمان عليها، ومثلنا لها باستيلاء المسلمين على أموال الحرب، وأيضاً استيلاء الأب على مال الابن، فهذا يمكن أن يملك.

    القسم الثاني: من قبض المال بغير إذن مالكه لكن بولاية شرعية، أو لمصلحته فهذا لا ضمان عليه.

    والقسم الثالث: من قبض المال بغير إذن مالكه بلا حرب وهذا كالغاصب، وهذا نقول: يضمن.

    القسم الرابع: اليد التي لا يثبت لها الملك ويثبت عليها الضمان.

    1.   

    القاعدة الحادية والتسعون: الضمان بالعقد وباليد للأموال المحضة وغير المحضة

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الحادية والتسعون: يضمن بالعقد وباليد الأموال المحضة المنقولة إذا وجد فيها النقل.

    فأما غير المنقول فالمشهور عند الأصحاب: أنه يضمن بالعقد وباليد أيضاً, كما يضمن في غير عقود التمليكات بالاتفاق. وأما غير الأموال المحضة.. إلى آخره].

    الأموال المحضة: هي التي تمحضت في المالية ليس فيها شائبة غير المالية، الأموال غير المحضة: هي التي لم تتمحض ماليتها، أي: أن فيها شائبة غير المالية، مثال الأموال المحضة: سائر الأموال كالدراهم والدنانير والأطعمة والألبسة، هذه أموال محضة، تمحضت فيها المالية وليس فيها شائبة أخرى لغير المالية.

    أما الأموال غير المحضة التي لم تتمحض ماليتها وفيها شائبة أخرى غير المالية، مثل أم الولد، هي مال، لكن مع ذلك لم تتمحض المالية؛ لأنه انعقد فيها سبب التحرير، لما ولدت أصبحت مستحقة للتحرير؛ لأنه بمجرد أن يموت السيد تكون حرة، فليست مالاً محضاً، ولهذا جمهور العلماء على أنها لا تباع، وتعتق بموت سيدها.

    أيضاً المكاتب فقد انعقد سبب التحرير فيه، فإنه لما اشترى نفسه من سيده لم تتمحض ماليته، وكذلك المدبر الذي علق عتقه بموت السيد، هذا وإن كان مالاً، إلا أن هذه المالية لم تتمحض؛ لأنه انعقد فيه سبب التحرير، فبالموت يعتق.

    هذه القاعدة في ضمان الأموال المحضة والأموال غير المحضة وتنقسم إلى أقسام:

    ضمان الأموال المحضة المنقولة

    القسم الأول: الأموال المحضة المنقولة.

    الأموال المحضة تنقسم إلى منقول وغير منقول، فالمنقولات: ما يمكن نقله وتحويله، والعقار: ما لا يمكن نقله ولا تحويله، فعندنا القسم الأول: الأموال المحضة المنقولة، مثل: الأطعمة والدراهم، والدنانير، فهذه تضمن بالعقد كما سلف لنا، كالعارية تضمن بالعقد، ومثاله أيضاً: كما لو اشترى شيئاً يحتاج إلى توفية، فضمانه على البائع، وكذلك أيضاً: لو اشترى شيئاً ثم قبضه، فالضمان على المشتري بالعقد، وباليد أيضاً إذا قبضه، فإذا اشترى هذه السلعة وقبضها فإنها تكون من ضمانه.

    ومثل ذلك أيضاً: إذا قبض الشيء، كعقد الوكالة وعقد الإجارة وكان أميناً، فإنه يضمن إذا تعدى أو فرط.

    ضمان الأموال المحضة غير المنقولة

    القسم الثاني: الأموال المحضة غير المنقولة، كالعقارات، فهذه تضمن بالعقد وتضمن باليد، أي: بالقبض.

    أما بالعقد نحو إذا عقد على هذا البيت، أو على هذا العقار، أي: اشترى هذا العقار، وخلي بينه وبينه هذا، فيكون من ضمان المشتري، وقبل القبض يكون من ضمان البائع. وأما باليد كالغصب مثلاً، فالغاصب إذا وضع يده على هذا العقار وغصبه فإنه يكون مضموناً عليه، هذا بالنسبة للمال.

