إسلام ويب

شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه للسعدي [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أدلة الفقه المتفق عليها هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح، والفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة، كما أن غالب الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة والقليل من الأحكام يتنازع فيه العلماء، وإن كان أقربهم إلى الصواب من ردها إلى هذ

    1.   

    تابع الأحكام الوضعية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    تقدم لنا بعض الأحكام الوضعية، وذكرنا من ذلك الصحيح والباطل، وهل الباطل بمعنى الفاسد أو لا، أو أن بينهما فرقاً؟

    جمهور العلماء رحمهم الله تعالى أن الفاسد بمعنى الباطل، وقد نص الحنابلة رحمهم الله على أنه يفرق بين الفاسد والباطل في موضعين:

    الموضع الأول: في الحج، قالوا بأن الباطل ما ارتد فيه، والفاسد: من وطئ فيه قبل التحلل الأول، إذا وطئ قبل التحلل الأول فهو فاسد، وإذا ارتد فإحرامه باطل.

    الموضع الثاني: في النكاح، فالباطل: ما أجمع العلماء على بطلانه، والفاسد: ما اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في فساده.

    وما اختلف العلماء رحمهم الله فيه لتخلف شرط من الشروط، مثال ذلك: النكاح بلا ولي، النكاح بلا شهادة، النكاح بلا رضا إلى آخره، وإلا فإن الجمهور يرون أن الفاسد والباطل بمعنى واحد.

    الشرط

    أيضاً من الأحكام الوضعية: الشرط، والشرط بالتحريك (شَرَط) بمعنى العلامة، وبالتسكين بمعنى التزام الشيء.

    وأما في الاصطلاح: فهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.

    وهناك تعاريف أخرى، لكن لعلنا نتعرض لها إن شاء الله فيما يتعلق بالمخصصات، وسيأتينا من بين المخصصات: الشرط، مثال ذلك: رفع الحدث شرط يلزم من عدم رفع الحدث عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، يعني لذات الشرط، لا يلزم من وجود رفع الحدث أن تصح الصلاة، قد يرتفع الحدث لكن يتخلف شرط آخر، كاستقبال القبلة، أو يوجد مانع، كالأكل في الصلاة، ما يلزم من عدمه العدم، رفع الحدث يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده صحة الصلاة، قد يوجد رفع الحدث لكن يتخلف المشروط، يتخلف صحة الصلاة لتخلف شرط آخر، كاستقبال القبلة، أو لوجود مانع، كالأكل في الصلاة، هذا الشرط.

    السبب

    أيضاً من الأحكام الوضعية: السبب، وهو في اللغة يطلق على معانٍ، منها: الحبل، ومنه قول الله عز وجل: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15].

    وأما في الاصطلاح: فهو ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته، يعني: لذات السبب.

    مثال ذلك: النكاح سبب من أسباب الميراث، يلزم من وجود النكاح بين الزوجين وجود الميراث، ويلزم من عدم النكاح عدم الميراث، لكن لأي شيء هذا؟ لذات السبب، قد يوجد النكاح ويتخلف المسبب الميراث لوجود مانع، كاختلاف الدين، ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته، فيوجد النكاح لكن يتخلف الميراث لوجود مانع لا لذات السبب، الأصل أن المسبب يكون موجوداً، لكن لوجود المانع تخلف المسبب، ويلزم من عدمه العدم، فإذا عدم السبب عدم المسبب.

    أيضاً من الأحكام الوضعية، كما قلنا: من عدمه العدم لذات السبب، قد ينعدم السبب وينعدم المسبب، وقد ينعدم السبب ويوجد المسبب، قد ينعدم النكاح وتوجد القرابة بسبب آخر، فيحصل بها التوارث، فقولنا: لذاته، يعني لذات السبب الموجود المعين.

    المانع

    أيضاً من الأحكام الوضعية: المانع، والمانع في اللغة: الحاجز بين الشيئين.

    وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، يعني لذات المانع، فيلزم من وجوده العدم، فإذا وجد القتل انعدم الميراث، وإذا وجد الأكل في الصلاة انعدمت صحة الصلاة، وإذا وجد الحيض انعدمت صحة الصلاة.

    ولا يلزم من عدمه الوجود، قد ينعدم المانع، لكن لا يلزم من ذلك أن توجد الصحة، لوجود مانع آخر، أو تخلف شرط، فقد ينتفي وجود الحيض، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون الصلاة صحيحة لوجود الكلام، مانع آخر، أو لتخلف شرط، وجود الحدث.

    الرخصة

    أيضاً من الأحكام الوضعية: الرخصة، وهي في اللغة تطلق على معانٍ، منها: اللين والسهولة.

    وأما في الاصطلاح: فهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي، والرخصة يقسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: رخصة واجبة، ورخصة مباحة، ورخصة مسنونة، فالرخصة الواجبة كالأكل من الميتة عند المسغبة، ورخصة مسنونة، كالقصر في الصلاة، ورخصة مباحة، كالجمع.

    العزيمة في اللغة تطلق على معانٍ، منها: الشيء المؤكد.

    وأما في الاصطلاح فهي: ما ثبت على وفق دليل شرعي، مثل: وجوب الصلاة، هذه عزيمة، مثل: وجوب الزكاة، هذه عزيمة إلخ.

    الأداء والقضاء والإعادة

    أيضاً من الأحكام الوضعية: الأداء والقضاء والإعادة:

    الأداء: هو فعل العبادة في وقتها.

    الإعادة: هو فعل العبادة في وقتها مرةً أخرى.

    القضاء: هو فعل العبادة خارج وقتها، وبعض العلماء يستثني من ذلك ما لم يكن معذوراً؛ لأنه إذا كان معذوراً فإن فعلها خارج الوقت يكون من الأداء وليس من القضاء، ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك )، فهذا هو وقتها، قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]، أي: حين التذكر، فهذا هو وقتها بالنسبة للمعذور.

    1.   

    الأدلة التي يستمد منها الفقه

    قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى:

    [فصل: الأدلة التي يستمد منها الفقه أربعة:

    الكتاب والسنة، وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون وانبنى دينهم عليه.

    والإجماع والقياس الصحيح، وهما مستندان إلى الكتاب والسنة.

    فالفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة.

    وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة؛ تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح؛ لما فيها من المنافع والمصالح إن كانت مأموراً بها، ومن المضار إن كانت منهياً عنها.

    والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء، وأقربهم إلى الصواب فيها من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة].

    شرع المؤلف رحمه الله تعالى في الأدلة فقال: (الأدلة).

    الأدلة جمع دليل، وهو في اللغة: ما فيه دلالة وإرشاد إلى أمر من الأمور.

    وأما في الاصطلاح فالدليل ما يستدل بالنظر الصحيح فيه على حكم شرعي عملي على سبيل القطع أو الظن.

    والأدلة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أدلة متفق عليها، وهي التي ذكرها المؤلف رحمه الله أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

    والقسم الثاني: أدلة مختلف فيها، وهي: قول الصحابي، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وإجماع أهل المدينة، وشرع من قبلنا، والمصالح المرسلة إلى آخره، هذه أدلة مختلف فيها، وهذه ستأتينا إن شاء الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (التي يستمد منها الفقه).

    أي: تؤخذ منها الأحكام الشرعية العملية التفصيلية التي تتعلق بالمكلفين.

    قال: (الكتاب والسنة، وهما الأصل الذي خوطب بها المكلفون وانبنى دينهم عليه، والإجماع والقياس الصحيح، وهما مستمدان من الكتاب والسنة).

    فالأدلة الشرعية الكتاب والسنة، والإجماع راجع إلى الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع لابد له من مستند من القرآن أو من السنة، ولهذا قال: (وهما مستندان إلى الكتاب والسنة)، الإجماع لابد له من مستند من القرآن أو من السنة، والقياس: مسلك اجتهادي في حدود القرآن والسنة، فالإجماع والقياس مستندان إلى القرآن والسنة، فعندنا القرآن والسنة، والإجماع راجع للقرآن والسنة؛ لأنه لابد له من مستند، هذا الإجماع، وإلا لم يكن إجماعاً صحيحاً، والقياس مسلك اجتهادي في النظر في نصوص الكتاب أو السنة، وهو إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة.

    بل بعض العلماء يقول: هذه الأدلة كلها ترجع إلى القرآن، حتى السنة راجعة للقرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالسنة أيضاً راجعة إلى القرآن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فالفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة.

    يعني: هذه الأدلة الأربعة التي يتفق عليها العلماء: القرآن والسنة والإجماع والقياس، الفقه كله من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأدلة الأربعة، وهذا الكلام في الحقيقة ليس على إطلاقه، فهناك أدلة أخرى اعتمد عليها العلماء رحمهم الله تعالى، لكن هذا من حيث الجملة، أنت إذا رأيت المسائل الفقهية من حيث الجملة تجد أنها تعتمد على هذه الأصول الأربعة، وبعض المسائل الفقهية تعتمد على غير هذه الأصول الأربعة.

    قال: (وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة تدل عليها نصوص الكتاب والسنة).

    أيضاً أكثر الأحكام المهمة تجد أنه يستدل لها بالقرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذا في غير العبادات، يعني مثلا: حكم الصلاة، العلماء يقولون: دليل وجوب الصلاة القرآن والسنة والإجماع، ودليل وجوب الزكاة: القرآن والسنة والإجماع، وكذلك الصيام إلى آخره، قال: أكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها هذه الأدلة الأربعة، القياس لسنا بحاجة إليه؛ لأن النصوص واضحة في مثل هذه الواجبات، لكن بعض الأحكام المهمة والتي يجمع عليها العلماء رحمهم الله تعالى يعني في غير العبادات نحتاج فيها إلى القياس.

    قال: (والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء).

    يقول بأن جل الأحكام المهمة يتفق عليها العلماء رحمهم الله، وهكذا إذا تأملت الشريعة تجد أن أصول الشريعة لا يتنازع فيها العلماء رحمهم الله، بل يتفقون عليها، وإن كانوا يختلفون في بعض التفاريع، فجل ما يحتاجه الناس من الأحكام نجد أن العلماء يتفقون عليه، يتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وإباحة البيع والإجارة، والشركة والمساقاة والمزارعة إلى آخره، يتفق العلماء رحمهم الله على هذه الأحكام، وإن كانوا يختلفون في بعض هذه التفاريع.

    قال: (وأقربهم إلى الصواب من أحسن ردها إلى هذه الأصول).

    يعني: أنت إذا تأملت خلاف العلماء رحمهم الله، فإن مما يرجح بعض أقوال أهل العلم على بعض أنك إذا وجدت أن هذا العالم يرد هذه المسألة إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إلى إجماع العلماء، أو إلى القياس الصحيح، فهذا مما يرجح به قوله، فالذي يحسن رد هذه المسائل المختلف فيها إلى هذه الأصول الأربعة، هذا قوله أقرب إلى الصواب كما ذكر الشيخ، وهذه علامة من علامات الترجيح، يعني: ترجيح قول العالم إذا كان يحسن ردها إلى القرآن والسنة والإجماع والقياس.

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.