إسلام ويب

شرح متن الورقات [12]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك مخصصات خصصت أدلة الشريعة وقيدتها، وقد تكون المخصصات إما متصلة أو منفصلة، ومن المخصصات المتصلة التي لا بد من معرفتها: الشرط والصفة، ومن المخصصات المنفصلة: الحس، والعقل، والشرع.

    1.   

    التخصيص بالشرط

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم عن المشروط، والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد].

    تقدم لنا أن المخصصات تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: مخصصات متصلة.

    والقسم الثاني: مخصصات منفصلة.

    وذكرنا من المخصصات المتصلة الاستثناء، وذكرنا أنه يشترط في الاستثناء شروط لكي يكون مخصصاً، وهي:

    الشرط الأول: النية، وهو أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه.

    والشرط الثاني: الاتصال حقيقةً أو حكماً.

    والشرط الثالث: أن يبقى شيء من المستثنى منه.

    والشرط الرابع: الاستثناء من الجنس.

    والشرط الخامس: أن يكون المستثنى والمستثنى منه صادرين من متكلم واحد.

    والشرط السادس: أن يلفظ بالاستثناء، وأنه إذا نوى الاستثناء بقلبه فهل يكفي ذلك أو لا يكفي؟ وذكرنا تفصيلاً لذلك.

    ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله: (والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم عن المشروط).

    هذا المخصص الثاني من المخصصات المتصلة، وهو الشرط، والشرط تقدم تعريفه، وقلنا: بأنه في اللغة: العلامة، وأما في الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، والمراد بالشرط هنا: تعليق شيء بشيء بإن الشرطية أو إحدى أخواتها.

    أقسام الشرط

    من حيث العموم ينقسم الشرط إلى أقسام:

    القسم الأول: الشرط العقلي، وهو: ما لا يوجد المشروط ولا يمكن عقلاً بدونه، وهذا مثل: اشتراط الحياة للعلم، فهذا شرط عقلي، لا يوجد المشروط ولا يمكن عقلاً بدونه اشتراط الحياة للعلم.

    القسم الثاني: الشرط العادي، وهو: ما يكون شرطاً عادةً، أي: دلت العادة على أنه شرط.

    مثاله: كنصب السلم للصعود إلى السطح، فالصعود إلى السطح يشترط له نصب السلم، ولا يمكن الصعود عادةً إلى السطح إلا بأصل السلم.

    القسم الثالث: الشرط الشرعي، والمراد به: ما اشترطه الشارع لبعض الأحكام، كاشتراط الطهارة لمس المصحف، واشتراط النية لصحة الصوم وهكذا.

    القسم الرابع: الشرط اللغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق إن أو إحدى أخواتها، أو -كما تقدم لنا- تعليق شيء بشيء بإن الشرطية أو إحدى أخواتها، وهذا هو المراد من هذه الأقسام الأربعة بقوله: (والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط) فالشرط اللغوي هو: الذي يخصص العموم، وهو المراد هنا.

    وقول المؤلف رحمه الله: (والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم عن المشروط). أي: على المشروط، مثل قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، فهنا تأخر على المشروط أنت طالق إن دخلت الدار، أو يتقدم على المشروط مثل قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو مثلاً: وهبتك هذا الكتاب إن كنت طالب علم، أو يتقدم، مثل قوله: إن كنت طالب علم فقد وهبتك الكتاب.

    فتأخر الشرط مثاله من القرآن قول الله عز وجل: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] فهنا تأخر، وتقدم بشرط مثاله قول الله عز وجل: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:6]، فهنا تقدم الشرط على المشروط, وفي الآية الأولى تأخر الشرط على المشروط.

    صيغ الشرط

    بالنسبة لصيغ الشرط: إن المخففة, وإذا, ومن, وما, وأينما, وإذ ما, ومهما, وحيثما، وأم هذه الصيغ وقلنا: إن المخففة، وذلك لأمرين:

    الأمر الأول: أنها حرف، وما عداها اسم.

