إسلام ويب

شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الشريعة الإسلامية كلها يسر وسماحة، فالمشقة تجلب التيسير كما في قواعدها الكبرى، فلا واجب على العبد عند العجز، كما أن المحرم يباح عند الضرورة، بل قد يجب، وإن من أسباب التخفيف والتيسير في الإسلام مراعاة الصغير والمجنون والمريض والمرأة والرقيق.

    1.   

    تابع أسباب التخفيف

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [وليس واجب بلا اقتدار ولا محرم مع اضطرار

    وكل محظور مع الضروره بقدر ما تحتاجه الضروره].

    السبب الثالث: النقص

    ذكرنا فيما تقدم أسباب التخفيف، تكلمنا عن المرض والسفر والجهل، وسيأتينا الخطأ والنسيان والإكراه، والسابع من أسباب التخفيف: النقص، وهو أنواع:

    النقص بالصغر

    النوع الأول: النقص بالصغر، فالصغير يخفف عنه ما لا يخفف عن الكبير، فمثلاً: الصغير لا تجب عليه صلاة الجماعة، ولا يجب عليه الصيام، ولا يجب عليه الحج.. إلى آخره.

    والخلاصة في ذلك أن لتكليف الصغير ضوابط:

    الضابط الأول: العبادات البدنية المحضة لا تجب على الصغير، لكن إن كان مميزاً صحت منه، وأجرها له، ولوليه أجر، وإن كان غير مميز فلا تصح إلا الحج والعمرة، فالصلاة والوضوء والغسل والصيام إذا كان مميزاً صحت منه، ولا تجب عليه، وأجرها له ولوليه أجر.

    الضابط الثاني: العبادات المالية المحضة تجب عليه، مثل الزكاة تجب عليه، وتخرج من ماله.

    الضابط الثالث: الحقوق المالية المحضة، وهذه تجب عليه كالنفقات، فيجب أن ينفق من ماله سواء كان مميزاً أو غير مميز، ومثل: قيم المتلفات، وأروش الجنايات.

    الضابط الرابع: العبادات المركبة من المال والبدن، وهذه موضع خلاف، والصحيح أنها لا تجب عليه، مثل: الكفارات: كفارة اليمين، والظهار، والقتل، ومثل الحج والعمرة، والجهاد.

    الضابط الخامس: عقود الصغير لا تصح إلا في حالتين:

    الحالة الأولى: في الأمور اليسيرة إذا كان مميزاً.

    الحالة الثانية: إذا راهق وقارب البلوغ فإنه يصح أن يؤذن له في بعض المعاملات لكي ينظر رشده.

    الضابط الأخير: فيما يتعلق بالجنايات والحدود إلى آخره نقول: هذه لا تجب عليه.

    هذا ما يتعلق بضوابط تكليف الصغير، أو النقص بالصغر.

    النقص بالجنون

    النوع الثاني: النقص بالجنون، وأيضاً له ضوابط:

    الأول: العبادات البدنية المحضة، وهذه لا تجب عليه ولا تصح منه، بخلاف الصبي المميز كما تقدم وقلنا: تصح منه، لكن المجنون لا تصح منه، ولا تجب عليه، فلا يصح وضوءه ولا غسله ولا صيامه.. إلى آخره.

    الثاني: العبادات المالية المحضة كالزكاة، وهذه تجب عليه.

    الثالث: الحقوق المالية كالنفقات، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، وهذه تجب عليه.

    الرابع: العبادات التي تجمع بين المال والبدن، هذه موضع خلاف، والصحيح أنها لا تجب عليه -كما سلف- مثل الكفارات.

    الضابط الخامس: ما يتعلق بعقوده وجناياته، وهذه كلها لا تجب عليه، ولا تصح منه.

    النقص بالعته

    النوع الثالث: النقص بالعته، وفرق بين المجنون والمعتوه، فالجنون: فقد للعقل يصحبه اضطراب وهيجان، والعته: نقص في العقل.

    يقول العلماء رحمهم الله: المعتوه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: معتوه معه إدراك، فهذا حكمه حكم الصبي المميز كما تقدم.

    القسم الثاني: معتوه ليس معه إدراك، وهذا حكمه حكم المجنون.

    النوع الرابع: النقص بالأنوثة، والقاعدة في ذلك: أن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلا لدليل، فكل الأحكام الشرعية: العبادات، والمعاملات، والحدود، الأصل فيها تساوي الرجال والنساء إلا ما استثناه الدليل كوجوب الجمعة والجماعة، ووجوب الجهاد.. إلى آخره، وهذه الأمور لا تجب على المرأة.

