إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن نهي الشرع عن عبادة ما أو معاملة ينقسم إلى أقسام وفق ما يعود إليه؛ فإن كان عائداً إلى ذات العبادة أو المعاملة فإنه يقتضي فسادهما، أما إن كان عائداً إلى شرطهما على وجه يختص بهما فإنه يقتضي الفساد كالأول؛ لأن النهي المتوجه إلى الشرط كالنهي المتوجه إلى ذات

    1.   

    القاعدة التاسعة: هل النهي يقتضي الفساد؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة التاسعة: في العبادات الواقعة على وجه محرم، إن كان التحريم عائداً إلى ذات العبادة على وجه يختص بها لم يصح، وإن كان عائداً إلى شرطها فإن كان على وجه يختص بها فكذلك أيضاً، وإن كان لا يختص بها ففي الصحة روايتان: أشهرهما عدمها.

    وإن عاد إلى ما ليس بشرط ففي الصحة وجهان، واختار أبو بكر عدم الصحة, وخالفه الأكثرون.

    فللأول أمثلة كثيرة: منها: صوم يوم العيد، والصلاة في أوقات النهي، وفي مواضع النهي.

    وللثاني أمثلة كثيرة: منها: الصلاة بالنجاسة وبغير سترة وأشباه ذلك.

    وللثالث أمثلة: منها: الوضوء بالماء المغصوب.

    ومنها: الصلاة في الثوب المغصوب والحرير.

    ومنها: الصلاة في البقعة المغصوبة.

    وللرابع أمثلة: منها: الوضوء من الإناء المحرم.

    ومنها: صلاة من عليه عمامة حرير أو غصب أو في يده خاتم من ذهب].

    هذه القاعدة قاعدة أصولية كبيرة، وهي ما يسمى بقاعدة النهي هل يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد؟ والعلماء رحمهم الله لهم في هذه القاعدة مسلكان:

    المسلك الأول: مسلك موسع، وهم أكثر أهل العلم.

    والمسلك الثاني: مسلك مضيق، وهم الظاهرية وعندهم القاعدة مطردة، وأن كل نهي يقتضي الفساد.

    وأما جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى فهم يوسعون هذه القاعدة، فلا يقولون بأن كل نهي يقتضي الفساد، وإنما يقولون: إذا وجدت الصوارف، ويذكرون هذه الصوارف، ولا يعنينا هنا بحث هذه القاعدة، ما يعنينا أن صاحب الأصل -ابن رجب-، وكذلك صاحب المختصر -السعدي- ذكروا لهذه القاعدة أربعة أقسام، وهذا التقسيم الذي ذكره ابن رجب رحمه الله جيد فقد ألم بجملة القاعدة.

    فنقول: هذه قاعدة النهي هل يقتضي الفساد أو لا يقتضيه؟

    ونقول: بأن النهي ينقسم إلى أربعة أقسام وسنذكر هذه الأقسام, ونذكر حكم كل قسم, ونضرب أمثلة كما ذكر المؤلف رحمه الله أو نضيف بعض الأمثلة.

    النهي العائد إلى ذات المنهي عنه

    القسم الأول: أن يعود النهي إلى ذات العبادة أو ذات المعاملة؛ لأن النهي إما أن يكون عائداً إلى عبادة أو إلى معاملة، فإذا عاد إلى ذات العبادة أو ذات المعاملة فإن النهي يقتضي الفساد، وهذا له أمثلة كثيرة:

    فمن أمثلته في العبادات: حديث أبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تشرق الشمس). فالنهي هنا يعود إلى ذات المنهي عنه، فنقول: النهي يقتضي الفساد.

    ومن أمثلة ذلك: حديث عمر رضي الله تعالى عنه في النهي عن صيام يومي العيدين. فنقول: النهي يقتضي الفساد.

    ومن الأمثلة التي ذكر أيضاً: النهي عن صيام أيام التشريق، كما في حديث نبيشة الهذلي : (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل). وهذا في العبادات.

    وأيضاً في المعاملات جاء في حديث جابر: (إن الله حرم عليكم بيع الميتة والخنزير والأصنام) فالنهي هنا يعود إلى ذات المنهي عنه، فنقول هنا: إن بيع الميتة فاسد، وبيع الأصنام فاسد، وبيع الخمر أيضاً فاسد.

    كذلك قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ [النساء:23] فنكاح هؤلاء فاسد، وكذلك في قوله: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] وهذا أيضاً فاسد.

    النهي العائد إلى شرط المنهي عنه على وجه يختص

    القسم الثاني: أن يعود النهي إلى شرط العبادة أو شرط المعاملة على وجه يختص، وانتبه لهذا القيد كما ذكر ابن رجب رحمه الله وكما ذكر الشيخ السعدي رحمه الله، يعني: يختص بالعبادة أو بالمعاملة، فإذا كان يختص فالنهي ليس عاماً، وإنما النهي مختص بالعبادة والمعاملة، فنقول: بأنه يقتضي الفساد، لأنه كالنهي المتوجه إلى ذات العبادة أو المعاملة.

