إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب حد المسكر [3]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعاطي المخدرات بلاء عظيم، وإثمه كبير، وشره كثير، وما انتشر في أمة إلا فتك فيها فتك النار في الهشيم، فلا تبقى لها حرمة، ولا تقوم لها قائمة، فإذا فسدت عقول الناس فسد دينهم، وفسدت أخلاقهم، وصاروا في فتن ومحن وشرور لا يعلمها إلا الله.

    1.   

    جواز شرب الخمر في إزالة غصة اللقمة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه من سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يباح شربه للذة ولا لتداوٍ ولا عطش ولا غيره إلا لدفع لقمة غص بها].

    تقدم معنا تحريم شرب الخمر، وأن هناك بعض المسائل استثنيت من هذا التحريم، وذكرنا مسألة التداوي، وبيّنا خلاف العلماء رحمهم الله فيها، وبعد هذا ذكر المصنف رحمه الله ما يستثنى من تحريم شرب الخمر، وهي حالة الضرورة، عندما يخشى الإنسان أن يموت ويهلك، وقد ذكر الأئمة والعلماء رحمهم الله من المتقدمين والمتأخرين مثالاً على ذلك بالغصة.

    والغصة صورتها: أن يأكل طعاماً فيغص، فإذا لم يشرب ما يفك غصته فإنه ستتلف نفسه وتهلك روحه، وحينئذٍ تكون حالته حالة اضطرار يخشى فيها عليه الموت، وهذه المسألة تعرف بإساغة الغصة بالخمرة، وهي مسألة قديمة، وعامة أهل العلم على الترخيص، وأن المسلم يباح له في هذه الحالة أن يشرب الخمر بقدر ما يسيغ هذه الغصة، ويذهب الخطر والضرر.

    إذاً: يشترط أول شيء أن يكون هناك خوف على النفس، بمعنى: أن يغلب على ظنه أنه سيموت.

    ثانياً: ألا يجد شيئاً غير الخمر مما هو دون الخمر أو من المباحات يمكن إساغة الغصة به، فإن وجد ما دون الخمر فإنه يقدمه، فلو وجد ماءً فبالإجماع يحرم عليه أن يشرب الخمر؛ لأن الأصل أن الخمر محرمة، لكن لو أنه وجد نجاسة -أكرمكم الله- كالبول، فهل يقدم الخمر أو البول؟

    كلاهما نجس،

    قال بعض العلماء: يقدم البول على الخمر؛ والسبب في ذلك: أن البول لا حد ولا عقوبة في شربه، ولكن الخمر فيه عقوبة، والوعيد فيه أعظم، فيقدم شربه للبول على شربه للخمر.

    ولو وجد ماءً متنجساً وبولاً وخمراً، فأيهما يقدم؟

    قالوا: يقدم الماء المتنجس؛ لأن الأصل أنه مطعوم، لأن الله وصف الماء بكونه طعاماً فقال: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة:249]؛ ولأن الماء الأصل حِلّه، والنجاسة عارضة عليه، بخلاف البول الذي يحكم بنجاسته بقوة أقوى من الماء المتنجس.

    وعلى هذا: يشترط ألا يوجد بديل، وهذه قاعدة تضعها معك أنه لا يفتى بالرخص مع وجود البديل المباح، وبجميع مسائل الرخص لا يمكن لعالم أو فقيه أن يفتي فيها بالرخصة مع وجود البديل.

    وإذا خاف الموت ولم يجد بديلاً عن الخمر، فيُشترط الشرط الثالث: أن يكون شربه للخمر بقدر الحاجة والضرورة، فلا يزيد عن قدر حاجته، وإنما يقتصر على قدر إساغة اللقمة أو ما غص به؛ لأن القاعدة تقول: (ما جاز للضرورة يقدر بقدرها)، فلا يجوز له أن يزيد عن القدر الذي تندفع به الغصة.

    1.   

    المسائل المستثناة في النجاسات

    وهذه المسألة يعتبرها العلماء من المسائل المستثناة في النجاسات، ونظمها بعض العلماء في عشر مسائل، فقال:

    وجاز الانتفاع بالأنجاس في مسائل نظم بعدّها يفي

    في جلد ميتة إذا ما دبغ ولحمها للاضطرار سوغ

    وشحمها تدهن منه البكرة عظامها بها تصفّى الفضة

    وجاز أن تشلى عليها الغلف بوفقهم والحمل فيه الخلف

    ولبن الأُتُنِ للسعال والجلد للرئمان فيه جالي

    وغصة تزال بالرياح وبول الآدمي للجراح

    حكم جلد الميتة إذا دبغ

    هذه عشر مسائل: المسألة الأولى في قوله رحمه الله:

    وجاز الانتفاع بالأنجاس في مسائل نظم بعدّها يفي

    في جلد ميتة إذا ما دبغ، هذا فيه نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر).

    أكل لحم الميتة حال الاضطرار

    (ولحمها للاضطرار سوغ)؛ لأن الله يقول: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119] فاستثنى المضطر في أكل الميتة.

    استعمال شحم الميتة

    (وشحمها تدهن منه البكرة)، وهي بكرة البئر، فإنهم لا يستطيعون أبداً أن ينزعوا من البئر إلا بوجود الشحم، والماء يكون غالباً في مقام الحاجيات، فإذا لم يتوصل إلى الماء إلا بالنزع، والنزع لا يمكن الوصول إليه إلا بشحم الميتة؛ جاز له في هذه الحالة أن ينتفع به.

    استعمال عظم الميتة في تصفية المعادن والفضة

    (عظامها بها تصفّى الفضة)، في بعض الأحوال تستخدم العظام في المعادن ويحتاج الصاغة إلى تصفية الفضة بعظام الميتة، ولكن الآن يستغنى عنه بوجود المواد البديلة.

    تحريش الكلب على الصيد

    (وجاز أن تشلى عليها الغلف)، الغلف هي: الكلاب -أكرمكم الله- في لغة العرب، (تشلى عليها) يعني: إذا أراد أن يعلم الصيد فإنه يحرشه ويشترط -كما سيأتينا إن شاء الله في إثبات صفة التعليم للكلب وللطائر الجارح حتى يجوز أكل ميتته وصيده- أنه إذا أشلاه ينشلي، وإشلاء الصيد للعلماء فيه قولان:

    قيل: الإشلاء أن يدعوه فيستجيب، فإذا ناداه يأتي، وهذا كقول الشاعر:

    أشليت عنزي ومسحت قعبي ثم انثنيت وشربت قأبي

    فمعناه: أنه نادى عنزه لأجل أن يحلبها.

    ويطلق الإشلاء في لغة العرب على المعنى الثاني -وهو المقصود هنا- وهو: تحريش الكلب وتحريش الصقر والباز والباشق والنسور عند تعليمها للصيد، يحرشها بالفريسة فتذهب إلى الفريسة، وهذا هو المراد هنا، قال الشاعر:

    أتينا أبا عمرو فأشلى علينا كلابه فكدنا بين بيتيه نؤكل

    هذا رجل بخيل جاءوا يزورونه فأشلى عليهم الكلاب أكرمكم الله!

    فالإشلاء هنا بمعنى: التحريش، قالوا: لا يكون الكلب معلماً إلا إذا حرشته ثلاث مرات فيتحرش، وقد يستجيب مباشرة، وقيل: بمرتين، وسيأتي إن شاء الله الخلاف بين العلماء في ذلك.

    فهنا قوله: (وجاز أن تشلى عليها الغلف) يعني: تحرش الكلاب عليها، (بوفقهم) يعني: باتفاق العلماء.

    حكم حمل الميتة إلى الكلب

    (والحمل فيه الخلف) يعني: حمل الميتة إلى الكلب من أجل أن يأكلها مختلف فيه؛ لأنه فرق بين أن يذهب بنفسه ويأخذ الميتة وبين أن تحمل له، ولذلك حرم بعض العلماء حملها وقالوا: لا رخصة.

    استخدام لبن الأتان لعلاج السعال الديكي

    (ولبن الأتن للسعال) لبن الأتان للسعال الديكي عند تعذر العلاج والدواء عند من يقول بالتداوي بالنجس، فيرخص لهذا المريض أن يستعمل لبن الأتان إذا خشي الهلاك، قالوا: إنه مجرد دواء للسعال الديكي إذا أعيت فيه العلة، وهذا يقولونه من باب الضرورة، وقد قدمنا مسألة التداوي بالنجس.

    وضع العلف في جلد البقرة التي ماتت لمصلحة ولدها ليأكل

    (والجلد للرئمات فيه جالي)، الرئمات: هن صغار البقر، إذا ماتت أمه امتنع من الأكل والشرب، فيتأثر ولا يأكل شيئاً من شدة حزنه على أمه، ووجده عليها، حتى البهائم فيها رحمة، بخلاف -نسأل الله العافية- قساة القلوب حينما يقال له: أمك مريضة يقول: اذهبوا بها إلى المستشفى! وهذا الحيوان يمتنع من الأكل؛ لأنه اعتاد أمه، ولا يمكن أن يشرب الماء ولا أن يأكل الطعام حتى يشم أمه، فماذا يفعلون؟

    ماتت أمه، ويغلب على الظن أنه سيموت بعدها؛ لأنه يمتنع من الأكل والشرب، فحينئذٍ هذا تلف مال، ولذلك رخص العلماء أن يأتوا له بالطعام محفوفاً بجلد أمه بعد موتها، فلما يشم رائحة أمه يقبل على الطعام ويأكل: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50]، حتى البهيمة هداها!

    إنزال الغصة بالخمر

    (وغصة تزال بالرياح) الرياح: اسم من أسماء الخمر، فقوله: (غصة تزال بالرياح) يعني: إذا اضطر إلى إزالة الغصة بالخمرة فهو معذور، ولا حرج عليه ولا إثم.

    استخدام البول لتجفيف الجروح النازفة

    (وبول الآدمي للجراح)، أي: الجرح -أجاركم الله- إذا كان ينزف، كانوا في القديم في الحروب يتعرضون له للإصابات، فينزف الجرح فلا يرقأ، فيصب عليه البول فيتماسك، وهذا مجرب ومشهود إذا صب البول -أكرمكم الله- على الجرح يتماسك ويلتئم؛ لأنه حارق فيحرقه، وهو من طبيعة البدن، ولذلك تقول العامة: (الجرح النحس ما له إلا البول النجس)، فهم يقولون هذا بطبيعتهم، فإذا أعياهم أن يجدوا له دواء إلا هذا فلا بأس، فهذه عشر مسائل ومنها مسألة الباب: (وغصة تزال بالرياح)، وهذه يقول عنها: الإمام ابن قدامة وغيره: عامة العلماء أنه إذا حصل اضطرار إلى الخمر بأن تساغ بها الغصة فلا بأس ولا حرج، وهذا لا يدخل في التداوي بما حرم الله؛ لأنه ليس علاجاً لداء، وإنما هو مقام اضطرار، ألجئ إلى هذا الخمر، فرخص له ذلك جماهير السلف والخلف، وهو قول العامة.

    ويحكى عن الإمام مالك وبعض السلف أنهم شددوا في هذه المسألة، ولكن المذهب عند المالكية أنها تزال الغصة بالخمر، وأنه لا حرج ولا بأس حينئذٍ.

    قال المصنف رحمه الله: [ولم يحضره غيره]

    فهذا شرط، لم يحضره غير الخمر، فإذا وجد غير الخمر يمكن إساغة الغصة به، فإنه لا رخصة له في الخمر، بشرط ألا يكون غير الخمر متضمناً للضرر، مثل أن يجد سائلاً ساماً غير الخمر إذا شربه سيموت، فليس هناك علاج للموت بالموت، وحينئذٍ قوله: (لم يحضره غيره) يعني: مما هو أخف من الخمر، ويمكن إساغة الغصة به، وهذا مراده رحمه الله.

    1.   

    حد شرب الخمر

    قال المصنف رحمه الله: [وإذا شربه المسلم مختاراً عالماً أن كثيره يسكر فعليه الحد].

    بين رحمه الله الشروط التي ينبغي توافرها لإقامة حد الخمر، فلابد أن يكون مسلماً، والكافر فيه تفصيل.

    قال بعض العلماء: إن الخمر محرمة في الأديان كلها حتى عند أهل الكتاب، لكنهم حرفوا دينهم وشربوا الخمر، فالأصل تحريمها في جميع الأديان لعظيم ما فيها من الضرر والأذية، وهذا القول قاله بعض علماء الحنفية وغيرهم.

    وقال بعض العلماء: إن الخمر مباح لبعض الأديان دون بعضها، ولذلك خففوا على أهل الكتاب إذا شربوها، فلا يقيموا عليهم الحد، والذي عليه بعض الأئمة أن أهل الكتاب -وقد نبهنا على هذا القول في مسألة احتكام أهل الذمة- إذا شربوا الخمر ثم رفعوا القضية إلى قاضٍ فإنه يحكم بينهم بشريعة الله عز وجل، فيقام عليهم حد الله عز وجل إذا ترافعوا إلينا، كما قال الله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49] فحينئذٍ نقيم عليهم شرع الله عز وجل ويقام عليهم الحد.

    واستثني الحربي والمستأمن، والأصل ما ذكرناه أنهم إذا رفعوا إلينا وجب أن نحكم فيهم بحكم الله عز وجل الذي نسخ الأحكام، وبشريعة الله عز وجل وبكتاب الله الذي جعله مهيمناً على ما قبله.

    وعلى هذا؛ اشترط المصنف الإسلام من حيث أنه ملتزم بالأحكام.

    ويشترط أن يكون مسلماً مكلفاً، فلا يقام الحد على مجنون، فلو أن مجنوناً شرب الخمر لا يقام عليه الحد، ولذلك لما هم عمر رضي الله عنه أن يجلد امرأة زنت، مرَّ عليها علي رضي الله عنه فأمر بإطلاقها وقال: (يا أمير المؤمنين! أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: وذكر منهم المجنون حتى يفيق) ثم قال: إن هذه مجنونة آل فلان، ولعلها زنت أو غشيها الرجل حال جنونها) فعذرها بإسقاط حد الزنا، وكذلك يسقط حد الخمر على المجنون لأنه ليس بمكلف، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على سقوط المؤاخذة عنه.

    وكذلك إذا كان صبياً سواء كان مميزاً أو غير مميز؛ لأنه غير مكلف، ولكن إذا كان مميزاً يعزر.

    ويشترط أن يكون مختاراً أي: لا يكره على شرب الخمر، فلو أن شخصاً هدده بالسلاح، وغلب على ظنه أنه إذا لم يشرب الخمر فإنه سيقتله أو هدده بشيء أعظم من الخمر حسب الشروط التي ذكرناها في الإكراه، أن فيهدده بما فيه ضرر، ويغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدده به، ولا يمكنه الاستنجاد والخروج من هذا البلاء، ويكون ما طلب منه أخف مما هدده به أو يقع عليه من الضرر، ويكون الإكراه بظلم لا بحق، كما في مسألتنا؛ لأنه إكراه على محرم، فإذا استوفيت هذه الشروط المعتبرة للإكراه سقط الحد عمن شرب الخمر مكرهاً؛ لأن الله عز وجل أسقط عن المكره المؤاخذة، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وقوله: (وما استكرهوا عليه) يدل على أنهم متجاوز عنهم حال الإكراه؛ ولأن الله أسقط بالإكراه أعظم الأشياء وهو الردة، فقال سبحانه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فأعظم الذنوب وأشدها جرماً الكفر بالله، فإذا أسقط الإكراه الردة فمن باب أولى أن يسقط المؤاخذة بما سواها، وعلى هذا يشترط أن يكون مختاراً.

    وقوله رحمه الله: (عالماً أن كثيره يسكر).