    والأمر الثاني: أنها تستعمل في جميع صور الشرط، بخلاف بقية الصيغ، فمثلاً: (من) لا تستعمل إلا للعاقل، و(ما) تستعمل لغير العاقل، و(أينما) تستعمل للمكان وهكذا.

    شروط صحة التخصيص بالشرط

    بالنسبة للشروط التي سبقت في الاستثناء، لابد أن ترد هنا:

    فالشرط الأول: لا بد من الاتصال حقيقةً أو حكماً، فمثلاً لو قال: أنت طالق وبعد ساعة قال: إن دخلت الدار، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: لا يصح، أو قال: هذا بيتي وقف، ثم قال: إن شاء الله، فهذا تأخر ولم يتصل شرطه، أو قال: هذا بيتي وقف ثم بعد ذلك قال: إن دخلت الدار، أو قال: هذا بيتي وقف، ثم قال: إن شاء الله، أو قال: إن رضي أبي، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: إن كان الفاصل طويلاً فلا يصح هذا.

    وكما تقدم لنا في الاستثناء أنه إذا كان الكلام واحداً ولم يطل الفصل فإنه يصح الاستثناء, فكذلك يصح الاستثناء هنا.

    وأيضاً نية الشرط لو أنه لم ينو لا يصح النفي، فلا بد أن ينوي الشرط -كما قلنا- في الاستثناء، فلو أنه قال: أنت طالق، ثم بعد ذلك قال: إن شاء الله وهو لم ينو لا يصح، وتقدم لنا أن الصحيح أنه يصح.

    وكذلك لابد أن يكون الشرط والمشروط صادرين من متكلم واحد، فلو أنه قال: وهبتك ألف ريال، ثم بعد ذلك قال شخص: إن رضي أبي أو إن شاء الله أو نحو ذلك، فإن هذا لا يصح، فلا بد أن يكون الشرط والمشروط صادرين من متكلم واحد، ولا بد من اللفظ، فلو أنه نوى الشرط بقلبه فإن ذلك لا يكفي، ولهذا قال الملك لسليمان: قل: إن شاء الله.

    وأيضاً الشرط الواقع بعد جمل متعاطفة يرجع إلى جميع الجمل، فلو قال: أكرم الرجال، وطلبة العلم إن دخلوا الدار، فقوله: (إن دخلوا الدار) هذا يرجع للرجال، ويرجع لطلبة العلم، فهذا الإكرام ليس خاصاً بطلبة العلم، فالرجال إذا دخلوا الدار فإنهم يكرمون، وطلبة العلم إن دخلوا الدار فإنهم يكرمون، وهذا الشرط يتكلم عليه الفقهاء رحمهم الله كثيراً في أحكام الطلاق، ويتكلمون عليه في الأوقاف والوصايا والإقرارات، ولكن أكثر ما يتكلمون عليه في الطلاق، والعتق, مثل لو قال لرقيقه: أنت حر ثم قال: إن رضي أبي... إلى آخره.

    1.   

    التخصيص بالصفة

    قال: (والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد).

    هذا الكلام يشتمل على مبحثين:

    المبحث الأول: التخصيص بالصفة، أي: من المخصصات المتصلة التخصيص بالصفة، وتقدم أن ذكرنا القسم الأول التخصيص بالاستثناء، ثم بعد ذلك التخصيص بالشرط، والآن شرع المؤلف رحمه الله بالتخصيص بالصفة، ومبحث المطلق والمقيد كما سيأتي إن شاء الله.

    المراد بالتخصيص بالصفة

    التخصيص بالصفة المراد به هو: كل ما أشعر بمعنىً يتصف به بعض أفراد العام، فإما أن يكون نعتاً أو بدلاً أو حالاً، فالمراد بالصفة التي تكون مخصصة هنا هي: الصفة المعنوية وليست النعت الذي يذكره النحويون، ولهذا قلنا: بأنها شاملة للنعت الذي يذكره النحويون، وكذلك شاملة للبدل مع أنها ليست داخلة عند النحويين في النعت والبدل، البدل بل كل منهما مستقل، كما أنها شامل: أيضاً للحال.

    مثال النعت أن تقول: أكرم الطلاب الناجحين، فهنا وصفت الطلاب أو خصصت الطلاب بأي شيء؟ بالناجحين، فالطلاب هنا عام يشمل كل الطلاب، ولما قلنا: الناجحين هنا قيدنا بالصفة.

    ومن أمثلته أيضاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع )، فهل النخل هنا نكرة أو ليست نكرة؟ نكرة في سياق الشرط، وتقدم لنا أن من سياق العموم النكرة في سياق الشرط، فتشمل هنا كل النخل، ولكن لما وصفت بالتأبير أخرجت ما عداها.

    ومثال البدل: قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، فالناس هنا عام من ألفاظ العموم يشمل كل الناس، فدخل عليه ماذا؟ دخل عليه الألف واللام فيشمل كل الناس، ولكن خصص ذلك بقوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] وهذا بدل.

    ومثال الحال: قول الله عز وجل: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، فقوله: (من قتله) (من) هذه من صيغ العموم، ولكن هنا خصص ذلك بقوله: (متعمداً) فدل على أن ما عداه ليس داخلاً, وكذلك المخطئ والناسي والجاهل فهذا ليس داخلاً.

    حالات وقوع الصفة

    إذا وقعت الصفة بعد جمل, فهذا لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن تكون الصفة بعد الجمل، فهذه فيها خلاف بين أهل العلم هل ترجع للجميع أو ترجع للجملة الأخيرة؟ كالخلاف في الاستثناء، مثال ذلك قال: أكرم العلماء وطلاب العلم الحفظة، فقوله: أكرم العلماء، العلماء عام، وقوله: وطلاب العلم، عام مضاف إلى معرفة, فجمع المضاف إلى معرفة عام، ولكن لما قال: الحفظة هل قوله: الحفظة يرجع إلى طلبة العلم أو يرجع إلى العلماء وطلبة العلم؟ فهذا موضع خلاف.

    فالصحيح في ذلك: أنه يرجع للجميع, فيرجع للعلماء وكذلك يرجع لطلبة العلم، وقيل: بأنه لا يرجع إلا إلى الجملة الأخيرة.

    الحالة الثانية: أن تكون الصفة قبل الموصوف فهذه ترجع للجميع، مثل أن يقول: أكرم الحفظة من العلماء وطلبة العلم، فهذا يرجع للجميع.

    الحالة الثالثة: أن تكون الصفة في الوصف بعد إحدى الجمل، فهذا يرجع للجملة القبلية دون الجملة البعدية، مثل أن يقول: أكرم العلماء الحفظة وطلبة العلم، فالصفة هنا تخصص القبلية ولا تخصص البعدية.

    وكما تقدم لنا في الشرط أنه لا بد للصفة لكي تكون مخصصة أن تتصل بالموصوف حقيقةً أو حكماً، اللهم إلا الشيء اليسير فهذا يتجاوز عنه، فمثلاً لو قال: أوقفت هذا البيت على طلابي، ثم قال: الحفظة، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ يصح ما دام أنه متصل، ولكن يشترط الاتصال، أو مثلاً قال: طلقت زوجاتي، فزوجاتي هنا من صيغ العموم؛ لأنه جمع مضاف إلى معرفة، ثم قال: السيئات، أي زوجاتي السيئات.

    إذاً: الوصف هذا يصلح للتخصيص بشرط الاتصال.

    وكما قلنا في الشرط نقول في الصفة، أي: لا بد أن ينوي، فهل تشترط النية أو لا تشترط النية؟ وهل يشترط أن يكون الكلام الصفة والموصوف صادرين من متكلم واحد؟ وهل لا بد من اللفظ، هذا كله كما قلنا في الاستثناء.

    1.   

    المطلق والمقيد

    شرع المؤلف رحمه الله بالمطلق والمقيد، والمطلق والمقيد من المباحث المهمة في أصول الفقه؛ لأنه يتعلق بدلالة الألفاظ.

    تعريف المطلق

    المطلق في اللغة: المنفك من القيد.