    ضمان الأموال غير المحضة

    قال المؤلف رحمه الله: (وأما غير الأموال المحضة فنوعان:

    أحدهما: ما فيه شائبة الحرية، لثبوت بعض أحكامها دون حقيقتها، كأم الولد، والمكاتب، والمدبر، فيضمن باليد على ما ذكره القاضي والأصحاب] أي: بالغصب؛ فأم الولد تضمن بالغصب؛ إذا غصبها فإن الغاصب يضمنها ويضمن منافعها، وكذلك المكاتب والمدبر هذه كلها تضمن باليد، أي: تضمن هي، وتضمن أيضاً المنافع.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولذلك يضمن بالعقد الفاسد في قياس المذهب]؛ لأن العقد الفاسد كالمغصوب.

    [والثاني: الحر المحض]، وجعل الحر من الأموال هذا فيه نظر، كونه اقتصر المؤلف رحمه الله على القسم الأول لكان حسناً وهو: ما فيه شائبة حرية مثل أم الولد، فأم الولد رقيق، وما دام أن السيد لم يمت، لا تعتق، والمكاتب أيضاً رقيق ما بقي عليه درهم، وكذلك أيضاً المدبر رقيق، فالأموال غير المحضة هذه تضمن بالغصب.

    أما الحر المحض هل تثبت عليه اليد؟ وهل يضمن بالغصب أو لا يضمن بالغصب؟ المشهور من المذهب: أنه لا يضمن بالغصب، وعلى هذا لا تضمن منافعه، فلو أنه غصب حراً وحبسه عن العمل فإنه لا يضمن منافعه، ولهذا قال: [المعروف من المذهب أن الحر لا تثبت عليه اليد] يعني: لا يضمن بالغصب، [فلا يضمن بحال]، ولو كان تابعاً لما ثبتت عليه اليد [كمن غصب أمةً حاملاً بحر]، فالأمة تضمن، أما الحر التي حملت به فهل يضمن أو لا يضمن؟ قال: لا يضمن، حتى ولو كان تابعاً لما يضمن.

    والخلاصة في هذه القاعدة: أن الأموال المحضة، سواء كانت منقولة أو غير منقولة هذه تضمن باليد، وتضمن بالعقد، أما الأموال غير المحضة فهذه تضمن باليد، أما العقد فهذا موضع خلاف بين العلماء، مثلاً أم الولد هل تباع أو لا تباع؟ هذا موضع خلاف بين العلماء، فجمهور العلماء يرون أنها لا تباع، والمدبر يصح أن يباع، والمكاتب أيضاً يصح بيعه، لكن باليد.

    إذاً: بالغصب تضمن هذه الأشياء، أما العقد فهذا موضع خلاف كما سلف، منه ما يصح أن يباع، ومنه ما لا يصح أن يباع.

    1.   

    القاعدة الثانية والتسعون: في ثبوت يد الضمان مع ثبوت يد الملك

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثانية والتسعون: هل تثبت يد الضمان مع ثبوت يد الملك أم لا؟... إلخ].

    معنى هذه القاعدة: أن ثبوت يد المالك على ماله لا ينافي ثبوت يد الضمان، مثال ذلك: لو كان الشخص يده على ماله، فجاء آخر وغصب هذا المال، كرجل راكب سيارته، فجاء شخص واستولى على هذه السيارة، ومالكها راكب فيها، فهل نقول: هذا غصب، بحيث إن الغاصب يضمن لو تلفت؟ أو نقول: هذا ليس غصباً؟ وهل يشترط لكي يكون غاصباً ارتفاع يد المالك؟ أو نقول: هذا ليس شرطاً، أنه يكون غاصباً حتى ولو كانت يد المالك على ماله؟ قال: [هل تثبت يد الضمان] -يعني: يد الغاصب- [مع ثبوت يد الملك أو لا؟].

    مثال آخر: لو أن رجلاً يسكن في بيته وجاء شخص واستولى على البيت، هل نقول غاصب لوجود الاستيلاء؟ أو أنه ليس غاصباً؛ لأن يد المالك على بيته؟

    كلام المؤلف فيه تفصيل، والأظهر: أنه إذا زال سلطان المالك ثبت الضمان وإلا فلا، فإذا كان سلطان المالك انتفى بأن كان فوجوده كعدمه، لا يستطيع أن يدفع هذا الغاصب، أو إذا دافعه لحقه ضرر، فنقول: يعتبر هذا غاصباً، وأما إن كان سلطانه لا يزال، ويستطيع أن يدافع هذا الشخص ولا يلحقه بالمدافعة ضرر، فإنه لا يعتبر غاصباً، وهذا هو التفصيل الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.

