إسلام ويب

شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه للسعدي [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رسالة العلامة ابن سعدي في أصول الفقه اشتملت على المهمات التي يحتاج إليها المبتدئ، حيث إنها مجردة عن كثير من التفاريع، وهي أيضاً واضحة الألفاظ سهلة المعاني، ومؤلفها عالم كبير في الأصول والفقه والعقيدة والتفسير، وقد دبج رسالته بمقدمة فيها الحمد والثناء على

    1.   

    شرح المقدمة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى في رسالته في أصول الفقه:

    [بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله نحمده على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين والعقاب للمجرمين ].

    الشرح:

    هذه الرسالة التي بين أيدينا -كما جاء في عنوانها- رسالة لطيفة، وهي مجردة عن كثير من التفاريع التي قد لا يحتاج إليها فيما يتعلق بعلم أصول الفقه، وهذه الرسالة اشتملت على أمرين:

    الأمر الأول: مهمات أصول الفقه.

    الأمر الثاني: مهمات في القواعد الفقهية.

    فالمؤلف رحمه الله كما أنه ذكر فيها جملة من المسائل في أصول الفقه، أيضاً ذكر فيها جملة من القواعد الفقهية كما سيأتينا إن شاء الله.

    وهذه الرسالة كما وصفها مؤلفها رحمه الله تعالى بأنها سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني، وهكذا مؤلفات الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، تتميز بهذه الميز؛ بأنها سهلة الألفاظ، واضحة المعاني.

    وقدم لنا منظومة القواعد الفقهية، وأنها أيضاً قريبة من طالب العلم، يقرؤها المبتدئ والمنتهي، ولا يصعب عليه فهم ما اشتملت عليه هذه الألفاظ من معاني، فهي واضحة المعاني.

    وهذه الرسالة أيضاً مهمة في معرفة أصول الفقه؛ لأنها كما تقدم أنها تشتمل على المهمات من أصول الفقه، وكذلك أيضاً هي واضحة الألفاظ سهلة المعاني.

    وأيضاً من ميزها أن مؤلفها عالم كبير، في الفقه، والعقيدة، والأصول، وفي التفسير، وهذا مما يضفي على هذه الرسالة القيمة العلمية.

    معنى البسملة

    قال المؤلف رحمه الله في مقدمة الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم).

    ابتدأ المؤلف رحمه الله رسالته بالبسملة، اقتداءً بكتاب الله عز وجل فإنه مبدوء بالبسملة، واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يبدأ كتبه بالبسملة.

    فالباء حرف جر، و(اسم) اسم مجرور، والجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر بفعل متأخر مناسب للمقام، فإذا قلت: بسم الله، الباء والاسم يتعلقان بمحذوف، هذا المحذوف يقدر بفعل مؤخر مناسب للمقام، فإذا أردت أن تقرأ: بسم الله، فإن التقدير بسم الله أقرأ، وإذا أردت أن تذبح: بسم الله أذبح، وإذا أردت أن تدخل البيت: بسم الله أدخل، وهكذا.

    وقُدر فعلاً لأن الأصل في العمل هو الأفعال، وقُدر مؤخراً تبركاً وتيمناً بالبداءة باسم الله عز وجل، أي: بسم الله، التقدير: أدخل.

    و(الله) أصلها الإله، وحذفت الهمزة وأدغمت اللام باللام، فقيل: الله، ومعناه ذو الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين.

    معنى الرحمن الرحيم

    (الرحمن) ذو الرحمة الواسعة التي وسعت رحمته كل شيء، وسعت حتى الكافر والحيوان، فالكفار رحمهم الله عز وجل رحمة حسية؛ أطعمهم، وآواهم، وأسكنهم.. إلى آخره، أما بالنسبة للمؤمنين فالله سبحانه وتعالى رحمهم رحمة معنوية، ورحمة حسية.

    إذاً: الرحمن ذو الرحمة الواسعة، وهو اسم خاص بالله عز وجل، كما أن لفظ الجلالة خاص بالله سبحانه وتعالى، ولفظ الجلالة هو أعرف المعاني، وإليه تضاف بقية أسماء الله عز وجل، فيقال: الرحمن من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن.

    والرحيم معناه: ذو الرحمة الواسعة، يعني: الموصل رحمته من يشاء من عباده، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43].

    معنى الحمدلة

    قال: (الحمد لله).

    أيضاً ابتدأ المؤلف -رحمه الله- رسالته بالحمدلة، اقتداءً بكتاب الله عز وجل، واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ خطبه العارضة والراتبة بالحمدلة، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ابتدأ خطبة من خطبه بغير الحمدلة.

    والحمد اختلف في تعريفه، فقيل: الحمد هو الثناء بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة، وقيل: الحمد هو فعل ينبئ عن تعظيم المحمود، بكونه منعماً على الحامد أو غيره، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحمد هو وصف المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً، واختيار شيخ الإسلام ابن القيم بأن الحمد وصف المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً.

    وقوله: (لله) اللام للاختصاص، يعني: أن الله سبحانه وتعالى مختص بالمحامد المطلقة، والحمد ينقسم إلى قسمين: حمد مطلق، وهذا خاص بالله عز وجل، وحمد مقيد، وهذا يكون للمخلوق، فالمخلوق قد يحمد على هذا الفعل، لكن لا يحمد على الفعل الآخر، لكن الله سبحانه وتعالى يحمد على سائر الأفعال وسائر الصفات.

    وقوله: (الحمد)، الألف واللام للاستغراق، فجميع المحامد لله سبحانه وتعالى.

    قال: (نحمده على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا).

    أسماء الله عز وجل هي ما سمى الله عز وجل بها نفسه، أو سماه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، والحسنى، أي: التي بلغت الغاية في الحسن، فلا يعتريها نقص بأي وجه من الوجوه.

    والصفات جمع صفة، والمقصود هنا الصفات التي وصف الله عز وجل بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته.

    والكاملة غير الناقصة، وصفات الله عز وجل يقسمونها إلى صفات معنوية، وصفات فعلية، وصفات ذاتية، المهم أن الصفات الكاملة هي التي لا يعتريها نقص بأي وجه من الوجوه.

    معنى الأحكام وأقسامها

    قال: (وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين والعقاب للمجرمين).

    الأحكام جمع حكم، وهو إثبات أمر بأمر، أو نفيه عنه، والمقصود هنا الأحكام الشرعية، وإلا فإن الأحكام تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحكام شرعية، وأحكام عادية، وأحكام عقلية.

    الأحكام العقلية: هي ما عرفت فيه النسبة عن طريق العقل، مثل: واحد زائد واحد يساوي اثنين.

    والأحكام العادية: هي ما عرفت فيه النسبة عن طريق العادة، كالخبز مشبع، والماء مروي.

    والأحكام الشرعية وسنتكلم عليها، والأصوليون رحمهم الله يقسمون الأحكام الشرعية إلى قسمين: الأحكام التكليفية، والأحكام الوضعية.

    وأما المؤلف رحمه الله تعالى فإنه قسم الأحكام الشرعية من حيث العموم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: قال: (وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود).

    هذا القسم الأول، والأحكام القدرية هي ما قدره الله عز وجل وكتبه في الأزل، فهذه الأحكام الكونية القدرية.

    قال: (وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع).

    القسم الثاني: الأحكام الشرعية: وهي ما شرعه الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والفرق بين الأحكام الشرعية والأحكام الكونية القدرية:

    أولاً: أن الأحكام الشرعية قد تقع وقد لا تقع، فقد يستجيب الناس ويفعلون المأمور ويتركون المحظور وقد لا يستجيبون، لكن بالنسبة للأحكام الكونية القدرية فهذه لابد من وقوعها حتماً، فالموت من أحكام الله الكونية فلابد أن يقع، وما قدره الله عز وجل من المرض أو الآفات أو المصائب.. إلى آخره، فهذه لابد أن تقع.

    ثانياً: أن الأحكام الكونية القدرية شاملة لكل مكون وموجود كما ذكر المؤلف، فجميع العباد داخلون تحت أحكام الله الكونية القدرية، لا يخرج أحد عن حكم الله الكوني القدري، أما الأحكام الشرعية فيدخل تحتها المسلمون فهم الذين يؤمرون وينهون.

    أما بالنسبة للكفار فإنهم داخلون تحت الأحكام الكونية، لكنهم ليسوا داخلين في الأحكام الشرعية بحيث تجب عليهم، نعم هم يتوجه إليهم خطاب التكليف، لكن بالنسبة لخطاب الفعل لا يتوجه إليهم، فهم وإن كانوا مكلفين بفروع الشريعة إلا أنهم لا يؤمرون بفعل الشريعة؛ لأنهم فقدوا الأصل وهو التوحيد: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54].

    قال: (وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين، والعقاب للمجرمين).

    هذا القسم الثالث من الأحكام الشرعية على سبيل العموم، وأحكام الجزاء يعني: الثواب، فالله سبحانه وتعالى يثيب الطائعين، ويعاقب المجرمين، والله سبحانه وتعالى شرع هذه الأحكام، الأحكام الكونية القدرية، والأحكام الشرعية، وأحكام الجزاء، في إثابة الطائعين، وعقاب العاصين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.