إسلام ويب

المعاملات المالية المعاصرة [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المعاملات المالية قسم من أقسام الفقه الإسلامي، وقد وضع العلماء لها ضوابط تبينها، ومن ذلك: أن الأصل فيها وفي الشروط المتعلقة بها الحل، وهذا الذي عليه الجمهور خلافاً للظاهرية، كما أن الأصل فيها منع الظلم، وكذلك منع الغرر وهي الجهالة بشروط كأن يكون غالباً عل

    1.   

    مدخل في المعاملات المالية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وبعد:

    ما يتعلق بهذه الدروس هو بعض المعاملات المالية المعاصرة، وسننتقي إن شاء الله بعض المعاملات التي كثر تعامل الناس فيها في هذا الزمن، وقد تكون هذه المعاملات من المعاملات المستجدة، وقد لا تكون مستجدة، وقد تكلم عليها العلماء رحمهم الله في الزمن السابق ولكن كثر تعامل الناس بها، كما يتعلق ببيع التقسيط وغيره.

    فسنحاول إن شاء الله أن ننتقي بعض المعاملات التي استجدت أو كثر تعامل الناس بها، كالبيع بالتقسيط والإجارة المنتهية بالتمليك، وبعض المعاملات البنكية المعاصرة، والتأمين، وغير ذلك مما سييسره الله عز وجل.

    وقبل أن نبدأ بهذه الدروس سنذكر تعريفاً مختصراً بما يتعلق بالمعاملات المعاصرة، ثم بعد ذلك سنعرّج على الضوابط التي أخذها العلماء للمعاملات المالية؛ لأن طالب العلم إذا فهم هذه الضوابط فإنه يستطيع أن يعرف حكم هذه المعاملات غالباً.

    تعريف المعاملات

    المعاملات في اللغة: جمع معاملة، والمعاملة مأخوذة من العمل، وهو عام في كل فعلٍ يقصده المكلَّف.

    وأما المعاملات في الاصطلاح فهي: الأحكام الشرعية المتعلقة بأمور الدنيا كالبيع، والشراء، والإجارة، والرهن وغير ذلك.

    أقسام الفقه

    واعلم أن العلماء رحمهم الله يقسمون الفقه إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: عبادات.

    القسم الثاني: معاملات.

    القسم الثالث: أنكحة.

    القسم الرابع: ما يتعلق بأحكام الجنايات والحدود والقضاء.

    هذا ما عليه أكثر العلماء رحمهم الله.

    وبعض العلماء لا يخصون قسم المعاملات بالمعاملات المالية، وإنما يدرجون أحكام الأنكحة في أحكام المعاملات، فيقولون: عبادات، ومعاملات، وما يتعلق بأحكام الحدود والجنايات.

    وهذا ذهب إليه ابن عابدين الحنفي رحمه الله صاحب حاشية رد المحتار، لكن أكثر العلماء رحمهم الله على تقسيم الفقه إلى أربعة أقسام: العبادات، والمعاملات، والأنكحة، وما يتعلق بالحدود والقصاص وأحكام القضاء.

    والمعاملات المراد بها: المعاملات المالية، وهي تشمل أمرين:

    الأمر الأول: أحكام المعاوضات، وهي: المعاملات التي يُقصد بها العوض والتجارة من الربح والكسب وغير ذلك.

    والأمر الثاني: أحكام التبرعات، وهي التي يُقصد بها الإحسان والإرفاق.

    فأحكام المعاوضات تشمل البيع، والإجارة، والرهن، والخيارات، والشركات.. وغير ذلك من العقود التي يُقصد بها الكسب والربح، وما يُلحق بهذه العقود من عقود التوثيقات.

    والقسم الثاني من أحكام المعاملات المالية: أحكام التبرعات. وهي التي لا يقصد بها الكسب والتجارة، وإنما يقصد بها الإرفاق والإحسان، مثل: الهبة، والعطية، والوقف، والعتق، والوصايا.. وغير ذلك.

    معنى المال

    إذا عرفنا أن المعاملات يراد بها المعاملات المالية، فالعلماء يطلقون المال على ثلاثة إطلاقات:

    الإطلاق الأول: الأعيان والعروض، كالسيارة والبيت، والأطعمة والأقمشة.. وغير ذلك.

