إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحوال التي يجب فيها الضمان إذا تلف المضمون: قبض مال الغير بغير إذنه، وكذلك عند حصول التعدي أو التفريط بعد انفساخ العقود، وكذلك أيضاً ما تحصل في يد الوارث من وارثه من وديعة وغيرها إذا لم يبادر بردها. وهناك أعيان مضمونة لكنها لا تدخل تحت ملك أحد من الخ

    1.   

    تابع القاعدة الثالثة والأربعون: أقسام ما يضمن من الأعيان

    قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة الثالثة والأربعون: فيما يضمن من الأعيان بالعقد أو باليد... ] إلى آخره.

    هذه القاعدة ذكرنا أنها تتعلق بضمان الحقوق المالية، متى يضمن ومتى لا يضمن.. إلى آخره. وذكرنا أن هذه القاعدة تحتها عدة أقسام كما سنبين إن شاء الله، وبدأنا بالقسم الأول، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: (أن يقبضه بغير إذن المالك).

    القسم الأول: أن يقبض المال بغير إذن المالك، أي أن هناك إذناً شرعياً وإذناً عرفياً؛ فالإذن الشرعي كاللقطة، والإذن العرفي كالمنقذ لمال غيره من التلف.

    فهذا نقول بأنه لا ضمان عليه، فإذا أخذ اللقطة ثم تلفت في يده ولم يتعد ولم ويفرط فلا ضمان عليه، فكذلك أيضاً لو خشي على مال غيره من الهلاك بأن يكون المال بقرب النار، أو بقرب البحر، أو يكون الحيوان بقرب أرضٍ فيها سباع أو نحو ذلك، أو خشي عليه من اللصوص فقبضه ثم تلف في يده، فإنه لا ضمان عليه، وهذا القسم الأول.

    تابع ما ملك بعقد لازم ولم يقبضه المالك

    قال المؤلف رحمه الله: (أن يكون عقد على ملكه عقداً لازماً ولم يقبضه المالك بعد، فإن كان ممتنعاً من تسليمه فهو غاصب).

    هذا القسم الثاني والذي هو في عقود المعاوضات كالبيع، فإذا باع سيارته أو عقاره أو سلعة من سلعه فإنه يجب عليه أن يبادر بتسليم السلعة إلى المشتري، فإذا لم يسلم السلعة -منع البائع من تسليم السلعة للمشتري- فهذا حكمه حكم الغاصب، بمعنى أنه يضمن، والغاصب يضمن مطلقاً، لكن المؤلف رحمه الله تعالى استثنى فقال: (إلا حيث يجوز له الامتناع من التسليم). فالأصل أن البائع يجب عليه أن يبادر بالتسليم، إلا أن هناك مواضع لا يجب عليه أن يبادر بالتسليم، فحينئذ لا ضمان عليه.

    وهذه المواضع هي:

    الموضع الأول قال: (بتسليم العوض على وجه).

    وهذا تقدم لنا، هل له أن يحبس المبيع على الثمن أو لا، أي: حبس المبيع على ثمنه؟ يقولون: بمنعه، لكن على رأي المؤلف أن هناك من يقول بجواز حبس المبيع على ثمنه، فإذا قلنا بالجواز فإن البائع إذا حبس المبيع على ثمنه ثم تلف يضمن أو لا يضمن؟ يقولون: لا ضمان عليه.

    الموضع الثاني قال: (أو لكونه رهناً عنده).

    حبس المبيع لكونه رهناً، يعني: المشتري اشترى السلعة، وقال للبائع: اجعلها رهناً عندك وأقرضني كذا وكذا.. أو نحو ذلك، فهنا إذا تلفت عند البائع هل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: لا يضمن؛ لأن المرتهن أمين، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي، أو التفريط، فهنا البائع لا يأخذ حكم الغاصب؛ لأنه مأذونٌ له في الحبس؛ لأن المشتري أذن في حبسها بأن يجعلها رهناً.

    الموضع الثالث: (لاستثنائه منفعته مدة).

    أي إذا كان البائع قد استثنى منفعته مدة، وقد تقدم لنا أنه يجوز استثناء المنافع في عقود المعاوضات وعقود التبرعات، فإذا باعه السيارة وقال: بشرط أن أستخدمها لمدة يوم أو يومين.. إلى آخره، حبسها عنده ثم تلفت، هل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: لا ضمان عليه.

    الموضع الرابع: (إلا أن يكون المعقود عليه مبهماً لم يتعين بعد كقفيز من صبرة فإن عليه ضمانه في الجملة، وبما يخرج من ضمانه).

    ضمان البائع للمبيع

    القسم الثالث: البائع يضمن المبيع في سبع صور: ما بيع بكيل، ما بيع بوزن، ما بيع بعد، ما بيع بذرع، ما بيع بوصف، ما بيع برؤية سابقة، وبيع الثمر على الشجر.