    خلاصة هذه القاعدة: أنه إذا وجد في المغضوب اليدان -يد الضمان ويد الملك- فهل يكون غاصباً أو لا يكون غاصباً؟ نقول: إن كان المالك يستطيع أن يمانع وأن يغالب بلا ضرر، وسلطانه لا يزال باقياً فليس غاصباً، وإن كان لا يستطيع أن يمانع وأن يغالب، أو أنه يلحقه بالممانعة أو المغالبة ضرر، فإنه يكون غاصباً.

    وذكر المؤلف رحمه الله مسائل فقال: [ويتفرع على ذلك مسائل: منها: لو غصب دابةً وعليها مالكها ومتاعه] كما تقدم: غصب الدابة أو السيارة، ومالكها موجود.

    ومنها: [أو استأجر دابة لمسافة وزاد عليها] كأن يستأجر السيارة لمسافة مائة كيلو، وزاد إلى مائة وعشرين، فهو خرج الآن من حد الأمانة، فهل نقول بأنه ضامن مع وجود المالك، أو ليس ضامناً؟ نقول: على حسب التفصيل السابق.

    قال رحمه الله: [أو دخل دار إنسان بغير إذنه، أو جلس على بساطه بغير إذنه، والمالك جالس في الدار على البساط، أو أردف خلفه فتلفت الدابة] مثله أيضاً لو دخل دار إنسان، فهل نقول: غاصب أو ليس غاصباً؟ أو جلس على بساطه هل نقول بأنه غاصب أو ليس غاصباً؟ هذا كما سلف بالتفصيل السابق.

    1.   

    القاعدة الثالثة والتسعون: ضمان من قبض مغصوب بغير حق من غاصبه

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثالثة والتسعون: من قبض مغصوباً من غاصبه ولم يعلم أنه مغصوب، فالمشهور بين الأصحاب أنه بمنزلة الغاصب في جواز تضمينه ما كان الغاصب يضمنه من عين أو منفعة، ثم إن كان القابض قد دخل على ضمان عين أو منفعة استقر ضمانها عليه ولم يرجع على الغاصب ...] إلى آخره.

    هذه القاعدة في الأيدي المترتبة على يد الغاصب، والعلماء رحمهم الله يقولون: الأيدي المترتبة على يد الغاصب عشر أيد: يد المستأجر، يد الوكيل، يد المشتري، يد المضارب، يد الشريك، يد المزارعة، يد المساقاة.. إلى آخره.

    المهم أن هذه القاعدة في الأيدي المترتبة على يد الغاصب، بمعنى: أن العين المغصوبة انتقلت من الغاصب إلى يد أخرى، مثلاً: الغاصب باع العين المغصوبة على شخص، هنا الآن انتقلت إلى يد المشتري، كذلك لو أجر الغاصب السيارة، هنا انتقلت إلى يد المستأجر، كذلك إذا وكل في بيعها انتقلت إلى يد الوكيل، كذلك لو أعطى الأرض مساقاة إلى يد المساقى، أو أعطاها مزارعة إلى يد المزارع، أو أعطاها مضاربة إلى يد المضارب، أو أن هذا الغاصب جاء شخص آخر وغصب منه فهذه السلعة.

    لكن هل هذه الأيدي على يد الغاصب هل هي يد ضمان أو ليست ضماناً؟

    نقول: عندنا مسألتان:

    المسألة الأولى: هل هي يد ضمان أو ليست يد ضمان؟

    المسألة الثانية: قرار الضمان على من؟

    أما المسألة الأولى: مسألة الضمان فنقول: كلها أيد ضامنة، والضمان معناه: أن المالك له أن يطالب الغاصب، وله أن يطالب هذه اليد التي انتقلت إليها، أي: له أن يطالب الشخصين جميعاً.

    وأما المسألة الثانية فنقول: قرار الضمان على الغاصب، إلا أن قرار الضمان يكون على اليد في مسائل:

    المسألة الأولى: إذا دخل على أنه ضامن كالمشتري، والغاصب، والقابض في عقد فاسد، والعارية، فهل يكون قرار الضمان على الغاصب أم على من تلفت تحت يده؟ هذه المسألة الأولى مستثناة.