    الإطلاق الثاني: المنافع، كمنفعة السكنى في هذا البيت، وكمنفعة البيع والشراء في هذا الدكان.

    الإطلاق الثالث: العين، ويراد به النقد: الذهب والفضة، وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية، مع أن المشهور عند الفقهاء رحمهم الله أنهم يجعلون الأوراق النقدية من قبيل العروض.

    وقد عرّف العلماء رحمهم الله المال بتعاريف متقاربة، منها: أنه كل عين مباح النفع، فهذا يسمى مالاً، أو هو كل ما أُبيح نفعه فهو مال إلا ما استثناه الشارع.

    والحنابلة يقولون في تعريف المال: إنه كل عين مباح النفع بلا حاجة، أو كل ما أُبيح نفعه إلا ما استثناه الشارع، فكل ما يباح نفعه فهذا يسمى مالاً.

    معنى المعاصرة

    هذا ما يتعلق بلفظ المعاملات، وأما لفظ المعاصرة، فهو مأخوذ من العصر، والعصر يُطلق في اللغة على ثلاثة إطلاقات:

    الإطلاق الأول: الدهر والحين.

    الإطلاق الثاني: مأخوذ من عصر الشيء إذا ضغطه حتى يحتلب.

    الإطلاق الثالث: الملجأ، يقال: اعتصر بالمكان، أي: التجأ به.

    والمراد هنا المعاملات المستجدة، فيتلخص لنا في تعريف المعاملات المعاصرة: أنها الأحكام الشرعية للمسائل المالية التي ظهرت ووجدت في عصرنا.

    1.   

    ضوابط في المعاملات

    وكما سلف وقبل أن نبدأ بشيء من أحكام هذه المعاملات سنتعرض لشيء من الضوابط التي ذكرها العلماء رحمهم الله، والتي تبنى عليها أحكام هذه المعاملات:

    الأصل في المعاملات الحل

    الضابط الأول: أن الأصل في المعاملات الحل:

    هذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، بل حكي الإجماع على ذلك، لكن هذا الإجماع فيه نظر، فإن المشهور عند الظاهرية أنهم يخالفون في ذلك.

    والأدلة على أن الأصل في المعاملات الحل كثيرة، ومن ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] وهذا يتضمن الإيفاء بكل معاملة وبكل عقد، سواءٌ وجدت صورته ولفظه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أم لم توجد.

    وكذلك أيضاً استدلوا بقول الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34] وهذا مطلق يشمل كل عقد.

    وكذلك أيضاً مما يدل لما ذهب إليه الجمهور الآيات التي جاءت بحصر المحرمات، مثل: قول الله عز وجل: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145] فيؤخذ من هذا أن ما عدا هذه المحرمات الأصل فيه الإباحة.

    وأيضاً: قول الله عز وجل: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام:119].

    ومما يدل لذلك من السنة حديث سعد رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرَّم فحرِّم من أجل مسألته ) وهذا في الصحيحين، وهذا يدل على أن الأصل في المعاملات وفي العقود الحل والصحة، وعدم التحريم.

    ومذهب الظاهرية هو أن الأصل في المعاملات التحريم، وأنه لا يباح منها إلا ما وجدت صورته في القرآن أو في السنة، وما عدا ذلك فإنه محرَّمٌ لا يجوز التعامل به.

    واستدلوا على ذلك بنحو قول الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] فقالوا: هذا دليل على أن ما عدا ما وجد في القرآن والسنة أنه لا يحل؛ لأن الله عز وجل قد أكمل الدين، فما عدا ما لم يوجد في القرآن والسنة فإن الأصل في ذلك هو التحريم بقول الله عز وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229].

    كذلك أيضاً استدلوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ).

    والجواب عن مثل هذه الأدلة سهل، فحديث عائشة قوله: ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) يعني: ليس في حكم الله ولا في شرعه، والمعاملات التي استجدت الأصل فيها الحل بحكم الله وبشرع الله، كما تقدم في أدلة الجمهور.

    وكذلك أيضاً قول الله عز وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] نقول: المراد بتعدي حدود الله هو تحريم الحلال، أو إباحة الحرام.

    وعلى هذا نقول: الضابط الأول: الأصل في المعاملات هو الحل، هذا باتفاق الأئمة الأربعة، وكما سلف أن بعض العلماء حكى الإجماع في ذلك.

    الأصل في الشروط في المعاملات الحل

    الضابط الثاني: الأصل في الشروط في المعاملات الحل.

    والخلاف في هذا كالخلاف في المسألة السابقة، فجمهور أهل العلم على أن الأصل في الشروط في المعاملات هو الحل، فما يشترطه أحد المتعاقدين من الشروط سواءٌ كان شرطاً يقتضيه العقد، أو كان شرطاً من مصلحة العقد، أو كان شرط وصف، أو شرط منفعة. الأصل في ذلك الحل.

    ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن الأمر بإيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه.

    وأيضاً: قول الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34]، وهذا يتضمن الإيفاء بالشروط.

    والمراد بالشروط في العقد: هو ما يشترطه أحد المتعاقدين مما له فيه منفعة.

    والصحيح أن محل الشرط قبل العقد، فإذا اتفق المتعاقدان على هذا الشرط، وأن البائع يشترط أن ينتفع بالمبيع لمدة كذا، أو أن المشتري يشترط أن الثمن يكون مؤجلاً.. إلى آخره، فالصواب أن محل الشرط في العقد يكون قبل العقد إذا اتفقا عليه، ويكون أيضاً في صلب العقد، ويكون أيضاً في زمن الخيارين.

    قبل العقد يصح إذا اتفقا على هذا الشرط، في صلب العقد قال مثلاً: بعتك هذه السيارة بشرط أن أستعملها لمدة يوم أو يومين.. إلى آخره، فنقول: هذا شرط صحيح.

    وفي زمن الخيارين: زمن خيار المجلس أو زمن خيار الشرط أيضاً نقول: هذا شرطٌ صحيح، فلو أنه باعه سيارة ثم بعد ذلك في المجلس قال: بشرط أن أنتفع بها لمدة يوم أو يومين، أو أسبوع أو أسبوعين كان هذا شرطاً صحيحاً.

    أيضاً في زمن خيار الشرط يصح أن يشترط، فلو أنه باعه السيارة وقال: لي الخيار مدة ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك في أثناء هذه المدة اشترط أن يستعمل هذه السيارة لمدة أسبوع أو أسبوعين، فنقول: هذا صحيح.

    فتلخص لنا أن محل الشرط في العقد يكون قبل العقد، ويكون في صلب العقد، ويكون أيضاً في زمن الخيارين: خيار الشرط وزمن خيار المجلس.

    منع الظلم

    الضابط الثالث: منع الظلم.

    الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه تعدياً.

    وفي الشرع هو: فعل المحظور وترك المأمور.

    ففعل المحظور وضعٌ للشيء في غير موضعه شرعاً، فهو ظلم، وكذلك أيضاً ترك المأمور وضعٌ للشيء في غير موضعه شرعاً، وهذا من الظلم أيضاً.

    وهذا الضابط مما اتفق عليه، بل إن الشرائع اتفقت على وجوب العدل في كل شيء؛ فالله عز وجل أرسل الرسل وأنزل الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط.

    والأدلة على منع الظلم كثيرة جداً، فمن ذلك: قول الله عز وجل: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85].

    ومن ذلك: قول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، ومن ذلك أيضاً: حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام )، وهذا في الصحيحين.

    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه ).

    وأيضاً مما يدل لذلك: حديث أبي ذر في صحيح مسلم : أن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ).

    ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش؛ لما فيه من الظلم، وعن التصرية، وعن أن يبيع المسلم على بيع أخيه المسلم، وأن يشتري على شرائه، وأن يسوم على سومه؛ لما في ذلك من الظلم والاعتداء.

    منع الغرر

    الضابط الرابع: منع الغرر.

    الغرر في اللغة يُطلق على معان، منها: النقصان، والخطر، والتعرض للتهلكة، والجهل.

    وفي الاصطلاح هو: ما لا يُعرف حصوله، أو لا تُعرف حقيقته ومقداره. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    والغرر أيضاً باتفاق الأئمة على هذا الضابط وأنه لا بد من منع الغرر في المعاملات.

    ويدل لهذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ) كما في صحيح مسلم .

