إسلام ويب

مفطرات الصيام المعاصرة [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الفقهاء القدامى عن جملة من المفطرات، ومع تطور الحياة المادية استجدت أشياء، اتفق الفقهاء على كون بعضها مفطرة للصائم، واختلفوا في أشياء منها: بخاخ الربو وقطرة وغسول الأذن، والتخدير.

    1.   

    مقدمات

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

    انتهينا من أحكام الصيام، وبقي إن شاء الله ما يتعلق بمفطرات الصيام المعاصرة؛ يعني: التي استجدت، فقد تقدم لنا ما يتعلق بمفطرات الصيام المعتادة التي تكلم عليها العلماء رحمهم الله في الزمن السابق.

    وفي هذا العصر -بسبب ترقي الطب- وجدت بعض الأشياء التي اختلف فيها العلماء رحمهم الله، هل هي مفطرة أو ليست مفطرة؟ وهذه مسائل كثيرة، قد جمعها كثير من الباحثين في بعض كتاباتهم، وكذلك أيضاً المجاميع الفقهية في مقرراتها تناولت مثل هذه الأشياء. وإن شاء الله سنتعرض لها بإذن الله، ونبين كلام أهل العلم المتأخرين, وإن كان لها أصل في كلام المتقدمين.

    المفطرات: جمع مفطر وهي: مفسدات الصيام، وأجمع العلماء رحمهم الله على أربعة أشياء من مفسدات الصيام: الأول: الأكل. والثاني: الشرب. والثالث: الجماع. والرابع: الحيض والنفاس.

    أما الأكل والشرب والجماع فهذه قد بينها الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، ففي هذه الآية بيان ثلاثة من المفطرات: الأكل, والشرب، والجماع. وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في صحيح البخاري : ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ). بيان للمفطر الرابع الذي أجمع العلماء رحمهم الله عليه وهو الحيض والنفاس.

    والمعاصرة مأخوذ من العصر، والعصر في اللغة: يطلق على معانٍ منها: الدهر والزمن، ومن هذه المعاني: الملجأ، يقال: اعتصر بالمكان إذا التجأ به، ومن هذه المعاني أيضاً: ضغط الشيء حتى يحتلب.

    والمراد بقولنا: (المفطرات المعاصرة) أي: مفسدات الصيام التي استجدت، وهذه المفسدات -كما أشرنا لها- كثيرة، فتكلم عليها العلماء في الوقت الحاضر، وحضر فيها كثير من قرارات المجاميع الفقهية، وسنتعرض إن شاء الله لكثير من هذه المفطرات.

    1.   

    بخاخ الربو

    المسألة الأولى: بخاخ الربو، وبخاخ الربو هو: عبارة عن علبة فيها دواء سائل، وهذا الدواء يحتوي على ثلاثة عناصر: الأول: الماء. والثاني: الأوكسجين. والثالث: بعض المستحضرات الطبية.

    هذا البخاخ يستعمل عند من أصيب بمرض الربو؛ فيأخذ المصاب بمرض الربو شهيقاً عميقاً مع الضغط على هذا البخاخ عن طريق الفم. هذا البخاخ استعماله للصائم هل يفطره أو لا يفطره؟ اختلف المعاصرون على رأيين:

    الرأي الأول: أنه لا يفطر ولا يفسد الصوم، وهذا القول أخذ به الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وأفتى به الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله, والشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله, وأخذت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة, فقالوا: إن هذا البخاخ غير مفطر.

    واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة -لعلنا نشير إلى أهمها- منها:

    أولاً: أن الصائم له أن يتمضمض ويستنشق بالإجماع، وإذا تمضمض فإنه سيبقى شيء من أثر الماء، وهذا الأثر ينتقل مع ابتلاع الريق إلى المعدة، والداخل من بخاخ الربو إلى المريء ثم إلى المعدة قليل جداً، فيلحق بالماء المتبقي بعد المضمضة، فإذا كان الماء المتبقي بعد المضمضة لا يفطر لكونه قليلاً فمثله أيضاً هذا البخاخ.

    ووجه ذلك أن هذه العبوة الصغيرة من بخاخ الربو تشتمل على عشرة مليمترات من الدواء السائل الذي فيها، وهذه العشرة مليمترات وضعت لمائتي بخة، فالبخة الواحدة تستغرق جزءاً من عشرين جزءاً من المليمتر؛ يعني: نصف العشر من المليمتر، فقالوا: بأن هذا شيء يسير فيقاس على الماء المتبقي بعد المضمضة أو الاستنشاق.

