إسلام ويب

شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه للسعدي [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ابتدأ المؤلف رسالته بشهادة التوحيد التي تعني الإقرار اليقيني بألّا معبود بحق إلا الله الذي لا مثيل له ولا نظير، وأن محمداً عبد الله ورسوله، الذي بيّن الأحكام ووضحها حتى استتم الدين واستقام، ثم ثنى المؤلف بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والآل يختلف ا

    1.   

    تابع شرح المقدمة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأسماء والصفات والعبادة والأحكام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بين الحكم والأحكام، ووضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها حتى استتم هذا الدين واستقام.

    اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، خصوصاً العلماء الأعلام.

    أما بعد:

    فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني. نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها، إنه جواد كريم].

    الشرح:

    تقدم أن الأحكام من حيث العموم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الأحكام الكونية القدرية.

    القسم الثاني: الأحكام الشرعية الدينية.

    القسم الثالث: أحكام الثواب بإثابة المحسنين ومعاقبة العاصين.

    وتقدم أيضاً أن الأصوليين يقسمون الأحكام إلى قسمين: القسم الأول: الأحكام التكليفية، والقسم الثاني: الأحكام الوضعية، وهذه كلها ستأتينا إن شاء الله.

    معنى شهادة أن لا إله إلا الله

    قال المؤلف رحمه الله: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الصفات).

    بمعنى: أعترف وأقر، يعترف اعتراف من رأى بعينه، يعني: أعلى اليقين؛ لأن المسلم يوقن بأنه لا معبود بحق إلا الله، واليقين التام كأنه رأى الشيء بعينه، ولهذا عبر بالشهادة (وأشهد).

    و(أن) هذه مخففة من الثقيلة، ولفظ الجلالة بدل من الخبر المحذوف، والتقدير: أشهد أن لا إله حق إلا الله، وهذه الشهادة العظيمة معناها: لا معبود بحق إلا الله.

    وقوله: (وحده) تأكيد للإثبات، وقوله: (لا شريك له)، تأكيد للنفي؛ لأن هذه الكلمة العظيمة لها ركنان: إثبات ونفي، إثبات العبادة لله، ونفيها عما سواه، ولا تستقيم هذه العبادة إلا بهذين الركنين، لو أنه أثبت فقط ما استقامت كلمة التوحيد، فلو قال: إن الله هو المعبود ما استقامت؛ لأنه لا ينفي أن يكون هناك معبود سوى الله عز وجل، ولو أنه نفى ما استقامت هذه الكلمة، فلابد من هذين الركنين: الإثبات والنفي.

    قوله: (لا شريك له) يعني: لا مثيل ولا نظير له سبحانه وتعالى في توحيد الأسماء والصفات والعبادة، أي في توحيد العبادة الذي هو توحيد الألوهية، والأحكام أي في توحيد الربوبية، فالله سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا شريك ولا نظير في توحيد الأسماء والصفات، وفي توحيد الألوهية، وفي توحيد الربوبية، وهذا هو التوحيد، فالتوحيد: هو إفراد الله عز وجل بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.

    والشرك الأكبر هو تسوية غير الله بالله، سواء كانت التسوية في العبادة أو في الربوبية أو في الأسماء والصفات، و الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، قالوا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98].

    معنى شهادة أن محمداً رسول الله

    قال المؤلف: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).

    يعني: أقر وأعترف شهادة موقن كمن رأى بعينه، أن محمداً -أي: المسمى بمحمد- عبده ورسوله، ومحمد: هذا اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم له أسماء: محمد، وأحمد، والمقفى، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، والحاشر، والعاقب، هذه أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، ومحمد من كثرت محامده، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم له محامد كثيرة في الدنيا وفي الآخرة، ومن ذلك قول الله عز وجل: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79] أي: يحمدك عليه الخلائق.

    وقوله: (عبده ورسوله). كما قالها الشيخ محمد بن عبد الوهاب : عبدٌ لا يعبد، ورسول لا يكذب.

    وفي قوله: (عبده) رد على الصوفية والخرافية الذين يغلون في النبي صلى الله عليه وسلم ويرفعونه فوق منزلته، (ورسوله) رد على من جفا في حق النبي صلى الله عليه وسلم ككفار العرب أو النصارى أو اليهود الذين ينكرون عموم رسالته، أو أنه مرسل للعرب خاصة.

    وقوله: (الذي بين الحكم والأحكام).

    الحكم جمع حكمة، والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، والنبي صلى الله عليه وسلم بين حكم الشريعة وأسرارها ومقاصدها إلى آخره.