    إذا بيع المبيع على وجه من هذه الوجوه السبعة ثم تلفت السلعة عند البائع فإنه يضمن ما دام أن المشتري ما قبض.

    ما بيع بكيل يعني: صورة ذلك: أن يبيعه البر كل صاع بكذا وكذا، اللحم كل كيلوا بكذا وكذا، بذرع: الثوب كل متر بكذا وكذا، بوصف: باعه السيارة صفتها كذا وكذا، برؤية متقدمة: باعه السيارة التي رآها بالأمس عنده، في الثمر على الشجر باعه الثمر بعد أن بدا صلاحها، في هذه الصور إذا تلف المبيع يكون من ضمان البائع.

    ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا تأخذ منه شيئاً؛ لم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)، وفي حديث جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح).

    ويستثنى من ذلك الذي يباع بلا تقدير جزافاً، تبيع الثياب، تبيع الآلات، تبيع السيارات، تبيع الأطعمة جزافاً، أو يباع برؤية مقارنة كأن تبيع السيارة الحاضرة.. فهذا يكون من ضمان المشتري.

    ضمان ما انفسخ عقده أو انتهى

    قال: [أن يعقد عليه عقداً أو أن ينقله إلى يد المعقود عليه ثم ينتهي العقد أو ينفسخ، وهو نوعان: أحدهما: أن يكون عقد معاوضة كالبيع إذا انفسخ بعد قبضه بعيب أو خيار، والعين المستأجرة إذا انتهت المدة، والعين التي أصدقها المرأة وأقبضها ثم طلقها قبل الدخول].

    القسم الرابع: إذا عقد على السلعة عقد معاوضة ثم بعد ذلك فُسخ العقد أو انتهت المدة ونحو ذلك، هل يده عليها يد ضمان أو ليست يد ضمان؟

    مثال ذلك: قال: (كالبيع إذا انفسخ بعد قبضه بعيب أو خيار).

    هذا الرجل اشترى السيارة ثم وجد فيها عيباً، فله أن يفسخ؛ لأنه وجد أن في السيارة عيباً، قال: فسخت، حتى وإن لم يواجه البائع يصح فسخه، الآن يده على السيارة، هل هي يد ضمان أو يد أمانة؟

    ذكر المؤلف رحمه الله خمسة أقوال، والصواب في هذه المسألة هو القول الرابع، وأنها يد أمانة، وهذا رأي ابن أبي القطان ، يعني: نقول بأنه مؤتمن عليها، لكن يجب عليه أن يبادر بردها كما تقدم في رد الأموال، فنقول بأن يده عليها يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، لكن كما سلف يجب عليه أن يبادر بالرد.

    وأيضاً من الأمثلة على ذلك: قال: (إذا فسخ لوجود الخيار).

    رجل اشترى السيارة وقال: لي الخيار لمدة ثلاثة أيام، وبعد أن مضى يوم بدا له أن يفسخ، فقال: فسخت، نقول: يده عليها يد أمانة، لكن يجب عليه أن يبادر بالرد، فإن تأخر في الرد يضمن، لكن إذا ما تأخر في الرد ثم تلفت ولم يتعد ولم يفرط فنقول: من ضمان البائع، وليس من ضمان المشتري؛ لأن المشتري يده عليها يد أمانة، فهي تلفت ويرجع على البائع بالثمن؛ لأنه فسخ الآن.

    وقال: (والعين المستأجرة إذا انتهت المدة).

    استأجر سيارة لمدة أسبوع وانتهت المدة، الآن لما انتهت المدة المستأجر يده على هذه السيارة يد أمانة، لكن إن تعدى أو فرّط ضمن، وإذا لم يتعد ولم يفرّط فإنه لا ضمان عليه.

    فيقول بأن يده عليها يد أمانة.

    بعض الفقهاء يقولون: هل يجب عليه أن يردها أو يتركها؟ عُرْف الناس اليوم أنه يبادر بردها، فنقول: بادر بردها، وهم يقولون: يتركها في مكانها.

    ومثله أيضاً: قال: (والعين التي أصدقها المرأة وأقبضها ثم طلقها قبل الدخول).

    إذا طلّق الزوج زوجته قبل الدخول والخلوة، وعيّن المهر، المرأة ما لها من المهر؟ والزوج ما له من المهر؟ النصف، وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة:237]، فالزوج له النصف، والزوجة لها النصف.

    مثلاً: زوجها أصدقها سيارة ثم طلقها قبل الدخول أو الخلوة، فله النصف ولها النصف، ويده على هذا المال يد أمانة.

    الضمان في عقد الأمانة إذا فسخ

    قال: [أن يكون غير معاوضة، كعقد الرهن إذا وفّى الدين، وكعقد الشركة، والمضاربة، والوديعة، والوكالة إذا فُسخ العقد، والمال في أيديهم].