    وأما في الاصطلاح: عرف بتعاريف عدة، من هذه التعاريف، هو: ما دل على الحقيقة بلا قيد، وهذا فيه إجمال.

    والقول الثاني الأحسن في تعريفه: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.

    وقولنا: (اللفظ) هذا جنس يشمل كل ملفوظ به، سواء كان هذا الملفوظ به عاماً أو خاصاً، مطلقاً أو مقيداً مفيداً أو غير مفيد، والمقصود باللفظ أنه يشمل كل شيء حتى العام لفظ والخاص لفظ، والمقيد لفظ، والمطلق لفظ، والمجمل لفظ، وسواء كان يشمل المفيد أو غير المفيد.

    وقولنا: (لواحد) هنا أخرج العام، فهذا هو الفرق، فالعام يشمل أكثر من واحد كما تقدم لنا في تعريف المؤلف أنه ما شمل شيئين فصاعداً والمطلق ما لا يشمل إلا واحد، ولكن هذا الواحد مبهم فنحتاج إلى تقييده، والعام يشمل أكثر من واحد، فيشمل اثنين فصاعداً.

    وسبق أن عرفنا العام وقلنا: هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، فقولنا: (لواحد) أخرجنا العام، وأيضاً قولنا: (لواحد) أخرجنا ألفاظ العدد، مثل مائة، مائتين... إلى آخره، فهذه تشمل أكثر من واحد، والفرق بين العام والمطلق أن المطلق شامل لواحد، ولكن هذا الواحد مبهم بين أشياء فنحتاج إلى قيد لكي نقيده وإلا يبقى على إطلاقه.

    فمثلاً قولنا: أكرم طالباً، فهذا مطلق، ولا ندري من هو الطالب هل هو الصغير أو الكبير، وهل الحافظ أو غير الحافظ، وهل طالب الحديث أو طالب الفقه؟ فلا ندري، فهذا مطلق، ولكن إذا قلنا: أكرم الطلاب فهذا عام، فينتبه الإنسان للفرق بين المطلق وبين العام، فقولنا: أكرم طالباً هذا مطلق؛ لأنه تناول واحداً غير معين.

    وقولنا: أكرم الطلاب, فالطلاب من صيغ العموم -كما سبق لنا- وهي تشمل أكثر من واحد.

    وقولنا: (لا بعينه) خرج ما مدلوله معين، مثل: أكرم زيداً، وإن كان واحداً لكن هل هو معين أو ليس معيناً؟ نعم هذا معين، وأكرم عمراً وإن كان واحداً لكن مدلوله معين، فقولنا: (لا بعينه) يخرج ما مدلوله معين، مثل: أكرم زيداً، أكرم عمراً، أو أكرم هذا الطالب فهذا مدلوله معين، ولكن المراد بالمطلق الذي مدلوله مبهماً غير معين.

    وقولنا: (باعتبار حقيقة شاملة لجنسه) هذا يخرج المشترك ويخرج الواجب المخير فيه، فالواجب المخير فيه يتناول واحداً لا بعينه، ولكن ليس -كما عرفنا- باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وإنما باعتبار حقائق مختلفة، فقولنا في التعريف: (باعتبار حقيقة شاملة للجنس) أخرج أمرين:

    الأمر الأول: المشترك، والمشترك يتناول واحداً لا بعينه وليس باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وإنما باعتبار حقائق مختلفة، ومثال المشترك: العين, فالعين يشمل الذهب، ويشمل العين الباصرة، ويشمل العين المروية.

    فقولنا: العين مشترك يشمل هذه الأشياء, فيشمل الذهب والعين الباصرة والعين المروية، فهي متناولة لواحد لا بعينه ولا باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وإنما باعتبار حقائق مختلفة، فعين الباصرة حقيقتها غير العين المروية، فهي حقائق مختلفة، وحقيقة العين الباصرة ليست كحقيقة العين المروية، وليست كحقيقة الذهب، فهذه مختلفة.