    النقص بالرق

    الخامس: النقص بالرق، والرق: عجز حكمي يلحق بالإنسان سببه الكفر بالله عز وجل، والقاعدة في الرقيق كما هو قول الظاهرية: الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في الأحكام البدنية إلا لدليل، أما الأحكام المالية فإنها لا تجب على الرقيق؛ لأنه مال.

    وعليه فنقول: الأحكام الشريعة بالنسبة للأرقاء إن كانت مركبة من المال والبدن فإنها لا تجب عليه، وإن كانت بدنية فالأصل أنه يتساوى الأحرار والأرقاء إلا لدليل، فمثلاً: يجب عليهم الغسل، والوضوء، والصلاة، والصيام، وصلاة الجمعة والجماعة بخلاف ما يذهب إليه الجمهور، إلا لدليل مثل: تنصيف حد الزنا فهذا ورد فيه الدليل، وما لم يرد فيه الدليل فنقول: الأصل تساوي الأحرار والأرقاء.

    أما الأحكام المالية فهي لا تصح منه؛ لأنه مال، فلا تجب عليه الزكاة، ولا النفقات.. إلى آخره.

    قاعدة: لا واجب مع العجز

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    (وليس واجب بلا اقتدار ولا محرم مع اضطرار).

    هاتان قاعدتان:

    القاعدة الأولى: لا واجب مع العجز، ويدل لذلك قول الله عز وجل: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))[التغابن:16].

    وأيضاً ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).

    فإذا عجز عن الواجب سقط، لكن إذا عجز عن بعض الواجب وقدر على بعضه هل يجب عليه أن يأتي بما قدر عليه أو لا؟

    هذا تحته أقسام:

    القسم الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلةً محضة، فهذا لا يجب عليه، مثال ذلك: أن يقول: أنا أستطيع أن أصل إلى المسجد لكني لا أستطيع أن أصلي جماعةً فنقول: لا يجب عليك أن تجيء؛ لأن المجيء من البيت إلى المسجد وسيلة محضة، ومثال ذلك أيضاً: إمرار الموس في الإحرام على رأس الأصلع، نقول: هذا لا يجب؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هذا نوع من العبث، فإذا كان المقدور عليه وسيلةً محضة فلا يجب.

    القسم الثاني: ألاّ يكون المقدور عليه إذا انفرد عبادةً بنفسه، وأيضاً نقول: لا يجب.

    مثال ذلك أن يقول: أنا أستطيع أن أصوم إلى نصف النهار ولكن لا أستطيع أن أكمل، يقول لم يرد في الشرع الصيام إلى نصف النهار، وعليه فلا يجب عليك أن تصوم ثم تفطر.

    القسم الثالث: ما عدا ذلك فنقول: يجب، إذا كان يقدر على البعض ولا يستطيع البعض الآخر، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعمران بن حصين رضي الله تعالى عنه: ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ).

    قاعدة: لا محرم مع الضرورة

    (وليس واجب بالاقتدار ولا محرم مع اضطرار).

    والمحرم أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: لا محرم مع الضرورة، فالضرورات تبيح المحرمات، وهذه هي القاعدة الثانية.

    والضرورة: هي كل شيء إذا لم يراعَ أدى ذلك إلى فوات النفس، أو الطرف، أو المنفعة، فلا محرم مع الضرورة لقول الله عز وجل: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173] ، فالضرورات تبيح المحظورات.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة، وأن الحاجة لا تبيح المحرم.

    وذهب بعض العلماء إلى أن المحرمات تنقسم إلى قسمين: محرمات تحريم وسائل، ومحرمات تحريم مقاصد، فالمحرمات تحريم مقاصد لا تبيحه إلا الضرورة، والمحرمات تحريم وسائل تبيحه الضرورة والحاجة، وكلام المؤلف رحمه الله أن المحرم هذا لا تبيحه إلا الضرورة، والحاجة تبيح المكروه.

    والحاجة: هي كل ما لم يراع أدى ذلك إلى الوقوع في الحرج والمشقة.

    قال رحمه الله: (وكل محظور مع الضروره بقدر ما تحتاجه الضروره).

    الله عز وجل اشترط للأخذ من المحرم شرطين: غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [البقرة:173] ، الباغي: هو الذي يبغي المحرم مع قدرته على الحلال، والعادي: هو الذي يأخذ من المحرم أكثر من حاجته، الله عز وجل قال: غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [البقرة:173] ؛ فالضرورة تقدر بقدرها؛ ولهذا إذا احتاج الطبيب إلى أن ينظر إلى المرأة أثناء المعالجة فإنه ما ينظر إلا بقدر ما يحتاجه، أما أزيد من ذلك فلا يجوز، وإذا احتاج شخص إلى أن يأكل من الميتة فإنه يأكل بقدر ما يمسك نفسه وحياته، أما الزيادة على ذلك فلا تجوز.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد..