إسلام ويب

تفسير سورة لقمان - مقدمة في تفسير سورة لقمان [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء القرآن العظيم معجزاً في ترتيبه، ومعجزاً في تنزيله، ومعجزاً في موضوعه، فالقرآن يختلف في موضوعاته وفق مكان نزوله، فما نزل منه في مكة له موضوعات تختلف عما نزل منه في المدينة، ومن أهم موضوعات مكيه ربط قلوب الخلق بخالقهم، وذلك بتعريفهم به سبحانه ابتداء، ثم تعريفهم بقدر أنفسهم وبيان ما خلقوا له في هذه الدنيا.

    1.   

    من الأسباب الداعية إلى الابتداء بتفسير سورة لقمان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين.

    يا أيها النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! انتهينا من دراسة المقدمة لتفسير كلام الله جل وعلا، والمقدمة دارت على أمرين اثنين:

    - على منزلة كلام الله جل وعلا وأثره في قلوب العباد.

    - وعلى بيان الطرق الحكيمة في تفسير الآيات القيمة الكريمة.

    وهذان الأمران أخذت معنا مدارستهما سبعة دروس متتالية.

    ونبدأ الآن في تفسير سورة لقمان، التي وقع الاختيار على البدء بها، وقلت: إن الذي دعاني للكلام عليها دون غيرها ثلاثة أمور:

    أولها: ما كنت أشرت إليه سابقاً في الدرس الماضي، وهو أمر قريب قريب، وهو أنني كنت أتصفح سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر، في الجزء الذي فيه ترجمة إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد رحمه الله، ونضر وجهه ونور قبره، فوقع نظري على ترجمة عبد صالح، وهو حاتم الأصم ، والذي نعت بأنه لقمان هذه الأمة، فقلت: لعل في ذلك إشارة إلى أن نبدأ بتفسير هذه السورة قبل غيرها، وتقدم معنا شيء من الإشارة إلى أحوال هذا العبد الصالح، الذي لقب بلقمان هذه الأمة المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه، كما وجد لقمان في الأمم الماضية في هذه الأمة نعت عبد صالح بهذا النعت، ووجدت فيه الحكمة كما وجد في ذلك العبد الصالح، وتقدم معنا أنه توفي سنة (237هـ) عليه رحمة الله.

    قلت: وقد نعت في هذه الأمة عبد آخر صالح مبارك بأنه حكيم هذه الأمة، وهو أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب، وتوفي سنة (62هـ) على المعتمد، وقيل: كانت وفاته قبل الستين، قبل موت معاوية ، رضي الله عنهم أجمعين.

    أما السبب الثاني: فقلت: هذه السورة التي سميت باسم هذا العبد الصالح لقمان، فتشير إلى حكمة هذا العبد الصالح، ونحن في وقت ينبغي أن ننتبه إلى الحكمة لنضع الأمور في مواضعها، وقلت: لا أعلم عصراً جرى فيه الخلل والفساد والاضطراب وانقلبت فيه الموازين، كالعصر الذي نعيشه في هذا الحين.

    ورحمة الله على الإمام أحمد عندما يقول: إذا رأيتم شيئاً مستقيماً فتعجبوا، فكيف يكون حاله لو رأى زماننا! نسأل الله العافية والسلامة وحسن الخاتمة، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.

    وأما السبب الثالث: فهذا ما سنتدارسه في هذا الدرس إن شاء الله، وهو أن سورة لقمان سورة مكية.

    وحقيقة ينبغي على المفسر إذا أراد أن يبدأ بتفسير كلام الله جل وعلا أن يوجه أنظار المستمعين وأنظار من يتدارس معهم إلى طبيعة القرآن المكي، لا سيما في هذا العصر، كيف كانت الأمة ضالة حائرة تائهة ضائعة، فاهتدت بهذا القرآن، بالقرآن المكي الذي نزل عليها فترة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة رسولاً ونبياً، مدة ثلاث عشرة سنة.