    المسألة الثانية: إذا تعدى أو فرط وكان دخوله على أنه أمين كوكيل أو مستأجر أو مودع فيكون الضمان عليه.

    المسألة الثالثة: إذا كان عالماً بالغصب فقرار الضمان عليه.

    إذاً: لا بد أن نفرق بين مسألة الضمان ومسألة قرار الضمان.

    فقرار الضمان: للمالك له أن يطالب الغاصب؛ لأنه غاصب، ويطالب من انتقلت إليه العين؛ لأن التلف حصل تحت يده، فله أن يطالب كلاً منهما.

    لكن بقينا في قرار الضمان: وهو إذا طالب الغاصب وأخذ من الغاصب فلا يرجع على من انتقلت إليه اليد، وإن طالب من انتقلت إليه اليد وأخذ منه فإنه يرجع على الغاصب إلا في المسائل الثلاث التي ذكرناها.

    ومثال اليد الأخرى التي ترجع على الغاصب، لو أن الوكيل غصب سيارة ثم أعطاها الغاصب وكالةً لزيد من الناس لكي يبيعها له، وصار عليها حادث فتلفت تحت يده، فالمالك له أن يطالب كل منهما، له أن يطالب الوكيل، وله أن يطالب الغاصب، لكن إن أخذ من الغاصب فلا يرجع على الوكيل، وإن أخذ من الوكيل فيرجع على الغاصب، فقرار الضمان على الغاصب، إلا إذا كان تعدى وفرط كما ذكرنا، أو كان عالماً بالغصب، فإن كان يعلم بالغصب فقد تعدى هو أيضاً.

    1.   

    القاعدة الرابعة والتسعون: أقسام الضمان في إقباض مال الغير بغير إذنه

    قال المؤلف رحمه الله: [قبض مال الغير من يد قابضه بحق بغير إذن مالكه].

    القاعدة الرابعة والتسعون ملحقة في الحقيقة بالقاعدة الثالثة والتسعين، ولو أن المؤلف رحمه الله تعالى جعلها من أقسامها لكان أحسن، لكن الفرق بين القاعدة الثالثة والتسعين والقاعدة الرابعة والتسعين: أن القاعدة الثالثة والتسعين قابض المال غاصب، يعني: أن من قبض المال قبضه بغير حق، ونقله من يد إلى يد أخرى، أما في القاعدة الرابعة والتسعين فقبض المال بحق، مثلاً: وكيل أو مستأجر، فالمودع قبضه بحق، ثم بعد ذلك نقل المال من يده إلى يد أخرى.

    فهنا الأيدي المترتبة على من قبض المال بحق، وفي القاعدة الثالثة والتسعين الأيدي المترتبة على من قبض المال بغير حق.

    قوله: (من يد قابضه) أي: قبضه بحق.

    (بغير إذن مالكه)، مثال ذلك: المستأجر قبض السيارة بحق، ثم بعد ذلك ذهب وأجرها، أو الوكيل قبض السيارة بحق، أو الوكيل في البيع قبضها بحق، ثم ذهب ووكل في بيعها، هذا الذي قبض المال بحق أمين، فإذا أقبض غيره هذا المال، أو هذه الأمانة، ثم بعد ذلك تلف هذا المال فما الحكم؟ نقول بأنه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: إذا كان ممن يجوز له إقباض المال

    القسم الأول: أن يكون ممن يجوز له إقباض هذا المال، فنقول: حكمه حكم الأمانة عند الثاني: أي: لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ومثال ذلك: الوديعة، المودع أراد أن يسافر ولم يجد صاحب الوديعة، فأخذ الوديعة وجعلها وديعةً عند شخص آخر، فهذا الأمين أقبض مال الغير، فهل يجوز له الإقباض في هذه الحالة أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأنه يخشى عليه لو سافر به أن يعرضه للتلف في السفر فهنا نقول: إذا أقبض المال في حال يجوز له إقباضه فالثاني يكون أميناً، وحكمه: لا ضمان عليه إلا مع التعدي أو التفريط، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومثله أيضاً المستأجر: له أن يؤجر، فهو الآن أقبض المال عند الثاني أمانة، المستأجر أيضاً له أن يعير؛ لأن المستأجر مالك للمنفعة، فله أن يؤجر وله أن يعير، فإذا تلفت عند المستأجر الثاني، أو عند المستعير، هل يضمن أو لا يضمن؟ لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.

    القسم الثاني: نقل الأمانة إلى الغير

    القسم الثاني: عكس القسم الأول: ألا يجوز له نقل هذه الأمانة، فلو أن المودع أودع الوديعة للحاجة، أو الوكيل: وكل في بيع السيارة لكن أخذ السيارة ووكل شخصاً آخر، هل يجوز النقل في هذه الحالة أو لا يجوز؟

    الآن تلفت عند الثاني، مثلاً: المودع أعطى الوديعة عاريةً، هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟ لا يملك ذلك، أعطى الوديعة مستأجراً أجره هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟ لا يملك ذلك، فعندنا ضمان، وعندنا قرار الضمان، فما دام أنها انتقلت إلى الثاني بغير حق وحصل التلف تحت يده فنقول: الضمان لكل واحد منهما؛ فيضمن الأول لأنه تعدى وزالت أمانته، والواجب عليه أنه لا ينقل الأمانة، ويضمن الثاني كذلك والمقصود بالضمان هنا: أن يطالب كل منهما.

    فمثلاً: هذا المودع أجر الوديعة نقول: لا تملك أن تؤجر الوديعة، فلو تلفت عند المستأجر فنقول للمالك: لك أن تطالب الأول (المودع)، ولك أن تطالب الثاني؛ فتطالب الأول لأنه تعدى، وتطالب الثاني لأن التلف حصل تحت يده، هذا بالنسبة للضمان.

    بقينا في قرار الضمان على من يكون قرار الضمان؟ قرار الضمان على الأول إلا في مسائل:

    المسألة الأولى: كما تقدم في الغاصب.

    المسألة الثانية: إذا تعدى أو فرط.

    المسألة الثالثة: إذا علم أنه ليس له حق في نقلها من يده، ففي هذه الحالة يكون قرار الضمان على الثاني.

    القسم الثالث: قبض المال ممن زالت أمانته

    القسم الثالث والأخير: إذا قبض المال ممن زالت أمانته، فحكمها كما سيأتي، لكن الفرق بين هذا القسم، والقسم الذي قبله: أن القسم الذي قبله ما زالت أمانته إلا بالعقد مع الثاني، وفي هذا القسم زالت أمانته قبل العقد، ولنفرض المودع مثلاً أودعناه سيارة، فأخذ السيارة وبدأ يتصرف فيها ويذهب ويجئ، هنا زالت أمانته.

    هو ظاهراً زالت أمانته، لكن لو تاب وأرجعها، هل تعود الأمانة أو لا بد من عقد جديد؟ الفقهاء يقولون: لا بد من عقد جديد، فهنا زالت أمانته، وأيضاً أضف إلى ذلك: أنه تعدى في نقلها إلى آخر لا يحل له أن ينقلها، فحكمه كحكم ما سلف.

    وذكر المؤلف رحمه الله هذه الصور فقال: [مودع المودع، والمستأجر من المستأجر، ومضارب المضارب، ووكيل الوكيل، ومستعير المستعير...] إلى آخره.

    1.   

    القاعدة الخامسة والتسعون: في إتلاف مال الغير وأقسامه

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الخامسة والتسعون: من أتلف مال غيره وهو يظن أنه له، أو تصرف فيه يظن لنفسه ولايةً عليه، ثم تبين خطأ ظنه، فإن كان مستنداً إلى سبب ظاهر من غيره ثم تبين خطأ المتسبب، أو أقر بتعمده للجناية ضمن المتسبب... إلى آخره].

    هذه القاعدة في إتلاف مال الغير.

    ذكر المؤلف رحمه الله خلاصة هذه القاعدة أن تحتها ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: إتلاف مال الغير يظنه له استناداً إلى سبب خاطئ

    القسم الأول: أن يتلف مال غيره يظنه ماله، وقد استند إلى سبب فنقول: يضمن السبب إن كان يمكن تضمينه، وإن كان لا يمكن تضمين السبب فيضمن المتسبب، ومثل المؤلف رحمه الله لذلك فقال: [منها: أن يشهد شاهدان بموت زيد فيقسم ماله بين ورثته، ثم يتبين بطلان الشهادة بقدومه حياً].

    هنا الآن الورثة أتلفوا مال مورثهم؛ بناءً على سبب، وتبين خطأ هذا السبب فيضمن هؤلاء، فشهدا بموت زيد فيقسم ماله؛ لأن هذه الشهادة زور، (ثم يتبين بطلان الشهادة بقدومه حياً) يضمن هذا المال لمالكه.

    ثم قال رحمه الله: [أو حكم الحاكم -القاضي- بمال ثم رجع الشهود وصرحوا بالخطأ أو التعمد بشهادة الزور، فإن الضمان يختص بهم]، يعني: شهدوا لزيد على عمرو، وزيد قد أخذ المال، ثم بعد ذلك الشهود أقروا بأنهم تعمدوا الخطأ، وأن شهادتهم زور، فالضمان يكون على الشهود، فيضمنهم القاضي.

    القسم الثاني: إتلاف مال الغير يظنه له استناداً إلى اجتهاد مجرد

    القسم الثاني: أن يتلف مال غيره يظنه ماله وقد استند إلى اجتهاد مجرد، قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان مستنداً إلى اجتهاد مجرد كمن دفع مالاً تحت يده إلى من يظنه مستحقاً، ثم تبين الخطأ ففي ضمانه قولان].

    مثال هذا القسم: دفع ماله إلى من يظنه مستحقاً ثم بعد ذلك تبين الخطأ، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: هل يضمن أو لا يضمن؟ فيه قولان، ومن أمثلة ذلك: لو دفع الزكاة إلى شخص يظنه مستحقاً، ثم بعد ذلك تبين له أنه غير مستحق، فهذا الرجل الآن أتلف المال، فهل يضمن أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: فيه قولان:

    القول الأول: أنه لا ضمان عليه؛ لأنه سلط على هذا المال، والذي دفع الزكاة أيضاً سقطت عنه؛ لأنه متعبد بالظن، ويدل لذلك حديث معن بن زائدة .

    والقول الثاني: أنه يضمن؛ لأنه في باطن الأمر غير مستحق، فيطالب بالضمان، والذي يظهر والله أعلم هو القول الأول؛ أنه لا ضمان عليه.

    القسم الثالث: التصرف في مال الغير يظنه له استناداً على حكم

    القسم الثالث: أن يتصرف في مال غيره يظنه له؛ لاعتماده على حكم نقض فيضمن ما أتلفه من هذا المال.

    مثال ذلك: أن يحكم له الحاكم بمال زيد، ثم بعد ذلك يتبين للحاكم أن الشهود كانوا زوراً، أو أنهم كانوا فساقاً ونحو ذلك، فينقض الحكم، هذا يظن أن المال له، واعتمد على هذا الظن ثم بعد ذلك نقض، فيضمن في هذه الحال.

    ولهذا قال المؤلف: [أو يحكم الحاكم بمال ويستوفى، ثم يتبين أن الشهود فساق أو كفار، فإن حكمه في الباطن غير نافذ]، يعني: المال لصاحبه، وأما في الظاهر فهو نافذ، وهل يجب نقضه؟ المذهب وجوب نقضه، فالظاهر نافذ، يعني: لو أنه استهلكه فإنه نافذ، لكن يجب أن ينقضه.

    1.   

    القاعدة السادسة والتسعون: من أدى واجباً عن غيره هل يرجع عليه؟

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة السادسة والتسعون: من وجب عليه أداء عين مال فأدى عنه غيره بغير إذنه].

    هذه القاعدة أداء الواجب عن الغير من مال الغير، تقدم لنا قاعدة وهي: أداء الواجب من مال الشخص نفسه، إذا أدى واجباً من مال الشخص نفسه (المؤدي)، مثلاً: أنفق على أهله، قضى الدين عنه... إلى آخره، هل يرجع عليه أو لا يرجع عليه؟ وذكرنا أنه يرجع عليه ما لم ينو التبرع، وهذه القاعدة: أداء الواجب على الغير من مال الغير، ليس من ماله وإنما من مال الغير.

    هذه القاعدة تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الأداء عن الغير ممن له ولاية عليه

    القسم الأول: أن يكون له ولاية على هذا الغير، فهذا لا ضمان عليه، وذكر المؤلف رحمه الله من أمثلته قال: [منها: لو امتنع من أداء دينه وله مال، فباع الحاكم ماله فوفاه عنه صح وبرئ منه ولا ضمان].