    الأمر الثاني: يخرج الواجب المخير؛ مثل قول الله عز وجل في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]، فهنا يشمل واحداً لا بعينه، لكن هل باعتبار حقيقة شاملة لجنسه أو باعتبار حقائق مختلفة؟ نقول: بأنه باعتبار حقائق مختلفة، هذا فيما يتعلق بتعريف المطلق.

    تعريف المقيد

    المقيد في اللغة: ما قيد بشيء من وصف أو شرط ونحو ذلك، وقيل في تعريفه لغةً: ما جعل فيه قيد من إنسان أو حيوان.

    وتعريف المقيد في الاصطلاح: اللفظ المتناول لمعين أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.

    فقولنا: (اللفظ) جنس يشمل كل ملفوظ سواء كان عاماً أو خاصاً مطلقاً أو مقيداً، مفيداً أو غير مفيد.

    وقولنا: (اللفظ المتناول لمعين) يخرج غير المعين كالمطلق الذي هو -كما تقدم لنا- اللفظ الشامل لواحد لا بعينه، ومثال ذلك أن تقول: أكرم هذا الطالب، فعلى هذا أنت عينته بالإشارة وهو مقيد، أو بقيد معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه، وأكرم طالباً يتناول كل طالب، فإذا قلت: ناجحاً أو مجتهداً فإنك قيدته.

    مثال آخر: قول الله عز وجل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:92] هذا يشمل كل رقبة، ولكن لما قال الله عز وجل: مُؤْمِنَةٍ [النساء:92] قيد هذه الرقبة بالإيمان، فهو وصفها بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسها وهو الإيمان، فالحقيقة الشاملة لجنسها كل رقبة صغيرة أو كبيرة، ذكر أو أنثى، لكن لما قال: (مؤمنة) وصفها بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسها, فالجنس يشمل الصغير والكبير والذكر والأنثى السليمة وغير السليمة، لكن لما قال: (مؤمنة) هذا يدل على التقييد.

    مواضع المطلق

    من مباحث المطلق، أن المطلق يكون في مواضع:

    الموضع الأول: في معرض الأمر، وهذا مثاله: أكرم عالماً، فهذا أمر، أو أعتق رقبةً، أو صل صلاةً، فهذا يشمل كل صلاة نافلة، أو صلاة فريضة، فهذا الموضع الأول في معرض الأمر.

    الموضع الثاني: في مصدر الأمر، كما في قول الله عز وجل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:92] (تحرير) مصدر لكنه مصدر أمر.

    الموضع الثالث: في مصدر الخبر عن المستقبل، مثل: سأصلي صلاةً، فهذا خبر عن المستقبل يشمل كل صلاة مطلقاً، أو سأصلي صلاةً، أو سأعتق رقبةً، أو سأصوم صياماً.

    ولا يكون المطلق في معرض الخبر عن الماضي، مثل: أكرمت رجلاً، أو رأيت أسداً أو نحو ذلك، فهذا لا يكون؛ لأنك إذا قلت: أكرمت رجلاً، أو رأيت رجلاً، فهذا الرجل قد تعين ضرورةً بالرؤية.

    ومثال الخبر على المستقبل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا نكاح إلا بولي )، فهذا يشمل كل ولي، الصغير والكبير والمجنون والعاقل والقريب والبعيد، فالنكاح لا يكون إلا بولي، فهذا يشمل كل ولي مطلق، فيحتاج إلى تقييد.

    إطلاقات المقيد

    بالنسبة للمقيد فعلى أي شيء يطلق؟

    نقول: أولاً: يطلق على الألفاظ الدالة على غير معين، لكنها موصوفة بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسها -وهذا كما تقدم أن مثلنا له فلو قال مثلاً: وهبتك كتاباً، فهذا مطلق يشمل كل كتاب، ثم قال: وهبتك كتاباً من كتب الحديث فهو هنا قيده.

    ثانياً: ما كان من الألفاظ المعينة، أو كان من الألفاظ الدالة على معين، مثل: زيد وعمرو، فهذه مقيدة؛ لأن العلمية قيدته، أو مثلاً: أعط هذا الطلاب، فتعين هذا بالإشارة، فالمطلق يطلق على المقيد ويطلق على شيئين كما تقدم في تعريفه:

    الشيء الأول: على غير معين، ولكنه موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.

