إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حقق التوحيد فإنه لا يدخل الجنة فقط بل يدخلها بغير حساب، وهذا من أعظم فضائل التوحيد. وتحقيق التوحيد يكون بعدم الإتيان بما ينقض أصله أو كماله، والبعد عما يخدشه، ومن عباد الله من يحققون الغاية القصوى من ذلك؛ فلا يطلبون الرقية مع أنها مباحة، ولا يكتوون، ول

    1.   

    شرح حديث: (عرضت عليَّ الأمم ..)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي . قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: ( لا رقية إلا من عين أو حمة ). قال: لقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرضت علي الأمم، فرأيت النبي معه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة )].

    بوب المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب].

    وتقدم لنا أن تحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور:

    الأمر الأول: أن لا يأتي ما ينافي التوحيد من أصله، وهو الشرك الأكبر.

    والأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد، وهو الشرك الأصغر.

    والأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد ويخدشه، وهو سائر البدع والذنوب والمعاصي.

    وذكرنا أن المراد بذلك: أن يصر عليها، أما إذا فعل شيء من ذلك وتاب فإن الله عز وجل يتوب عليه.

    وذكر المؤلف رحمه الله آيتين، ثم ذكر حديث سعيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأيضاً حديث الشعبي عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، قال: (عن حصين بن عبد الرحمن ) حصين بن عبد الرحمن تابعي جليل، توفي رحمه الله سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة.

    (قال: كنت عند سعيد بن جبير ) سعيد بن جبير أيضاً تابعي جليل، وهو من أجل تلامذة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وتوفي رحمه الله سنة خمس وتسعين للهجرة.

    (فقال: أيكم رأى الكوكب)؟ المقصود بالكوكب: النجم، وليس المراد هنا سقوط النجم؛ لأن النجم هذا كوكب عظيم، لكن المقصود: خروج شيء من الشهب التي ترمى بها الشياطين من النجم، يعني خروج شيء من الشهب، فقوله: (الكوكب). ليس المقصود بذلك سقوط النجم، وإنما المقصود: خروج شيء من الشهب التي ترمى بها الشياطين.

    قال: (انقض) يعني: سقط.

    قال: (البارحة). البارحة: هي أقرب ليلة مضت، يقال قبل الزوال. يعني: قبل الزوال تقول: رأيت البارحة، وبعد الزوال تقول: رأيت الليلة.

    (فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت). قوله: (فقلت: أنا). ثم استدرك رحمه الله ذلك. قال: (ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة). فالذي قال: أنا هو حصين بن عبد الرحمن رحمه الله، وهذا هروباً من الرياء، لكي لا يحمد بما لا يفعل، فقال: أنا الذي رأيته، ولما قال: (أنا الذي رأيته) يحتمل أنه كان في صلاة، فلكي لا يحمد بما لا يفعل بين أنه لا يصلي، وإنما الذي حمله على أنه كان مستيقظاً أنه لدغ، وهذا من ورع السلف رحمهم الله.

    (فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت). أي: لدغته ذوات إحدى السموم.

    (قال: فما صنعت؟) قال له سعيد بن جبير : لما لدغت ما صنعت؟ قال: (ارتقيت) يعني: طلبت من يرقيني ويقرأ علي، وفي صحيح مسلم : استرقيت. يعني: طلبت من يرقيني. قال: (فما حملك على ذلك؟) يقول سعيد : ما الذي حملك على أن ترتقي؟ (قلت: حديث حدثناه الشعبي ). الشعبي اسمه عامر بن شراحيل ، توفي رحمه الله سنة ثلاث ومائة للهجرة، وهو تابعي جليل.

    (حديث حدثناه الشعبي قال: (وما حدثكم؟) يقول سعيد : ما حدثكم؟ (قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: ( لا رقية ) أي: لا قراءة. ( إلا من عين أو حمة ) قوله: ( من عين ) يعني: إصابة العائن غيره بعينه.

    ( أو حمة ) الحمة هي ذوات السموم، يعني: لدغة إحدى ذوات السموم.

    (قال) يعني: قال سعيد بن جبير : (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع). يعني: من فعل ما بلغه من العلم أحسن؛ لأنه على نور وعلى طريق، لكن سعيد أراد أن يبين له الأكمل من فعل حصين .

    قال: (ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرضت علي الأمم ) الذي عرضها الله عز وجل، والأمم: جمع أمة، وهي الطائفة من الناس، والمراد: أمم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

    ( فرأيت النبي ومعه الرهط ) دون العشرة، يعني: هذا النبي الذي أرسله الله عز وجل بالآيات البينات لا يتبعه إلا أقل من عشرة.

    ( والنبي ومعه الرجل والرجلان ) يعني: النبي معه الرجل أو الرجلان، يعني لا يأتي إلا ومعه رجل أو رجلان فقط.

    ( والنبي وليس معه أحد ) لكن بعث حجةً على قومه، لا يتبعه أحد.

    ( إذ رفع لي سواد عظيم ) أي: أشخاص كثيرون، من كثرتهم كأنهم سواد.