    ومن الأدلة على ذلك: ما ورد من النهي عن بيع حبل الحبلة، والمراد به: بيع ولد ولد الناقة.

    وكذلك أيضاً: بيع المضامين، والمضامين المراد بها ما في بطون النوق من الأجنة.

    وكذلك أيضاً: بيع الملاقيح، وهو ما في أصلاب الفحول، فهذه كلها تدل على هذا الضابط، وأنه يُمنع الغرر في المعاملات.

    وكذلك أيضاً بيع الملامسة، وبيع المنابذة الذي نهى عنه الشارع، وبيع المعجوز عن تسليمه.. إلى آخره، هذا كله يدل على هذا الضابط.

    واشترط العلماء رحمهم الله للغرر المنهي عنه شروطاً، فليس كل غرر يُنهى عنه، لكن الغرر المنهي عنه لا بد أن تتوفر فيه شروط:

    الشرط الأول: أن يكون الغرر كثيراً غالباً على العقد، وعلى هذا؛ إذا كان الغرر يسيراً فإنه لا يمنع من صحة المعاملة، والإجماع قائمٌ على ذلك.

    ومثّل العلماء لهذا فقالوا: كدخول الحمام للاغتسال، فإن فيه شيئاً من الغرر؛ لأن الناس يختلفون في طول الإقامة، وفي استعمال الماء كثرة وقلة.. إلى آخره.

    ومن ذلك أيضاً: تأجير السيارة إذا استأجرها الإنسان لمدة يوم أو يومين، فالناس يختلفون في استعمال السيارة قلة وكثرة وكيفية.. إلى آخره، فهذا فيه شيء من الغرر، لكن هذا الغرر معفو عنه شرعاً.

    الشرط الثاني من شروط الغرر المنهي عنه: ألا تدعو الحاجة إلى هذا الغرر حاجة عامة.

    وقد ذكر الجويني وغيره من أهل العلم قاعدة في ذلك، وهي: أن الحاجة العامة تنزّل منزلة الضرورة.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والشارع لا يحرِّم ما يحتاج الناس إليه لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج الناس إليه من ذلك.

    وقول العلماء رحمهم الله: الحاجة العامة تنزّل منزلة الضرورة. إذا سُلِّمت هذه القاعدة فلا بد من تحقق الحاجة، وألا يكون هناك مخارج شرعية، فلا بد من ضبط ذلك بتحقق الحاجة، وأنه لا مناص من الوقوع في مثل هذا، فإذا عمّت الحاجة فإنه -كما ذكر الجويني وغيره من أهل العلم- تنزل منزلة الضرورة.

    ويدل لهذا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ) فقالوا: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها حاجة عامة.

    ويؤخذ من الحديث: أنه إذا بدا صلاح الثمر أنه يصح البيع، يعني: إذا احمرّت الثمار أو اصفرت صح البيع، مع أن بعض أجزاء هذه الثمار لم تخلق، وفي هذا شيء من الغرر، ومع ذلك أجاز الشارع ذلك لعموم الحاجة.

    الشرط الثالث من شروط الغرر المنهي عنه: أن يمكن التحرز من الغرر بلا حرج ولا مشقة.

    وهذا أيضاً بالإجماع، فإن كان الغرر لا يمكن التحرز منه إلا بوجود الحرج والمشقة فإنه معفو عنه.

    ويمثّل العلماء رحمهم الله لذلك بأساسات الحيطان، وما في بطون الحوامل، فالإنسان يشتري البيت وهو لم يطّلع على أساسات البيت وقواعده، وكيف تمت.. إلى آخره.

    وكذلك أيضاً يشتري الحيوان الحامل وهو لا يعرف ما في بطن هذا الحيوان: هل هو ذكر أو أنثى، أو هل هو متعدد أو غير متعدد، وهل هو حيٌ أو ميّت... إلى آخره، فمثل هذا لا يمكن معرفته، ولو أردنا أن نعرف مثل هذه الأشياء للزم من ذلك الحرج والمشقة.

    وأيضاً من الأمثلة على ذلك: ما تقدم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص في شراء الثمار إذا بدا صلاحها ) مع أن آخر الثمار هذه، لا يُعلم؛ لأنه لم يُخلق بعد، ولا يُعرف أيضاً كيف يكون نضج هذه الثمرة... إلى آخره.