    وكذلك أيضاً قالوا: إن دخول شيء إلى المعدة من بخاخ الربو ليس أمراً قطعياً، بل هو أمر مشكوك فيه، والأصل بقاء الصيام وصحته، واليقين لا يزول بالشك.

    ثانياً: إن هذا لا يشبه الأكل والشرب فهو يشبه سحب الدم للتحليل، ويشبه ما يتعلق بالإبر غير المغذية، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالإبر المغذية وغير المغذية .. إلخ.

    ثالثاً: من الأدلة القوية التي ذكروها: أن الأطباء ذكروا أن السواك يحتوي على ثمان مواد كيميائية -والسواك جائز للصائم، حسب اختلاف أهل العلم رحمهم الله في وقته، والصواب أنه جائز للصائم مطلقاً قبل الزوال وبعده - ولا شك أن استعمال السواك مع هذه المواد الكيميائية سينزل شيء من هذا السواك أو من أثره إلى المعدة، فنزول هذا الدواء السائل -في بخاخ الربو- إلى المعدة كنزول أثر السواك إلى المعدة.

    والرأي الثاني في مسألة بخاخ الربو: قالوا بأنه لا يجوز للصائم أن يتناوله في رمضان، وإن احتاج إلى ذلك فإنه يتناوله ويقضي.

    واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:

    قالوا: إن هذا البخاخ يصل إلى المعدة عن طريق الفم، فحينئذ يكون مفطراً.

    والجواب عن هذا سهل، فقلنا: إن هذا الجزء الذي يصل إلى المعدة عن طريق الفم -هذا إذا سُلِّم به- جزء يسير يلحق بالجزء المتبقي من الماء بعد المضمضة. مع أننا ذكرنا في أدلة الرأي الأول أن الذين قالوا: إن بخاخ الربو يصل إلى المعدة أو يصل شيء منه إلى المعدة هذا أمر مشكوك فيه، فالأصل بقاء الصيام، واليقين لا يزول بالشك. وتقدم أيضاً أن أشرنا -في السواك- أن الأطباء ذكروا أن السواك يحتوي على ثمان مواد كيميائية، وهذه المواد سيكون لها أثر ينزل إلى المعدة، فيلحق بذلك هذا السائل الدوائي الذي يشتمل على المستحضرات الطبية والماء والأكسجين.

    وعلى هذا يكون الراجح في هذه المسألة أن استعمال البخاخ للربو بالنسبة للصائم لا يفطر, وأنه لا بأس به؛ لما ذكرنا من الأدلة.

    1.   

    الأقراص التي توضع تحت اللسان لمعالجة الأزمة القلبية

    المسألة الثانية: من المفطرات التي استجدت: الأقراص التي توضع تحت اللسان؛ والمراد بهذه الأقراص: أقراص توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية، وهي تمتص مباشرة بعد وضعها تحت اللسان في وقت قصير، ويحملها الدم إلى القلب، فتتوقف هذه الأزمة المفاجئة التي أصابت القلب.

    نقول: الأقراص التي توضع تحت اللسان تتحلل ويمتصها الدم ويحملها إلى القلب؛ يعني: في فترة يسيرة يقوم الدم بامتصاصها وحملها إلى القلب، ثم بعد ذلك يتوقف ما يحصل للقلب من أزمة مفاجئة. فهذه حكمها أنها لا تفطر؛ لأنه لا يدخل شيء منها إلى الجوف، بل تمتص في الفم.

    1.   

    منظار المعدة

    المسألة الثالثة: من المفطرات المعاصرة التي تكلم عنها العلماء رحمهم الله: المنظار الذي يستخدم للمعدة، والمنظار هو: عبارة عن جهاز طبي يدخل عن طريق الفم إلى البلعوم، ثم إلى المري، ثم إلى المعدة.

    والفائدة من هذا المنظار: أنه يصور ما في المعدة من قرحة، أو يقوم باستئصال بعض أجزاء المعدة لفحصها، أو لغير ذلك من الأمور الطبية.

    ومسألة المنظار تكلم عليه العلماء في السابق، لكن لم يتكلموا عليه بعينه، وإنما تكلموا على ما يشبه هذا المنظار، فتكلموا على حكم ما إذا أدخل إلى جوفه شيء غير مغذ؛ مثلاً: ابتلع حصاة، أو ابتلع قطعة حديد، فهل تفطر هذه الأشياء؟ أو أنه يشترط للمفطر أن يكون مغذياً؟ كان للعلماء فيها رأيان:

    الرأي الأول: جمهور العلماء يرون أنه إذا أوصل الإنسان إلى معدته شيئاً ولو كان غير مغذٍ، كما لو ابتلع حصاة أو ابتلع حديداً، أو خشبة ونحو ذلك من هذه الأشياء يقولون: يكون مفطراً.

    وهذا ما عليه جماهير أهل العلم، إلا أن الحنفية اشترطوا لكي يفطر بهذه الأشياء أن يستقر هذا الشيء في الجوف، فإن لم يستقر فإنه لا يفطر به، أما المالكية والشافعية والحنابلة فلا يشترطون ذلك؛ يعني: سواء كان مستقراً أو كان غير مستقر، فيرون أنه إذا وصل إلى المعدة فإنه يفطر.

    وعلى هذا يكون المنظار على قول جمهور أهل العلم أنه يفطر، إلا الحنفية لا يرون أنه مفطر؛ لأنه لا يستقر عندهم.

    والرأي الثاني: أنه لا يفطر بإدخال هذه الأشياء التي لا تفطر، فمثلاً: لو أن الإنسان أدخل إلى جوفه حديدة أو حصاة أو خشبة أو نحو ذلك فإنه لا يفطر بهذه الأشياء، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك قال به بعض المالكية، قالوا: إن إدخال مثل هذه الأشياء ليست مفطرة؛ لأن الذي دل عليه الكتاب والسنة أنه مفطر هو ما كان مغذياً، وهذه الأشياء ليست مغذية.

    والجمهور الذين قالوا بأنه يفطر استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصائم بأن يتقي الكحل, والكحل هذا ليس مغذياً.

    ويجاب عن هذا القول: بأن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة: أن إدخال ما لا يغذي إلى المعدة -كالحصاة أو الحديدة أو قطعة المعدن أو الخشبة أو غير ذلك مما لا يغذي- لا يفطر به الصائم.

    وعلى هذا الصائم إذا استعمل منظاراً داخل المعدة فنقول بأنه لا يفطر، لكن يستثنى من ذلك: ما إذا وضع الطبيب على هذا المنظار مادة دهنية مغذية، وهذه المادة الدهنية المغذية يضعها الطبيب لكي يسهل دخول المنظار إلى المعدة، فإذا وضع الطبيب على المنظار مادة دهنية مغذية ثم أدخل هذا المنظار فإنه يفطر بذلك؛ لأن هذه المادة هي بذاتها مفطرة، فهو أفطر بهذه المادة التي دخلت إلى المعدة دون أن يتعلق الفطر بدخول المنظار.

    1.   

    قطرة الأنف

    المسألة الرابعة: القطرة التي تستخدم عن طريق الأنف، هل هي مفطرة أو ليست مفطرة؟

    للعلماء المتأخرين في ذلك قولان:

    القول الأول: القطرة التي تستخدم عن طريق الأنف تفطر، وهذا قال به الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وكذلك أيضاً الشيخ محمد بن عثيمين ، وأيضاً جمع من العلماء المتأخرين.

    واستدلوا على ذلك بحديث لقيط بن صبرة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ). فقول النبي عليه الصلاة والسلام هذا دليل على أن الأنف منفذ إلى المعدة، وإذا كان كذلك فاستخدام هذه القطرة قد نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام.

    القول الثاني: القطرة التي تستخدم عن طريق الأنف لا تفطر.

    واستدلوا على ذلك بما تقدم من القياس على ما يتبقى من ماء المضمضة والاستنشاق، فقالوا: الذي يصل إلى المعدة عن طريق الأنف هذا شيء يسير جداً، وإذا كان كذلك فإنه يقاس على ما يتبقى من الماء بعد المضمضة، وإذا كان ما يتبقى من الماء بعد المضمضة قد أجازه الشارع، فيلحق بذلك القطرة التي تستخدم عن طريق الأنف، إذ إن القطرة الواحدة تساوي ستة بالمائة من السنتيمتر الواحد المكعب، ثم بعد ذلك ستدخل هذه القطرة إلى الأنف، ولن يصل المعدة إلا شيء يسير. فإذا كان كذلك يكون هذا محظوراً عنه.

    وفي الحقيقة من يرى هذين الرأيين، يجد أن كلاً منهما له قوة، فالذين قالوا بأنه يفطر كون النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة؛ لأن النهي عن المبالغة يقتضي النهي عن وصول شيء من الماء إلى المعدة عن طريق الأنف. وأيضاً الذين قالوا بأنه لا يفطر استدلوا بالقياس على ما يتبقى من الماء بعد المضمضة فكلا الرأيين له قوة.

    وعلى هذا فالأمر في هذا واسع، ويرجع إلى اجتهاد المفتي، أو بالنظر إلى حالة الشخص، فإن كانت شديدة فهذا يرخص له, وحينئذٍ لا فطر عليه، وإن كانت غير شديدة فهذا يقال له: انتظر، مع تعضيد الرأي الثاني أن الأصل صحة الصيام، وأنه لا فطر بأمر مشكوك فيه.

    فنقول: الخلاصة أن كلاً من الرأيين قوي، ودليله قوي، وعلى هذا فإن الأمر في هذا واسع، ويرجع إلى اجتهاد المفتي في هذه المسألة مع أنه يعضد الرأي الثاني؛ القول بعدم التفطير؛ لأن الأصل صحة الصيام، وأنه لا فطر بأمر مشكوك فيه.

    1.   

    بخاخ الأنف

    المسألة الخامسة: بخاخ الأنف، وبخاخ الأنف البحث فيه كالبحث في بخاخ الربو، وتقدم لنا أن بخاخ الربو لا يفطر، وعلى هذا نقول بأن بخاخ الأنف لا يفطر.

    1.   

    التخدير

    المسألة السادسة: التخدير، والتخدير تحته أنواع:

    النوع الأول: التخدير عن طريق الأنف؛ وذلك بأن يشم المريض مادة غازية تؤثر على أعصابه فيحصل التخدير. فهذا لا يفطر؛ لأن المادة الغازية التي تدخل في الأنف ليست جرماً، ولا تحمل مواداً مغذية، فلا تؤثر على الصيام.

    النوع الثاني: التخدير الصيني؛ يعني: نسبة إلى بلاد الصين، والتخدير الصيني هذا يتم بإدخال إبر جافة إلى مراكز الإحساس تحت الجلد، فتستحث نوعاً من الغدد على إفراز المورفين الطبيعي الذي يحتوي عليه الجسم، ولذلك يفقد الجسم القدرة على الإحساس، فهذا التخدير ما دام أنه تخدير موضعي وليس تخديراً كلياً، نقول بأنه لا يؤثر على الصيام؛ لعدم دخول مادة إلى الجوف.

    النوع الثالث: التخدير بالحقن، وذلك بحقن الوريد بعقار سريع المفعول، بحيث يغطى على عقل المريض في ثوان معدودة، فهذا التخدير ما دام أنه موضعي وليس كلياً فإنه لا يفطر.

    النوع الرابع: التخدير الكلي، ففيه خلاف بين العلماء رحمهم الله، وتكلم عليه العلماء في الزمن السابق، فتكلموا على ما يتعلق بالمغمى عليه؛ يعني: إذا خدر المريض تخديراً كلياً، وغاب عن الوعي، فهل يصح صيامه أو لا يصح؟ وخلاصة كلامهم فيه أن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: المغمى عليه جميع النهار بحيث لم يفق جزءاً من النهار، فهذا لا يصح صيامه عند جمهور أهل العلم رحمهم الله، ويدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه عن ربه: ( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ). فأضاف الإمساك إلى الصائم, والمغمى عليه لا يصدق عليه ذلك.

    فنقول: من خدر جميع النهار لا يصح صيامه، وعليه أن يقضي.

    والأمر الثاني: أن لا يغمى عليه جميع النهار، فهذا موضع الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله, فذهب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه إذا أفاق جزءاً من النهار فصيامه صحيح، والإمام مالك رحمه الله يقول: لا يصح صيامه، والإمام أبو حنيفة يقول: إذا أفاق قبل الزوال فيجدد النية ويصح صومه.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه أحمد والشافعي رحمهما الله؛ لأن نية الإمساك حصلت في جزء من النهار، فيكون الحكم في التخدير الكلي: أن الشخص إذا أفاق جزءاً من النهار صح صومه، وأما إذا لم يفق حتى مضى كل النهار فإنه يجب عليه أن يقضي.

    1.   

    قطرة الأذن

    المسألة السابعة: قطرة الأذن؛ والمراد بقطرة الأذن هي: عبارة عن دهن يصب في الأذن، أو مستحضرات طبية تصب في الأذن. فإذا صبت هذه الأشياء في الأذن، هل تفطر أو لا تفطر؟

    هذه المسألة تكلم عليها العلماء في الزمن السابق، يعني: إذا داوى أذنه عن طريق ماء صبه في أذنه، أو عن طريق دهن صبه في أذنه.

    فجمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والمصحح عند الشافعية أنه يفطر بذلك، والحنابلة قالوا: يفطر إذا وصل إلى الدماغ. وهناك رأيان للعلماء في هذه المسألة.

    الرأي الأول: أنه يفطر وهذا قول أكثر العلماء رحمهم الله، وهم يعللون بقولهم: إن الذي يؤخذ عن طريق الأذن يصل إلى الحلق، ثم بعد ذلك إلى الدماغ، فكثير من العلماء يرون بأنه ليس المراد إيصال هذه المائعات إلى المعدة، بل إذا وصلت إلى جوف الإنسان فإنه يفطر بذلك.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله أن ما يستخدم عن طريق الأذن أنه لا يفطر؛ والعلة في ذلك قالوا: بأن ما يقطر في الأذن لا يصل إلى الدماغ مباشرة وإنما يصل بالمسام.

    والطب الحديث بيَّن أنه ليس بين الأذن وبين الجوف ولا الدماغ قناة ينفذ منها المائع، إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا وجد خرق في طبلة الأذن.

    وعلى هذا، فالصواب في هذه المسألة أن وصول الأشياء إلى الدماغ أو الحلق موضع خلاف، لكن الذي أجمع عليه العلماء رحمهم الله هو ما يتعلق بالوصول إلى المعدة، فإذا كان قد بيَّن أنه ليس هناك قناة بين الأذن وبين الجوف، فنقول: إن المداواة عن طريق الأذن غير مفطرة، إلا إذا وجد خرق في طبلة الأذن، فحينئذ يكون حكم المداواة عن طريق الأذن كحكم المداواة عن طريق الأنف، وتقدم أن ذكرنا الخلاف في المداواة عن طريق الأنف بأن العلماء رحمهم الله ذكروا في ذلك رأيين، وأن كلاً من الرأيين دليله قوي.

    1.   

    غسول الأذن

    المسألة الثامنة: ما يتعلق بغسول الأذن، فغسول الأذن حكمه حكم قطرة الأذن.

    أو نقول: غسول الأذن ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون طبلة الأذن موجودة غير مخروقة، فهذا لا يفطر، كما تقدم أنه ليس هناك قناة تصل بين الأذن وبين الجوف، أو بين الأذن وبين الدماغ.

    القسم الثاني: أن يوجد خرق في طبلة الأذن، فهنا يقال بالفطر فيما يتعلق بغسيل الأذن؛ لأن السائل الذي يدخل عن طريق الأذن ليس كالقطرة، وإنما هو سائل كثير، وبسبب خرق طبلة الأذن يصل عن طريق القناة إلى البلعوم، ثم بعد ذلك إلى المعدة، فيحصل الفطر بهذا.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من جامع أهله في نهار رمضان مع جهله بالحكم

    السؤال: شخص جامع أهله في نهار رمضان عن جهل في بداية زواجه، ما الحكم؟

    الجواب: هذا الذي جامع أهله في نهار رمضان، إذا كان يجهل الحال أو الحكم فإن صيامه صحيح، ولا فطر عليه؛ يعني: لا يدري أن الجماع حرام في رمضان، أو جامع ولا يعرف الحال، أما إذا كان يعلم أنه حرام لكن لا يدري أنه يفطر أو لا؟ فهذا يفطر وعليه الكفارة؛ يعني: لا يشترط العلم بالعقوبة ما دام أنه يعلم الحكم الشرعي، فهذا يفطر وعليه الكفارة مع القضاء.

    اكتحال المرأة الصائمة

    السؤال: هل يجوز للمرأة وضع الكحل داخل عينيها وقت الصيام؟

    الجواب: الصواب في ذلك أنه يجوز للمرأة أن تضع الكحل في عينيها وقت الصيام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وما ورد من النهي عن ذلك فإنه ضعيف.

    اغتسال الصائم بالصابون أو الشامبو

    السؤال: هل الاغتسال بالصابون والشامبو يبطل الصيام؟

    الجواب: هذه كلها لا تبطل الصيام، والأصل في ذلك صحة الصوم.

    مباشرة المرأة حال الصيام

    السؤال: ما حكم المداعبة في حال الصيام؟

    الجواب: مباشرة المرأة في حال الصيام تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يعلم أنه سينزل؛ يعني: يخرج منه مني، أو سيجامعها، فإذا علم ذلك أو غلب على ظنه، فإن هذه المداعبة محرمة ولا تجوز.

    القسم الثاني: أن يعلم من نفسه أو يظن من نفسه أنه لن يحصل منه إنزال ولا جماع، فهذا جائز.

    مقدار جزء النهار الذي يصح به صوم المغمى عليه

    السؤال: ما مقدار أجزاء النهار لكي يصح صوم المغمى عليه؟

    الجواب: إذا أفاق جزءاً من النهار؛ أيّ جزء من النهار حتى لو كان يسيراً، فنقول: إن صومه صحيح.

    حكم البخور للصائم

    السؤال: البخور هل هو مفطر أم لا؟

    الجواب: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن البخور ليس مفطراً، لكن الأحسن للإنسان ألا يستنشقه؛ لأن له جرماً, وهذا الجرم يدخل داخل المعدة، فالأحسن للإنسان ألا يستنشقه.

    التدخين حال الصيام

    السؤال: هل الدخان مفطر سواء كان الدخان محرماً أو دخان البخور؟

    الجواب: دخان البخور قد تكلمنا عليه, أما الدخان المحرم فهذا مفطر، وقد تحدث العلماء رحمهم الله أنه مفطر.

    مس الحائض للمصحف

    السؤال: مس الحائض للمصحف مع القفازين هل هو جائز مطلقاً؟

    الجواب: يعني: الحائض أو المحدث يجوز له أن يمس القرآن مطلقاً، أي سواء بقفازين أو لا ما دام أنه من وراء حائل.

    منع صاحب العمل للمرأة العامل من الحمل

    السؤال: هل يجوز لصاحب العمل أن يشترط على المرأة التي تعمل لديه أن تمنع الحمل؛ بدعوى أن الحمل يؤثر على العمل؟ وما حكم وجود هذا الشرط في العقد؟

    الجواب: هذا الشرط صحيح؛ لأن المسلمين على شروطهم، لكن بالنسبة لمنع الحمل بالكلية هذا لا يجوز، أما تنظيم الحمل؛ يعني: كونه يشترط عليها عدم الحمل لسنة أو سنتين أو ثلاث سنوات.. إلخ. فهذا لا بأس، أما كونه يشترط منع الحمل بالكلية، فهذا لا يجوز.

    اصطفاف الصبيان للصلاة مع الكبار

    السؤال: أحياناً يتم إخراج الصبيان المميزين وغيرهم من قبل المأمومين أو الإمام في صلاة الجماعة، فهل يكون لهؤلاء الصبيان حكم خاص؟

    الجواب: لا يوجد حكم خاص يتعلق بهم، فالصبيان إذا كانوا مميزين فإن صلاتهم صحيحة، ويصح أن يقفوا في الصف، ومن سبق إلى الصف فهو أحق به.

    أما بالنسبة لغير المميزين فهؤلاء يبعدون، لكن كونهم يخرجون من الصف مطلقاً قد يؤدي إلى التشويش، فإن كانوا ضمن أفراد الجماعة فإن هذا لا يضر إن شاء الله.

    من جامع في رمضان ولم يعلم بدخول الشهر

    السؤال: من جامع في رمضان، ولا يدري أنه رمضان هل يفطر؟

    الجواب: إذا كان الإنسان ناسياً أنه صائم فهذا لا يفطر، لكن إذا كان يعلم أنه صائم، ونسي أنه في رمضان، فهذا يفطر، لكن لا تلزمه الكفارة، وإنما يجب عليه القضاء.

    خروج المذي أثناء المداعبة في الصيام

    السؤال: ما يترتب على خروج المذي أثناء المداعبة؟

    الجواب: هذا لا يؤثر، الذي يفطر هو خروج المني، فمن باشر أهله ثم خرج مني يفطر.

    حكم صيام من نام إلى صلاة المغرب

    السؤال: ما حكم نوم الصائم إلى أذان المغرب؟

    الجواب: الصائم لو نام من الفجر إلى المغرب صيامه صحيح، فهناك فرق بين المغمى عليه وبين النائم؛ لأن المغمى عليه لا يستيقظ، أما بالنسبة للنائم فإنه يستيقظ كما هو معلوم. والله أعلم.