    فمن كان عليه دين ثم جاء القاضي وأخذ من ماله وباع ووفى الدين، هنا الآن أدى الواجب الذي على الغير من مال الغير، بلا ضرر، والقاضي له ولاية شرعية.

    قال رحمه الله: [أو امتنع من أداء الزكاة، أو تعذر استئذانه].

    فلو امتنع من أداء الزكاة ثم جاء السلطان وأخذ من ماله وأدى الزكاة للفقراء وجب عليه الزكاة من مال غيره، فليس عليه ضمان، (أو تعذر استئذانه) لغيبته ونحو ذلك، ليس عليه ضمان، وإخراج الزكاة وغيرها من مال المولى عليه، والمولى عليه مثل: المحجور عليه كاليتيم، فالولي أخرج الزكاة من مال اليتيم فليس عليه ضمان. فهو الآن أخرج الواجب على الغير من مال الغير، هذه أمثلة لهذا القسم.

    القسم الأول: أن يكون له ولاية شرعية على هذا الغير فلا ضمان.

    القسم الثاني: الأداء عن الغير ممن ليس له ولاية عليه

    القسم الثاني: أن يؤدي عن الغير ما وجب عليه من ماله بلا ولاية، يقول العلماء رحمهم الله: ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون متميزاً فيقولون: إذا كان متميزاً فإنه يجزئ ولا ضمان، مثل المؤلف رحمه الله فقال: [أو أخرج ما تعين من أضحية ونذر صدقة بغير إذنه] يعني: هذا الرجل قال: هذه الشاة أضحية، فجاء آخر وأخذ الأضحية وذبحها، هنا الآن أخرج الواجب من مال الغير، فهل له عليه ولاية أو ليس عليه ولاية؟

    ليس عليه ولاية، يجزئ أو لا يجزئ؟ يجزئ وتقع أضحية، يضمن أو لا يضمن؟ لا يضمن، فإذا كان متميزاً يجزئ ولا ضمان، ومثله أيضاً قال: (ونذر صدقة بغير إذنه، فلو قال: هذه الدراهم لله عز وجل صدقة، ثم جاء شخص فأ×ذها ووزعها على الفقراء، فهل تقع موقعها أو لا تقع موقعها؟ تقع موقعها ولا بأس، إذا كان متميزاً.

    القسم الثاني: ألا يكون متميزاً فهذا يضمن، إلا إذا قلنا بمسألة: وهي تصرف الفضولي، مثاله: رجل عنده ألف دينار، زكاتها خمسة وعشرون، ثم جاء شخص وأخذ خمسة وعشرين ديناراً وأخرجها للفقراء فهل يجزئ أو لا يجزئ؟

    المذهب: لا يجزئ، إلا إذا قلنا: بتصرف الفضولي فإنه يجزئ، والصحيح: أن تصرف الفضولي يجزئ.

    القسم الثالث: الأداء عن الغير عيناً لا يملكها

    القسم الثالث والأخير: أن يؤدي عن الغير عيناً لا يملكها، فهذا لا ضمان عليه، مثل: هذا الشخص عنده وديعة، فجاء شخص وأخذ الوديعة وردها على صاحبها، يجزئ أو ما يجزئ؟ لا ضمان عليه، ويجزئ. أو أنه غصب سيارةً وأخذ السيارة من المغصوب وردها على صاحبها، أو سرق سيارة أو كتاباً وأخذ الكتاب ورده على صاحبه، نقول هنا: يجزئ، يعني يكون عنده مال يجب عليه أن يؤديه، فيأتي الغير ويؤديه عنه.

    إذاً: القسم الثالث: أن يؤدي عن الغير عيناً يجب عليه أن يؤديها، لكنه ما أداها، عنده الوديعة أخذها وأعطاه، وكذا الأموال المغصوبة، والأموال المسروقة... إلى آخره.

    وذكر المؤلف رحمه الله فقال: [أن يكون الواجب أداءه غير مملوك وأداه الغير إلى مستحقه]، وقال: [منها: الغصوب والودائع... أو أرسل صيد المحرم]، هذا رجل محرم ومعه صيد، فجاء شخص وأرسله، هنا المحرم يجب عليه أن يرسل الصيد.

    1.   

    القاعدة السابعة والتسعون: في التصرف في أموال الغائب وأقسامه

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة السابعة والتسعون: من بيده مال، أو في ذمته دين يعرف مالكه ولكنه غائب يرجو قدومه... إلخ].