    (والأحكام) جمع حكم، وهو ثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، والأحكام تنقسم إلى قسمين: الأحكام التكليفية، والأحكام الوضعية.

    قوله: (ووضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها) هذه تسمى عند العلماء براعة الاستهلال، وبراعة الاستهلال أن يذكر الخطيب أو المؤلف في مقدمته ما يشير إلى ما سيكتب عنه، أو يتحدث عنه.

    وهنا قال المؤلف: (وأصل الأصول وفصلها)، أشار إلى أنه سيتكلم عن الأحكام، ويتكلم عن الأصول، وما يعرف به الحلال والحرام إلى آخره.

    قوله: (حتى استتم هذا الدين واستقام).

    يعني: كمل هذا الدين، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، وقيل لـسلمان : علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: نعم، وقال أبو ذر : ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يقلب جناحيه في السماء إلا آتانا منه علماً.

    معنى الصلاة والسلام على النبي وأصحابه وأتباعه

    (اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه خصوصاً العلماء الأعلام).

    (اللهم) أصلها: يا الله، وحذفت ياء النداء وعوض عنها بالميم؛ لأن الميم تدل على جمع القلب على الله عز وجل، وابتدأ بلفظ الجلالة تيمناً وتبركاً.

    والصلاة اختلف في تفسيرها، وأصح ما قيل في ذلك ما نقله البخاري عن أبي العالية أن صلاة الله على عبده هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين، فإذا قلت: اللهم صل على محمد. يعني: أنك تدعو أن الله سبحانه وتعالى يثني على عبده في الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين، ولا شك أنه إذا حصل له الثناء حصل له علو المنزلة عند الله.

    قال: (وسلم).

    السلام هو الدعاء بالسلامة، ويطلق على معان، منها: الأمان والتحية، والدعاء إلى آخره، والمقصود هنا الدعاء بالسلامة، فإذا قلت: اللهم صل وسلم، فإنك تدعو للنبي عليه الصلاة والسلام بالسلامة، أما في الدنيا فبأن يسلم الله سبحانه وتعالى بدنه وأن يحفظه، وأما بعد موته فبأن يسلم شرعه من تأويل الغالين وانتحال المبطلين، وأما في الآخرة فبأن يسلمه من أهوال يوم القيامة، فإن الأنبياء يمشون على ركبهم يقولون: اللهم سلم، اللهم سلم.

    وفي الجمع بين الصلاة والسلام حصول المطلوب والنجاة من المرهوب؛ لأن في السلام النجاة من المرهوب، وفي الصلاة حصول المطلوب، فيتم بذلك حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب.

    (على محمد وعلى آله).

    أصح شيء قيل في تعريف آل النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذا يختلف باختلاف السياق، فإذا قيل: آله وأتباعه، فالمراد أقاربه المؤمنون به، أما إذا قيل: على آله فقط ولم يذكر الأتباع، فالمقصود به هنا أتباعه على دينه.

    (وأصحابه).

    جمع صاحب، وهو من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، وقال بعض العلماء: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك.

    وهنا جمع المؤلف بين الآل والأتباع، فيكون المراد بالآل هنا أقاربه المؤمنون به.

    قوله: (خصوصاً العلماء الأعلام) يعني: الصلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وأخص من الأتباع العلماء الأعلام؛ لأن العلماء الأعلام لهم مزية على غيرهم بما حباهم الله عز وجل من العلم.

    معنى: (أما بعد)

    قال: (أما بعد: فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه).

    (أما) حرف تفصيل مضمن معنى الشرط و(بعد): ظرف زمان مبني على الضم، والمعنى مهما يكن من شيء، فهذه رسالة.. إلى آخره.

    واختلف في أول من تلفظ بهذه اللفظة: (أما بعد)، فقيل بأنه داود، وقيل: يعقوب، وقيل: قس بن ساعدة ، وقيل: كعب بن لؤي إلى آخره، وهذه اللفظة قيل: يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، وقال بعض العلماء: يؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى صلب الموضوع.

    مزايا هذه الرسالة

    قال رحمه الله: (فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه) يعني خفيفة في أصول الفقه.

    وذكر من صفات هذه الرسالة فقال: (سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام، لكل متأمل معاني).

    فهذه الرسالة تتميز أولاً: إنها رسالة خفيفة.

    والميزة الثانية: إنها سهلة الألفاظ.

    والميزة الثالثة: إن معانيها واضحة.

    والميزة الرابعة: إنها معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني.

    (نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها، إنه جواد كريم).