    مثال ذلك: لبس الثوب النجس، هل هو خاص بالصلاة أو عام؟

    يعني: الآن أنا صليت وانتهيت، وخرجت ولبست ثوباً، لكن عليه شيء من بول أو عليه -مثلاً- دم مسفوح، فإني لست منهياً عن ذلك؛ فلبس الثوب النجس في الصلاة يعود إلى شرط الصلاة على وجه يختص بالصلاة، فالنهي ليس عاماً، يعني: أن الشارع ما نهى أن نلبس ثوباً نجساً خارج الصلاة، لكن نهى أن تلبس ثوباً نجساً داخل الصلاة فقط.

    وعلى هذا نقول: إذا صلى المسلم بثوب نجس وهو يعلم النجاسة، فنقول: إن صلاته فاسدة؛ لأن النهي يعود إلى الشرط على وجه يختص، وليس النهي عن لبس الثوب النجس عاماً في الصلاة وفي غيرها، بل هو على وجه خاص بالصلاة.

    ومن الأمثلة على ذلك: الصلاة إلى غير القبلة، فهذه الصلاة منهي عنها؛ لأن التوجه إلى القبلة خاص بالصلاة، أما في غير الصلاة فلك أن تتوجه إلى القبلة ولك أن تتوجه إلى غير القبلة، وعلى هذا إذا صليت صلاة إلى غير القبلة، فنقول: إن صلاتك غير صحيحة؛ لأن النهي يعود إلى الشرط على وجه يختص، وهذا في العبادات.

    أما مثاله في المعاملات: البيع بثمن مجهول، فإن الله تعالى نهى عن ذلك، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حديث ابن عباس : (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم). يعني: لا بد من العلم. والسلم: نوع من البيع، فهنا: إذا باع بالثمن المجهول، فالنهي يعود إلى شرط المعاملة على وجه يختص، وإذا كان رأس مال السلم مجهولاً، فالنهي يعود إلى الشرط على وجه يختص، وكذلك إذا كان المسلم فيه مجهولاً يعود النهي إلى الشرط على وجه يختص، إذاً: إذا كان المبيع أو الثمن مجهولاً، فيعود النهي إلى الشرط على وجه يختص.

    ولهذا توسع العلماء رحمهم الله في باب التبرعات، ومن أحسن من توسع في ذلك الإمام مالك رحمه الله وشيخ الإسلام, فيقولون: يجوز الغرر في باب التبرعات، يعني: يصح أن تهب هبة مجهولة.

    كما أنهم يجمعون على جواز الجهالة في الوصية، يعني: يصح أن تكون الوصية مجهولة بالإجماع، أما في باب الوقف، وفي باب الهبة، وفي بقية التبرعات غير الوصية فإن الجمهور يلحقونه بالبيع، وخالفهم في ذلك الإمام مالك فلا يلحق الهبة بالبيع.

    يتبين مما سبق أن الجهالة هنا أو اشتراط العلم خاص بالبيع، وبعقود المعاوضات، أما في عقود التبرعات فلا يشترط العلم، فيجوز فيها الغرر كما قال الإمام مالك رحمه الله.

    كذلك الصداق، فلا يشترطون فيه العلم، فيقولون: تصح به الجهالة اليسيرة، حتى الحنابلة يجوزون ذلك؛ لأن عقد النكاح ما شرع للكسب والمعاوضة، ولأن المصالح المترتبة عليه أعظم من كسب المال ونحو ذلك.

    وكذلك مما تصح فيه الجهالة الخلع، فتبين لنا هنا أن النهي يعود إلى الشرط على وجه يختص؛ لأن العلم ليس شاملاً في كل شيء.

    ولهذا بشكل عام: التبرعات يصح أن تكون مجهولة، والصداق يجوزون فيه الجهالة، والخلع يجوزون فيه الجهالة، والإبراء من الديون يجوزون فيها الجهالة.. إلخ.

    النهي العائد إلى شرط المنهي عنه على وجه لا يختص به

    القسم الثالث: أن يعود النهي إلى شرط العبادة أو شرط المعاملة على وجه لا يختص به.

    ومَثَّل المؤلف رحمه الله فقال: (وللثالث أمثلة:

    الوضوء بالماء المغصوب)، فالنهي هنا يعود إلى الشرط؛ لأن الطهارة من شروط العبادة، لكن الغصب هل هو خاص بالصلاة أو عام؟ فنقول: النهي عن الغصب نهي عام، فمن الماء المغصوب أنت منهي عن الوضوء منه، ومنهي أنك تغسل به ثوبك، ومنهي أنك تشرب منه، ومنهي أنك تغتسل جميع أنواع الغسل به، فهذا النهي ليس خاصاً بالوضوء، وإنما يعود إلى شرط العبادة، لكن ليس على وجه يختص، فالشارع نهاك عن الغصب نهياً عاماً، وليس نهياً خاصاً بالعبادة.

    ومثله أيضاً: الصلاة بالثوب المغصوب، فهناك فرق بين الصلاة بالثوب النجس والصلاة بالثوب المغصوب، فالنهي عن لبس الثوب النجس خاص بالصلاة، لكن يجوز أن يُلبس الثوب النجس خارج الصلاة، أما الثوب المغصوب فلا يجوز لك أن تلبسه في الصلاة وكذلك أيضاً خارج الصلاة.

    ومن الأمثلة: لبس ثوب الحرير، فالنهي هنا يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص، فالشارع نهاك عن لبس الحرير، سواء كان داخل الصلاة أو كان خارجها.

    ومثاله في المعاملات: النهي عن التدليس، فهذا النهي راجع إلى الشرط لكنه ليس على وجه يختص، فأنت منهي عن التدليس في النكاح، ومنهي عن التدليس في الهبة.. إلخ.

    ومثاله أيضاً: العيب، فإن النهي هنا لا يقتضي الفساد، والنبي صلى الله عليه وسلم في التدليس أثبت الخيار، مما يدل على صحة البيع، لأن الخيار فرض على البيع، وفي المصّراة أيضاً أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيار، فنقول: الصواب في هذه المسألة أن النهي هنا لا يقتضي الفساد، لأنه ما دام أن النهي عام، فإنه لا يقتضي الفساد.

    النهي العائد إلى أمر خارج عن المنهي عنه

    القسم الرابع: أن يعود النهي إلى أمر خارج عن العبادة، ومعنى خارج: يعني لا يتعلق بذات العبادة ولا يتعلق بشرطها، وما دام أنه يعود إلى أمر خارج فنقول: بأنه لا يقتضي الفساد، حتى على المذهب لا يقتضي الفساد.

    فمثلاً: لو صلى وفي يده خاتم ذهب، فإنه يحرم عليه ذلك، لكن هذا لا يتعلق بذات العبادة؛ لأن النهي عام ولا يرجع إلى شرطها، ومثله: عمامة الحرير لو لبسها في الصلاة، ومثله أيضاً كما قال المؤلف رحمه الله: (الوضوء من الإناء المحرم، أو صلاة من عليه عمامة مغصوبة). فهنا النهي لا يعود إلى ذات العبادة ولا إلى شرطها، وإنما يعود إلى أمر خارج فلا يقتضي الفساد.

    1.   

    القاعدة العاشرة: ما يعتبر من الألفاظ في العبادات والمعاملات

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة العاشرة: الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات:

    منها: ما يعتبر لفظه ومعناه وهو القرآن؛ لإعجازه بلفظه ومعناه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.

    ومنها: ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق.

    ومنها: ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز، ويدخل تحت ذلك صور كأقوال الصلاة الواجبة، وخطبة الجمعة، ولفظ النكاح فيه وجهان].

    هذه القاعدة في الترجمة، والترجمة هي التعبير من لغة إلى لغة أخرى. فمضمون القاعدة يقول: ما الذي يصح ويجوز أن نترجمه، وما الذي لا يجوز ولا يصح أن نترجمه؟ يعني: أن نعبر عنه من لغة إلى لغة أخرى، والمراد هنا: التعبير من اللغة العربية إلى لغة أخرى.

    وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن القاعدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ‏

    ما يعتبر لفظه ومعناه

    القسم الأول: ما يعتبر لفظه ومعناه، يعني: يشترط لفظه ومعناه وهو القرآن؛ لإعجازه بلفظه ومعناه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.

    وأهل أصول التفسير يقولون بأن ترجمة القرآن تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ترجمة حرفية، وهذا لا يجوز؛ لأن القرآن معجز بلفظه ومعناه، فلا يتحقق الإعجاز باللفظ دون المعنى، حتى أن العلماء ذكروا شروطاً في المترجم؛ لأنه قد لا يتقن مراد الله سبحانه وتعالى مهما كان.

    القسم الثاني: أن تكون الترجمة معنوية، يعني: لمعاني القرآن، فهذا جائز ولا بأس به.

    ما يعتبر معناه دون لفظه

    القسم الثاني: قال: (ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود، وألفاظ الطلاق) ومثله الخلع والظهار.. إلخ.

    هذا القسم يجوز الترجمة عنه مطلقاً، سواء قُدر على اللفظ العربي أو لم يُقدَر على اللفظ العربي، لأن المراد هنا المعنى دون اللفظ.

    ومثاله: يصح أن تبيع باللغة العربية، ويصح أن تبيع باللغة الأردية ولو كنت قادراً باللغة العربية.

    ومثله أيضاً: يصح أن تؤجر أو تعقد عقد شراكة، كذلك المساقاة، والمزارعة، والوقف، والوصية.. إلخ.

    ومثله أيضاً ألفاظ الطلاق، فلو طلق زوجته باللغة الأردية أو باللغة الفارسية أو باللغة الإنجليزية وغير ذلك وقع الطلاق، يعني: مادام أنه يعرف المعنى وقع الطلاق. وليس شرطاً أن يكون باللغة العربية، حتى لو كان قادراً باللغة العربية.

    كذلك لو ظاهر من زوجته فقال: أنت علي كظهر أمي بأي لغة. نقول: وقع الظهار.

    ما يعتبر لفظه مع القدرة دون العجز

    القسم الثالث: ما يعتبر لفظه مع القدرة دون العجز، يعني: يشترط اللفظ العربي إذا كان قادراً باللفظ باللغة العربية، أما إذا كان عاجزاً فإنه يصير إلى اللغة التي يقدر عليها ولا يشترط اللفظ العربي عندئذٍ.

    وضرب المؤلف رحمه الله أمثلة فقال: (كأقوال الصلاة)، يعني: التسبيح في الصلاة، إذا كان يقدر على اللغة العربية يجب أن يسبح باللغة العربية، كذلك التكبير فيجب أن يكبر باللغة العربية، كذلك أيضاً الدعاء.

    قال: (وخطبة الجمعة). أي: يجب أن تكون باللغة العربية إذا كان قادراً، وإذا كان غير قادر فبلغته.

    والصواب في خطبة الجمعة: أنها تكون بلسان المخاطبين؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم:4]. فالرسل -وهم الأصل- يبلغون رسالة الله عز وجل بلغات أقوامهم, وأتباعهم من أهل العلم أيضاً يبلغون لغة المخاطبين، ولأنه لا يحصل البلاغ ولا تقوم الحجة إلا إذا كان بلغة المخاطبين.

    ومن الأمثلة: لفظ النكاح واللعان أيضاً، أي: لفظ النكاح الحقيقي، أما اللعان فيقول: لا يصح إلا باللغة العربية؛ لأن اللعان يتضمن ألفاظاً جاءت في القرآن، وعلى قول المؤلف: لا بد أن يكون باللغة العربية ما دام أنه قادر عليه.

    أما النكاح فالعلماء رحمهم الله يشددون في عقد النكاح، وهم الشافعية والحنابلة حتى الحنفية والمالكية.

    فيقولون بأن عقد النكاح لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج فقط، فلو قال: ملكتك ابنتي فلا ينعقد، أو قال: وهبتك ابنتي فلا ينعقد، والشافعية أشد من الحنابلة في هذا الباب، والمالكية والحنفية في عقد النكاح يوسعون بعض الأشياء, فيذكرون بعض الألفاظ لكن مع ذلك فإنهم يضيقون، يعني: يجعلون المسألة معدودة، وليست محدودة.

    وأما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يجعل المسألة محدودة، ومضبوطة بضابط وهو: ما دل عليه العرف، فقال شيخ الإسلام في عقد النكاح: ينعقد بكل ما دل عليه العرف. فظاهر كلام شيخ الإسلام أنه ينعقد بالفعل، يعني بالفعل دون اللفظ.

    والشاهد من هذا: أن المؤلف رحمه الله ذكر لفظ النكاح هنا، لأنهم يشددون في لفظ النكاح.

    والصواب في هذه المسألة: أن لفظ النكاح يصح حتى بأي لغة، أي أنه كسائر العقود.

    وعلى هذا نلحق عقد النكاح ببقية العقود، ولا يخرج عن بقية العقود، يعني: نفترض فيه مثلا: العقود تنعقد بالمعاطاة، لكن عقد النكاح لعظم خطره نقول: بأنه لا ينعقد إلا باللفظ.

    ولو ترجم عقد النكاح بأي لغة ولو مع القدرة على العربية فنقول: إنه كسائر العقود التي قال فيها الحنابلة بأنها تنعقد بأي لغة ولو مع القدرة على العربية؛ لأن المراد المعنى دون اللفظ.

    1.   

    القاعدة الحادية عشرة: من عليه فرض هل له أن يتنفل؟

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الحادية عشرة: من عليه فرض هل له أن يتنفل قبل أدائه بجنسه أم لا؟

    هذا نوعان: أحدهما: العبادات المحضة، فإن كانت موسعة جاز التنفل قبل أدائها كالصلاة بالاتفاق، وقبل قضائها أيضاً كقضاء رمضان على الأصح وإن كانت مضيقة لم تصح على الصحيح، ولذلك صور:

    منها: إذا تضايق الوقت، وعليه صلاة أو عليه فائتة أو صوم رمضان.

    النوع الثاني: التصرفات المالية كالعتق والوقف والصدقة والهبة، إذا تصرف بها وعليه دين ولم يكن حُجر عليه فالمذهب صحة تصرفه وإن استغرق ماله في ذلك. واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله أنه لا ينفذ شيء من ذلك مع مطالبة الغرماء، وحكاه قولاً في المذهب].

    عندنا قاعدة أصولية: وهي أن الأصل في أوامر الشارع المطلقة المجردة عن القرائن أنها تجب على الفور، فكفارة اليمين تجب على الفور، وكفارة الظهار تجب على الفور، والحج يجب على الفور، والصلاة تجب على الفور، والزكاة تجب على الفور.. إلخ.

    فهل إذا تنفل بنافلة قبل أن يؤدي هذا الفرض الذي عليه، فهل هذا يخل بالفورية فيأثم أو أنه لا يخل بالفورية؟

    هذه القاعدة التي هي: أداء النافلة قبل الفريضة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: التنفل بغير جنس الفريضة، فهذا جائز ولا بأس به.

    فمثلاً: لو أخرج صدقة قبل أن يصلي، أو صلى ركعتين قبل أن يكفر كفارة اليمين، ونحو ذلك، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    القسم الثاني: أن تكون النافلة من جنس الفريضة، يعني: صلى قبل الفريضة، أو صام قبل صيام الواجب.. إلخ.

    هذا القسم تحته ثلاث حالات:

    الفريضة البدنية

    الحالة الأولى: أن تكون الفريضة عبادة بدنية محضة موسعة، مثل: الصلاة، فإذا دخل الوقت فلك أن تصلي إلى خروج الوقت، ما لم يترتب على ذلك ترك واجب كالجماعة. ومثل ذلك قضاء رمضان، فلك أن تؤخر قضاء رمضان إلى أن يأتي رمضان القابل، يعني: لك أن تؤخر إلى أن يبقى قدر ما عليك من القضاء، من رمضان القادم.

    الحالة الثانية: أن تكون عبادة بدنية مضيقة، فهنا لا يجوز أن تتنفل، مثال ذلك: إنسان لم يصل صلاة المغرب عند دخول وقتها فبقيت عشر دقائق على خروج وقت صلاة المغرب، فهل له أن يقوم ويتنفل بركعتين قبل أن يؤدي الفريضة التي عليه، نقول: ليس له ذلك، بل يجب عليه أن يبادر إلى الفريضة.

    مثال آخر: شخص أراد أن يتنفل وقت الإقامة فنقول: لا يجوز له أن يتنفل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).

    ومن ذلك أيضاً: الحج، فالحج عبادة مركبة من المال والبدن، فيجب عليه أن يبادر بأداء الحج إذا وجب عليه ولا يجوز له أن يتنفل قبل أدائه بجنسه، والعلماء رحمهم الله يقولون: لو نوى من وجب عليه الحج نفلاً فإنه ينقلب فرضاً.

    الفريضة المالية

    الحالة الثالثة: أن يكون الفرض الواجب عبادة مالية، مثلاً: الدَّين سواء كان لله أو كان للمخلوق، فهل له أن يتنفل قبل قضاء الدين؟

    نقول: ليس له ذلك، لأنه يجب عليه أن يبادر بإخراج حق الله عز وجل.

    أو نقول: النوع الأول من الحالة الثالثة: إذا كان الدين للمخلوق، فلا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون حُجر عليه، يعني: حَجَر عليه القاضي، فهذا ليس له أن يتبرع، وليس له أن يهب، وليس له أن يوقف، وليس له أن يتصدق، فما دام أنه حجر عليه القاضي فلا يجوز له أن يتبرع بشيء؛ لأن التبرع مستحب، وقضاء الدين واجب، والأصل أن يقدم الواجب على المستحب؛ ولأن الغرماء تعلق حقهم بهذا المال، فكونه يتصرف بهذا المال فإنه يفتات على الغرماء في إسقاط حقهم.

    الحالة الثانية: ألا يكون هذا الشخص قد حجر عليه، يعني: هذا الشخص عنده مال وعليه ديون، فهل له أن يوقف أو يتصدق، أو يهب؟ فجمهور العلماء على أن له ذلك، ما دام أن القاضي لم يحجر عليه ولم يتعلق حق الغرماء بماله، فله أن يتصدق، وله أن يهب، وله أن يوقف.. إلخ.

    وهناك رأي آخر وهو رأي مالك واختاره شيخ الإسلام وابن القيم أنه لا يجوز له أن يتصدق، يعني أن يؤدي هذه النوافل ما دام أن عليه دين للمخلوق، حتى وإن كان لم يحجر عليه؛ لأن في الحَجر حفظ لحقوق الغرماء، وهذا هو الصواب، وعلى هذا نقول: إذا كان الدين للآدمي، فإنه لا يجوز له أن يتبرع بصدقة ولا هبة ولا وقف، سواء حجر عليه القاضي أو لم يحجر عليه؛ لأن دين الآدمي واجب والتبرع مستحب، فيجب عليه أن يقدم الواجب قبل المستحب.

    النوع الثاني من الحالة الثالثة: أن يكون الدين لله سبحانه وتعالى، كنذر، أو زكاة، وكذلك أيضاً ديون الله سبحانه وتعالى التي جمعت بين المال والبدن مثل: كفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة القتل، فهل للإنسان أن يتصدق، أو يوقف، أو يهب وعليه كفارات وديون لله؟ فنقول: هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله:

    فبعض العلماء يتساهل في ذلك؛ لأن حقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، بخلاف حقوق الآدميين.

    وبعض العلماء يمنع من ذلك؛ لأن هذا واجب يجب أن تقدمه على المستحب، حتى وإن كان حقاً لله سبحانه وتعالى فهذا واجب يجب عليك أن تقوم به، وهذا هو الأقرب.

    والخلاصة في هذه القاعدة: أن النفل لمن عليه فرض، إن كان بغير الجنس فهذا جائز، وإن كان بالجنس، يعني: بجنس الفرض هل له أن يتنفل بجنس الفرض؟

    نقول: بأنه ينقسم إلى ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن تكون العبادة بدنية موسعة، فهذا جائز.