    في التصرف في أموال الغائب، إذا كان عندنا شخص غائب وانقطع خبره، كما يوجد اليوم: أناس يذهبون مع وجود وسائل الاتصال اليوم، إلا أنه الآن يوجد كثير من الناس خرج وغاب ولا ندري عنه هل هو حي أو ميت؟ ما هو الحكم بالنسبة لأمواله؟ وما حكم التصرف في أمواله؟ هذا ما أراد المؤلف رحمه الله بيانه فنقول: الغائب ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: التصرف في مال الغائب الذي يرجى قدومه

    القسم الأول: غائب يرجى قدومه، فهذا لا يجوز التصرف بماله إلا بإذن الحاكم -القاضي- إلا الأشياء التافهة، فهذه العلماء يقولون: لا بأس أن يتصدق بها عنه، ولهذا قال: [ولكنه غائب يرجى قدومه، فليس له التصرف فيه بلا إذن الحاكم إلا أن يكون يسيراً تافهاً فله الصدقة به عنه].

    القسم الثاني: التصرف في مال غائب لا يرجى قدومه ولا وارث له

    القسم الثاني: غائب لا يرجى قدومه، ولا وارث له، فهذا يجوز التصرف في ماله، لكن هل يشترط إذن القاضي أو لا يشترط إذن القاضي؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، والصحيح في ذلك أنه لا بد من إذن القاضي؛ لأن هذه مواضع اجتهاد.

    وأما بالنسبة لزوجته هل تتزوج أو لا تتزوج؟ فهذا يقسمه العلماء رحمهم الله إلى قسمين: غالب فقده السلامة، وغالب فقده الهلاك.

    فغالب فقده السلامة: أن يبلغ تسعين سنة منذ ولد، فغالب فقده الهلاك أربع سنوات، والرأي الثاني: أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي، وهذا هو الصواب، وعلى هذا نقول: إذا كان لا يرجى قدومه، نرجع إلى اجتهاد القاضي ونتصرف في ماله، فيقسم على ورثته، وتتزوج زوجته.. إلى آخره.

    القسم الثالث: التصرف في أموال لا يعرف مالكها

    القسم الثالث والأخير: أموال لا يعرف مالكها، فهذه الأموال التي لا يعرف مالكها، يتصدق بها مضمونةً له، مثلاً: عندنا رجل غصب غصوباً ولا يعرف أصحابه، أو سرق سرقات ولا يعرف أصحابها، أو عنده ودائع ولا يعرف أصحابها، أو ألقت إليه الرياح أموال شخص ولا يعرف صاحبها فيتصدق بها، ومتى جاء صاحبها ضمن له، إما يخيره بين أن يأذن بالصدقة ويكون له الأجر، أو يضمنها له، وهل له أن يأكل منها إذا كان فقيراً؟ يعني: إذا تاب، مثلاً: غصب غصوباً أو سرقة أو نهباً أو عنده ودائع ونحو ذلك، أو عليه ديون ونسي أصحابها... إلى آخره، هل له أن يأكل منها إذا كان محتاجاً؟ شيخ الإسلام يقول: لا بأس إذا تاب، فإنه يأكل بقدر حاجته.

    وقال المؤلف رحمه الله في المسائل: [اللقطة التي لا تملك] هذه صاحبها لا يعرف، لكن يباح الالتقاط ولا تملك إلا بعد مرور الحول، مثل: الدراهم والدنانير وصغار السباع والأمتعة ونحو ذلك، فهذه الأشياء تملك إذا مر عليها الحول، أما قبل ذلك فلا تملك، لكن إذا كانت تحتاج إلى نفقات، مثل: الخضروات وصار عليها فساد ونحو ذلك، أو الحيوانات مثل الشاة ونحوها صغار السباع، فنقول: الملتقط مخير بين أن يبيع ويحتفظ بالثمن أو أن ينفق عليها حتى يأتي صاحبها، أو أن يأكلها بثمنها، ويسأل ما هو الأصلح.

    قوله رحمه الله: [واللقيط الذي معه مال] هذا ينفق عليه من ماله، [والرهون والغصوب والودائع التي جهل أربابها] والديون التي جهل أربابها، هذه -كما قلنا- يتصدق بها مضمونةً لصاحبها.