إسلام ويب

فقه العبادات [64]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أشياء لا تبطل الصوم منها: شم الطيب، وخروج الدم، كما يجب على من أفطر لعذر فعليه الإمساك.

    1.   

    حكم من أكل وشرب ناسياً

    المقدم: ما حكم من أكل أو شرب ناسياً؟ وكيف يصنع إذا ذكر أثناء ذلك؟

    الشيخ: سبق الكلام في حلقة سابقة: أن الناسي لا يفسد صومه ولو أكل كثيراً وشرب كثيراً ما دام على نسيانه فصومه صحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، ولكن يجب من حين أن يذكر أن يمتنع عن الأكل والشرب، حتى لو فرضنا أن اللقمة أو الشربة في فمه وجب عليه لفظها؛ لأن العذر الذي جعله الشارع مانعاً من التفطير قد زال.

    1.   

    واجب من رأى إنساناً يشرب وهو صائم

    المقدم: ينتشر عند كثيرٍ من الناس أن الإنسان إذا رأى صائماً يأكل لا يذكره، فما مدى صحة هذا الكلام؟ وكيف يصنع من يرى صائماً يأكل؟

    الشيخ: إذا رأى صائماً يأكل فليذكره؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، كما لو رأى الإنسان شخصاً مصلياً إلى غير القبلة، أو رأى شخصاً يريد أن يتوضأ بماءٍ نجس أو ما أشبه ذلك فإنه يجب عليه تبيين الأمر له، والصائم وإن كان معذوراً بنسيانه، لكن أقول: الذي يعلم الحال يجب عليه أن يذكره، ولعل هذا يؤخذ أيضاً من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)، فإنه إذا كان يذكر الناسي في الصلاة فكذلك الناسي في الصوم يذكر.

    1.   

    حكم خروج الدم من بدن الصائم

    المقدم: ما حكم خروج الدم من فم الصائم أو أنفه أو بقية جسمه؟

    الشيخ: لا يضره خروج ذلك لأنه بغير قصد منه، فلو أرعف أنفه وخرج منه دمٌ كثير فإن صومه صحيح، ولا ضرر عليه.

    المقدم: والذي يتسبب في خروج الدم كأن يخلع ضرسه؟

    الشيخ: لا حرج عليه أيضاً لأنه لم يخلع ضرسه ليخرج الدم، وإنما خلع ضرسه لألم، فهو إنما يريد إزالة هذا الضرس، ثم إن الغالب أن الدم الذي يخرج من خلع الضرس دمٌ يسير.

    1.   

    حكم من أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر

    المقدم: سبق أن سألنا عن حكم من أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر ولم يتبين له؟

    الشيخ: سبق لنا في المفطرات أنه يشترط أن يكون عالماً، فإذا أكل وهو شاكٌ في طلوع الفجر ثم تبين له بعد ذلك أن الفجر قد طلع فلا شيء عليه.

    1.   

    صوم من أكل أو جامع ثم تبين له بقاء النهار

    المقدم: ما حكم من أكل أو جامع بعد غروب الشمس ثم انتقل إلى مكان فرآها، نحو من أفطر في الأرض مثلاً ثم أقلعت الطائرة أثناء غروب الشمس فلما ارتفع رأى الشمس؟

    الشيخ: الحكم أنه لا يلزمه الإمساك؛ لأنه لما غربت الشمس تم يومه وأفطر بمقتضى دليله الشرعي، ومع أنه أفطر بمقتضى دليله الشرعي فإنه لا يؤمر بإعادته.

    1.   

    حكم من جامع زوجته في نهار رمضان

    المقدم: ما حكم الجماع في نهار رمضان ذاكراً أو ناسياً؟ وما الذي يلزمه؟

    الشيخ: الجماع في نهار رمضان كغيره من المفطرات، إن كان الإنسان في سفر فليس عليه القضاء، سواءٌ كان صائماً أم مفطراً، لكن إن كان صائماً وجب عليه قضاء ذلك اليوم، وأما إذا كان ممن يلزمه الصوم فإنه إن كان ناسياً فلا شيء عليه أيضاً؛ لأن جميع المفطرات إذا نسي الإنسان فأصابها فصومه صحيح، وإن كان ذاكراً ترتب على ذلك خمسة أمور: الإثم، وفساد صوم ذلك اليوم، ولزوم الإمساك، ولزوم القضاء والكفارة، والكفارة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! هلكت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم خصال الكفارة: عتق رقبة، فقال: إنه لا يجد، فقال: صيام شهرين متتابعين، فقال: إنه لا يستطيع، فقال: إطعام ستين مسكيناً، فقال: إنه لا يقدر، ثم جلس الرجل وأتي النبي صلى الله عليه وسلم بتمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خذ هذا فتصدق به، قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه أو نواجذه، ثم قال: أطعمه أهلك).

    المقدم: وإذا تعدد الجماع في اليوم أو في شهر رمضان فهل تتعدد هذه الكفارة؟

    الشيخ: المشهور من مذهب الإمام أحمد : أنه إذا تعدد في يوم ولم يكفر عن الجماع الأول فكفارته كفارة واحدة، وإن تعدد في يومين لزم لكل يومٍ كفارة؛ لأن كل يوم عبادةٍ مستقلة.

    1.   

    صيام المسافر إذا خشي المشقة

    المقدم: ما حكم صيام المسافر إذا شق عليه؟

    الشيخ: إذا شق عليه الصوم مشقةً محتملة فهو مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( رأى رجلاً يظلل عليه والناس حوله زحام، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر).

    وأما إذا شق عليه مشقةً شديدة فإن الواجب عليه الفطر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شكى إليه الناس أنهم قد شق عليهم الصيام أفطر، ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة).

    وأما من لا يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في حرٍ شديد، وما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة ).

    1.   

    مدة الفطر للمسافر

    المقدم: نود أيضاً أن نعرف هل للفطر في السفر أيام معدودة، كما لو كان الإنسان يريد أن يسافر مثلاً أو يبقى في مدينةٍ غير مدينته حول خمسة أيام مثلاً؟

    الشيخ: له أن يفطر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة دخل في رمضان في العشرين من رمضان، ولم يصم بقية الشهر كما صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما أخرجه البخاري عنه، وبقي بعد ذلك تسعة أيام أو عشرة، فبقي عليه الصلاة والسلام في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأفطر في رمضان.

    1.   

    حكم الإفطار للمسافر أثناء إقامته في مكة للعمرة

    المقدم: كثير من المسلمين يعتمرون في شهر رمضان المبارك، لكنهم يتحرجون من الإفطار لأنهم ذهبوا للعبادة، فما حكم الصيام في رمضان أثناء البقاء في مكة؟

    الشيخ: حكم صيامه أنه لا بأس به، وقد سبق لنا قبل قليل أن المسافر إذا لم يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم، وإن أفطر فلا حرج عليه، وإذا كان هذا المعتمر يقول: إذا بقيت صائماً شق علي أداء نسك العمرة، فأنا بين أمرين: إما أن أؤخر أداء أعمال العمرة إلى ما بعد غروب الشمس وأبقى صائماً، وإما أن أفطر وأؤدي أعمال العمرة حين وصولي إلى مكة، فنقول له: الأفضل أن تفطر، وأن تؤدي أعمال العمرة حين وصولك إلى مكة؛ لأن هذا -أعني: أداء العمرة- من حين الوصول إلى مكة هو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم السفر في رمضان لأجل الإفطار

    المقدم: ما حكم السفر في شهر رمضان من أجل الإفطار؟ ونود أن نعرف كيف يكون ذلك؟

    الشيخ: الصيام في الأصل واجب على الإنسان، بل هو فرضٌ وركنٌ من أركان الإسلام كما هو معروف، والشيء الواجب في الشرع لا يجوز للإنسان أن يتحيل ليسقطه عن نفسه، فمن سافر من أجل أن يفطر كان السفر حراماً عليه، وكان الفطر كذلك حراماً عليه، فيجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يرجع عن سفره ويتوب، فإن لم يرجع وجب عليه أن يصوم ولو كان مسافراً.

    وخلاصة الجواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يتحيل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط واجب لا يسقطه، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحاً.

    1.   

    المبادرة بقضاء الفائت من رمضان

    المقدم: ما حكم المبادرة بقضاء الفائت من رمضان؟ ومتى يكون ذلك؟

    الشيخ: المبادرة بقضاء رمضان أفضل من التأخير؛ لأن الإنسان لا يدري ما يحصل له، وكونه يبادر ويقضي ما عليه من دين الصوم أحسن وأحرص على الخير، ولولا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان)، لولا هذا الحديث لقلنا بوجوب المبادرة بالقضاء، وهذا الحديث يدل على أن من عليه شيءٌ من رمضان لا يؤخره إلى رمضان الثاني، وهو كذلك، فلا يجوز لشخص عليه قضاءٌ من رمضان أن يؤخره إلى رمضانٍ آخر إلا من عذر، كما لو بقي مريضاً لا يستطيع، أو كانت امرأة ترضع ولم تستطع أن تصوم فلا حرج عليها أن تؤخر قضاء رمضان الفائت إلى ما بعد رمضان الثاني.

    المقدم: هناك بعض المسلمين خاصةً خارج هذا البلد أو من يفدون إليه يعتبرون العبادة إذا فاتت لا تقضى، فإذا فاتت الصلاة عن أوقاتها لا تؤدى، وإذا فات شيء من رمضان لا يصومون، فما الحكم؟

    الشيخ: سبق لنا قاعدة، قلنا: العبادات المؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها بغير عذر فإنها لا تصح منه أبداً، ولو كررها ألف مرة، وعليه أن يتوب، والتوبة كافية، أما إذا كان ترك صيام رمضان بعذر من مرض أو سفر أو غيرهما فعليه القضاء، كما قال الله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185].

    1.   

    حكم من عليه صوم وجاء رمضان الثاني ولم يقض

    المقدم: إذا أفطر الإنسان في شهر رمضان، ثم أتى رمضان الثاني دون أن يكون قد قضى هذا الفائت، فهل يلزمه شيء مع الأداء؟

    الشيخ: القول الراجح أنه لا يلزمه إلا القضاء فقط، وأنه لا يلزمه الإطعام؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185] فذكر الله تعالى عدة من أيام أخر، ولم يذكر الإطعام، والأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل يدل على الوجوب.

    1.   

    الفرق بين الأداء والقضاء في الصيام

    المقدم: هل هناك فوارق بين الأداء والقضاء في صيام شهر رمضان؟

    الشيخ: بينهما فوارق عظيمة:

    أولاً: القضاء كما سمعت آنفاً موسع إلى رمضان الثاني، والأداء مضيق لا بد أن يكون في شهر رمضان.

    ثانياً: الأداء تجب الكفارة بجماع فيه، والقضاء لا تجب الكفارة بجماع فيه.

    ثالثاً: الأداء إذا أفطر الإنسان في أثناء النهار بلا عذر فسد صومه، ولكن يلزمه الإمساك بقية يومه احتراماً للزمان، وأما القضاء فإذا أفطر الإنسان في أثناء اليوم فسد صومه، ولكن لا يلزمه الإمساك بقية اليوم.

    1.   

    حكم من مات وعليه قضاء من رمضان

    المقدم: ما حكم من مات وعليه قضاء من شهر رمضان؟

    الشيخ: من مات وعليه قضاء من رمضان فإنه يصوم عنه وليه، وهو قريبه أو وارثه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، فإن لم يصم وليه أطعم عنه عن كل يوم مسكيناً.

    المقدم: إذا صام المسلم بعض رمضان ثم توفي عن بقيته، فهل يلزم وليه أن يكمل عنه؟

    الشيخ: لا يلزم وليه أن يكمل عنه، ولا أن يطعم عنه؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له)، فعلى هذا إذا مات فإنه لا يقضى عنه ولا يطعم عنه، بل حتى لو مات في أثناء اليوم فإنه لا يطعم عنه ولا يقضى عنه.