    يشترط أن يكون عالماً بأن ما يشربه خمر، وأن كثيره يسكر، فإذا علم أنها خمر وشربها دون عذر وجب عليه الحد، لكن لو شربها وهو لا يعلم أنها خمر، كأن قيل له: هذا عصير، أو وضع له في شرابه كما يفعله -نسأل الله السلامة والعافية- أهل البطالة والفسوق لأبناء المسلمين، إذا أرادوا أن يغروهم وضعوا لهم في شرابهم المادة المخدرة، فإذا شربها وهو لا يعلم أنها مخدرة فإنه في هذه الحالة يعذر، ولا يكون مؤاخذاً ولا يقام عليه الحد، خاصة إذا أقر شخص أنه وضعها له في شرابه، أو وضعها له في حقنة حقنه بها أو نحو ذلك.

    فالإكراه والجهل بكونه مسكراً يسقط الحد في هذه الأحوال كلها، كذلك ألا يكون معذوراً مثل ما ذكرنا: إذا شرب الخمر لقطع عضو على القول أنه يجوز له ذلك كما في القديم كانوا يسقون الخمر لقطع الأعضاء، لمن خشي الضرر، ولم يستطع تحمل الألم، أو وضع مادة التخدير لأجل الجراح الموجودة إذا تعاطاها أو حقن بالمخدر من أجل عملية جراحية، فهذه كلها أحوال هو معذور فيها، وحينئذٍ لا يحكم بوجوب الحد عليه؛ لوجود الشبهة الموجبة لإسقاط الحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود بالشبهات ).

    خلاف العلماء في حد شرب الخمر

    قال المصنف رحمه الله: [ثمانون جلدة مع الحرية].

    أي: الحد على الشارب (ثمانون جلدة مع الحرية) حد الخمر أجمع جماهير السلف والخلف رحمهم الله على وجوبه وثبوته، واختلفوا في تقدير حده، فمذهب الجمهور من الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة على أنه ثمانون، وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وهذه الثمانون لا ينقص منها شيء، يجلد ثمانين جلدة لا تنقص منها جلدة واحدة.

    وأصحاب هذا القول احتجوا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد شارب الخمر بجريدتين نحواً من أربعين)، فقالوا: (بجريدتين نحواً من أربعين)، فكل جريدة أربعون، فأصبح المجموع ثمانين جلدة، وهناك أحاديث ضعيفة ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلد ثمانين جلدة، ولكن لم يصح شيء منها.

    واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصته المشهورة، حيث كتب إليه خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو بالشام إبان الفتوحات، وأرسل إليه أبا وبرة الكلبي، فجاء أبو وبرة إلى عمر وقال: (يا أمير المؤمنين! إن خالداً بعثني إليك أن الناس قد تحاقروا عقوبة الخمر، وانهمكوا في شربها، فقال: دونك القوم فاسألهم، وكان في القوم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وأرى أن يجلد حد الفرية، وحد الفرية ثمانون جلدة، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لـأبي وبرة : أبلغ صاحبك ما قال)، أي: أنه يجلدهم ثمانين جلدة.

    قالوا: ولم ينكر هذا القول أحد من الصحابة، ووقع في زمان الخلفاء الراشدين، وهي سنة، وأكدوا هذا بالرواية الصحيحة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه أتي بـالوليد وقد صلّى بالناس الصبح أربعاً، وقال لهم: أزيدكم؟! القصة المشهورة، وكان وراءه عبد الله بن مسعود، فقال: (ما زلنا اليوم معك في زيادة)؛ لأنه صلى بهم ثلاث ركعات، ثم قال: أزيدكم؟ وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه تكلم في الصلاة لأنه علم أنها باطلة باطلة، والبعض يقول: هذا يدل على جواز الكلام في الصلاة، فعلم عبد الله رضي الله عنه أن الإمام سكران، وإذا فقد الإمام عقله بطلت إمامته، وبطلت الصلاة كلها، فمادام أن الصلاة باطلة قال: (ما زلنا اليوم معك في زيادة)، وهذا لا يصلح الاحتجاج به على جواز الكلام في الصلاة، إنما يجوز لو كانت الصلاة باطلة، المهم أنه لما صلى بالناس الصبح أربعاً شهد عليه حمران مولى عثمان! وشهد آخر أنه تقيأ الخمر، فصارت شهادتان، حتى إنه لما شهد الثاني وقال: أنا رأيته يتقيأ الخمر، قال عثمان قولته المشهورة: (والله ما تقيأها إلا وقد شربها)، غير معقول أن تدخل إلى جوفه دون أن يشربها.

    ومن هنا أخذ طائفة من العلماء أنه إذا تقيأ الخمر فإنه دليل على الابتلاء بالمسكر وأنه شارب له.

    فلما تمت البينة قال عثمان رضي الله عنه كما في الصحيح: (يا علي ! قم فاجلده، فقال علي : يا حسن ! قم فاجلده، فقال الحسن : ولِّ حارها من تولى قارّها)، فكأنه وجد عليه، والحسن قصد أن الخليفة ليتحمل ضرب الناس، ولا نتحمل نحن، فقال له: (ولِّ حارها من تولى قارّها) فكأنه وجد عليه علي رضي الله عنه، فقال لـعبد الله بن جعفر : (قم فاجلده، فقام عبد الله بن جعفر فجلده وعلي يعد الجلد، حتى بلغ أربعين، فقال له: أمسك، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين، وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين، وكل سنة وهذا أحب إليّ)، يعني: إن جلد أربعين فسنة، وإن جلد ثمانين فسنة.

    قالوا: نص علي رضي الله عنه على أن الثمانين سنة، فإذا كانت سنة فإنه حينئذٍ يجب العمل بها؛ لأن السنة إذا سيقت في مقام الاحتجاج، وفي مقام الاحتكام فإنه يقصد بها السنة التي يجب العمل بها والرجوع إليها، فلا يقول علي رضي الله عنه هذا إلا في معرض الاحتجاج، هذا حاصل أدلة من قال بأنه يجلد ثمانين جلدة، ولا ينقص منها.

    أما الذين قالوا بأنه يجلد أربعين جلدة، فقالوا: الأربعون هي الحد، والزائد عن الأربعين إلى الثمانين يترك الأمر فيه للقاضي، إن رأى الناس تساهلوا وانهمكوا في شرب الخمر وعلم أنه لابد من زجرهم جعلها ثمانين، وإن كان الناس لم يصلوا إلى هذا الحد بقي على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الحد الأصلي وهو أربعون جلدة، وهذا القول هو مذهب الشافعية والظاهرية ورواية عن الإمام أحمد اختارها الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية وطائفة من المحققين.

    وهذا القول يحتج له بأدلة:

    أولاً: لا غبار أن الأربعين هي الأصل، وأنها هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الزيادة كانت من عمر ، وأما الاحتجاج بحديث أنه جلد بجريدتين نحواً من أربعين، فهذا نص محتمل، يحتمل بجريدتين أي: كل جريدة أربعين، ويحتمل أنه ضرب بالأولى قدراً ثم أتم بالثانية بقية الجلد فأصبح المجموع أربعين، لأنه قال: (جلد نحواً من أربعين بجريدتين)، فهذا يحتمل أنها منفصلة، فجلد بكل واحدة منهما أربعين، ويحتمل أنها مجموعة، والظاهر أن الأربعين هو مجموع الكل، وهو ظاهر السياق، والمعنى الظاهر أقوى من المعنى الخفي المحتمل الآخر.

    وعلى هذا فيكون القول: بإن الأصل أنها أربعون هو الأعدل والأوفق والأقرب إلى السنة، وأما كون عمر رضي الله عنه زاد إلى الثمانين فنحن نسلم بهذا، ونقول: يزيد القاضي إلى الثمانين متى رأى المصلحة، وعمر رضي الله عنه ما زاد إلى الثمانين إلا لما اشتكى إليه خالد رضي الله عنه وأرضاه.

    وجاءت روايات صحيحة عن بعض التابعين وكبار التابعين أن عمر رضي الله عنه تدرج في الزيادة، والرواية صححها الحافظ ابن حجر رحمه الله، ففي مصنف ابن أبي شيبة أنه جلد أربعين، ثم جلد ستين، ثم أوصلها إلى ثمانين، وهي أقل الحدود حد الفرية، وهذا من فقهه رضي الله عنه وأرضاه.

    القول الراجح في حد الخمر

    ولذلك نقول: تبقى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين جلدة، ثم يزيد القاضي والحاكم متى رأى المصلحة في ذلك، فبين المصنف رحمه الله أنه يجلد ثمانين على ما اختاره طائفة من العلماء وهو مذهب الجمهور كما ذكرنا، والصحيح أن الحد أربعون جلدة، ويجوز أن يزاد بشرط نظر الإمام، ولا يزاد هكذا، ولا يقال: إن الثمانين حد ثابت لا ينقص حد الخمر عنه، بل نقول: إن الثمانين اجتهاد من القاضي متى رأى المصلحة أن يبلغ الثمانين أبلغها، وإلا اقتصر على القدر الأصلي وهو أربعون.

    فيقتصر على القدر الأصلي إذا كان شارب الخمر شربها لأول مرة، أو كان في بيئة لا تعرف شرب الخمر فشربها لأول مرة، ولم ينهمكوا في شرب الخمر؛ لأنه عندنا زجر الشارب، وعندنا زجر غيره، فهي عقوبة للشارب، وزجر لغيره، فالشارب إذا كان لأول مرة ويرجى توبته ورجوعه فإنه يجلد الأربعين، وأما إذا كان يخشى منه الاسترسال أو فعلها وأصر -كما ذكر بعض العلماء- أو كرر ذلك فإنه يجلد ثمانين جلدة زجراً له، ومعونة له على نفسه أن يكف عن شرب ما حرم الله عز وجل.

    قال المصنف رحمه الله: فقال: [وأربعون مع الرق].

    وهذا على الأصل الذي ذكرناه، أن عقوبة الأحرار ضعف عقوبة المماليك، وذكرنا دليل ذلك في حد الزنا، وأنه جرى على ذلك عمل الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فكلهم كانوا يجلدون الإماء والعبيد في الحدود نصف ما يجلدون به الأحرار.

    1.   

    المخدرات وضررها على الفرد والمجتمع

    قبل أن نختم هذا الباب هناك جوانب نحب أن ننبه عليها، وهي عن البلاء العظيم شرب المسكرات وتعاطي المخدرات.

    فهذا الذنب والإثم شره كبير، وما انتشر في أمة إلا فتك فيها فتك النار في الهشيم، فلا تبقى لها حرمة، ولا تقوم لها قائمة، فإذا فسدت عقول الناس فسدت أخلاقهم، وفسد دينهم، وفتح عليهم من أبواب الفتن وشرورها ما لا يعلمه إلا الله عز وجل.

    ولذلك يخرج الرجل من بيته فيفاجأ بالرجل قد غاب عن عقله، فلا يأمن أن يشهر عليه سلاحه فيرديه قتيلاً في مكانه، ولربما قاد السكران والمخدور سيارة فقتل الأنفس البريئة، وأتلف الأموال، وأحدث من الأضرار ما لا يعلمه إلا الله عز وجل.

    وإذا غاب الرجل عن عقله وهو في بيته وأهله لا يأمن أن يصيب حتى أمه والعياذ بالله، ووردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الخمر أم الخبائث؛ لأنها تدعو إلى كل شر، وإلى كل بلاء.

    أنعم الله على عبده بنعمة العقل الذي هو نور يستنير به فيعلم الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والخير من الشر، والرحمة من العذاب، ويميز به الأشياء بعضها عن بعض، ويرتقي به عن مستوى البهيمية إلى مستوى التكريم في الآدمية، ويستنير به فيعقله عما لا يليق بمثله، ولذلك سماه الله: حجراً وسماه: عقلاً؛ لأنه يحجر الإنسان فيمنعه ويعقله ويحبسه عما لا يليق.

    فهذا الداء والبلاء إذا فتح على أمة أهلكها الله عز وجل به، ولذلك يحرص أعداء الإسلام على خديعة أبناء المسلمين، والتغرير بشباب المسلمين من البسطاء ليتعاطوا هذا الداء حتى يفتكوا بالأمة ويدمروا أخلاقها، نسأل الله بعزته وجلاله أن يهدم عروشهم، وأن يزلزل أقدامهم، وأن يكف عن المسلمين بأسهم وشرهم، وهو على كل شيء قدير.

    من يعلم أو يسمع أو يرى كم من بيوت هدمت؟ وكم من نساء طلقت وشتتت؟ وكم من سعادة عادت شقاءً بسبب هذا الوباء! ومن يعلم القصص والحكايات المروعة التي أدخلت على أمة مسلمة وكانت محافظة، كانت في خير من الله عز وجل ورحمة حتى خدع شبابها، وعبث بهم الداء الفتاك الذي تسلط على الصغير والكبير؟ من علم الحوادث التي تقع والمصائب والكوارث والمآسي في الأسر التي حصلت بسبب تعاطي المخدرات خاصة، وشرب الخمور عامة؛ لاشك أنه يتفطر قلبه، ويحزن أيما حزن.

    ولذلك خليق بالأئمة والخطباء والوعاظ والموجهين أن ينبهوا الناس بشرها بين فترة وأخرى، فإن العدو لا ينام، والعدو لا يستريح نسأل الله بعزته وجلاله أن يسلبه عافيته، فهو يعمل ليل نهار، ثم مع ذلك يأخذ من هؤلاء البرءاء البسطاء أموالهم، يؤخذ الرجل إلى جحيم المخدرات بكأس لا يعلم أن فيها مخدر، ويخدع في ظلمة ليل أو ضياء نهار، فيعطى ذلك الكأس بريئاً جاهلاً حتى إذا شربه دب السم في جسده، ونخر في قواه، فأتلف زهرة شبابه، ودمر حياته لكي يشقيه ويرديه، والله موعد: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227] ولن تضيع عند الله هذه الجرائم والفضائع التي ظلم بها المسلمون، ودمرت بها بيوتهم وأسرهم.

    فإذا شرب هذا المسكين كأسه طلب مرة ثانية، فأعطي الجرعة الثانية حتى يصبح مدمناً كالآلة المسخرة في يد الإنسان، ولا يستطيع إذا جاءته ساعته أن يرقأ ولا أن يهنأ ولا أن يرتاح حتى يعطى هذا المخدر، فإذا نظر إليه في أمس الحاجة وشدة الحاجة طلب منه أن يفعل أي جريمة أو يقع في أي حرام، فلم يتورع عن ذلك، ولم ينكف عنه!

    فيا لله كم من أعراض انتهكت! وكم من أموال سرقت واغتصبت! وكم من أسرار أفشيت وكشفت! بسبب هذا الداء الخبيث!!

    ولذلك كل من لم يفكر في هذا الداء الذي يستشري في أبناء المسلمين فلا يأمن أن يأتيه يوم من الأيام قهراً وغصباً في أبنائه وذريته؛ لأنه إذا لم يحفظه عن الغريب فلا يأمن أن يتسلط على القريب والحبيب، ولذلك خليق بكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجند نفسه من أجل تنبيه المسلمين وتذكيرهم.

    الوقاية من المخدرات وعلاج من ابتلي بها

    وهناك أمور لابد من ذكرها وبيانها: فالمخدرات تعالج بأمرين، أو تدرس من جانبين:

    الجانب الأول: جانب الوقاية، والجانب الثاني: جانب العلاج.

    فأما الوقاية فهي حصن حصين من الله عز وجل، حصن به من سلّمه الله من هذا البلاء، ومن عافاه الله فليحمد الله على العافية، وكل يوم تمسي وتصبح فيه وقد عافاك الله في عقلك فقل: الحمد لله، واحمد الله كما ينبغي أن يحمد سبحانه أن سلّم لك عقلك، وسلم لك أولادك وذريتك، فالجانب الأول جانب الوقاية.

    والجانب الثاني: جانب العلاج لمن ابتلي بهذا الداء. فأما الذين لم يقعوا في هذا الداء فعلينا أن نحرص جميعاً على غرس أمور مهمة في نفوس الناس لمواجهة هذه الحرب التي لا رحمة فيها، ولا هوادة فيها من أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    فأولاً: هناك شيء ينبغي غرسه في النفوس يمكن يشكل وقاية ذاتية بإذن الله عز وجل، وهذا ما يسمى بتحصين الفرد في خاصة نفسه، ويكون المنطلق في ذلك الإيمان بالله عز وجل؛ لأن من آمن بالله فهو خير له في الدين والدنيا والآخرة، وما يجلب الإيمان للعبد إلا صلاح أمره واستقامته على رشده، سواء في خاصته أو في عامة الناس، فينبغي غرس العقيدة.

    ومن أعظم الجوانب التي يحصن بها الناس عن المعاصي مع الإيمان بالله غرس الخشية من الله، والخوف منه سبحانه وتعالى؛ لأن الخير كل الخير في طاعته، والشر كل الشر في معصيته، وإذا غرست العقيدة -وهي مراقبة الله سبحانه وتعالى- لم يستطع عبد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يمد يده إلى طعمة أو شربة من هذا الداء الخبيث، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) فقال: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) فدل على أن الإيمان سياج وأن العقيدة حفظ من الله للعبد.

    كذلك أيضاً العبادات لها أثر كبير في تحصين الأسرة والجماعات والأفراد من هذا الداء الخبيث: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] فأخبر الله سبحانه أنها تنهى، وأنها خير زاد للعبد، وقلّ أن تجد أباً يوقظ أبناءه للصلوات، ويراقبهم في إقامة الصلاة على وجهها إلا حفظه الله في ذريته، وكما حفظ حق الله في أهله فإن الله يحفظ له قرة العين في أهله وولده، فالله وفي ولا أوفى من الله لعبده.

    فلذلك فليحرص العبد كل الحرص على أن يغرس في أبنائه حب الصلوات، وأن يشعرهم أنها حرز لهم من الفواحش والمنكرات، والمصائب والمحرمات، فإذا غرس ذلك في نفوسهم واعتادوها عصمهم الله عز وجل بعصمته، وحفظهم الله عز وجل وكلأهم، حتى إن الصلاة تصعد وعليها نور، وتنتهي إلى ما شاء الله فتفتح لها أبواب السماء، ثم تنتهي إلى ما شاء الله أن تنتهي إليه وتقول: حفظك الله كما حفظتني، فأهل الصلوات في حفظ من الله عز وجل وحرز.

    كذلك من العبادات الصيام؛ لأنه يقوي جانب التقوى فالصائم يمنع نفسه من الشراب الحلال، فمن باب أولى أن يستطيع كبح جماحه عن الشراب الحرام، ولذلك الصوم جنة -كما أخبر صلى الله عليه وسلم- ووقاية.

    كذلك ذكر الله عز وجل، فيعود الأبناء والذرية على كثرة ذكر الله عز وجل، فالشيطان يسكن البيت الخرب، وهو القلب الخاوي من ذكر الله عز وجل، ويفر من البيت المعمور بذكر الله سبحانه وتعالى، فذكر الله حصن حصين، فهذه الأمور تتعلق بجانب العبادة.

    هناك جانب آخر يقوي هذا الجانب الديني، وإن كان الجانب الديني من حيث الأصل هو قوي، ولكن الله لحكمة قد يجعل القوة المادية معينة لقوة الدين، كما قال تعالى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:87] وقال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد:25] بعد أن ذكر أنه أنزل كتبه، لكي ينبه على أن القوة الحسية قد تقوي الروح المعنوية.

    فكما أن الدين له سلطان هناك أشياء تمنع الإنسان من هذا الداء؛ لأن الخمر أجمعت العقول على نبذها وكراهيتها، حتى إن أناساً في الجاهلية كانوا لا يشربونها، ورأوها تورد الإنسان الموارد، وتنزل الإنسان إلى مستوى البهيمية، وكان عقلاء الناس في الجاهلية لا يشربونها ويكرهونها، ولا يضعونها في أطعمتهم ومناسباتهم، كل ذلك كراهية لها.

    فهي من ذاتها تنفر، وهذا يسميه العلماء: التنفير الذاتي، فالتنفير الذاتي يقوي القناعة في نفس الإنسان بكراهيتها والبعد عنها، ولذلك استخدم القرآن هذا المعنى حينما جاء تحريم الخمر بأساليب منفرة، لم يأت تحريماً مباشراً، وإنما قال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ [المائدة:90]، وبمجرد ما يحس الإنسان أنها قذر ونجاسة ينفر منها، ولذلك صدر الله الآية بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:90]؛ لأنهم هم الذين يستجيبون، وهم أهل العقول والألباب المستجيبة لله عز وجل قال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، ثم قال بعد ذلك: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] فجعل التنفير أولاً قبل الحكم الشرعي.

    ومن هنا ينبغي أن يهيأ في النفوس التنفير، ومن ذلك ذكر الحوادث والقصص للأولاد الصغار تحذيراً لهم من الصغر من هذا الداء الخبيث، ذكر الحوادث المروعة التي يكون لها وقع في النفوس، حتى يكون أبلغ في زجرهم وكراهيتهم لهذا الداء، ذكر أثرها على النفس وعلى الصحة، ولا بأس أن تكون هناك بعض البحوث يقرؤها على أولاده، ويريهم بعض الصور لبعض الأعضاء المتهتكة، وأحوال بعض الذين -والعياذ بالله- ابتلوا بها، وكيف انتهت بهم إلى أحوال مؤلمة، ونهايات وعواقب سيئة.

    نسأل الله بعزته وجلاله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، وأن يعيذنا وإياكم من سوء الخاتمة في الأمور كلها.

    كذلك أيضاً ينبغي أن تهيأ المجتمعات لحرب المخدرات عن طريق الخطب والمواعظ والمحاضرات والندوات، وليعلم كل إنسان يجند نفسه لهذا الأمر أنه مأجور من الله أجراً عظيماً، وإذا أراد أحد أن يعرف مقدار ما يكون له من ثواب من الوقوف في وجه المخدرات وأهلها فليزر المستشفيات التي آوت من ابتلي بالإدمان بالمخدرات، ولينظر إلى أحوالهم وليعتبر، وليزر المستشفيات فينظر إلى الحوادث وما حصل، كم من أرواح أزهقت! وكم من أموال أتلفت بسبب هذه المادة الخبيثة!!

    فيهيئ نفسه للغيرة على أبناء المسلمين، والغيرة على حدود الله ومحارمها، فيجب على كل إنسان يعلم بمروج للمخدرات أن ينصحه، ويذكره بالله عز وجل، ويتابعه فإن رآه تاب فبها ونعمت، وإن لم يتب رفع أمره، واحتسب عند الله عز وجل ذلك، ولا يجوز له أن يسكت؛ لأنه إذا سكت أعانه على تدمير أبناء المسلمين، وأعانه على أن يفتك بهذه الأمة، وترويج المخدرات لابد من بيان حكمها الشرعي، فالمروج للمخدرات لو روّج حبة فأزهقت أنفساً وقف بين يدي الله مسئولاً عن ذلك، ولو روّج حبة كانت سبباً في زناً أو في جريمة أو في فحش أو في حرام وقف بين يدي الله حافياً عارياً يسأل عن ذلك.

    فإدخال هذا الداء إلى مجتمعات المسلمين، وتدمير مجتمعات المسلمين ما هو إلا معونة لأعداء الإسلام على الإسلام وأهل الإسلام، فعلينا أن ندرك هذه الحقيقة، ولا يختص هذا الأمر بالرجال، بل على النساء والداعيات أن يجندن أنفسهن لذلك، وأن يكون هناك جهات تختص بمكافحة هذا الداء، ووجود هذه الجهات نعمة من الله عز وجل، ونسأل الله بعزته وجلاله أن يبارك جهودهم، وأن يعينهم وأن يبقيهم، لو يعلم الإنسان ماذا سيحدث للمجتمع -لولا الله ثم هذه العيون التي تسهر ضد هؤلاء الذين يدمرون أبناء المسلمين- لحمد الله عز وجل من قرارة قلبه، وسأل الله لهم المعونة في جوف الليل مما يعلم من عظيم بلائهم، وحسن صنعهم للإسلام والمسلمين، فكم من عصابات؟ وكم من أفراد اجتمعوا على الفتك بهذه الأمة؟ لا يراعون فيها إلاً ولا ذمة.

    ومنهم من تدمر في نفسه فحقد على مجتمعه فأراد أن يدمر مجتمعه. فنسأل الله عز وجل أن يهديهم ويصلحهم أو يقطع عن المسلمين دابرهم وشرهم.

    وعلى كل حال لابد من التعاون في هذا الأمر، ولا يمكن للداء أن ينقطع ويجتث إلا بالتعاون، وعلى النساء مسئولية، على الداعيات.. على المربيات.. على المعلمات.. وعلى الأمهات مسئولية.. وعلى الأخوات مسئولية، فعلى النساء أن ينتبهن للمجتمع، وألا ينزوي كل إنسان ويقول: نفسي نفسي! فإنه لا يأمن أن يأتيه البلاء حتى في نفسه، نسأل الله السلامة والعافية.

    اتفق لبعضهم والعياذ بالله! من المآسي أن أماً تساهلت مع ولدها، وكان ولدها يتعاطى المخدرات، وكان الولد يتيماً وبلغ، فتساهلت في أمره حتى وقع في يد هؤلاء الأشرار والعياذ بالله! فأعطوه المادة المخدرة، ثم شاء الله عز وجل أنها يوماً من الأيام أحست بآلام غريبة واضطرت إلى اللجوء إلى المستشفى، وإلى الذهاب إلى الأطباء، وفوجئت بالطبيب يقول لها: أنت حامل! قالت: والله! ما زنيت! ولا أذكر أني حملت بعد وفاة زوجي، أنا أرملة! ولي سنوات امتنعت من الزواج من أجل أولادي!!

    ثم فوجئت بأن ابنها والعياذ بالله! كان يضع لها هذا الداء في شرابها فإذا نامت وقع عليها وزنى بها!

    هذه أمور عظيمة، هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، وما ستر الله أعظم، فلذلك ينبغي على الأمهات وعلى الأخوات وعلى البنات وعلى المعلمات والمربيات والفاضلات والداعيات أن يقمن بالأمانة والمسئولية، وسيجدون من يدعمهم، وسيجدون من يقف معهم، وقد هيئت الأسباب لذلك، فلا عذر للإنسان في التخلي عن القيام بواجبه ومسئوليته.

    ونسأل الله بعزته وجلاله أن يهدي قلوبنا، وأن يصلح أحوالنا، اللهم! ارفع هذا الداء عن البلاد والعباد، اللهم! ارفع هذا الداء عن البلاد والعباد، وأنزل رحمتك علينا أجمعين، واقطع عنا دابر الفساد والمفسدين، يا رب العالمين!

    إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تعزير شارب الخمر بالقتل إذا شرب للمرة الرابعة

    السؤال: من شرب الخمر للمرة الرابعة هل يقتل أم يجلد الحد، أثابكم الله؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فمسألة قتل شارب الخمر في الرابعة فيها حديث الترمذي المشهور، وهذا الحديث ذكر الإمام الترمذي رحمه الله أن العلماء عملوا بأحاديث جامعه إلا حديث شارب الخمر في الرابعة، ومن العلماء من قال: إنه منسوخ، وعلى القول بنسخ الحديث لا إشكال.

    لكن هناك من أهل العلم من يقول: إن قتل شارب الخمر في الرابعة يرد إلى القاضي وإلى الحاكم إذا رأى المصلحة فيه، فمثلاً لو وجد أن شخصاً إذا شرب الخمر فعل أفعالاً عظيمة، وتقع منه جرائم عظيمة، شربها المرة الأولى فأطلق النار على شخص وكاد أن يقتله، ثم شربها المرة الثانية فجاء إلى جماعة وكاد أن يقتلهم، ثم شربها المرة الثالثة فوقع منه مثل ذلك، ثلاث مرات ويقع منه الضرر العظيم، فبقاؤه شر, فجلده المرة الأولى فلم ينزجر، ثم جلده المرة الثانية فلم ينزجر، ثم جلد المرة الثالثة فلم ينزجر، قالوا: في هذه الحالة يسوغ للإمام أن يقتله تعزيراً، وهي مسألة التعزير بالقتل، وهذا مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله.

    ولكن في الحقيقة هذا الحديث فيه إشكال، والإمام الترمذي رحمه الله حكى الإجماع على رفع حكم الحديث، وهو رحمه الله حجة في نقل فقه العلماء، وهذا ينبغي أن ينتبه له، فالإمام الترمذي أوتي من الورع والضبط لخلافات العلماء، والإلمام بمذاهب الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، رحمه الله برحمته الواسعة فلا يمكن أن يحكي الإجماع من فراغ، ولا نقول: إننا نرفع حكم الحديث بمجرد حكاية، لكن نقول: الإجماع إذا ثبت فإنه يرفع الحديث؛ لأنه ليس هناك إجماع إلا بمستند، يستغرب البعض ويقولون: كيف نرفع السنة بالإجماع؟ هذه مسألة نبه عليها علماء الأصول رحمهم الله والأئمة وأنه ليس رفعاً للسنة بالإجماع، وإنما أجمع العلماء -خلافاً للعنبري - من أئمة الأصول على أنه ليس هناك إجماع إلا وله مستند نقلي قد يذكر وقد لا يذكر.

    وبناء على ذلك فأنت حينما تنسخ الحديث بالإجماع أو ترفع حكم الحديث بالإجماع فأنت رافع للنص بالنص، ولست رافعاً للنص بأقوال الرجال وإجماعهم هذا من وجه.

    الوجه الثاني: أن الأصل حرمة المسلم فلا يستباح دمه إلا بدليل بيّن واضح، وقد جاءت الأدلة صريحة في هذا المعنى، وأنه: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، ونقول: إنه إذا عمل بالحديث فإننا نعمل به من باب التعزير عند من يقول: بأنه يجوز أن يكون التعزير بالقتل، وستأتي هذه المسألة إن شاء الله في باب التعزير، والله تعالى أعلم.

    أهل المعاصي وضابط الستر عليهم في الشرع

    السؤال: إذا رأيت في الشارع رجلاً من الجيران سكران وهذا معتاد منه والعياذ بالله- هل أستره أم أبلغ عنه؟

    الجواب: الأصل يقتضي ستر المسلم في الذنوب، وأجمع العلماء رحمهم الله أن الستر أفضل، وأعظم أجراً لصاحبه، وأن من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.

    والستر في جميع الأمور ما لم يكن شيئاً يتعدى ضرره كالمخدرات وترويجها، فشخص يروج المخدرات إذا سترته فكأنما تستر ناراً تحرق عباد الله وأولياءه، وهذا لا يمكن أن يجوز.

    ومن هنا يستثنى ما تعدى ضرره، ومثّلوا للمرأة القوادة -التي تعين على نشر الفاحشة والعياذ بالله وتفسد المجتمع- فهذه لا تستر إذا كان شرها يتعدى إلى الغير ويستشري. فمن كان يدعو إلى الفساد وإلى جرمه فهذا يستثنى.

    أما لو فعل المعصية في حق نفسه وذاته فالإجماع منعقد على أن الأفضل ستره، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم لهذا فقال لـهزال : (هلا سترته بثوبك).

    وإذا كان الشخص مبتلى بشرب الخمر فأنصحك أن تنصحه، وأن تكرر النصيحة له، وأن تهيئ له الأسباب فلا تبقى على مجرد الكلام، فإن وجدته يقع في الخمر بسبب قرناء السوء فاحرص رحمك الله على أن تهيئ له قرناء صالحين، وإذا وجدت أنه يقع في شرب الخمر بسبب الفقر وشدة الهموم عليه، فهو يحس أنها تنسيه همومه، فاحرص في تفريج كربته وقضاء ديونه، واحرص على أن تقف معه موقف الأخ مع أخيه، فتنظر إلى نفسيته وأحواله من أين يؤتى، وهذا هو العلاج.

    ولذلك الرجل الصالح والعالم الفاضل حينما جاءه الرجل الذي قتل مائة نفس وقال له: هل لي من توبة؟ قال: وما الذي يمنعك من التوبة؟! ثم قال له: إن قريتك قرية سوء، وقرية بني فلان فيها قوم صالحون فاذهب إلى هذه القرية، يعني: قرية الصالحين، وهذا الحديث أصل عند العلماء في توجيه الناس، وعلاج المدمن والمستمر في المعاصي، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم نبهنا بفقه هذا العالم الجليل الفاهم الواعي الذي عرف كيف يؤثر في هذا الرجل حتى أنقذه الله من النار بسببه، وهذا كله بفضل الله عز وجل.

    أنقذ من النار قبل أن تقبض روحه مع الأشرار فيكون من الهالكين، وهذا بفضل الله ثم بالرجوع إلى العلماء، وأهل البصيرة، فإنه نظر إلى حال الشخص، وفعلاً كانت هذه النظرة علاجاً له، فإنه ارتحل من قومه إلى قوم صالحين، فأدركته المنية، فصارت هذه الوصية علاجاً له ونجاة له في الدنيا والآخرة.

    كذلك ينبغي عليك أن تنظر من أين يؤتى الرجل؟ ما من معصية إلا ولها ثغرة، فإن أحسنت علاج هذه الثغرة وسدها عن أخيك المسلم سد الله عنك ثغرات الفتن، والجزاء من جنس العمل.

    ولذلك تجد الدعاة والأخيار الصادقين الذين يحرصون على سد الفتن عن الناس في عصمة من الله عز وجل أكثر من غيرهم، وفي حفظ من الله أكثر من غيرهم، فأنت إذا حرصت على أن تسد أبواب الفتن عنه ومن أين يؤتى، وتعلم من الذي يجره إلى الخمر، فكأس الخمر ما شربت إلا بقرين سوء زين شربها، أو سوء ظن بالله عز وجل، أو سوء ظن بالناس، أو نحو ذلك من الأمور.

    كم من أناس فيهم من الخير الشيء الكثير وقتل هذا الخير فيهم بسبب ظروف معينة وأحوال معينة!

    كم من أناس فيهم شجاعة وخير وكرم وفيهم إحسان وأخلاق حميدة فمروا بوطأة ظروف قاسية أليمة، وما وجدوا أحداً يقف معهم، وما وجدوا أحداً يناصرهم ويؤازرهم، فتألمت نفوسهم حتى تسلط الشيطان عليهم!

    فإذا وجدوا من ينتشلهم بعد الله عز وجل من هذا الحضيض، ومن سوء الظن؛ فإن الله سبحانه وتعالى يلطف بهم.

    ولذلك ينبغي عليك أن تعلم من أين يؤتى هذا الجار، نعم تستره، وتحاول قدر المستطاع أن تستره، وأن تذكره بالله عز وجل، وأن تنصحه حتى يهدي الله قلبه، وحاول الدعاء له.

    ونذكر من العلماء والصالحين من كان حريصاً على هداية أمثال هؤلاء حتى أصلح الله أحوالهم، وكان حريصاً على سترهم، فهذا الوالد رحمه الله ابتلي بجار مبتلى بشرب الخمر، فوجدنا منه موقفاً عجيباً في ستره، ودخل عليه شارب الخمر يوماً من الأيام في ظلمة الليل، بعد منتصف الليل، وفي ليلة شديدة البرد، وإذا به تفوح منه الخمر، ولما دخل البيت كان الوالد حديث العهد بالوالدة، ما كان الوالد يعرف الخمر ولا يعرف رائحتها ويحسب أنه متضمخ بطيب، ما يدري حياته كلها جهل بهذه الأمور، نسأل الله أن يزيدنا بها جهلاً، ولا يضر.

    فالشاهد أنه أدخل الرجل فصار الرجل يبكي، ويقول له: زوجتي وزوجتي! ويصيح مثل الطفل، وهو رجل فيه قوة وعافية، ولما تحدث مع الوالد صار يصيح، وأخذ الوالد، يهدئه ويظن أن الرجل صاح، ما يعلم أنه مبتلى بالخمر، وأن هذا الذي يقوله ويفعله ليس بحقيقة، وأنه بسبب الخمر، فصار يتلعثم في كلامه.

    والحقيقة سبحان الله! الوالدة كانت فطنة؛ لأنها فوجئت بقوة الضرب للباب، ثم فوجئت بسقوطه؛ لأنه لما دخل من الباب سقط وانكب على وجهه، وفوجئت بعد ذلك برائحة البيت النتنة، وبالصراخ والعويل، والوقت وقت ليل، وفوجئت بكلام مخلط، فنادت الوالد رحمه الله وقالت له: هذا الرجل تعرفه؟ قال: نعم أعرفه، قالت: مجنون؟! قال: لا، هو صاحٍ ما فيه إلا العافية، من أصحى الناس -وهو فعلاً رجل قوي وشديد في صحته وعافيته- قالت له: انتبه! إما أنه مجنون وإما شرب بلاء، فانتبه من الرجل!

    وقالت له: اختبر الرجل هل هو صاح أو لا؟ فلما اختبره وجده لا يفرق بين السماء والأرض، فانطبق عليه شرط السكر بإجماع الفقهاء، لا يفهم الخطاب، ولا يحسن الجواب.

    والوالد في الحقيقة كان في بعض المواطن شديداً تأخذه الحدة، وإذا بطش في ذات الله لا يبالي، أدركت الوالدة هذا فنادت الوالد وقالت: أسألك بالله ألا تتعرض له، واصرفه بالتي هي أحسن؛ والوالد شق عليه أن يدخل عليه في بيته في هذه الساعة وكان سيهم به ولكن الله لطف، وللوالد رحمه الله أحوال من الستر في قصص نعرفها ستر فيها رحمه الله، ودعا الغير إلى الستر، لكنه خشي أن يتسلط لحرمة العلم أو كان يريد أن يتخذ شيئاً، وقبل أن يصنع شيئاً سألته بالله أن يستره، وهذا في ميزان حسناتها؛ لأنه كان في ساعة من سورة الغضب، وكان يريد أن يبطش به، فستره واستدعى أحد قرابته فأخذه ومضى به -وهذا الكلام قبل أربعين أو خمسين سنة- فجاء الرجل بعد أسبوع، وبكى عند الوالد، وعاهده بالله عز وجل ألا يعود إلى الخمر، من شدة هذا الموقف عنده، وستر الوالد عليه ودعاه أن يعاهده بالله ألا يعود إلى شرب الخمر، واستقام أمر الرجل على أحسن ما يكون.

    ومن فضل الله عز وجل أن الإنسان إذا عامل الناس بحسن نية، ووفق في معاملته أن الله سبحانه وتعالى يضع البركة في معاملته، كم من أناس -والله- ينتظرون من ينتشلهم من الضلالات! وكم من أناس من شباب الأمة في أحوال لو رأيتهم يكاد الإنسان يسب ويشتم لكن يعلم الله أن في قلوبهم خيراً كثيراً!

    ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً شرب الخمر، فقال رجل: (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، ما علمته إلا أنه يحب الله ورسوله) يشرب الخمر ويشهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحب الله ورسوله، ولذلك قال الله عز وجل: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11].

    وقد ترى الرجل لحيته إلى نصف صدره يسب العلماء والدعاة وينتقص، ويتتبع عثرات الناس ويؤذيهم، وهو مظلم القلب حسود حقود، لم ينفعه ظاهر التزامه بشيء.

    وتجد الرجل في حال أو شكل ليس فيه تلك اللحية الطويلة، ولا ذلك الثوب القصير، وتجده من أبر الناس بوالديه، ومن أعف الناس لساناً، ومن أحفظهم للصلوات، ومن أحفظهم لإكرام الضيف والشيمة والوفاء والمواقف الحميدة، فـلا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11].

    بعض الناس بمجرد أن يرى عاصياً يريد أن يبلغ عنه ويؤذيه!

    الهدف هو الإصلاح، حتى السجون والعقوبة المراد بها الإصلاح، فينبغي أن ندرك هذا، فالشريعة ما تريد الإيذاء بقدر ما تريد من الإصلاح، فينبغي أن يرد العبد إلى الله، ويرد إلى رشده وصوابه.

    فليس العلاج مقتصراً على الجوانب الشكلية، بل المراد العلاج الجوهري: و َقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء:63]، قولاً يبلغ إلى المقصد، ويصل إلى الهدف، وهذا لن يكون إلا لأناس ملأ الله قلوبهم بالرحمة؛ لأن الله يقول لنبيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، فلما كان رحيماً بالأمة، قال الله له: و َقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء:63] لا يقول القول البليغ قاسي القلب، لا يقول القول البليغ إلا من كان رحيماً رقيقاً رفيقاً بالناس، يدخل على المجرم فيتذكر أولاده وأسرته، ويحب أن يستر عباد الله كما يحب أن يستر في أهله وعرضه، ويحب الخير للمسلمين كما يحبه لنفسه.

    وليس معنى هذا أن يعين أهل الفساد على فسادهم، إنما المراد أن توزن الأمور بالميزان الذي جمع العقل والنقل، ولذلك قال العلماء: من رزقه الله عقلاً يميز به بين الأمور، ورزقه نور العلم والبصيرة؛ سلمت أحواله، وأصاب الرشد والسداد في رأيه، نسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل!

    استر جارك، وذكره بالله، وخذ بناصيته إلى طاعة الله ومحبته، جارك وصّاك الله به من فوق سبع سماوات: (وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).

    فنوصيك بجارك خيراً، واحرص -بارك الله فيك- على هدايته ودلالته وستره، وتذكيره بالله، نسأل الله العظيم أن يكتب صلاحه وصلاح كل مفسد على يديك، وعلى يد كل داعية إلى الله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

    لا يجوز الجمع بين الجمعة والعصر

    السؤال: هل يجوز للمسافر أن يقدم صلاة العصر مع الجمعة ويصليها قصراً، أثابكم الله؟

    الجواب: السنة أن المسافر لا يصلي الجمعة، وهذا أمر معروف من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يثبت في أي حديث صحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى الجمعة في سفره، حتى إنه في يوم عرفة ومعه أهل مكة وهم أناس محتاجون إلى الجمعة مقيمون؛ صلى الظهر ركعتين صلوات الله وسلامه عليه، ولم يخطب خطبة الجمعة، وهذا أصل معروف عند العلماء رحمهم الله، وكلهم متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ جمعة في سفره، حتى كان معه في بعض أسفاره عشرات الألوف؛ ومع ذلك لم يصلِّ بهم جمعة في السفر.

    فالجمعة ساقطة عن المسافر، وإذا كانت ساقطة عنه -وهدي النبي صلى الله عليه وسلم عدم صلاة الجمعة- فالأفضل له إذا حضر المسجد أن ينوي الصلاة ظهراً، وإذا نواها ظهراً فإنه ينال فضيلة سماع الخطبة، والانتفاع بها، ثم إذا انتهى وصلى مع الإمام الركعتين بنية الظهر قام وصلى العصر ركعتين، فجمعهما مع بعضهما، ولا إشكال في هذا الجمع.

    وبناء على ذلك فلا يجمع بين الجمعة والعصر؛ لأن المسافر ما يصلي جمعة، ونجد بعض المتأخرين يقول: إنه لا يصح الجمع؛ لأن العلماء يقولون الجمع بين الظهر والعصر، ولم يقولوا: الجمع بين الجمعة والعصر، وغفل أمثال هؤلاء عن أن المسافر لا جمعة له أصلاً، ولذلك لم يذكر العلماء الجمع بين الجمعة والعصر؛ لأن الجمع يقع في السفر بين الظهر والعصر.

    وعلى ذلك؛ لا يشكل ما ذكر، فعلى من يريد أن يجمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة يسمع الخطبة ويستفيد، ثم بعد ذلك ينويها ظهراً وراء الإمام، ثم إذا سلم الإمام قام وصلى ركعتي العصر، ولا إشكال في هذا الجمع ولا غبار عليه، والله تعالى أعلم.

    حكم من أصابته نجاسة في ثوبه وحضرت الصلاة ولا ثوب له غيره

    السؤال: إذا حضرت الجماعة وليس عند الرجل إلا ثوب يرتديه وأصابته نجاسة، ولا يتمكن من لبس غيره إلا إذا فاتت الجماعة، فهل يصلي فيه أو ينتظر حتى يجد الثوب الطاهر؟ وهل إذا كان الوقت يفوت يصلي فيه أو ينتظر حتى يجد الثوب الطاهر، أثابكم الله؟

    الجواب: إذا كان عنده ثوب وهذا الثوب فيه نجاسة ولا يمكن أن يزيل النجاسة، ولا يجد غير هذا الثوب الذي فيه نجاسة يستر به عورته؛ فإنه تسقط عنه الجماعة إذا رجا أن يجد ثوباً طاهراً.

    فمثلاً قال: لو أني غسلت الثوب الآن لن أدرك الصلاة في المسجد، نقول: اغسل الثوب ولو فاتتك الجماعة؛ لأن هذا عذر، وصلاة الجماعة وجوبها ليس كوجوب إزالة النجاسة عن البدن؛ لأن إزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان شرط في صحة الصلاة، والجماعة ليست شرطاً في صحة الصلاة.

    ولهذا ينبه أنه تُقدم الشروط على الواجبات، فما كان شرط في صحة الصلاة يقدم على الواجب، ووجوب الجماعة منفصل عن الصلاة، وليس بشرط، وعلى هذا نقول: اغسل ثوبك -رحمك الله- وانتظر حتى ينشف، مادمت ترجو أن يجف قبل خروج الوقت.

    وفي هذه الحالة ما يجوز لك الخروج، ولا أن تصلي بهذا الثوب المتنجس، لأن الله يقول: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]، فلا بد أن تصلي بثوب طاهر.

    وأما إذا كنت تخشى خروج الوقت وما عندك إلا هذا الثوب النجس فهذه المسألة تعرف عند العلماء بازدحام الشرطين، عندنا شرط ستر العورة، وهو أن يلبس الثوب، وعندنا شرط الطهارة، فهل يصلي عارياً بناء على التقديم لشرط الطهارة على شرط الستر أم أنه يصلي مستور العورة إذا خاف خروج الوقت؟

    ففي هذه الحالة يقدم ستر العورة؛ لأنه جمع بين حق المخلوق والخالق؛ لأن المخلوق يتضرر بانكشاف عورته، وحق الله عز وجل أيضاً أن يصلي مستور العورة، فإذا صلى بثوب نجس ساتراً لعورته أسقط عن نفسه الحرج، وأسقط حق الله عز وجل في ستر العورة.

    ولكن إذا صلى عارياً بدون هذا الثوب؛ فإنه في هذه الحالة ضيع حقه، وحصل له الحرج؛ لأنه تنكشف عورته فلا يأمن أن يدخل عليه أحد، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الله أحق أن يستحيا منه).

    وعلى هذا: يقدم شرط الستر للعورة، فيصلي إذا غلب على ظنه أنه لا يجد ثوباً طاهراً قبل خروج الوقت.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618464

    عدد مرات الحفظ

    699155577