    فسورة لقمان سورة مكية، وحالنا -كما قلت- يزيد على حال الجاهلية قبل بعثة خير البرية عليه صلوات الله وسلامه في الفوضى والاضطراب، فينبغي أن نبدأ بسورة مكية لعلها تعالج داءنا، ويكون فيها دواؤنا.

    1.   

    انقسام القرآن إلى مكي ومدني وكيفية معرفة ذلك

    سورة لقمان سورة مكية، والقرآن ينقسم إلى قسمين: إلى مكي ومدني، ولعلمائنا الكرام في ذلك ثلاثة ضوابط: على ملاحظة المكان، أو الزمان، أو المخاطب.

    القول الأول في كيفية تحديد المكي والمدني

    فقيل: بناء على ملاحظة المخاطبين: فما فيه (يا أيها الذين آمنوا) مدني، وما فيه (يا أيها الناس، يا بني آدم) مكي، والسبب في هذا أن أهل المدينة مجتمع إيماني مسلم، فخوطبوا بوصف الإيمان والإسلام، وأما في مكة فالأمة مشركة ضالة تائهة، فيخاطبهم بمثل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:27]، فيخاطب أهل مكة بما ليس فيه وصف الإيمان، لأن أكثرهم ليسوا على صفة الإيمان.

    فقيل: ما فيه (يا أيها الذين آمنوا) مدني، وما فيه (يا بني آدم، يا أيها الناس) مكي، وهذا في الحقيقة ليس بمسلم، وهو ضابط غير سديد، وهو مردود؛ لأنه ليس بجامع وليس بمانع، فعندنا سور ليس فيها (يا أيها الذين آمنوا) وليس فيها (يابني آدم)، وليس فيها (يا أيها الناس)، ففي أي الأقسام سندخلها؟

    فإذاً لا تدخل في المكي ولا في المدني! وعندنا سور في كتاب الله جل وعلا فيها (يا أيها الناس) وهي مدنية بالإجماع كسورة النساء: يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]، وعندنا سور فيها (يا أيها الذين آمنوا) وهي سور مكية، فإذاً هذا غير جامع، أي لا يجمع جميع أنواع التعريف في المعرف، وهو غير مانع، أي لا يمنع من دخول المكي في المدني، ولا المدني في المكي، وعليه فهو ضابط غير معتبر.

    القول الثاني في تحديد المكي والمدني

    وقيل في تعريف المكي والمدني: ما نزل في مكة وفي ضواحيها فهو مكي، وما نزل في المدينة وضواحيها فهو مدني، وهذا لاحظ المكان، كما أن التعريف الأول لاحظ المخاطبين.

    وهذا أيضاً تعريف غير سديد؛ لأن هذا وإن كان مانعاً من دخول غير المعرف في التعريف، فما نزل في مكة مكي وما نزل في المدينة مدني، لكنه ليس بجامع، أي لا يجمع أيضاً جميع سور القرآن في هذا التعريف، فعندنا سور في القرآن نزلت لا في مكة ولا في المدينة، نزلت في أسفار النبي عليه الصلاة والسلام، كسفرته إلى تبوك عليه صلوات الله وسلامه، فإذاً هذا في أي القسمين ستدخل؟ ستبقى إذاً خارجة من القرآن المكي والمدني، فهو وإن كان مانعاً من دخول غير المعرف في التعريف لكنه ليس بجامع.

    ويشترط في قبول التعريف أن يكون جامعاً مانعاً، يجمع أنواع المعرف في التعريف، ويمنع من دخول غير هذا النوع في هذا النوع.

    القول الثالث في تحديد المكي والمدني

    وعليه الاعتبار الثالث هو المعتمد في تعريف القرآن المكي والمدني، فما نزل قبل هجرة النبي عليه الصلاة والسلام فهو مكي، وما نزل بعد هجرته عليه صلوات الله وسلامه فهو مدني وإن نزل في مكة؛ لأن الملاحظ في هذا التعريف الزمان، لا المكان ولا المخاطبين، وهذا في الحقيقة جامع مانع، جمع جميع سور القرآن وقسمها إلى قسمين مكي ومدني، ومنع من دخول غير المعرف في التعريف، فالمكي مكي قبل الهجرة، والمدني مدني بعد الهجرة، في أي مكان نزل، وهذا التعريف كما قلت هو المعتمد، بناء على ملاحظة الزمان.

    عدد السور المكية والسور المدنية

    السور المكية المتفق على أنها نزلت في مكة اثنتان وثمانون سورة، والمدنية المتفق على أنها نزلت في المدينة -أي بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، على حسب الضابط الذي اعتمدنا عليه وعولنا عليه- عشرون سورة باتفاق، والمجموع مائة وسورتان، بقي معنا اثنتا عشرة سورة اختلف فيها هل هي مكية أو مدنية.

    وقد ثبت (أن ابن عباس رضي الله عنهما -كما في طبقات ابن سعد - سأل أبي بن كعب عن السور المدنية فقال: إنها سبع وعشرون سورة)، وعليه زاد على العشرين سبع سور من الذي اختلف فيه، فيصبح عدد المدني سبعاً وعشرين، وزد خمساً على الاثنتين والثمانين تصبح سبعاً وثمانين، أي سبع وعشرون مدنية، وسبع وثمانون مكية على هذا.

    والعمدة في كون هذه السورة مكية أو مدنية عند العلماء: النقل لا العقل، والرواية لا الرأي، ولا دخل للاجتهاد في هذا على الإطلاق.

    والنقل يؤخذ من طريقين لا ثالث لهما، إما من الصحابة، وكلامهم في هذا له حكم الرفع المتصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فهم الذين شهدوا وقائع التنزيل ونزول القرآن الجليل، أو من أقوال التابعين، فلكلامهم حكم الرفع المرسل لعدم الاتصال، وتقدم معنا أنه يؤخذ بقول التابعي في التفسير إذا كان من أئمة التفسير، أو إذا لم يكن من أئمة التفسير وتعزز بمرسل آخر كما تقدم معنا.

    والسورة تسمى مكية أو مدنية بأحد اعتبارين عند أئمتنا من الصحابة والتابعين: إما باعتبار الفاتحة وبداية السورة، فإذا نزلت بدايتها في مكة قلنا مكية، وقد لا تكتمل وينزل آيات منها في المدينة، كما هو في سورة لقمان كما سيأتينا أنها مكية، ومنها ثلاث آيات نزلت في المدينة المنورة، وإنما هذا باعتبار الفاتحة، وكل سورة ابتدأت بحروف التهجي -بالحروف المقطعة- فهي مكية، باستثناء الزهراوين البقرة وآل عمران، وفي الرعد خلاف، أما ماعدا هذا من سور القرآن، وهي تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة (كهيعص، طه، المص) جميع هذه السور التي افتتحت بالحروف المقطعة فهي مكية، وسيأتينا لم؟ وما وجه الحكمة من هذا؟ وكون هذه السور نزلت في مكة ولم ينزل منها بكثرة بهذا الأسلوب في المدينة غير سورتين كما قلت -البقرة وآل عمران- سيأتينا وجه الحكمة في هذا عند تفسير سورة لقمان إن شاء الرحمن.

    إذاً: إما باعتبار الفاتحة، فالفاتحة إذا نزلت في مكة فهي مكية، وإذا نزل شيء من السورة في مكة لكن فاتحتها وبدايتها تأخر نزولها فنزلت في المدينة فيقال لها: مدنية، مع أن بداية نزولها آيات هذه السورة نزل في مكة، لكن لم تنزل الفاتحة، إنما الذي نزل شيء من وسطها، وأما الفاتحة نزلت في المدينة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ضعوها في أول سورة لقمان).

    وإما باعتبار كثرة الآيات، فإذا كانت نزلت آياتها في مكة وفي المدينة، فإما على حسب الفاتحة كما قلت، وإما على حسب كثرة الآيات فيقال لها: مكية أو مدنية.

    1.   

    الترتيب المعجز للقرآن

    إخوتي الكرام! ترتيب هذا القرآن بهذه الكيفية معجز بلا شك، ومن تأمل حال ترتيب القرآن وجمعه وتأليفه يعلم إذا كان عنده أدنى شيء من عقل، أن هذا القرآن كلام الرحمن، وليس لمحمد عليه صلوات الله وسلامه فيه أي مدخل إلا البلاغ، كيف هذا؟

    نبينا عليه صلوات الله وسلامه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فكان ينزل عليه الوحي ويقول للكتبة من الصحابة: ضعوا هذه الآية في سورة كذا وكذا، وضعوا هذه الآية في سورة كذا وكذا! فما نزلت السورة إذاً متتابعة، سورة البقرة أول ما هاجر نبينا عليه صلوات الله وسلامه إلى المدينة نزل شيء منها، وما اكتملت إلا قبل وفاته بتسع ليال عليه صلوات الله وسلامه، إذاً مدة عشر سنين تنزل آيات في سورة البقرة، وآخر شيء من القرآن آية في سورة البقرة، كما ثبت في تفسير ابن أبي حاتم عن قتادة رحمه الله: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].

    فآخر آية نزلت من القرآن وضعت في سورة البقرة، وسورة البقرة من أوائل ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام في المدينة.

    إذاً: في عشر سنوات آية توضع هنا على رأس مائتين وثمانين، وآية على رأس ثمانين، وآية على رأس خمسين، ثم تنظر بعد ذلك في ترتيب هذه السورة فتراه في غاية الإحكام والإتقان، كأنها صيغت في هذا الوقت بهذه السورة.

    هذا في الحقيقة ليس من جهد بشر، إنما هذا من كلام رب العالمين، فهذا هو الإعجاز.

    وترتيب الآيات في سورها توقيفي عن طريق ما أخبر به جبريل نبينا عليه الصلاة والسلام بالإجماع، ولا خلاف بين العلماء في هذا، لكن اختلف في ترتيب السور في القرآن، هل هو توقيفي أو هو توفيقي باجتهاد الصحابة؟

    ولا خلاف بين العلماء في الحقيقة كما قال الإمام الزركشي، فمن قال إنه توفيقي أراد أن النبي عليه الصلاة والسلام رمز للصحابة وأشار إليهم بترتيب السور، لكن لم يقل لهم اجعلوا الفاتحة في البداية ثم البقرة ثم آل عمران ثم ثم، لكن رمز لهم وأشار إليهم بهذا، فهو توقيفي لكن ليس عن طريق القول، بل عن طريق الإشارة والرمز.

    والقول الأول يقول: توقيفي عن طريق القول، فلا خلاف في المآل؛ لأن جميع سور القرآن ترتيبها توقيفي.

    وأما الآيات في السورة فهذا توقيفي من قبل النبي عليه الصلاة والسلام عن جبريل عن ربنا الجليل سبحانه وتعالى بلا خلاف.

    فإذاً هذه السور ينزل بعضها في مكة ولا تكتمل إلا في المدينة، فلا ترى فيها خللاً، ولا فجوة، ولا فاصلاً، إنما هي متلاحق بعضها ببعض، الآخر يمسك بما قبله، كأنها حلقة متصلة ببعضها لا تعلم أين طرفاها، هذا كلام الله جل وعلا.

    فهذا في الحقيقة من أوجه إعجاز القرآن العظيمة، ونبينا عليه الصلاة والسلام كما قلت أمي، يقول: اكتبوا هذه الآية في مكان كذا، في السورة التي يذكر فيها البقرة، على رأس ثمانين ومائتين، ثم هم يكتبون هذا، فينظرون بعد ذلك في الترتيب فإذا هو في غاية الإحكام والإتقان: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، فهذا الترتيب في كلام الله جل وعلا من أنواع الإعجاز العظيمة.

    إذاً: سورة لقمان مكية، نزلت على نبينا عليه صلوات الله وسلامه قبل الهجرة، هذه السورة المكية -كما قلت- ينبغي أن نبدأ في تفسيرها وفي مدارستها؛ لنعرف طبيعة القرآن المكي، ليكون ذلك الدواء علاجاً للداء الذي نعيش فيه في هذه الأيام.

    1.   

    المحور الأول الذي دار حوله القرآن المكي: ربط القلوب بعلام الغيوب

    إخوتي الكرام! القرآن المكي عني بثلاثة أمور هي محور القرآن المكي، وهذه الأمور حقيقة بها حصلت تربية القلوب وطهارتها على وجه التمام والكمال.

    الأمر الأول الذي عني به القرآن المكي ودار حديثه حوله: ربط القلوب بعلام الغيوب سبحانه وتعالى، ربط القلوب بعلام الغيوب، هذه القلوب لا بد من بنائها؛ لأنها إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فلا بد إذاً من بنائها وتطهيرها من آفاتها ورعوناتها.

    القرآن المكي بنى القلوب في مكة، وطهرها عن طريقين اثنين:

    تعريف الخلق بخالقهم

    الأمر الأول: تعريف هذه القلوب، وتعريف هؤلاء الناس بخالقهم جل وعلا:

    انظر لسورة لقمان التي معنا كيف يعرفهم ربنا جل وعلا به سبحانه وتعالى، أشار في هذه السورة وفي سائر السور المكية إلى أنه رب العالمين سبحانه وتعالى، ومالكهم، وسيدهم، وخالقهم المتصرف فيهم، وليس لأحد عداه شيء من ذلك، يقول ربنا جل وعلا في سورة لقمان: خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [لقمان:10-11].

    قوله: خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [لقمان:10]، أي: هذا هو الخالق وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [لقمان:10]، أي: الجبال لتستقر الأرض ولتثبت، وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [لقمان:10]، تدب وتمشى على ظهر الأرض، وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [لقمان:10-11].

    ويقول جل وعلا مقرراً هذه الحقيقة: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [لقمان:29-30]، ويقول جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان:31].

    إذاً: هو الخالق، هو الرب، هو المدبر لهذا المخلوق ولأمر هذا الكون، فلا رب سواه سبحانه وتعالى، يبني القلوب ويطهرها عن طريق لفت أنظار الناس إلى هذه القضية، فهذه المخلوقات لها خالق وهو رب البرية سبحانه وتعالى، فهذا الرب الذي قرر ربوبيته في السور المكية، أشار إلى أنه يتصف بكل كمال، ويتنزه عن كل نقصان سبحانه وتعالى، فهو الذي يعلم كل شيء في هذا الكون، كيف لا وهو ربه وخالقه سبحانه وتعالى، وهو الغنى عما سواه، ومالك لكل ما في هذا الكون!

    يقول جل وعلا: إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]، ويقول جل وعلا: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:27]، ويقول جل وعلا في آخر السورة: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    إذاً: هذه صفات ربنا الجليل سبحانه وتعالى، يعلم كل شيء في هذا الكون، وإذا أيقنت بأنه ربك سبحانه وتعالى وخلقك، ويعلم جميع تصرفاتك، بنيت على هذا أمور في المستقبل، كما حصل في الجيل الأول في الصحابة الكرام في العصر المكي رضوان الله عليهم أجمعين.

    يخبرنا الله جل وعلا في هذه السورة المكية بأن له ما في السموات وما في الأرض: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان:26]، فله ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً، لا يخرجون عن قبضته ولا عن مشيئته طرفة عين.

    إذاً: رب العالمين، وخالق المخلوقات أجمعين، يعلم كل شيء، وهو الغني عما سواه، وله كل شيء سبحانه وتعالى، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نفرده بالعبادة، وأن نشكره على نعمه التي أسداها إلينا، وهذا ما أشار إليه ربنا جل وعلا في سورة لقمان: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12]، يا أيها النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [لقمان:12] ورأس الشكر أن توحد الله جل وعلا، وأن تفرده بالعبادة، وأن تسير جميع شئونك على حسب ما يريد ربك الذي خلقك سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [لقمان:12]، لا ينتفع بطاعتك ولا يتضرر بمعصيتك وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12].

    وهكذا يقول ربنا جل وعلا: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، فكما أحسنت إليك إحساناً لا نظير له، فينبغي أن تشكرني وأن تفردني بالعبادة، ينبغي أن تشكر أيضاً من أحسن إليك بعد ذلك، بتدبيري وتقديري ومشيئتي، وهو الأبوان: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14].

    فإذا تعارضت طاعة الله مع طاعة الأبوين: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15]، رب العالمين خالقهم ومالكهم، يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان، ينبغي أن يفرد بالعبادة فلا نلجأ إلى غيره سبحانه وتعالى.

    هل انتهي الأمر عند هذا الحد؟ لا، القلوب لا زالت بحاجة إلى أمر رابع، وهو: أن هذا الرب جل وعلا الذي خلقنا، وهو غني عنا، ومالكنا، وأمرنا بعبادته، وتسيير جميع شئون حياتنا حسب شرعه، سنئول إليه، ليحاسبنا على أعمالنا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].

    يقول الله جل وعلا في أوائل هذه السورة: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:1-4]، فسيئولون إلى الله جل وعلا، وليست المسألة تكليفاً وينتهي إلى ضياع وفوت وموت لا بعث بعده، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    هذا سوء ظن برب العالمين، إذا خلقنا من غير تكليف، وإذا خلقنا وكلفنا ولم يبعثنا، هذا سوء ظن بربنا، فيسوء ظننا به ولا نقدره حق قدره إذا ظننا أننا خلقنا هملاً، وإننا لن نبعث بعد موتنا لنحاسب على أعمالنا: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:36-40].

    يترك سدى هملاً من غير تكليف! يترك سدى يموت فيفوت ولا يبعث! أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون:115]، للعبث والتلهي بلا تكليف بلا أمر ونهي؟! أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون:115] تكلفون ولا تبعثون ولا تحاسبون؟! كل من الأمرين يستحيل في حكمة الحي القيوم سبحانه وتعالى، فلم نخلق عبثاً.

    إذاً: رب عظيم خلقنا ويملكنا، يتصف بكل كمال، ويتنزه عن كل نقصان، ينبغي أن نفرده بالعبادة، سنئول إليه سبحانه وتعالى، فإذا رجعنا إليه كان المؤمن له ثواب، والجاحد له عقاب، يقول جل وعلا: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [لقمان:4] هؤلاء الذين هم بالآخرة هم يوقنون مع ما قاموا به من الأعمال الصالحات، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:4]، في هذه الحياة على صراط وبينة، فالضلال انتفى عنهم وهم على صراط الله المستقيم، وهم يفوزون في الآخرة بجنة النعيم.

    صنف آخر يقابل هذا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان:6]، عندما انحرف عن صراط الله المستقيم، وأقبل على لهو الحديث الذميم العقيم، ضل وتاه وضاع، العقوبة أولى في الدنيا، والثانية: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان:6] مع ضلاله وضياعه في الدنيا، له ما يهينه في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، فعندما أهان الحق أهانه الحق في يوم القيامة: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:7]، وهكذا آيات كثيرة في هذه السورة.

    ثم عاد بعد ذلك إلى جزاء المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [لقمان:8-9].

    ثم جاء بعد ذلك إلى آخر السورة فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    إذاً: هذا الأمر الأول من الأمرين في بناء القلوب، وهو الإشارة إلى هذا الخالق سبحانه وتعالى وما يتصف به سبحانه وتعالى وجل شأنه، رب العالمين خالق هذا الكون ومالكه، يتصرف فيه، يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان، ينبغي أن يفرد بالعبادة، سنئول إليه ليحاسبنا على أعمالنا، هذا الركن الأول من الأمرين في بناء القلوب.

    تعريف الخلق بقدر أنفسهم

    أما الركن الثاني: فهو تعريف العباد بقدر نفوسهم:

    كان القرآن المكي يضرب على هذا الوتر، ويدور على هذا المحور باستمرار، في بيان وصف الرب جل وعلا وشأنه، وفي بيان وصف هذا العبد وبيان حقيقته، وما ينبغي أن يحصل من صلة بين الخالق والمخلوق، بين العبد والرب سبحانه وتعالى، فأنت أيها الإنسان وما حولك وجميع ما في هذا الكون مقصورون مقهورون مضطرون لما يريده الحي القيوم، لا يملك واحد أن يخرج عن هذا طرفة عين، خرج إلى الدنيا من غير اختياره، وسيخرج منها على غير اختياره، وصار في صورة شاءها الله على غير اختياره، إذاً عبوديتنا لربنا جل وعلا واقعة قصراً وجبراً.

    والعباد فقراء لله جل وعلا: يا أيها النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر:15]، فإذا كانت العبودية الاضطرارية القسرية القهرية واقعة، فانتقل منها أيها الذكي الزكي إلى العبودية الاختيارية، فالثواب والمدح يحصل باتصاف الإنسان بعبوديته لربه، عبودية اختيارية لا اضطرارية؛ لأنه ليس في العبودية الاضطرارية إلا الإشارة إلى أنه موجود، والله يتصرف فيه كما يريد، لكن العبودية الاختيارية التي تحصل بتذلل العبد لربه وحبه له من جميع قلبه، هي التي يرتبط بها الثواب، وبالتفريط فيها يحصل العقاب، وبذلك يحصل المدح والذم.

    يقول الله جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ [الحج:18]، ينقاد له من في السموات ومن في الأرض ذليلاً صاغراً.

    ثم قال جل وعلا: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18] سبحان الله! كثير من الناس دخل في اللفظ الأول: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الحج:18]، وفي الأرض دخل الناس، فهم يسجدون لله رغم أنوفهم، وينقادون له حسب مشيئته شاءوا أم أبوا، فلم قال بعد ذلك: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18]؟ فلا يسجدون، السجود الأول اضطراري قسري قهري لا يخرج عنه أحد، فهم منقادون لمشيئته، فمثلاً خلق هذا ذكراً، فليس باستطاعة أهل الأرض أن يقلبوه إلى أنثى، وخلق تلك أنثى فليس باستطاعة أهل الأرض أن يجعلوها ذكراً: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران:6]، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49-50].

    لكن في وسع الإنسان وإمكانه ومشيئته أن يكون صالحاً وأن يكون طالحاً، أن يكون تقياً وأن يكون شقياً، أن يكون صادقاً وأن يكون كاذباً، أن يعفر جبهته لربه في التراب وأن يتذلل له، وأن يتمرد على الله جل وعلا وأن يعاديه، هذا باستطاعته، لكنه لا يخرج عن مشيئة الله الكونية، فالسجود الثاني غير الأول أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ [الحج:18]، هؤلاء كلهم منقادون لقهره سبحانه وتعالى ومشيئته وإرادته: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج:18]، يسجدون سجوداً اختيارياً فلهم الثواب، وكثير من الناس يمتنعون من التذلل والحب لله فعليهم العقاب، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].

    ففقر العباد واحتياجهم إلى ربهم جل وعلا اضطراري في المخلوقات، فالله أخص أوصافه أنه غني، قائم بنفسه سبحانه وتعالى حي قيوم، قائم بشئون غيره، وأخص أوصاف العباد أنهم فقراء، فلا بد إذاً من الإشارة إلى هذه القضية في القرآن المكي ليعرف الإنسان قدره وموقعه في هذه الحياة.

    ولذلك العلة في احتياج هذا العالم من عرشه إلى فرشه إلى ربه جل وعلا، فقر من عدا الله وغنى الله، فالعباد محتاجون إلى الله لأنهم فقراء، وهو الغني الحميد، فأخص وصف في المخلوق أنه فقير، وأخص وصف في الخالق جل وعلا أنه غني عن العالمين.

    ولذلك قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في طريق الهجرتين ومفتاح باب السعادتين، ويقصد بالهجرتين هجرة إلى الله جل وعلا عن طريق عبادته وحده لا شريك له، وهجرة إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام عن طريق متابعته دون اتباع إمام غيره عليه صلوات الله وسلامه، بهاتين الهجرتين يحصل التوحيد الكامل الحق للمؤمن، عبادة الله وحده لا شريك له، لا إله إلا الله، حسبما شرع وبين، وحسبما أحب وأراد محمد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه.

    يقول في طريق الهجرتين (ص:65) وما بعدها: علة احتياج العالم إلى ربه أن العالم بأسره فقير، وأن الله غني، وليست العلة في احتياج العالم إلى الله الإمكان ولا الحدوث، كما يقول الفلاسفة والمتكلمون، فالمتكلمون يقولون: العلة في احتياج العالم إلى ربه أنه حادث مخلوق، والحادث لا بد له من محدث، والمخلوق لا بد له من خالق، والفلاسفة يقولون: العلة في احتياج العالم إلى الله جل وعلا أن وجوده ممكن وعدمه ممكن، ولا يرجح أحد الممكنين إلا إرادة مريد وقدرة قدير، وهو الله جل وعلا.

    يقول الإمام ابن القيم: وهذا غلط، الإمكان والحدوث علامتان على الفقر، فهذا العالم مخلوق لأنه فقير، لو كان غنياً لكان خالقاً، فإذاً المخلوقية فيه علامة على فقره، وليست المخلوقية في العالم علامة على احتياج العالم إلى ربه، وكون العالم ممكناً حدوثه وعدمه ويتصور وجوده وفناؤه، فالذي رجح أحد الأمرين هو إله عظيم، هذا علامة على فقره؛ لأنه لما كان فقيراً يتصور أن يوجد وأن لا يوجد، وأما الله جل وعلا فلا يتصور زواله طرفة عين: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40].

    فإذاً: في هذه السورة وفي السور المكية بعد أن أشار ربنا جل وعلا إلى ما يتعلق به وما يتصف به، أشار إلى حال العباد، فهم فقراء، وفقرهم على قسمين:

    فقر قهري اضطراري قسري، لا يخرجون عن مشيئته الكونية، وإرادته القدرية، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26]، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    وهناك فقر اختياري فبعد أن عرفنا فقرنا الاضطراري، وعرفنا ربنا، فهو خلقنا ويتصرف فينا سبحانه وتعالى، يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان، فينبغي أن نعبده وحده لا شريك له، وأن نحكم شرعه في جميع شئون حياتنا، وسنصير إليه ليوفينا جزاء أعمالنا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، ونحن مقصورون لما يريد ولما يشاء، إذاً ينبغي أن نطيعه اختياراً وطوعاً لننال الأجر الذي أشار إليه ربنا جل وعلا، وكثير من الناس يسجد لله طواعية واختياراً، وانقياداً لعظمة الله جل وعلا وكبريائه، وألوهيته وربوبيته، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18]، فيمتنع عن هذا، وهذا ما يشير إليه ربنا جل وعلا في سورة لقمان، فبعد أن قرر ربنا جل وعلا ربوبيته وأنه خالق هذا الكون: خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [لقمان:10-11]، ماذا خلقوا؟ هم فقراء: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف:194]، ما لهم شرك في السموات ولا في الأرض، هم ما خلقوا شيئاً في هذا الكون، لا يملكون لأنفسهم فضلاً عن غيرهم نفعاً ولا ضراً: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [لقمان:11].

    وهذا الأمر يسلم به حتى المشركون، ولا يوجد من يجحد توحيد الربوبية إلا من باب المكابرة والمغالطة، وأما أنه يجحد هذا من حقيقة نفسه فلا: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102].

    وهنا يقول الله جل وعلا في سورة لقمان: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [لقمان:25]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، فإذا كان هو الخالق والمتصرف والمدبر، وأنت ومن معك وجميع ما في هذا الكون لم تخلقوا فيه ذرة، فينبغي أن تضعوا الأمور في نصابها، أنت عبد تهتدي بهدي الرب سبحانه وتعالى، أنت مخلوق تعبد هذا الخالق، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [لقمان:25].

    ويقول جل وعلا مقرراً هذه الحقيقة: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان:32]، وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ [لقمان:32] لجئوا إلى الله جل وعلا، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان:32].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618890

    عدد مرات الحفظ

    704791299