    الشرط الرابع: أن يكون الغرر المنهي عنه في عقود المعاوضات.

    وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وخرج من عقود المعاوضات ما يتعلق بعقود التبرعات؛ فإن عقود التبرعات عند الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية لا يُشترط فيها السلامة من الغرر.

    والجمهور لا يفرّقون بين عقود المعاوضات وعقود التبرعات، بل لا بد عندهم من السلامة من الغرر في الجميع، فعقود المعاوضات التي يُقصد بها الكسب والربح مثل البيع والشراء، والإجارة، والرهن.. وغير ذلك يُشترط فيها العلم والتحري والسلامة من الغرر.

    أيضاً يقولون: عقود التبرعات، مثل: الهبة، والعطية، والوقف... ونحو ذلك، يُشترط فيها السلامة من الغرر.

    والجمهور يستدلون بحديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ).

    ويستدل المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه في قصة الرجل صاحب كبة الشعر؛ فإنه أخذها من الغنم واستوهبها من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك ). أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما.

    لكن عندنا الأصل في المعاملات سواء كانت عقود معاوضات أو عقود تبرعات الصحة.

    وأما الاستدلال بحديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ) فهذا فيه نظر، فهناك فرقٌ بين عقود المعاوضات وعقود التبرعات.

    فعقود المعاوضات يدخل فيها الإنسان وهو يريد التجارة، يريد الكسب والربح، فاشتُرط فيها من العلم والتحري ما لا يُشترط في عقود التبرعات؛ لأن الإنسان لا يريد من عقود التبرعات الكسب أو الربح، وإنما يريد الإرفاق والإحسان.

    وعلى هذا تترتب مسائل كثيرة يذكرها العلماء رحمهم الله، مثل: هبة المجهول، فلو أن إنساناً وهب شيئاً مجهولاً كسيارة مجهولة، أو وهب ما في جيبه وقال: وهبتك ما في جيبي من الدراهم، هل يُشترط أن تكون الهبة معلومة أو لا يُشترط؟

    نقول: لا يُشترط أن تكون الهبة معلومة على الصحيح.

    كذلك أيضاً لو أنه وهب شيئاً مسروقاً، أو مغصوباً، أو منتهباً.. نقول: هذه هبة صحيحة، لكن عند جمهور أهل العلم أنها ليست صحيحة؛ لأنهم يلحقون عقود التبرعات بعقود المعاوضات، وأنه لا بد من القدرة على التسليم.

    كذلك أيضاً لو وهب شيئاً ضائعاً له، أو وهب شيئاً رقيقاً آبقاً... أو نحو ذلك، فالجمهور: أن ذلك لا يصح، وعند المالكية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن هذا صحيح.

    وبهذا نعرف أن عقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات؛ فإنه لا يُشترط في عقود التبرعات ما يُشترط في عقود المعاوضات من العلم، والتحري.

    فالصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    قول الجمهور هو رأيهم في الجملة، لأنهم لا يطردون المسألة، تجد أنهم يفرقون بين باب الوصايا وبين باب الهبة والعطية، فيجيزون الوصية المجهولة، لكن في باب الهبة والعطية لا يجيزون الهبة المجهولة، وهذا مما يدل على ترجح ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، وأنه من شروط الغرر المنهي عنه: أن يكون ذلك في عقود المعاوضات، أما عقود التبرعات فإن هذا ليس شرطاً منهياً عنه.

    منع الربا

    الضابط الخامس: منع الربا.

    الربا في اللغة يُطلق على معان، منها: الزيادة.

    وأما في الاصطلاح فعرّفه العلماء: بأنه تفاضل في أشياء، ونسأ في أشياء، مختص بأشياء.

    وهذا التعريف فيه شيء من الإجمال، لكن عند معرفة قسمي الربا يتضح شيء من إجمال هذا التعريف.

    فالربا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ربا الفضل.

    القسم الثاني: ربا النسيئة.

    وهذان القسمان هما المشهوران عند العلماء رحمهم الله، وهناك من العلماء من يقسّم غير هذا التقسيم.

    والفضل في اللغة: الزيادة.

    وأما في الاصطلاح: فهو الزيادة في أحد الربويين الحالّين المتحدي الجنس.

    مثال ذلك: عشرون غراماً من الذهب في خمسة عشر، الذهب ربوي وعند مبادلة هذا الربوي بجنسه مع الزيادة فإنه داخلٌ في ربا الفضل، ما دام أنهما حالّان، لو كان هناك تأخير يعني: عشرون غراماً بخمسة عشر يداً بيد، هذا ربا فضل، وعشرون بخمسة عشر مؤجلة، هذا ربا فضل ونسيئة.

    وقول العلماء رحمهم الله: الزيادة في أحد الربويين. لا بد أن نعرف ما هو المال الربوي؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    لكن الخلاصة في ذلك على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الربوي هو كل مكيل أو موزون. يعني: كل مكيل هذا ربوي، وكل موزون هذا ربوي.

    فإذا عبّروا بكلمة ربا أو مال ربوي فهم يقصدون بذلك كل مكيل: البر، الشعير، التمر، الأرز، الدخن.. إلى آخره، هذه مكيلات، وكلها ربويات.

    الموزونات أيضاً عندهم هي ربويات: الحديد، النحاس، الشعر، الصوف، الوبر.. إلى آخره، هذه كلها عندهم ربويات، فعندما تبادل ربوياً بجنسه لا بد من شرطين:

    الشرط الأول: أن يكون يداً بيد، الحلول والتقابض.

    الشرط الثاني: التماثل.

    هذا ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، وأيضاً هو قول الحنفية.

    الرأي الثاني: أن ضابط الربويات: كل ما كان ثمناً للأشياء، وأيضاً كل مكيل أو موزون مطعوم.

    وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو الأقرب.

    فتلخص عندنا أن ما كان ثمناً للأشياء مثل الدراهم هذه النقود، فهذه أثمان للأشياء، فنقول: هذه ربوية.

    كذلك أيضاً المطعومات الموزونة، والمطعومات المكيلة أيضاً نقول بأن هذه ربوية، وما عدا ذلك فليس ربوياً، فمثلاً: الكتب، والأقلام، والثياب، والأخشاب، والسيارات، والمعدات.. إلى آخره، هذه ليست مطعومة، وكل ما كان ليس مطعوماً فهذا ليس ربوياً.

    وعلى هذا لو بادلت سيارة بسيارتين، أو قلماً بقلمين، أو ثوباً بثوبين، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    هذا هو القسم الأول من قسمي الربا وهو: ربا الفضل.

    القسم الثاني: ربا النسيئة.

    النسيئة في اللغة: التأخير.

    وأما في الاصطلاح فهو: تأخير القبض في أحد الربويين المتحدين في علة ربا الفضل.

    فإذا كان عندنا ربويان اتحدا في علة ربا الفضل، ولو اختلف جنسهما فإنه لا بد عند مبادلة أحدهما بالآخر أن يكون ذلك يداً بيد.

    فمثلاً: عندك ذهب وفضة.. الجنس هنا مختلف، لكنهما يتفقان في العلة، فنقول: لا بد أن يكون ذلك يداً بيد.

    أيضاً: الريالات والجنيهات المصرية.. هنا الجنس مختلف، لكنهما يتفقان في العلة وهي الثمنية، فإنه لا بد عند مبادلة أحدهما بالآخر أن يكونا يداً بيد.

    إذا اختلفت العلة فإنا لا نشترط التقابض، فمثلاً عندك: ذهب وبر. الذهب ربوي والبر ربوي، لكنهما لا يتحدان في العلة، لأن علة الذهب غير علة البر.

    أيضاً: الريالات والشعير.. الريالات ربوية والشعير أيضاً ربوي، لكنهما لا يتفقان في العلة، فحينئذ لا نشترط التقابض، إنما نشترط التقابض إذا اتحد الربويان في علة ربا الفضل؛ فإذا اتحدا في علة ربا الفضل وحصل التأخير، فإنه ربا النسيئة.

    والربا أدلة تحريمه ظاهرة، والإجماع قائم على تحريمه، بل إن الربا محرم حتى في الشرائع السابقة؛ فإن الله عز وجل ذم اليهود بقوله سبحانه: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء:161].

    والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]، ويقول سبحانه: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وأيضاً في حديث جابر : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه ).