إسلام ويب

شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه للسعدي [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أصول الفقه هو: العلم بأدلة الفقه الكلية، والفقه: معرفة المسائل والدلائل، وأدلة الأحكام إما أدلة تفصيلية يبحثها الفقهاء، وإما أدلة إجمالية يبحثها الأصوليون في أصول الفقه، كما أن الأدلة الإجمالية قد يكون متفقاً عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أو أ

    1.   

    تعريف أصول الفقه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [فصل: تعريف أصول الفقه.

    أصول الفقه: هي العلم بأدلة الفقه الكلية.

    وذلك أن الفقه إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة، وإما دلائل يستدل بها على هذه المسائل.

    فالفقه: هو معرفة المسائل والدلائل.

    وهذه الدلائل نوعان:

    كلية تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم ونحوهما؛ وهذه هي أصول الفقه.

    وأدلة جزئية تفصيلية تفتقر إلى أن تبنى على الأدلة الكلية، فإذا تمت حكم على الأحكام بها.

    فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة إلى الأدلة الكلية.

    وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه، وأنها معينة عليه، وهي أساس النظر والاجتهاد في الأحكام].

    الشرح:

    قال: (فصل: تعريف أصول الفقه).

    أصول الفقه يعرف باعتبارين؛ الاعتبار الأول: تعريفه بالنظر إلى مفرديه، والاعتبار الثاني: تعريفه بالنظر إلى كونه مركباً وعلماً على هذا الفن، وسنعرفه باعتبار مفرديه، ونعرفه أيضاً باعتباره مركباً وعلماً على هذا الفن.

    الأصول جمع أصل وهو في اللغة يطلق على معانٍ منها: الشرف، والحسب، وأسفل الشيء إلى آخره، والأصل عند العلماء رحمهم الله تعالى يطلقونه على إطلاقات:

    الإطلاق الأول: الدليل، كقولهم: الأصل في وجوب الصلاة قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43].

    ويطلقونه أيضاً على المقيس عليه في القياس، والقياس كما سيأتينا له أربعة أركان: أصل، وفرع، وعلة جامعة، وحكم، فالفرع هو المقيس، والأصل هو المقيس عليه.

    ويطلقون الأصل على القاعدة المستمرة، كقولهم: أكل الميتة للمضطر على خلاف الأصل، فالأصل عدم أكل الميتة.

    والفقه في اللغة: الفهم مطلقاً.

    وأما في الاصطلاح: فهو معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية.

    أصول الفقه باعتباره علماً على هذا الفن، قال المؤلف رحمه الله تعالى في تعريفه: هو العلم بأدلة الفقه الكلية.

    وقول المؤلف رحمه الله: (هو العلم بأدلة الفقه الكلية) إلى آخره، هذا سنبينه، وهناك تعاريف كثيرة لأصول الفقه باعتباره علماً على هذا الفن.

    ومن أحسن التعاريف وأشملها أن أصول الفقه: هو معرفة أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. فقولنا: (معرفة)، المعرفة: هي الإدراك الذهني، وقلنا: (معرفة) ولم نقل: (علم)؛ لأن مسائل أصول الفقه منها ما هو ظني، ومنها ما هو قطعي، فقولنا: معرفة، يشمل الأمور القطعية والأمور الظنية.

    1.   

    أدلة الفقه وأقسامها

    وقوله: (أدلة الفقه)، الدليل: هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى علم مقطوع أو مظنون.

    والأدلة تنقسم إلى قسمين: أدلة تفصيلية، وهذه لا يبحثها العلماء رحمهم الله في أصول الفقه، وإنما يبحثها الفقهاء.

    والقسم الثاني: أدلة إجمالية، وهذه هي التي يبحثها الأصوليون في أصول الفقه.

    إذاً: الأدلة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أدلة تفصيلية، مثال ذلك: عدم وجوب صلاة الوتر، ما هو دليلها؟ دليل تفصيلها حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب )، إلى أن قال: ( فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة )، قوله: خمس صلوات في اليوم والليلة يدل على أن الوتر ليس واجباً، لو كان الوتر واجباً لكانت الصلوات التي تجب في اليوم والليلة ستة لا خمسة، هذا دليل تفصيلي، وهذا لا يبحثه الأصوليون، فهم إنما يبحثون الأدلة الإجمالية، وستأتينا إن شاء الله في كلام المؤلف.

    والأدلة الإجمالية تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أدلة متفق عليها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

    والقسم الثاني: أدلة مختلف فيها، مثل: الاستصحاب، وقول الصحابي، والاستحسان، وإجماع أهل المدينة، والمصلحة المرسلة إلى آخره، فهذه أدلة مختلف فيها، وهذه الأدلة سواء المتفق عليها والمختلف فيها تسمى عند العلماء بالأدلة الإجمالية، وهذه هي التي يبحثها العلماء رحمهم الله في أصول الفقه، فهم يبحثون في الأدلة الإجمالية، لكن كيف يبحثون في الأدلة الإجمالية؟

    يبحثون في هذه الأدلة الإجمالية من وجهين:

    الوجه الأول: ما هو الدليل الذي يكون حجة من هذه الأدلة وما الذي ليس بحجة؟ فمثلاً: القرآن: هل هو حجة، أو ليس حجة؟ ما هي شروط الاحتجاج بالقياس؟ وإجماع أهل المدينة، الاستصحاب، الاستحسان؟ ما الذي يكون حجة وما الذي لا يكون؟ هذا وجه.

    الوجه الثاني: يبحثون أحوال هذه الأدلة، وعوارضها، من العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتبيين، والناسخ والمنسوخ، والظاهر والمؤول.. إلى آخره، يبحثون عوارض هذه الأدلة وأحوالها، يبحثون معرفة أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.

    وقولنا: (معرفة أدلة الفقه الإجمالية) الإجمالية بمعنى الكلية التي لا تتعلق بشيء معين.

    وقولنا: (وكيفية الاستفادة منها) يعني: معرفة شرائط الاستدلال بالسنة، وشرائط الاستدلال بالقياس، ومعرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الترجيح عند تعارض الأدلة.

    (وحال المستفيد)، المستفيد هنا هو المجتهد، ففي أصول الفقه يبحث عن المجتهد وأحكامه، وشروط الاجتهاد، كذلك أيضاً في أصول الفقه يبحث عن الفتوى وشروطها، وعن التقليد.. إلى آخره.

    1.   

    خلاصة تعريف أصول الفقه

    وتبين لنا من خلال هذا التعريف ما هو أصول الفقه باعتباره علماً على هذا الفن، وأن أصول الفقه هو معرفة أدلة الفقه الإجمالية، وذكرنا أن المقصود بالإجمالية الكلية التي لا تتعلق بشيء معين، وأن هذه الأدلة الإجمالية تنقسم إلى قسمين: أدلة متفق عليها، وأدلة مختلف فيها، وأيضاً كيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، وما يتعلق بشروط الاستدلال إلى آخره، وأيضاً تكلمنا عن معرفة هذه الأدلة الإجمالية، وأنه يكون بأمرين:

    الأمر الأول: ما الذي يكون حجة من هذه الأدلة؟

    والأمر الثاني: معرفة أحوال هذه الأدلة وعوارضها، وما يسمى بدلالة الألفاظ، كالعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتبيين، والظاهر والمؤول، والنص إلى آخره...

    وكيفية الاستفادة منها بمعرفة التعارض والترجيح، وشروط الاستدلال إلى آخره، ومعرفة حال المستفيد الذي هو المجتهد.

    ولهذا قال المؤلف: أصول الفقه هي العلم بأدلة الفقه الكلية، وذكرنا الكلية بأنها لا تتعلق بشيء معين، والمقصود بالكلية هنا أنها تتعلق لا بشيء معين، وإنما هي قواعد كلية، والأدلة ذكرنا أنها تنقسم إلى قسمين: أدلة متفق عليها، وأدلة مختلف فيها إلى آخره.

    وقولنا: (كلية). مثل: الأمر يقتضي الوجوب، هذا دليل كلي لا يتعلق بشيء معين، النهي يقتضي التحريم، النهي يقتضي الفساد، الإجماع حجة قاطعة، القراءة الشاذة ليست حجة… إلى آخره، فهذه أدلة كلية.

    قال: (وذلك أن الفقه إما مسائل).

    هذا الكلام الذي ذكره المؤلف رحمه الله بعضه مرتب على بعض، وهو يدل على أهمية معرفة علم أصول الفقه، وأن الفقيه محتاج إليه، وسنقرؤه إن شاء الله ونضرب له مثالاً بإذن الله.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.