    ( فظننت أنهم أمتي ) لكثرتهم.

    ( فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم ) يعني: أشخاص كثيرون، من كثرتهم كأنهم سواد.

    ( فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) يعني: لا يحاسبون ولا يعذبون في قبورهم ولا يوم القيامة.

    ( ثم نهض -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فدخل منزله، فخاض الناس -اختلف الناس- في أولئك: ) من هم هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وعددهم سبعون ألفاً؟

    ( فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ). قال بعض الصحابة: لعلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، وهذا يدل على فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    ( وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً ). ولدوا في الإسلام، يعني: لم يولدوا في زمن الشرك، وإنما ولدوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فاستمروا على الإسلام؛ لأن من ولد في زمن الشرك يكون مشركاً على دين أبويه، لكن إذا ولد بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكون مسلماً على دين أبويه.

    ( فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء ) يعني: ذكروا غير هذا.

    ( فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ) يعني: لا يطلبون من يرقيهم، ( ولا يكتوون ) يعني: لا يتعالجون بالكي. ( ولا يتطيرون ). التطير: هو التشاؤم، وأما في الاصطلاح: فهو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، وسيأتينا باب مستقل سيعقده المؤلف رحمه الله.

    ( وعلى ربهم يتوكلون ). التوكل في اللغة: الاعتماد، وأما في الاصطلاح: فهو الاعتماد على الله عز وجل في جلب النفع ودفع الضر مع فعل الأسباب، وسيأتي أن المؤلف رحمه الله تعالى سيعقد باباً مستقلاً للتوكل.

    ( فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم ).

    عكاشة سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل له أن يجعله من هؤلاء السبعين ألفاً، وفي هذا فضيلة عكاشة ، حيث إنه من الذين يتوكلون على الله عز وجل، وأنهم من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    قال: ( أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة ).

    هذا الرجل لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض العلماء: إنه كان من المنافقين، وقال بعض العلماء: ليس من المنافقين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الرجل لا تتوفر فيه صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    وفي هذا الحديث فضيلة تحقيق التوحيد؛ لأن هؤلاء الذين لا يسترقون -يعني: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم-، ولا يكتوون -لا يتعالجون بالكي- ولا يتطيرون -لا يتشاءمون-، ويتوكلون على الله عز وجل -يعتمدون على الله عز وجل بجلب النفع، ودفع الضر، مع فعل الأسباب- قد حققوا التوحيد، ومن حقق التوحيد وكان بهذه المنزلة فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ففي هذا فضيلة تحقيق التوحيد، وأن من اتصف بهذه الصفات فإنه يكون محققاً للتوحيد، وإنه حينئذ يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    1.   

    ذكر كلام العلماء في حكم الرقية والكي والتطير

    هذا الحديث اشتمل على فوائد كثيرة، لكن مما يعنينا فيما يتعلق بالتوحيد أن طلب الرقية مما ينافي التوكل، يعني: كون الإنسان يطلب من غيره أن يرقيه هذا مما ينافي التوكل، وفرق بين طلب الرقية وبين أن يرقيك شخص بلا طلب، فإذا رقاك شخص بلا طلب فإن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، ومع ذلك رقاه جبريل ورقته عائشة رضي الله تعالى عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه، ويجمع يديه وينفث بالمعوذات وسورة الإخلاص، ويمسح ما استطاع من بدنه.

    فنقول: ما يتعلق بطلب الرقية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يسترقون ). هذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله كثيراً، لكن أحسن شيء ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ( لا يسترقون ). معنى: أنهم لا يطلبون الرقية من غيرهم، وأن طلب الرقية منافٍ للكمال، لكن لو رقاك شخص بلا طلب فإن هذا جائز ولا بأس به.

    وكذلك قال أيضاً: ( ولا يكتوون ) المعالجة بالكي، وهذا أيضاً مكروه، وهو مما ينافي التوكل.

    أيضاً مما ينافي التوكل التشاؤم، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالتشاؤم، وأن الإنسان إذا رأى ما يكره أو سمع ما يكره فإنه لا يخلو من أقسام:

    القسم الأول: إذا سمع ما يكره، خرج لعمل من الأعمال، لسفر، ورأى صاحب عاهة، أو رأى حادثاً، أو سمع كلمةً غير طيبة، فتشاءم ورجع، هذا شرك أصغر، وإن اعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر، هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: أن يمضي وفي قلبه شيء من القلق، هذا ليس شركاً، لكن فيه نقص في التوحيد، والكمال أن لا يكون هناك شيء من القلق.

    القسم الثالث: أن يمضي وليس في قلبه شيء من القلق، فقلبه مستريح، لم يلتفت إلى شيء من هذه الأشياء، فهذا هو التوحيد، وهذا هو الكمال؛ لأن كون الإنسان يعلق قلبه بمثل هذه الأشياء علق قلبه بأمر لا حقيقة له.

    وقوله: ( يتوكلون ) هذا سيأتينا إن شاء الله فيه باب مستقل، وسنذكر فيه أقسام التوكل.

    الشرك الأكبر والشرك الأصغر سيأتينا إن شاء الله.