    القسم الخامس: أن يكون العقد عقد أمانة وفُسخ، فيد المؤتمن على هذا المال يد أمانة ولا ضمان عليه، لكن يجب عليه أن يبادر بالرد كما تقدم لنا في القاعدة السابقة.

    فمثلاً: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كعقد الشركة، والمضاربة، والوديعة، والوكالة).

    أنت أعطيته دراهم لكي يشتري لك سيارة ثم فسخت، فيده على هذه الدراهم يد أمانة، فلا يضمن لو تلفت.

    أعطيته سيارة لكي يبيعها ثم قلت: أنا استخرت فلا تبع السيارة، أرجعها، فنقول: يده على هذه السيارة يد أمانة، لو تلفت فلا ضمان عليه.

    ومثله أيضاً في الشركة، فإذا فُسخ العقد وبقيت أموال من أموال الشركة تحت يد الشريك، فنقول بأن اليد يد أمانة ولا يضمن إلا إن تعدى أو فرّط، والمضارب العامل يده على هذه يد أمانة لا يضمن إلا إن تعدى أو فرّط.

    أيضاً عقد الرهن على العين المرهونة إذا وفّى الراهن. أعطاه السيارة رهناً، ثم جاء له بالمال، والرهن هو هذه السيارة، فإن يد المرتهن عليها يد أمانة.

    ذكر الخلاف، لكن أرجح الأقوال في هذا هو القول الرابع الذي مشى عليه أبو الخطاب رحمه الله.

    ضمان الأمانات والهبات إذا فسخت

    القسم السادس: قال: [الأمانات كالوكالة، والوديعة، والشركة، والمضاربة، والرهن.. إذا انتهت أو انفسخت، والهبة إذا رجع فيها الأب أو قيل بجواز فسخها مطلقاً كما أفتى فيه الشيخ تقي الدين ، ففيها وجهان:

    أحدهما: أنه غير مضمون. صرّح به القاضي.

    والوجه الثاني: أنه يصير مضموناً إن لم يبادر إلى الدفع إلى المالك].

    الأمانات إذا فُسخت فإن يد الأمين عليها يد أمان، وذكر المؤلف رحمه الله في هذه المسألة رأيين:

    الأول: الأمانات كالوكالة والوديعة والشركة والمضاربة والرهن، إذا انتهت كأن تكون المضاربة محددة لمدة سنة ثم بعد ذلك انتهت المضاربة، فإن يد المضارَب على المال يد أمان، أو مثلاً: الشركة محددة لمدة سنة، أي: شركة الوجوه أو شركة العنان اتفقا على سنة، ثم بعد ذلك تنتهي الشركة، فإن يد الشريك عليها يد أمان.

    الثاني: الوكالة إذا فسخت فإن يد الوكيل على المال يد أمانة، والوديعة إذا فسخت فإن يد المودع عليها يد أمانة.

    قال: (والهبة إذا رجع فيها الأب).

    الأب له أن يرجع في هبته لولده، أي: إذا وهب ولده فإن له أن يرجع، ولكن الأصل أنه لا يجوز الرجوع في الهبة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس : (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)، إلا الوالد كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد)، فالوالد يجوز له أن يرجع، فلو وهب ولده ثم رجع قال: رجعت، تبقى يد الولد على العين الموهوبة يد أمان.

    قال: (أو قيل بجواز فسخها مطلقاً كما أفتى به الشيخ تقي الدين رحمه الله).

    أي: شيخ الإسلام رحمه الله، فهو يرى أنه يجوز الرجوع في الهبة بالشرط؛ لأن القاعدة عند شيخ الإسلام في الشروط في العقود: أن الشروط في العقود تصح في كل العقود، يعني: خيار الرجوع، فـشيخ الإسلام يقول: خيار الشرط يصح في كل العقود، وهذا يريح الإنسان، أي أن خيار شرط الرجوع يصح في كل العقود؛ فلك أن تهب هبة وتقول -على كلام شيخ الإسلام -: وهبتك الكتاب لكن لي الخيار أن أرجع، ووقّفت هذا البيت لكن لي الخيار أن أرجع.. فـشيخ الإسلام يرى بأن هذا جائز مع أن الجمهور لا يرون جواز ذلك.

    وعلى كلام شيخ الإسلام يصح خيار الرجوع حتى في النكاح، فلو قالت المرأة: أنا أتزوج هذا الرجل لكن لي الخيار لمدة أسبوع أو أسبوعين؛ فربما أنه سيئ الخلق، وربما أنه ناقص الدين، وربما.. إلى آخره، فلها حق الخيار.

    وعلى كلام شيخ الإسلام الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله: أنه إذا اشترط الخيار ثم فسخ تكون يد الموهوب له على هذه الهبة يد أمان.

    ضمان من حصل المال في يده بغير فعله

    القسم السابع: قال المؤلف رحمه الله: [أن تحصل في يده بغير فعله، كمن مات مورثه وعنده وديعة أو شركة أو مضاربة فانتقلت إلى يده، فلا يجوز له الإمساك بدون إعلام المالك].

    أي: إذا حصل المال في يده بغير فعله، كمن مات مورثه وعنده وديعة أو شركة أو مضاربة فانتقلت إلى يده، يعني: انتقلت إلى يد الوارث.

    مثال ذلك: هذا رجل عنده وديعة ثم مات، ثم انتقل المال إلى الوارث، فالوارث يجب عليه أن يبادر بالرد، فلو تأخر في الرد يضمن.

    قوله: (أو شركة، أو مضاربة). معنى ذلك أن هذا الرجل عنده شركة مع شخص ثم مات شريكه، فإذا مات الشريك انتهت الشركة؛ لأن الأهلية زالت وأصبحت أموال الشركة عند الشريك، فيجب عليه أن يبادر بالرد، ويده عليها يد أمانة، وأن يُعلم ورثته.

    ومثله أيضاً: المضاربة.

    ضمان ما يقبض من المالك بعقد لا يحصل به الملك

    قال المؤلف رحمه الله: [فصل: وأما ما قُبض من مالكه بعقد لا يحصل به الملك ثلاثة أقسام:

    أحدها: ما قبضه آخذه لمصلحة نفسه كالعارية فهو مضمون].

    هذا القسم الثامن وهو ما قبضه بإذن مالكه لمصلحته -لمصلحة القابض- كالعارية، يقول المؤلف رحمه الله: العارية مضمونة، وعلى هذا لو استعار كتاباً ثم تلف عنده فإنه يضمن مطلقاً، وهذا المشهور من المذهب، والرأي الثاني: أن العارية أمانة، وأنها لا تُضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وهذا هو الصواب.

    قال: (القسم الثاني: ما أخذه لمصلحة مالكه خاصة كالمودع فهو أمين محض وكذا الوصي والوكيل بغير جعل).

    هذا القسم الثاني: ما قبضه بإذن مالكه لمصلحة المالك، وفي القسم الذي قبله العارية لمصلحة القابض، ولمصلحة المالك مثل: الوديعة، ومثل الوصي، فالوصي إذا قبض أموال الأيتام فهو هنا أمين، ومثل الوكيل مجاناً، يعني: أن تعطيه المال لكي يشتري لك سلعة أو تعطيه السلعة لكي يبيعها مجاناً، فهنا يده يد أمانة، وإذا قبض المال بإذن مالكه لمصلحة المالك، فهذا يده يد أمانة، ولا ضمان عليه إلا إذا تعدى أو فرّط.

    قال: [القسم الثالث: ما قبضه لمنفعة تعود إليهما].

    أي: قبضه بإذن المالك لمصلحتهما جميعاً، فعندك قبضه لمصلحة القابض.. قبضه لمصلحة المالك.. قبضه لمصلحتهما جميعاً.

    فأما لمصلحة القابض، فيقول المؤلف: إنه مضمون، وأما لمصلحة المالك فهي أمانة، أي غير مضمون، وأما لمصلحتهما جميعاً فهو نوعان:

    قال: [وهو نوعان: أحدهما: ما أخذه على وجه الملك فتبين فساده، أو على وجه السوم. فالأول كالمقبوض بعقد فاسد وهو مضمون في المذهب، وكذا المقبوض على وجه السوم].

    فهل يكون المقبوض على وجه السوم مضموناً أو ليس مضموناً؟ ذكرنا أن له ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن يقطع الثمن، أي: أن يقبضه على وجه السوم ويقطع الثمن. فهذا مضمون على المذهب.

    الصورة الثانية: أن يقبضه على وجه السوم لكن دون قطع الثمن -يعني: تساوما- فهذا يقول: بعشرة، وهذا يقول: بتسعة، ولا يقطع الثمن. فهذا مضمون.

    الصورة الثالثة: أن يقبضه دون قطع للثمن، أو دون مفاصلة في الثمن، أي: يقبضه لكي يري أهله. وهذا حكمه أنه أمانة.

    النوع الثاني: المقبوض بعقد فاسد -كالقصد- يقولون بأنه مضمون، فالمقبوض على وجه السوم مضمون، والصحيح أنه أمانة، وأما المقبوض بعقد فاسد فيكون حكمه حكم المقصود، أي: أنه مضمون.

    قال: (ما أخذه على وجه التمليك، كالرهن والمضاربة والشركة والوكالة بجعل، والوصية كذلك، فهذا كله أمانة على المذهب).

    فأصبح عندنا بالنسبة للأمانة:

    ما قبضه بإذن المالك لمصلحة القابض فهذا حكمه مضمون.

    ما قبضه لمصلحة المالك غير مضمون أمانة.

    ما قبضه لمصلحتهما جميعاً فإنه أمانة.

    والصحيح أنه في كل الصور الثلاث الأخيرة أنه في حكم الأمانة.

    قال: (فهذا كله أمانة على المذهب)، لمصلحتهما جميعاً.

    فالقسم قبل الأخير: ما قبضه بإذن المالك لمصلحتهما جميعاً، فهذا حكمه حكم الأمانة، والصواب أنه إذا قبضه لمصلحة القابض، أو لمصلحة المالك، أو لمصلحتهما جميعاً أن هذا كله حكمه حكم أمانة.

    ومثّل المؤلف: كالرهن لمصلحتهما جميعاً، فالراهن منتفع والمرتهن منتفع.. فللمرتهن التوثق، وللراهن التوسع بالمال، أو الإفادة من المال، وكذلك المضاربة.. فهذا منتفع وهذا منتفع، والشركة.. فهذا منتفع وهذا منتفع، والوكالة بجعل.. الوكيل منتفع بأخذ الجعل والموكل منتفع بقضاء الحاجة، والوصية بجعل أيضاً، مثلاً قال: تقوم على أموالي، وتعمل في أموالي كذا وكذا ولك الخمس، فهذا لمصلحتهما جميعاً؛ فالأموال تحت أيديهم حكمها حكم الأمانة.

    أنواع الأعيان باعتبار الضمان والملكية

    القسم الأخير قال: [تنبيه: من الأعيان المضمونة ما ليس له مالك من الخلق، وما له مالك غير معيّن].

    وهذا القسم على نوعين:

    النوع الأول: ما ليس له مالك من الخلق.

    والنوع الثاني: ما له مالك غير معيّن.

    قال: [فالأول كالصيد إذا قبضه المحرم فإنه يجب تخليته وإرساله، وسواءٌ ابتدأ قبضه في الإحرام، أو كان في يده ثم أحرم. وإن تلف قبل إرساله؛ فإن كان بعد التمكن منه وجب ضمانه للتفريط، وإن كان قبله لزمه الضمان فيما ابتدأ قبضه في الإحرام دون ما كان في يده قبله لتفريطه في الأولى دون الثانية].

    هذا النوع الأول، كالصيد إذا قبضه المحرم، فهذا ليس فيه إشكال، فإن الصيد إذا قبضه المحرم نقول: إنه مضمون في يده، ولو تلف حال قبضه فإنه يجب عليه الجزاء -جزاء الصيد- فإن الصيد إذا قبضه المحرم يجب عليه تخليته وإرساله، فإن لم يخلِّ ولم يرسل وتلف في يده فإنه يجب عليه الجزاء، فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95].

    قال: (سواء ابتدأ قبضه في الإحرام) أي: إذا قبضه وهو محرم.

    قال: (أو كان في يده ثم أحرم). قلنا بأن المحرم إذا أحرم وفي يده صيد فإن اليد تنقسم إلى قسمين: اليد المشاهدة، واليد الحكمية.

    فيقولون: إذا أحرم وفي يده صيد فإنه يجب عليه أن يرسله؛ لأن يده هذه يد المشاهدة، أما يد الحكمية كأن يكون الصيد في بيته ونحو ذلك، فهذا لا يجب عليه أن يرسله.

    قال: (لو كان في يده ثم أحرم، وإن تلف قبل إرساله). أي: أحرم وبيده الصيد، ولكنه تلف قبل أن يرسله.

    قال: (فإن كان بعد التمكن منه)، أي: من الإرسال (وجب ضمانه للتفريط)، أي: أحرم في يده، وتمكن من إرساله ولكنه لم يرسله، ثم تلف، فهذا يجب عليه أن يضمن لأنه مفرط؛ لأن الواجب عليه أن يبادر في الإرسال.

    قال: (وإن كان قبله)، أي: قبل التمكن من الإرسال، قال المؤلف: (لزمه الضمان فيما ابتدأ قبضه في الإحرام دون ما كان في يده قبله).

    يقول المؤلف رحمه الله: ما قبضه المحرم يضمنه مطلقاً، سواءٌ تمكن من الإرسال أو لم يتمكن من الإرسال، فما قبضه وهو محرم متلبس بالإحرام يجب عليه ضمانه، سواءٌ تمكن أو لم يتمكن.

    أما إن أحرم والصيد في يده، فإن تمكن من إرساله ولم يرسله وتلف، فإنه يضمن، وإن لم يتمكن من إرساله حتى تلف فإنه لا ضمان عليه.

    لكن قلنا: إن ما ذكره المؤلف رحمه الله من أنه إذا قبضه وهو محرم فهذا لا شك أنه متعدٍ وأنه لا يجوز له أن يقبضه وهو محرم، وإذا تلف في يده فإنه يضمن، سواء تمكن من إرساله أو لم يتمكن.

    ولكن إذا أحرم وقد قبض الصيد وهو حلال، فهم يفرقون بين اليد المشاهدة واليد الحكمية، والصواب أنه لا فرق، وأنه لا يلزمه إرساله؛ لأن المحرم عليه هو أن يصيد وهو مُحرِم، أما هنا فقد صاد وهو حلال.

    قال: (وما له مالك غير معيّن) مثل: الزكاة، فالزكاة لها مالك غير معيّن وهم الفقراء والمساكين، فالفقراء والمساكين هم ملّاك الزكاة، لكنهم غير معينين.

    قال: [والثاني: الزكاة إذا قلنا: تجب في العين، فالمذهب وجوب الضمان بتلفها بكل حال].

    الزكاة يقول المؤلف رحمه الله: لا يُشترط التمكن من الأداء، فإذا حال الحول حتى وإن لم تتمكن من الأداء وتلفت باحتراق المال أو سرقه.. إلى آخره، فإنه يجب عليك أن تخرج الزكاة.

    والصواب في ذلك: أن التمكن من الأداء شرط، وأنه لا يجب عليه أن يخرج الزكاة حتى يتمكن من الأداء.

    قال: [لأنها وجبت شكراً لنعمة المال النامي الموجود في جميع الحول، فهي شبيهة بالمعاوضة، ويستثنى من ذلك ما لم يدخل تحت اليد، كالديون والثمر في رؤوس الشجر لانتفاء قبضه وكمال الانتفاع به].

    يقول المؤلف رحمه الله: إن الزكاة إذا حال الحول فأنت ضامن لها، ولا يشترط التمكن من الأداء، فإذا تلفت فإنه يجب عليك أن تخرج الزكاة.

    واستثنى مسألتين:

    المسألة الأولى: الثمر على رؤوس النخل، أي: إذا بدا الصلاح وجبت الزكاة، لكن جاءت جائحة وأتلفته، هل يضمن؟ مع أنه وجبت عليه الزكاة؛ لأن الزكاة تجب ببدو الصلاح في الثمر، فإذا جاءت أمطار وأتلفت الثمار، أو جاءت الحشرات، أو جاءت رياح أو نحو ذلك وأتلفته، هل نقول: يجب عليك أن تخرج الزكاة، أو نقول: ما يجب عليك أن تخرج الزكاة؟

    يقول المؤلف: الثمر على رؤوس النخل أو على رؤوس الشجر لا يجب عليك أن تخرج الزكاة.

    ولكن لو جذذت الثمر ثم جاءت الأمطار وأتلفته، فنقول: وجبت عليك الزكاة؛ لأنك جذذت الثمار ووضعتها في مكان التيبيس والتشميس، ثم جاءت الأمطار والرياح وأتلفته، فيقولون بأنك تضمن الزكاة، ولكن ما دام على رؤوس النخل ولم تضعه في البيادر ونحو ذلك، فيقولون بأنك لا تضمن.

    أيضاً المسألة الثانية قال: الديون، والديون على المذهب تجب فيها الزكاة.

    أي أنك لو كنت تريد من زيد مائة ألف فإنه يجب عليك أن تزكي عليها كل سنة، سواءٌ كان على معسر أو كان على ملي، والملي باذل، أو مماطل، فإنهم يقولون: يجب عليك أن تزكيها.

    أما إذا كان الرجل الذي عنده أموال وأنت تريد منه ديناً تلفت أمواله، فهل يجب عليك أن تخرج الزكاة أو لا يجب؟ نقول في هذه الحالة: لا يجب عليك أن تخرج الزكاة.

    فالخلاصة في هذه القاعدة ذكرنا لها عشرة أقسام أو أحد عشر قسماً في الضمان، والتي قبلها في إخراج الأموال وفي أداء الواجبات المالية.

    1.   

    القاعدة الرابعة والأربعون: هل يقبل قول الأمين في الرد والتلف

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الرابعة والأربعون: في قبول قول الأمناء في الرد والتلف.

    أما التلف: فيقبل فيه قول كل أمين؛ إذ لا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان.

    وأما الرد: فالأمناء ثلاثة أقسام:

    الأول: من قبض المال لمنفعة مالكه وحده، فالمذهب أن قولهم في الرد مقبول.

    والقسم الثاني: من قبض المال لمنفعة نفسه كالمرتهن، فالمشهور أن قوله في الرد غير مقبول.

    القسم الثالث: من قبض المال لمنفعة مشتركة بينه وبين مالكه، ففي قبول قولهم وجهان، أشهرهما: عدم القبول ].

    هذه القاعدة الرابعة والأربعون في الأمناء، والأمناء: جمع أمين، والأمين: هو كل من قبض المال بإذن الشارع أو بإذن المالك.

    فإذن المالك مثل: الوديعة، العارية، العين المؤجرة، فهذه قبضها بإذن المالك.

    وبإذن الشارع مثل: اللقطة. يعني: اللقطة الشارع أذن لك أن تلتقطها، ومثل: مال اليتيم.

    هذه القاعدة في الرد والتلف، أي: قول الأمين في الرد، وقول الأمين في التلف.