    الحالة الثانية: أن تكون العبادة بدنية مضيقة، فهذا لا يجوز.

    الحالة الثالثة: أن تكون العبادة مالية، وقسمنا هذه العبادة المالية إلى قسمين: ديون للآدميين، وديون لله سبحانه وتعالى، والخلاصة في ذلك كله: أن الدين سواء كان لله أو لآدمي ليس لك أن تتنفل بشيء من جنس هذه الأموال، ولا تتبرع حتى تقضي الدين الذي عليك، وهذا يدفع الإنسان إلى أن يخرج هذه الديون التي عليه.

    1.   

    القاعدة الثانية عشرة: في العبادات الواردة على وجوه متعددة

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثانية عشرة: المذهب أن العبادات الواردة على وجوه متعددة يجوز فعلها على جميع تلك الوجوه الواردة فيها من غير كراهة لبعضها، وإن كان بعضها أفضل من بعض. لكن هل الأفضل المداومة على نوع منها، أو فعل جميع الأنواع في أوقات شتى؟ ظاهر كلام الأصحاب الأول، واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله الثاني؛ لأن فيه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في تنوعه، وقال ابن عقيل في صلاة الخوف: إنها تنوعت بحسب المصالح فتصلى في كل وقت على صفة تكون مناسبة له, وهل الأفضل الجمع بين ما أمكن جمعه من تلك الأنواع أو الاقتصار على واحد منها؟ هذا فيه نزاع في المذهب ويندرج تحت ذلك صور:

    منها: مسح الأذنين المذهب أنه يستحب مسحهما مرة واحدة.

    ومنها: الاستفتاح].

    هذه القاعدة في العبادات التي وردت على وجوه متنوعة، يعني: سواء كانت عبادات فعلية، أو كانت عبادات قولية.

    من أمثلة ذلك: الاستفتاح، فقد ورد بعدة عبارات منها:

    استفتاح أبي سعيد : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ).

    واستفتاح أبي هريرة : ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي... ).

    واستفتاح ابن عباس : ( اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض وما فيهن.. ).

    واستفتاح علي : (وجهت وجهي للذي فطر السموات...).

    ومن الأمثلة: أنواع الصلوات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنواع الذكر والتسبيح في أدبار الصلوات, ومثل الرفع، أي: رفع الأيدي، فترفع قبل التكبير، وبعد التكبير، ومع التكبير، ووضع الأيدي.

    وهناك عبادات أخرى وردت على أوجه متنوعة، سواء كانت هذه العبادات قولية أو فعلية.

    خلاف العلماء في الترجيح بينهما والعمل بها جميعاً

    هذه القاعدة لها قسمان:

    القسم الأول: فيما يتعلق في الترجيح.

    يعني: هل ترجح أحد هذه الأنواع على بقية الأنواع، أو لا ترجح؟

    الرأي الأول: جمهور العلماء يرون الترجيح إما لذات العبادة وإما لطريق العبادة، فمثلاً: الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الاستفتاح يرجح استفتاح أبي سعيد : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك )، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب الهدي عشرة أوجه في ترجيح هذا الاستفتاح، والشافعي يرجح استفتاح أبي هريرة : ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي .. ) إلخ. فأكثر العلماء يسلكون مسلك الترجيح، وهذا هو المذهب.

    ومثلاً في التشهد: الإمام أحمد يختار تشهد ابن مسعود : ( التحيات لله والصلوات والطيبات )، والشافعي يختار تشهد ابن عباس : ( التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله .. ) إلخ. فهم يقولون بالترجيح، وهذا ما عليه أكثر العلماء رحمهم الله.

    الرأي الثاني: العمل بكل ما ورد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فتارة تستفتح باستفتاح أبي سعيد ، وتارة تستفتح باستفتاح أبي هريرة ، وتارة .. إلخ. وتارة تشهد ابن عباس ، وتارة تشهد ابن مسعود ، وتارة تشهد عائشة ، وتارة تشهد عمر ، وتارة ترفع مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة قبل التكبير.. إلخ. وهذا القول هو الصواب؛ وهذا المسلك فيه فوائد:

    الفائدة الأولى: أنك تكون قد عملت بالسنة كلها.

    والفائدة الثانية: حفظ العلم، فتُحفظ السنة ولا تنسى.

    والفائدة الثالثة: أن هذا أخشع للقلب.

    والفائدة الرابعة: أن بعض الأنواع قد تكون أقصر من بعض، مثل: التسبيح عشر، والتحميد عشر، والتكبير عشر، فقد يكون الإنسان مشغولاً، فيأتي بهذا النوع القصير.

    قال: (واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية الثاني؛ لأن فيه اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم في تنوعه).

    الجمع بينها في وقت واحد

    القسم الثاني: فيما يتعلق بالجمع، يعني: هل يُجمع بين هذه الأنواع في وقت واحد أو لا يجمع؟

    مثلاً إذا قال الإنسان: بعدما كبر للصلاة سأقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، وأقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، وأقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات. فنقول: ليس لك ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله: (وهل الأفضل الجمع بين ما أمكن جمعه من تلك الأنواع أو الاقتصار على واحد منها؟ هذا فيه نزاع في المذهب، ويندرج تحت ذلك صور: كمسح الأذنين ببقية ماء الرأس أو بماء جديد).

    يعني: هل تمسح أذنيك ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ الحنابلة يقولون: هما عبادتان، لكن الصحيح أنه ما ثبت إلا عبادة واحدة، فلم يثبت إلا أن تمسح الأذنين بما فضل من ماء الرأس، أما بماء جديد هذا من حيث الورود شاذ، لكن على القول بأنه ثابت، هل تجمع بينهما، تمسح الأذنين بماء جديد، وتمسح الأذنين بما فضل من ماء الرأس؟

    المذهب متى يجمع؟ ففي الاستفتاح هل تجمع بين ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك.. )، وبين ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي.. ) أو لا تجمع؟ المذهب يقول: أنك لا تجمع.

    وفي أنواع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، في المذهب تقول: اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم. وبعض الحنابلة يقولون: اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم... إلخ. فهل تجمع أو لا تجمع؟

    الصواب في هذه المسألة أن الإنسان لا يجمع، ما دامت العبادة نوعاً واحداً، ودليل ذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين، فإن أبا هريرة سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبيرة والقراءة ما تقول فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.. ) فلم يذكر من السنة شيئاً آخر، فدل ذلك على أن الإنسان لا يجمع ما دامت العبادة نوعاً واحداً، أما إذا كانت العبادة أنواعاً، مثلاً: في الركوع، وردت أذكار متنوعة، وفي السجود وردت أذكار متنوعة، فنقول هنا: تجمع.

    1.   

    القاعدة الثالثة عشرة: يحال الأثر على السبب الظاهر

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثالثة عشرة: إذا وجدنا أثراً معلولاً لعلة ووجدنا في محله علةً صالحة له، ويمكن أن يكون الأثر معلولاً لغيرها لكن لا يتحقق وجود غيرها، فهل يحال ذلك الأثر على تلك العلة المعلومة أم لا؟

    في المسألة خلاف بين أهل العلم، ولها صور كثيرة قد يقوى في بعضها الإحالة وفي بعضها العدم؛ لأن الأصل ألا علة سوى هذه المتحققة، وقد يظهر في بعض المسائل الإحالة عليها فيتوافق الأصل والظاهر، وقد يظهر الإحالة على غيرها فيختلفان].

    معنى هذه القاعدة: أننا إذا وجدنا سبباً، ثم وجدنا في محله أثراً، فهل نحيل هذا الأثر على ذلك السبب أو لا؟ نقول: هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون السبب ظاهراً فنحيل الأثر على السبب، وهذا له أمثلة.

    فمن الأمثلة: إذا ضرب صيداً ضربة موحية، يعني: ضربة قاتلة، ثم غاب عنه، فوجده بعد أيام وفيه ضربة لا يدري هل هي ضربته أو لا. هل نحيل هذا الأثر على ضربته أو نحيله على غير ضربته؟

    نقول: ما دام أن الضربة موحية فالظاهر أنه مات من ضربته، فنحيل هذا الأثر على السبب، فنقول: هذا الحيوان -الذي قتل- مباح.

    ومن الأمثلة على ذلك: إذا قام الإنسان ووجد في ثيابه بللاً، ولم يحتلم، ولم يتحقق أنه مني، ولو احتلم وتحقق أنه مني وجب عليه الغسل، لكن هنا لم يحتلم، ولم ير جماعاً في منامه، ولم يتحقق أنه مني، وقد سبق نومه شيء من محركات الشهوة، مثلاً: فكر بالجماع أو نحو ذلك، فهذا الآن سبب ظاهر لأن يكون مذياً ما دام أنه وجد الآن سبب للمذي قبل نومه.

    ومثلاً: إذا كان متزوجاً فداعب زوجته، فإذا كان قد فكر بالجماع ونحو ذلك، فهذا سبب ظاهر لخروج المذي، فنحيل هذا الأثر الذي وجد الآن على هذا السبب الظاهر، وعلى هذا فنقول: يجب عليك أن تغسل ثوبك, وأن تغسل ذكرك وأنثييك.

    أيضاً من الأمثلة: إذا كان عنده ماء، ثم وقعت فيه نجاسة، ثم جاء وقد تغير هذا الماء، فهل نقول: بأن الماء طاهر أو نجس؟ نقول: بأن الماء نجس، يعني: يحتمل أن الماء تغير بشيء طاهر، ويحتمل أن الماء تغير بمكثه، لكن عندنا سبب ظاهر وهو وجود هذه النجاسة، فنقول: بأن الماء تغير بهذه النجاسة فنحكم بنجاسته.

    القسم الثاني: أن يكون السبب غير ظاهر، وهنا لا نحيله، يعني: وجد عندنا سبب لكنه ليس ظاهراً ووجد عندنا أثر، فهنا لا نحيل الأثر على السبب غير الظاهر، مثال ذلك: رجل ضرب صيداً ضربة غير موحية، يعني: ضربة غير قاتلة، ثم غاب عنه، فوجده قد مات، هنا يحتمل أنه مات بضربته ويحتمل أنه مات بغير ضربته، كأن يكون مات بسبب جوع، أو انحبس بسبب الضربة، أو نحو ذلك، فهنا وجد السبب ووجد الأثر، لكن السبب هنا غير ظاهر في القتل، لأن الضربة غير موحية، فهنا لا نحيل الأثر على السبب؛ لأن السبب هنا غير ظاهر.

    1.   

    القاعدة الرابعة عشرة: وجود سبب إيجاب أو تحريم من أحد رجلين لا يعلم عينه

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الرابعة عشرة: إذا وجد سبب إيجاب أو تحريم من أحد رجلين لا يعلم عينه منهما، فهل يلحق الحكم بكل منهما أو لا يلحق بواحد منهما شيء؟

    في المسألة خلاف، ولها صور:

    إحداها: إذا وجد اثنان منياً في ثوب ينامان فيه, أو سمعا صوتاً خارجاً ولم يعلم من أيهما هو، ففي المسألة روايتان:

    إحداهما: لا يلزم واحداً منهما غسل ولا وضوء نظراً إلى أن كل واحد منهما متيقن للطهارة شاك في الحدث.

    والثانية: يلزمهما الغسل والوضوء؛ لأن الأصل زال يقيناً في أحدهما فتعذر البقاء عليه وتعين الاحتياط ولم يلتفت إلى النظر في كل واحد بمفرده كثوبين أو إناءين نجس أحدهما.

    الصورة الثانية: قال أحد الرجلين: إن كان هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق وغاب ولم يعلم ما هو].

    يقول المؤلف رحمه الله: (إذا وجد سبب إيجاب أو تحريم من أحد رجلين لا نعلم عينه منهما)، عندنا رجلان أو أكثر، وجد منهما سبب إيجاب، مثاله: خروج الحدث، أو وجد منهما سبب تحريم كما مثل المؤلف: (قال أحد الرجلين: إن كان هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق).

    في الصورة الأولى سبب إيجاب الرائحة ممن خرجت، فلابد أنها خرجت من أحدهما، والطائر إما أن يكون غراباً، وإما ألا يكون غراباً، فقال أحدهما: إن كان غراباً فزوجتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً فزوجتي طالق، فزوجة أحدهما طالق، وأحدهما محدث، فسبب الإيجاب أن أحدهما محدث، وسبب التحريم أن زوجة أحدهما طالق، فمن الذي نوقع عليه الطلاق؟ ومن الذي نوجب عليه أن يتوضأ؟ ومثل هذا في الحرية، فلو قال: إن كان الطائر غراباً فأمتي حرة، وقال الثاني: إن لم يكن غراباً فأمتي حرة، فهذا الطائر لا بد أن يكون غراباً أو ليس غراباً، فمن الذي نقول بأن أمته حرة؟ ومن الذي نقول بأن أمته غير حرة؟

    يعني: فأي هؤلاء يلحقه سبب الإيجاب؟ وأيهم يلحقه سبب التحريم؟

    نقول: هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله. فقال بعض العلماء: إن السبب يلحق بكل منهما، كل منهما يتوضأ وكل منهما يقول: إن زوجته طالق؛ لأن هذا الطائر إما أن يكون غراباً وإما ألا يكون غراباً، فنقول:

    الرأي الأول: السبب يلحق كل منهما.

    والرأي الثاني: أن السبب لا يلحق واحداً منهما، لأن الأصل بقاء الزوجية، وهذا الذي قال: إن كان الطائر غراباً فزوجتي طالق، يحتمل أنه ليس غراباً، فقد يحتمل أنه حمامة فلا تطلق عليه زوجته، فكيف نطلق عليه زوجته؟ وهذا الذي قال أيضاً: إن لم يكن غراباً فزوجتي طالق، يحتمل أنه غراب أيضاً، فكيف نطلق عليه زوجته؟

    فقال بعض العلماء: الأصل الطهارة، والأصل بقاء الزوجية، فلا نحكم ببطلان الطهارة وببطلان الزوجية؛ لأن الأصل بقاء ذلك.

    والرأي الثالث: أنا نصير إلى القرعة؛ لأن هذا من باب تزاحم المبهمات، فإذا تزاحمت المبهمات يصار فيها إلى القرعة.

    ويظهر -والله أعلم- أن مسألة الحدث أمر سهل، فالأصل بقاء الطهارة لكن مسألة الطلاق، نقول: نصير فيه إلى القرعة، لأنه لا بد من ذلك، والقرعة هي حكم الله عز وجل الشرعي الديني، وهي وإن لم توافق الحكم الكوني القدري إلا أنها حكم الله الشرعي الديني، فمن قرعت فهي التي يقع عليها الطلاق، وهذا الظاهر؛ لأنه من باب تزاحم المبهمات، والله أعلم.