إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المال الخارج على وجه العبادة إذا طرأ عليه ما يمنع إجزاءه أو وجوبه فلا يعود إلى مخرجه، ومن شرع في عبادة لازمة ثم فسدت فيجب قضاؤها على الصفة التي أفسدها. ومن أحكام الاستثناء أن اللفظي منه يشترط فيه أن يكون معلوماً في عقود المعاوضات، ولا يشترط ذلك في عقود ال

    1.   

    القاعدة الثامنة والعشرون: الضمان إذا حصل التلف من فعلين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الثامنة والعشرون: إذا حصل التلف من فعلين أحدهما مأذون فيه والآخر غير مأذون فيه، وجب الضمان كاملاً على الصحيح، وإن كان من فعلين غير مأذون فيهما فالضمان بينهما نصفين، حتى لو كان أحدهما من فعل من لا يجب الضمان عليه لم يجب على الآخر أكثر من النصف].

    ذكرنا أن القاعدة السابعة والعشرين تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون النفع فيمن أتلف نفساً أو أفسد عبادة يعود إلى المتلِف، وحينئذ لا ضمان عليه.

    مثاله: إذا أتلف نفساً كأن صال عليه آدمي أو حيوان سواء بدنه، أو ماله، أو حرمته فدافعه بالأسهل فالأسهل فتلف فإنه لا ضمان عليه.

    ومثاله إذا أفسد عبادة: كالحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان خوفاً على أنفسهما، فلا كفارة عليهما ولا ضمان، لكن يجب عليهما القضاء كالمريض.

    القسم الثاني: أن يكون النفع عائداً إلى غير المتلِف، فإذا أتلف نفساً أو أفسد عبادة بنفع غيره فإنه يضمن.

    مثاله إذا أتلف نفساً: صال صائلٌ على الغير، كأن صال على بدنه أو ماله أو حرمته، فجاء شخص ودافع عن الغير حتى أتلف الصائل، فهل يضمن أو لا يضمن؟

    المؤلف رحمه الله يقول بأنه: يضمن، والصواب أنه لا يضمن؛ لأن الصحيح أنه يجب عليه أن يدافع عن نفسه، وعن غيره، وأيضاً عن عرضه، وقال شيخ الإسلام أيضاً: وعن ماله. يعني: يجب عليه أن يدافع عن مال الغير.

    وهذا هو الصواب في هذه المسألة، وإذا كان يجب عليه ذلك فماذا يترتب على مأذون غير مضمون؟! الصواب أنه لا ضمان عليه.

    وأما بالنسبة لإفساد العبادة فإنه يضمن، فالحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على ولديهما فالفقهاء رحمهم الله يقولون: يجب مع القضاء كفارة، فهنا يكون الضمان، وهو الكفارة؛ لأنهما أفسدتا العبادة لنفع الغير.

    أما في الأقسام الثلاثة فلا ضمان، يعني: إذا أتلف نفساً، أو أفسد عبادة بنفع نفسه، أو أتلف نفساً بنفع غيره.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (القاعدة الثامنة والعشرون: إذا حصل التلف من فعلين أحدهما مأذون فيه والآخر غير مأذون فيه وجب الضمان كاملاً على الصحيح، وإن كان من فعلين غير مأذون فيهما فالضمان بينهما نصفين).

    هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    حصول التلف من فعل مأذون فيه وغير مأذون فيه

    القسم الأول: أن يحصل التلف من فعل مأذون فيه وغير مأذون فيه.

    فالضمان يكون للفعل الذي لم يؤذن فيه، أما الفعل الذي أذن له فيه فإنه لا ضمان عليه.

    ومن صور هذه القاعدة: أن حد القذف ثمانون جلدة، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4]. فلو أن الجلاد زاد سوطاً، يعني: بدلاً من أن يجلد ثمانين جلدة جلد واحداً وثمانين أو اثنين وثمانين.. إلى آخره، ثم بعد ذلك تلف المجلود، أو فسد عضو من أعضائه، أو تلفت منفعة من منافعه.

    فهنا اجتمع عندنا فعلان: فعلٌ مأذونٌ فيه وهو الثمانون الأولى، وفعل غير مأذون فيه وهو السوط الزائد.

    فنقول: الضمان على من يكون؟

    الثمانون وهي الفعل الأول لا يتعلق به ضمان، إنما الذي يتعلق به الضمان هو السوط الأخير، فهنا حصل التلف بفعل مأذون فيه وفعل غير مأذون فيه، فنقول: بأن الضمان لا يتعلق بالفعل المأذون فيه، وإنما يتعلق بالفعل غير المأذون فيه.

    وعلى هذا: عندنا القاضي وعندنا الجلاد، فلو قال القاضي للجلاد: اجلد ثمانين، والجلاد زاد سوطاً، فالثمانون التي حكم بها القاضي وأذن فيها ليس فيها ضمان، ويبقى الضمان على الجلاد الذي زاد السوط.

    لكن لو كان بأمر القاضي أي أن القاضي هو الذي أمره وألزمه بذلك، فنقول: الضمان على القاضي الذي قضى بثمانين، والجلاد قضى بفعل مأذون فيه فلا ضمان عليه.

    قول المؤلف: (حتى لو كان أحدهما من فعل من لا يجب الضمان عليه لم يجب على الآخر أكثر من النصف).

    يعني: الآن لما هلك المجلود، أو تلفت منفعة من منافعه، أو فسد طرف من أطرافه نقول: بأن هذا ضمان الآن؛ فلو فرضنا أنه مات فديته مائة من الإبل، فهل يلزم الجلاد مائة من الإبل أو نقول: يلزمه النصف؛ لأنه اجتمع عندنا الآن فعلان؟ قال المؤلف رحمه الله: ما نلزمه بأكثر من النصف؛ لأن التلف حصل بفعلين مأذون فيه وغير مأذون فيه.

    لو أنه جُلد ثمانين جلدة ثم مات، فالعلماء يقولون: الحق قتله، هدر لا ضمان فيه، لكن ما دام أنه زاد سوطاً فنقول: هنا يضمن الجلاد الذي زاد، وأما الفعل المأذون فيه وهو الثمانون الأولى التي حكم بها القاضي فهذه لا ضمان فيها.

    ولا يضمن الجلاد أكثر من النصف؛ لأن عندنا فعلين أحدهما مأذون فيه والآخر غير مأذون فيه، فعليه لا يأخذ أكثر من النصف.

    ومثال ذلك أيضاً: لو استأجر سيارة لكي يحمل عليها بضاعة، وهذه السيارة تأخذ مثلاً مقدار مائة كيلو، فالمستأجر زاد إلى مائة وعشرة ثم حصل تلف في السيارة، انفجر الإطار أو خرب محرك من المحركات.. إلى آخره، فالآن حصل التلف من فعلين: مأذون فيه وغير مأذون فيه، فالمائة الكيلو هذه مأذون فيها، أما الزيادة فغير مأذون فيها. وعلى هذا فقس.

    حصول التلف من فعلين غير مأذون فيهما

    القسم الثاني: أن يحصل التلف من فعلين غير مأذون فيهما، ولهذا قال المؤلف: (وإن كان من فعلين غير مأذون فيهما فالضمان بينهما) فإذا حصل التلف من فعلين غير مأذون فيهما فالضمان عليهما جميعاً.

    مثال ذلك: رجل ضربه رجلان، فكل منهما ضربه ضربة وهلك، أو فاتت منفعة، أو فسد طرف، فالضمان عليهما جميعاً؛ لأن هذا الفعل ليس مأذوناً فيه.

    مثال آخر: هذا الصيد جرحه هذا المحرم وجرحه هذا المحرم، فنقول: الضمان عليهما جميعاً. وعلى هذا فقس.

    ويقول المؤلف رحمه الله: (نصفين) هذا إذا تساوت الأفعال، لكن إذا كثرت أفعال أحدهما فإنه يضمن حسب كثرة أفعاله.

    1.   

    القاعدة التاسعة والعشرون: الزيادة على المقدار المسامح فيه

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة التاسعة والعشرون: من سومح في مقدار يسير فزاد عليه فهل تنتفي المسامحة في الزيادة وحدها أو في الجميع؟ فيه وجهان، وللمسألة صور].

    هذه أيضاً قاعدة لطيفة وهي: (من سومح في مقدار يسير فزاد عليه فهل تنتفي المسامحة في الزيادة وحدها أو في الجميع؟) وهي قريبة أيضاً من القاعدة السابقة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى.

    عندنا أمران:

    الأمر الأول: المقدار اليسير الذي سومح فيه وتحديده باليسير والكثير راجع إلى العرف.

    الأمر الثاني: الزيادة على هذا المقدار اليسير.

    لو أن الشخص اكتفى بالمقدار اليسير الذي سومح فيه عرفاً فإنه لا ضمان عليه، لكنه لما زاد على هذا المقدار اليسير لحقه الضمان.

    مثال ذلك: هذا رجل وكّل رجلاً أن يشتري سيارة، فالوكيل يجب عليه أن يشتري السيارة بثمن المثل، وقيمة السيارة بعشرة آلاف، كونه يزيد، يعني: يُغبن بما جرى به العرف فهذا ليس فيه ضمان؛ لأن البيوع هكذا، ما يخلو منها أحد، فكونه اشترى بثمن المثل عشرة آلاف، وزاد عليه مائة مثلاً؛ لأنه هكذا الناس يتغابنون، فالوكيل ما قال له الموكل: اشتر بعشرة ولا تزد، بل قال: اشتر سيارة، فيشتري بثمن المثل. اشترى الآن بثمن المثل وزيادة، هذه الزيادة إذا كانت يسيرة، فالعلماء رحمهم الله يقولون: ليس فيه خيار؛ لأن البيوعات ما تخلو من هذا الشيء. فالوكيل معفو عن ذلك، فكونه اشترى بعشرة آلاف ومائة ما عليه شيء، لكن كونه يشتري بعشرة آلاف وخمسمائة فهنا عليه شيء، لماذا زدت؟ كونك سومحت بما جرى به العرف، فالعرف أن الناس يتغابنون والتجار يتغابنون مثلاً بعشرة آلاف وخمسين، بعشرة آلاف وسبعين، بعشرة آلاف ومائة، فهذا أنت مسموح فيه؛ لأن هذا يتغابن فيه الناس، لكن كونك تشتري بعشرة آلاف وخمسمائة! هذه الزيادة أنت لست مأذوناً فيها.

    فعندك الآن الوكيل إن زاد زيادة جرى العرف بالتغابن فيها والتسامح فهذا ما عليه ضمان، لكن كونه يزيد أكثر من ذلك هنا يضمن، لكن هل نضمّنه الجميع بحيث أن الزيادة الأولى انعدمت التي سومح فيها، أو نقول: ما نضمّنه إلا الزيادة؟

    قال: (فيها وجهان)، والمذهب أننا ما نضمّنه إلا الأربعمائة على المثال هذا، يعني: الزيادة التي زادها، أما المائة -الزيادة اليسيرة- التي يتسامح فيها عرفاً فهذه لا يضمن فيها.

    والقاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الوكيل إذا تحرى واجتهد، يعني سائر من تصرف لغيره ليس خاصاً بالوكيل أيضاً، يعني: كل من اجتهد وتحرى ثم بعد ذلك حصل له خطأ بعد الاجتهاد والتحري فإنه لا ضمان عليه، فالوكيل وغير الوكيل، والولي وغير ذلك، كل من اجتهد وتحرى ثم بعد ذلك غُبن حتى ولو كان غبناً زائداً على العادة فإنه لا ضمان عليه.

    وهذا ينطبق على الوكيل، وينطبق أيضاً على ولي اليتيم، وناظر الأوقاف ونحو ذلك إذا زاد إن كانت الزيادة مما يتغابن فيها الناس فهذا لا ضمان عليه، وإن زاد زيادة فوق ما يتغابن عليه الناس فهذا كما تقدم فيه الوجهان.

    وهذا كما ذكرنا يشمل الوكيل، وناظر الأوقاف، وولي الأيتام، وولي القصّر المجانين والسفهاء، والوصي.. إلى آخره.

    أيضاً من أمثلة هذه القاعدة: الخارج من السبيل.

    العلماء يقولون بالنسبة إلى الاستجمار إذا انتهى الإنسان من قضاء حاجته فيجوز له أن يستجمر، ويجوز له أن يستنجي بالماء، وأن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء، ويجوز الاستجمار بالمناديل والحجارة ونحو ذلك بشرط أن الخارج من القبل أو الدبر يُشترط ألا يتعدى موضع العادة.

    فإذا كان لم يتعد موضع العادة فهذا يجزئ فيه الاستجمار، لكن لو تعدى موضع العادة وانتشر البول. يعني: العادة أن البول في ثقب الذكر وما حوله، لكن لو انتشر إلى الحشفة فلا يجزئ الاستجمار بل لا بد من الاستنجاء، فهل الاستنجاء يجب في الجميع الذي جرت العادة أن ينتشر إليه والزائد، أو أن الاستنجاء خاص بالزائد؟

    على حسب الخلاف الذي ذكره المؤلف رحمه الله.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً في هذه المسألة: أن الاستجمار مجزئ، يعني: شيخ الإسلام له قولان في هذه المسألة، ويرى أن الاستجمار مجزئ مطلقاً حتى لو انتشر الخارج إلى شيء لم ينتشر إليه في العادة، يعني: انتشر البول إلى الحشفة أو نصف الحشفة ونحو ذلك، وانتشر الغائط إلى باطن صفحة الدبر.

    فـشيخ الإسلام يقول: لا يقيد، المهم أنه ما دام أن الشارع رخص في الاستجمار، فالإنسان يستجمر حتى لو انتشر الخارج، وله قول يحده بالنصف.

    1.   

    القاعدة الثلاثون: المال الخارج عن الملك هل يعود إذا طرأ ما يمنع إجزاءه ووجوبه؟

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثلاثون: إذا خرج عن ملكه مال على وجه العبادة ثم طرأ ما يمنع إجزاءه والوجوب، فهل يعود إلى ملكه أم لا؟ فيه خلاف. فمن ذلك: إذا أوجب هدياً أو أضحية عن واجب في ذمته ثم تعيبت فإنها لا تجزئه، وهل يعود المعيب إلى ملكه؟ على روايتين.

    ومنها: إذا عجل الزكاة فدفعها إلى الفقير ثم هلك المال فهل يرجع بها أم لا؟ على وجهين.

    ومنها: لو عجل عن ثلاثين من البقر تبيعاً ثم نتجت عشرة قبل الحول وقلنا: لا يجزئ التبيع عن شيء منها، فهل يرجع به؟ تخرج على الوجهين].

    هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    طروء ما يمنع الإجزاء

    القسم الأول: إذا أخرج من ملكه مالاً على وجه العبادة، ثم طرأ ما يمنع إجزاءه لم يعد إلى ملكه.

    مثال ذلك قول المؤلف رحمه الله: [إذا أوجب هدياً أو أضحية عن واجب في ذمته ثم تعيبت فإنها لا تجزئه، وهل يعود المعيب إلى ملكه؟ على روايتين].

    مثال ذلك: رجل نذر وقال: لله عليَّ أن أذبح أضحية، فلو ذهب واشترى الأضحية، ثم بعد ذلك الأضحية انكسرت رجلها، فالواجب في ذمته أضحية سليمة، ونقول: ما تجزئك هذه الأضحية التي انكسرت رجلها؛ لأنه يجب في ذمتك نذر أضحية سليمة، سواء انكسرت بتفريط أو بغير تفريط فالمهم أنه يجب عليك أضحية سليمة؛ لأنك نذرت أضحية، والأصل في ذلك السلامة، فإن ذهب واشترى أخرى بقينا في هذه الأضحية التي انكسرت رجلها؛ لأن الأضحية المنكسرة والعرجاء هذه لا تجوز، لحديث البراء بن عازب : ( أربع لا تجوز في الأضاحي: العرجاء البيّن ضلعها )، فهل تعود إلى ملكه أو لا تعود إلى ملكه؟

    يقول المؤلف رحمه الله: (على روايتين)، والأحوط وهو المذهب أن هذه لا تعود إلى ملكه.

    فعلى هذا يذبح الشاة السليمة الجديدة ويذبح أيضاً الشاة المعيبة، ولا نقول: بأنها تعود إلى ملكه بحيث أنه يملك أن يتصرف فيها، أو يبيعها، أو يأكلها أو يهديها، بل نقول: لا تعود إلى ملكه.

    وعلى القول الثاني أنها تعود إلى ملكه، وعلى هذا يملك أن يتصرف فيها، ويأكلها، ويبيعها، ويهديها، لكن الأقرب أنها لا تعود إلى ملكه.

    ومثل ذلك أيضاً: لو نذر هدياً فقال: لله عليَّ أن أهدي إلى الحرم شاة، ثم بعد ذلك اشترى الشاة وانخرقت عينها، فالعوراء لا تجزئ، ومن باب أولى التي انخرقت عينها، قلنا له: لا تجزئ هذه الشاة، اذهب واشتر شاة أخرى. فلو ذهب واشترى شاة أخرى بقينا في هذه المعيبة هل تعود إلى ملكه أو لا تعود؟ نقول: هذه المعيبة لا تعود إلى ملكه، فيهدي التي اشتراها، وهذه أيضاً يهديها ولا تعود إلى ملكه.

    طروء ما يمنع الوجوب

    القسم الثاني: أن يطرأ ما يمنع الوجوب.

    وهذا أيضاً لا يعود إلى ملكه، ومثّل المؤلف رحمه الله لذلك فقال: (إذا عجل الزكاة فدفعها إلى الفقير ثم هلك المال فهل يرجع أو لا يرجع؟).

    مثاله: هذا رجل عنده مال ثم عجّل الزكاة قبل الحول -يجوز أن تعجل الزكاة لحول أو حولين- وجاء الحول وليس عنده شيء، فالمال الذي عجّل زكاته الأصل أنه ما يخرج الزكاة إلا في رمضان، فأخرجها في محرم، وجاء رمضان وإذا المال الذي عجّل زكاته سرق أو احترق، فتبين الآن أنه ليس عليه زكاة؛ لأنه ليس عنده مال؛ لأنه لو لم يعجّل وحال عليه الحول لم تجب؛ لأنه طرأ ما يمنع الوجوب، فهل يذهب إلى الفقير ويقول: أعطني الزكاة، أنا أعطيتك زكاة بناء على أنه تجب عليَّ زكاة، أما الآن فما تجب عليَّ زكاة؟ نقول: لا يرجع على الفقير؛ لأن هذا شيءٌ أخرجه لله عز وجل.

    أيضاً من الأمثلة قوله: [إذا عجل الزكاة فدفعها إلى الفقير ثم هلك المال فهل يرجع بها أم لا؟].

    وكذلك من الأمثلة: لو نقص النصاب، يعني: هو عنده نصاب، فأقل نصاب الإبل خمس من الإبل فيها شاة لكنه عجّل الشاة، وقبل أن يحول الحول هلكت واحدة من الإبل، أو أكل واحدة من الإبل المعدودة من الزكاة، فهل يرجع على الفقير أو لا يرجع على الفقير؟

    فهنا طرأ ما يمنع وجوب الزكاة، فنقول: لا يرجع على الفقير.

    وأيضاً من الأمثلة التي ذكرها المؤلف قوله: [ولو عجل عن ثلاثين من البقر تبيعاً ثم نتجت عشرة قبل الحول، وقلنا: لا يجزئ التبيع عن شيء منها، فهل يرجع به؟ يخرج على الوجهين].

    رجل عنده في محرم ثلاثون من البقر، وثلاثون من البقر زكاتها تبيع، فأقل نصاب البقر ثلاثون وفيه تبيع أو تبيعة، يعني: ما له سنة. فأخرج تبيعاً وتنامت هذه البقر، وجاء رمضان عند حولان الحول وإذا عنده أربعون، والأربعون فيها مسنة، وهي التي لها سنتان، فنقول: التبيع الذي أخرجت أولاً ما يجزئك، ويجب عليك أن تخرج مسنة، ولا يرجع بالتبيع؛ لأن التبيع لا يرجع عليك.

    فنقول: الآن وجب عليك مسنة، وقلنا: لا يجزئ التبيع عن شيء منها؛ لأنه الآن تبين أن عليه مسنة.

    1.   

    القاعدة الحادية والثلاثون: من شرع في عبادة تلزم بالشروع ثم فسدت فعليه قضاؤها على الصفة التي أفسدها

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الحادية والثلاثون: من شرع في عبادة تلزم بالشروع ثم فسدت فعليه قضاؤها على الصفة التي أفسدها، سواء كانت واجبة في الذمة على تلك الصفة أو دونها، ويتخرج على ذلك مسائل].

    هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تجب العبادة في الذمة بصفة الفاسد، فنقول: يجب عليه أن يقضيها على تلك الصفة التي أفسدها.

    مثال ذلك: رجلٌ أحرم بالحج مفرداً ثم أفسده، والذي يفسد الحج هو الوطء، فإذا وطئ قبل التحلل الأول، فسد حجه، ويجب عليه أن يقضي هذا الحج الفاسد، فالآن وجب في ذمته أن يقضي الحج الفاسد، فيجب عليه أن يقضيه على الصفة التي أفسده عليها.

    مثال آخر: رجل نذر أن يعتكف في المسجد الحرام، ثم بعد ذلك شرع في الاعتكاف ثم أفسده، فنقول: يجب عليه أن يقضيه على الصفة التي نذرها، فلو نذر أن يعتكف يومين مثلاً من رمضان أو العشر الأواخر، ثم أفسد هذا الاعتكاف، فنقول: يجب عليه أن يقضي هذه العبادة على الصفة التي أفسدها، والصفة التي أفسدها أنه يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فيجب عليه أن يقضيها في العشر الأواخر من رمضان. وعلى هذا فقس.

    ومن الأمثلة: رجلٌ نذر أن يصوم يوم الإثنين، ثم بعد ذلك أفطر فنقول: يجب عليه أن يقضي هذا النذر على الصفة التي أفسدها.

    القسم الثاني: أن تكون العبادة التي وجبت في الذمة دون صفة العبادة التي فسدت.

    مثال ذلك: رجلٌ نذر أن يعتكف في المسجد النبوي ثم اعتكف في المسجد الحرام، ثم أفسد العبادة، وقال: أريد أن أعتكف في المسجد النبوي، فهل نقول: اقض العبادة على الصفة التي أفسدتها أو على الصفة التي وجبت في الذمة؟ نقول: على الصفة التي أفسدتها، وأنت أفسدت العبادة وأنت معتكف في المسجد الحرام، فيجب عليك أن تعتكف في المسجد الحرام.

    مثال ثانٍ: رجلٌ نذر أن يحج مفرداً فحج متمتعاً ثم أفسده، فالآن أراد أن يقضي، فهل يقضيه على صفة الإفراد أو على صفة التمتع؟ نقول: على الصفة التي أفسدها، والصفة التي أفسدها أنه متمتع.

    وأيضاً من الأمثلة على ذلك: رجلٌ نذر أن يصوم يوماً من الأيام فصام يوم الإثنين، ثم أفسد الصيام بالجماع، فإذا أراد أن يقضي هذا اليوم، فإنه يقضيه يوم الإثنين؛ لأن يوم الإثنين هي الصفة التي أفسدها وهي أعلى من كونه نذر أن يصوم في أي يوم من الأيام.

    1.   

    القاعدة الثانية والثلاثون: يصح استثناء منفعة العين المنتقل ملكها عن ناقلها مدة معلومة

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثانية والثلاثون: يصح عندنا استثناء منفعة العين المنتقل ملكها عن ناقلها مدة معلومة, ويتخرج على ذلك مسائل].

    الاستثناء في اللغة: مأخوذ من الثني، وهو الرجوع.

    وأما في الاصطلاح: فهو إخراج بعض المستثنى منه بإلا أو بإحدى أخواتها.

    وهذه القاعدة في الاستثناء اللفظي، والقاعدة التي تليها في الاستثناء الحكمي، وسيأتي الفرق بين الاستثناء اللفظي والاستثناء الحكمي.

    قول المؤلف رحمه الله: (يصح عندنا استثناء منفعة العين)؛ لأن الاستثناء نوع من الشروط، والأصل في شروط العقود الصحة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه، لحديث عقبة في الصحيحين: ( إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج )، فدل على أن الشرط في العقد يجب أن يوفى به، ولكن أحق الشروط بالتوفية ما استحل به الفرج، يعني: في عقد النكاح.

    وهذه القاعدة في الاستثناء اللفظي، يعني: ما يلفظه أحد المتعاقدين.

    الاستثناء في عقود المعاوضات

    وهذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الاستثناء في عقود المعاوضات.

    وعقود المعاوضات هي: العقود التي يُقصد منها الكسب والتجارة، وهنا يُشترط أن يكون الاستثناء معلوماً، ويدل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أسلف في شيءٍ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم )، فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم العلم، وفي صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا حتى تعلم ).

    فنقول: يُشترط إذا كان في عقود المعاوضات أن تكون الثنيا معلومة، فإذا استثنى المنفعة فلا بد أن تكون المنفعة معلومة.

    مثال ذلك: باع رجل السيارة لك، فقال: بعت عليك سيارتي بشرط أن أستعملها لمدة يوم، فهنا استثنى المنفعة، والمنفعة هنا معلومة، فهذا صحيح؛ لأن هذه منفعة معلومة استثناها من المبيع، فهذا جائز ولا بأس به.

    ودل على ذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه لما باع للنبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى حملانه إلى المدينة، فهذه منفعة معلومة.

    ومن الأمثلة على ذلك: أجرّ رجل بيته واستثنى أن ينتفع مثلاً في جانب البيت لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة أيام، فنقول: هذا استثناء للمنفعة، وهذه المنفعة معلومة.

    أما إذا كانت المنفعة مجهولة فلا يصح، مثاله: لو قال: بعت عليك السيارة لكنني أستثني استخدامها إلى أن أجد سيارة، فهذا لا يصح؛ لأني لا أدري متى ستجد السيارة، فقد تجد سيارة اليوم، وقد لا تأتي إلا بعد شهر، فهذا استثناء لمنفعة مجهولة، ويؤدي هذا إلى النزاع؛ لأن عقود المعاوضات يُقصد منها الكسب، فلا بد فيها من الضبط والتحرير.

    ومثل ذلك سائر عقود المعاوضات إذا استثنى المنافع، مثلاً: إذا باع عليه الرقيق وقال: أستثني خدمته لمدة يوم أو يومين، أو شهر أو شهرين، فنقول: هذا جائز، أو باع عليه البقرة وقال: أستثني أن أستفيد من لبنها لمدة شهر أو شهرين. فنقول: هذا جائز؛ لأن هذه منافع معلومة.

    إذاً: هذا القسم الأول فيما يتعلق بعقود المعاوضات، وتبين أنه يصح استثناء المنافع في عقود المعاوضات بشرط أن تكون هذه المنافع معلومة.

    الاستثناء في عقود التبرعات

    القسم الثاني: في عقود التبرعات.

    مثاله: وهبه سيارته وقال: بشرط أنني أستعملها لمدة يوم أو يومين، أو أوصى له بسيارته وقال: لا بأس أن يستخدمها لمدة يوم، أو أوصى له بسيارته وقال: أستثني منفعة السيارة، كأن يقول: السيارة لزيد من الناس، لكن لمدة شهر تكون منفعة هذه السيارة لجمعية القرآن الكريم.

    فعقود التبرعات -ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أيضاً- يشترط أن تكون المنافع معلومة.

    والصواب أن عقود التبرعات لا يُشترط فيها؛ لأن عقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات، يعني: عقود التبرعات كالوقف، والعتق، والهبة، والوصية، والعارية، يقول العلماء: هذه عقود تبرعات محضة.

    نقول: الصواب أن عقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات، ولهذا الإمام مالك رحمه الله يجوّز فيها الغرر، يعني: يصح أن تهب المجهول، كما لو قلت: وهبتك سيارتي. وما ندري ما هي السيارة، أهي صغيرة أم كبيرة، صحيحة أم سقيمة.. فهذا جائز.

    وهبة المجهول، وهبة الغير مقدور على تسليمها، والمسروق أيضاً كأن تقول: وهبتك السيارة المسروقة، وكذلك الأرض المغصوبة، فهذا كله جائز كما قال الإمام مالك رحمه الله، فالمعدوم يصح، كأن تقول: وهبتك ما تحمل شاتي، أو ما تحمل أشجاري من ثمار، أو وهبتك راتبي ولمّا يأتِ، فهذا كله يجوز.

    فعقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات، وعلى هذا نقول: يجوز أن تكون المنفعة في عقود التبرعات معلومة، ويجوز أيضاً أن تكون مجهولة.

    فمثلاً لو قال في الهبة: وهبتك السيارة بشرط أن أستخدمها إلى أن أجد سيارة، نقول: يصح ذلك؛ لأن الموهوب له دخل وهو إما سالم أو غانم، أو مثلاً قال: هذا البيت وقف لله عز وجل، لكن لي أن أسكنه مدة حياتي صح، استثنى المنفعة لمدة حياته؛ لأننا ما ندري قد يبقى سنة حياً، وقد يبقى سنتان، وقد يبقى عشر سنوات.

    فالخلاصة في ذلك: أن عقود التبرعات أوسع، فيصح استثناء المنفعة في عقود التبرعات سواء كانت معلومة أو كانت مجهولة كما ذكرنا في الهبة أو في الوصية أو في الوقف.

    1.   

    القاعدة الثانية والثلاثون: الاستثناء الحكمي كالاستثناء اللفظي

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثالثة والثلاثون: الاستثناء الحكمي هل هو كالاستثناء اللفظي أم يغتفر فيه الجهالة بخلاف اللفظي؟ فيه وجهان, والصحيح عند صاحب المغني الصحة, وهو قياس المذهب, خلافاً للقاضي , ويخرج على ذلك مسائل].

    القاعدة السابقة في الاستثناء اللفظي، والاستثناء اللفظي -كما سلف-: هو ما ينص عليه ويلفظه أحد المتعاقدين في العقد، أما هنا فالقاعدة في الاستثناء الحكمي.

    والاستثناء الحكمي: هو ما حكم الشارع باستثنائه دون أن يتلفظ به المتعاقدان.

    أوجه الفرق بين الاستثناء اللفظي والاستثناء الحكمي

    وهنا يتبين لنا الفرق بين الاستثناء الحكمي والاستثناء اللفظي من وجهين:

    الوجه الأول: أن الاستثناء اللفظي: هو ما نص وتلفظ به المتعاقدان في العقد، وأما الاستثناء الحكمي: فهو ما حكم الشارع باستثنائه وإن لم يلفظ به المتعاقدان.

    الوجه الثاني: أن الاستثناء اللفظي يُشترط فيه العلم، كما تقدم أن ذكرنا الفرق بين عقود المعاوضات، وعقود التبرعات.

    وأما الاستثناء الحكمي فاغتفار الجهالة فيه -يعني: عدم اشتراط العلم- أوسع من الاستثناء اللفظي.

    فالجهالة فيه جائزة بخلاف الاستثناء اللفظي.

    مواضع الاستثناء الحكمي

    والاستثناء الحكمي: إما أن يكون في عقود المعاوضات، وإما أن يكون في عقود التبرعات، كما قلنا في الاستثناء اللفظي.

    أما إن كان في عقود التبرعات فالجهالة فيه جائزة ولا بأس به؛ لأنه كما سلف أن عقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات.

    وأما بالنسبة لعقود المعاوضات فأيضاً صاحب المغني يصحح الجهالة في الاستثناء الحكمي.

    من أمثلة الاستثناء الحكمي: لو أن السيد له أمة، وهذه الأمة حامل بولد حر، فباع هذه الأمة فنقول: الولد لا يدخل في البيع؛ لأن الشارع منع من بيع الحر، فيكون استثناؤه استثناءً حكمياً.

    وأيضاً الجهالة هنا مغتفرة؛ لأن الولد فيه جهالة ولا ندري متى تلد هذه الأمة.

    كذلك أيضاً من الأمثلة: اشترى داراً، وهذه الدار فيها متاع كثير للبائع، فالبائع له أن يبقي هذا المتاع إلى وقت أخذه، وإن لم ينص على ذلك في العقد؛ لأن هذا استثناء حكمي، والشارع هو الذي حكم ببقاء هذا المتاع إلى أن يأخذه صاحبه، فقد يأخذه بعد يوم، أو بعد يومين، فهذا استثناء حكمي.

    وأيضاً من الأمثلة على ذلك: إذا باع نخلاً عليها ثمر قد أُبِّر، يعني: لُقّح، فالثمر يكون للبائع لا للمشتري؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حكم بهذا الاستثناء، كقوله عليه الصلاة والسلام: ( من باع نخلاً بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ).

    وإن جهل المشتري هذا الاستثناء، -يعني: بأن الاستثناء الحكمي من الشارع- فله حق الخيار.

    1.   

    القاعدة الرابعة والثلاثون: استحقاق منافع العبد بعقد لازم يمنع من سريان العتق إليها

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الرابعة والثلاثون: استحقاق منافع العبد بعقد لازم يمنع من سريان العتق إليها كالاستثناء في العقد وأولى; لأن الاستثناء الحكمي أقوى, ولهذا يصح بيع العين المؤجرة والأمة المزوجة عند من لا يرى استثناء المنافع في العقد، خلافاً للشيخ تقي الدين رحمه الله في قوله: يسري العتق إليها إن لم يستثن, ويتفرع على هذا مسائل].

    هذه القاعدة في منافع الرقيق: إذا أُعتق الرقيق ومنافعه مستحقة، يعني: السيد أعتق الرقيق، لكن المنافع مستحقة للغير، فهل يسري العتق إلى منافع الرقيق أو نقول: بأن العتق لا يسري إلى منافع الرقيق؟

    هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون منافع الرقيق مستحقة بعقد لازم، فالعتق لا يسري إلى هذه المنافع.

    مثال ذلك: هذا السيد له رقيق وأجّر هذا الرقيق لمدة شهر، وبعد أن مضى يوم أعتقه، فالآن أصبح هذا الرقيق حراً بعد أن كان رقيقاً، فهل يبطل عقد الإجارة أو نقول: بأن عقد الإجارة لا يبطل؟

    ما دام أنه بعقد لازم -لأن عقد الإجارة عقد لازم- فنقول: لا يبطل عقد الإجارة، ولا يسري العتق، وتكون هذه المنافع مدة شهر مستثناة للمستأجر.

    القسم الثاني: أن تكون منافع الرقيق مستحقة بعقد جائز، فإذا كانت منافع الرقيق مستحقة بعقد جائز فإن العتق يسري إليها.

    مثال ذلك: هذا السيد له رقيق وأعار رقيقه، فجعل رقيقه عارية يعمل عند شخص، فعقد العارية عقد جائز، وبعد أن أعاره أعتقه، فهل يسري العتق إلى منافع الرقيق، أو نقول: بأنها مستثناة بمدة العارية؟ نقول: بأنه يسري. وعلى هذا تبطل العارية؛ لأنه الآن ملك منافعها، وأصبح حراً.

    في المثال السابق لما كان العقد لازماً لا يبطل العقد اللازم، ولكن هنا يبطل العقد الجائز؛ لأنه عاد الآن حراً فملك منافعه.

    وهناك مسألة أشار إليها المؤلف رحمه الله، بقوله: (والأمة المزوجة عند من لا يرى استثناء المنافع في العقد خلافاً للشيخ تقي الدين رحمه الله).

    فعقد النكاح عقد لازم، والأصل أن العتق لا يسري إلى عقد النكاح؛ لأن عقد النكاح عقد لازم، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: إن الأمة إذا أُعتقت فإن لها الخيار، حتى ولو كان زوجها حراً، فإذا أُعتقت وهي تحت رقيق فلها الخيار عند جماهير العلماء رحمهم الله، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر بريرة إذ أُعتقت تحت رقيق، لكن إذا أعتقت تحت حر فالجمهور يقولون: ليس لها الخيار؛ لأنها كافأت زوجها، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: بأن لها الخيار حتى ولو أُعتقت تحت حر؛ لأن العلة عند شيخ الإسلام ليست هي المكافأة، وإنما العلة لأنها قبل إعتاقها كانت مغلوبة على أمرها، أما الآن فأصبحت تملك أمرها، فيُثبت لها الخيار حتى ولو كان زوجها حراً.