    أقسام الأمناء في التالف

    قال: (أما التلف فيقبل قول كل أمين؛ إذ لا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان).

    التلف يقبل فيه قول الأمين في الأقسام الثلاثة؛ لأن الأمين ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أمين قبض المال لمصلحته هو، مثل: العارية.

    القسم الثاني: أمين قبض المال لمصلحة مالكه، مثل: الوديعة.

    القسم الثالث: أمينٌ قبض المال لمصلحتهما جميعاً، مثل: المضاربة.

    هذه القاعدة نقسمها إلى قسمين:

    القسم الأول: قبول قول الأمين في التلف.

    مثال ذلك: لو وكلت شخصاً وأعطيته دراهم يشتري سيارة، ثم جاء وقال: الدراهم سُرقت أو احترقت، فهل نقبل قوله في التلف أو لا نقبل قوله؟

    فنقول: يُقبل قوله سواء قبض لمصلحته، أو لمصلحة مالكه، أو لمصلحتهما جميعاً، ويقبل قوله في التلف.

    مثاله: قال المستعير: العارية تلفت، يقبل قوله؛ لأن هذا هو معنى الأمانة، وكما قال المؤلف: (إذ لا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان).

    وكذلك المستأجر إذا استأجر السيارة ثم بعد ذلك حصل عليها حادث، فقال: أنا ما تعديت ولا فرّطت، أي أنها تلفت ولم يتعد ولم يفرط، فنقول: يقبل قول الأمين مطلقاً في التلف وفي نفي التعدي والتفريط.

    هذا القسم الأول وهو: قبول قول الأمين في التلف، وفي نفي التعدي والتفريط.

    أقسام الأمناء في الرد

    القسم الثاني: قبول قول الأمين في الرد.

    مثال ذلك: لو قلنا: أعطنا المال، قال: أنا رديت المال، فهل يُقبل قوله أو لا يقبل قوله؟

    قال المؤلف رحمه الله: (أما الرد فالأمناء ثلاثة أقسام).

    أما بالنسبة للتلف فنقبل قوله مطلقاً، أي كل من ادعى أن العين تحت يده فتلفت قبلنا قوله سواء قبضها بإذن المالك أو بإذن الشارع، أو قبضها لمصلحة المالك، أو لمصلحته هو، أو لمصلحتهما جميعاً، فإذا ادعى التلف فإن قوله مقبول، وكذلك أيضاً إذا ادعى عدم التعدي والتفريط فنقول أيضاً بأن قوله مقبول.

    أما بالنسبة إلى الرد، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأما الرد: فالأمناء ثلاثة أقسام:

    الأول: من قبض المال لمنفعة مالكه وحده، فالمذهب أن قولهم في الرد مقبول)، كالمودع.

    مثلاً: قلنا له: أعطنا الوديعة، قال: الوديعة أنا رديتها، قال المالك: لا ما رديتها، قال: إلا رديتها عليك. فنقول: يُقبل قوله.

    ومثل ذلك أيضاً: الوكيل إذا كان متبرعاً، وناظر الوقف إذا كان متبرعاً، والوصي إذا كان متبرعاً، فهؤلاء كلهم قبضوا المال لمنفعة مالكه؛ لأنه ليس له شيء فنقبل قوله في الرد.

    القسم الثاني: قال: (من قبض المال لمصلحة نفسه).

    وهذا مثل المستعير، والمؤلف رحمه الله قال: (كالمرتهن)، والمرتهن: هو قبض المال لمنفعتهما جميعاً، ولكن المستعير هنا قبض المال لمصلحته هو، أي: لمصلحة القابض وليس لمصلحة المالك.

    قال: (فقوله في الرد غير مقبول).

    فإذا قبض المال لمصلحة القابض ليس لمصلحة المالك مثلاً قلنا للمستعير: أعطنا الكتاب الذي استعرت، قال: رديته، فنقبل قوله أو ما نقبل قوله؟ يقول المؤلف: ما يُقبل قوله.

    القسم الثالث: (من قبض المال لمصلحة مشتركة بينه وبين مالكه) فالمؤلف يقول: ما يقبل قوله، مثل: المضاربة، والشريك، والمرتهن، فقبض المال لمصلحتهما جميعاً.

    مثلاً قلنا للمضارب: أعطنا المال -مال المضاربة- قال: رديته، أو قلنا للشريك: أعطنا مال الشركة قال: رديته، فهل يُقبل قوله أو ما يُقبل؟ يقول المؤلف رحمه الله: ما يُقبل قوله.

    فأصبح الذي يُقبل قوله على كلام المؤلف: هو الذي قبض المال لمصلحة المالك فقط، فكل الأمناء ما يُقبل قولهم إلا من قبض المال لمصلحة المالك، مثل: المودع، والوصي، والوكيل، وناظر الوقف إذا كان مجاناً عمله.

    والخلاصة أننا كما نقبل قوله في التلف -الأمين- ونقبل قوله في نفي التعدي والتفريط، أيضاً الصحيح أن نقبل قوله في الرد مطلقاً في كل الأقسام الثلاثة.

    فالصواب أن لا نفرّق؛ لأن هذا مقتضى الأمانة، فالتلف أعظم من الرد، فهو يقول: أنا رديت، لكن التلف يقول: تلف، فهو أعظم من الرد، أو مساوٍ للرد.

    فالصواب أن الأمين يُقبل قوله في أقسامه الثلاثة: في التلف، وفي نفي التعدي والتفريط، وكذلك أيضاً في الرد لو قال: رديت.

    مدى قبول قول عامل الصدقة وعامل الخراج في الدفع للمستحقين

    يقول المؤلف رحمه الله: [تنبيه: عامل الصدقة مقبول القول في دفعها إلى المستحقين ولو كذّبوه بغير خلاف].

    عامل الصدقة: هو الذي يبعثه الإمام لجلب الصدقة وإعطائها المستحقين، وإذا أخذ الصدقة من أهلها وأعطاها للمستحقين، ثم كذّبه الفقراء وقالوا: ما أعطانا شيء، وقال العامل: وزعته على الفقراء.

    يقول المؤلف رحمه الله: قوله مقبول؛ لأنه أمين ولا ضمان عليه.

    يقول: (بخلاف عامل الخراج).

    الخراج: ما يضربه الإمام عن الأرض الخراجية، أي: أرض مصر، والشام، والعراق، فهذه لما فُتحت وقّفها عمر رضي الله تعالى عنه وجعل عليها خراجاً يؤخذ ممن هي بيده، يقوم باستثمارها ويدفع الخراج إلى بيت المال، فإذا بعث الإمام هذا العامل لكي يأخذ الخراج ويضعه في بيت المال أو يوزعه على المستحقين، وكذّبه المستحقون، فيقول المؤلف رحمه الله: فرقٌ بين عامل الخراج وبين عامل الصدقة، فعامل الصدقة يُقبل قوله، وأما عامل الخراج إذا كذّبه المستحقون يُقبل قوله.

    أيضاً قال المؤلف رحمه الله: [ وإن ادعى الرد إلى غير من ائتمنه بإذنه، أو ادعى وارثه الرد، أو ادعى الرد إلى وارث صاحب الأمانة. فالمشهور عدم القبول في جميع ذلك ].

    قال: (وإن ادعى الرد إلى غير من ائتمنه)، مثلاً قلنا: أعطنا الأمانة التي عندك، قال: الأمانة أنا أعطيتها زوجة صاحب المال، أو قال: أعطيتها وكيل صاحب المال، أو قال: رددتها إلى أبي صاحب المال، وقال له صاحب المال: أعطني الأمانة -الوديعة أو العارية- قال: أنا رددت الوديعة إلى أبيك، فهل ائتمنه أبوه أو ائتمنه صاحب الوديعة؟ فصاحب الوديعة هو الذي ائتمنه، أما أبوه لم يأتمنه فنقول: ما يُقبل قوله في الرد.

    فإذا ادعى الرد إلى غير من ائتمنه بإذنه ما يُقبل، فقال: أنا رددتها إلى أبيك بإذنك، فنقول: قوله لا يقبل.

    قال: (أو ادعى وارثه الرد) مثاله: هذا الرجل عنده وديعة، والمودِع مات، ثم جئنا إلى ورثة المودَع: وقلنا لهم: أعطونا الوديعة، قالوا: الوديعة قد رددناها، فهل يُقبل قولهم أو ما يُقبل؟ نقول: إن قول الورثة هنا لا يقبل؛ لأن المالك المودِع إنما ائتمن المودَع وما ائتمن الورثة، فلا نقبل قولهم ولا بد من بيّنة.

    قال: (أو ادعى الرد إلى وارث صاحب الأمانة) أي: المالك هنا هو الذي مات، وأما الصورة التي قبلها فإن المودَع أو الأمين هو الذي مات، فادعى ورثته الرد فلا يقبل قولهم؛ لأن هنا الذي مات هو المالك، وكذلك إذا ادعى الرد إلى وارث صاحب الأمانة، فالمالك هنا هو الذي مات، وأتى الورثة إلى الأمين، قالوا: أعطنا الأمانة. قال: رددتها إليكم، فقوله: لا يقبل، لكن لو قال: رددتها إلى الأمين قُبل؛ لأن الورثة لم يأتمنوه.

    قال: (فالمشهور عدم القبول في جميع ذلك) أي: في هذه الصور الثلاث، فإذا رد إلى غير من ائتمنه بإذنه، أو ادعى وارثه الرد -وارث الأمين- أو ادعى الرد إلى وارث صاحب الأمانة ففي هذه الصور الثلاث يقول: (فالمشهور عدم القبول في جميع ذلك).