    الشيء الثاني: ما كان من الألفاظ الدالة على معين أو التي يكون مدلولها معين، مثل: زيد وعمرو، أو هذا الطالب أو هذا الرجل وغير ذلك.

    حالات حمل المطلق على المقيد

    من المباحث المهمة المتعلقة بالمطلق والمقيد، هو مبحث متى يحمل المطلق على المقيد؟

    فهذه المسألة لا تخلو من أربع حالات:

    الحالة الأولى: أن يتفق الحكم والسبب، أي: أن الحكم في كل من المطلق والمقيد يتفق، وكذلك السبب يتفق، فهنا يحمل المطلق على المقيد، فإذا اتفق كل من الحكم والسبب فإننا نحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، مثل قول الله عز وجل: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [البقرة:173]، فقوله: (الدم) هذا مطلق، والله عز وجل قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145] ، فقوله: (أو دماً مسفوحاً) هذا مقيد، فقيد الدم بكونه مسفوحاً، والحكم واحد وهو تحريم الدم، والسبب في التحريم ما فيه من المضرة سواء كان في الأول أو في الثاني، في المطلق أو المقيد، فالحكم تحريم الدم، والسبب هو: ما فيه من المضرة، فهنا نحمل المطلق على المقيد بالاتفاق.

    الحالة الثانية: أن يتفق الحكم ويختلف السبب؛ مثال ذلك: قول الله عز وجل في كفارة القتل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، وقال الله عز وجل في كفارة الظهار فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3] فلم يقيد، ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3-4]، ففي الأول أطلق، وفي الثاني قيد، فهل نحمل المطلق على المقيد أو لا؟

    جمهور الأصوليين على أنه يحمل، فالحكم واحد وهو إعتاق رقبة في كفارة هذا الحكم، ولكن السبب هنا مختلف، في الأول القتل، وفي الثاني الظهار، فهل نحمل المطلق على المقيد أو المقيد على المطلق؟ هذا موضع خلاف بين الأصوليين، ولكن أكثر الأصوليين على أنه ما دام أن الحكم متفق فإنه يحمل المطلق على المقيد.

    الحالة الثالثة: أن يختلف الحكم ويتحد السبب، مثال ذلك: أن الله عز وجل قال في صيام كفارة الظهار: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:4]، وقال في الإطعام: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4]، فالحكم هنا مختلف، والسبب واحد وهو الظهار، فالإطعام سببه الظهار، والصيام سببه الظهار، ولكن الحكم هنا مختلف، فهذا إطعام وهذا صيام، والصيام قيد بكونه متتابعاً، فهل نقيد الإطعام بكونه متتابعاً أو لا؟

    إذاً: إذا اختلف الحكم وإن اتحد السبب لا تقييد، وعلى هذا لا يشترط في إطعام الستين المسكين أن يكون ذلك متتابعاً, ولو أطعمت اليوم عشرة وغداً عشرة وهكذا، فإن هذا صحيح.

    الحالة الرابعة: أن يختلف الحكم والسبب جميعاً، وهذا متفق عليه بين الأصوليين على أنه لا يحمل.

    مثاله: قال الله عز وجل في الصيام في كفارة الظهار: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4] ، وقال في كفارة الإطعام في اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89]، فقيد الصيام هناك بأنه متتابع، والإطعام في كفارة اليمين مطلق، إطعام عشرة مساكين، فالإطعام مطلق ولم يقيد بالتتابع، فهنا الحكم مختلف والسبب مختلف، فالحكم في آية المجادلة الصيام، وفي آية المائدة الإطعام، إذاً: الحكم مختلف، والسبب مختلف، ففي آية المجادلة الظهار، وفي آية المائدة اليمين، هنا نقول: بالاتفاق على أنه لا يحمل إذا اختلف الحكم والسبب.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2986332307

    عدد مرات الحفظ

    715545920