إسلام ويب

فقه العبادات [60]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج سعادة وطمأنينة في الدنيا والآخرة، كذا سائر الأعمال الصالحة، وينبغي للمؤمن التزود لنفسه وأهله حتى ينال شفاعة الشافعين عند الله.

    1.   

    حكم من وجد في قلبه ميلاً لطلب أصحاب القبور

    المقدم: في بعض حلقاتنا الماضية سألنا عن حكم زيارة بعض المقابر في المدينة كبعض التي تزار، وذكرتم أن المزارات في المدينة خمس، وأيضاً علقتم على أنه يمنع الإنسان أن يدعو أصحاب هذه المقابر أي دعاء، لكن ما الذي ينجم عنه ممن وجد في قلبه ميلاً إلى طلب أصحاب هذه القبور الشفاعة أو قضاء الحوائج، أو الشفاء أو ما إلى ذلك؟

    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    الذي يجد في قلبه ميلاً إلى طلب الشفاعة من أصحاب القبور، فإن كان أصحاب القبور من أهل الخير وكان الإنسان يؤمل أن يجعلهم الله تعالى شفعاء له يوم القيامة بدون أن يسألهم ذلك، ولكنه يرجو أن يكونوا شفعاء له، فهذا لا بأس به، فإننا كلنا نرجو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم شفيعاً لنا، ولكنا لا نقول: يا رسول الله! اشفع لنا، بل نسأل الله تعالى أن يجعله شفيعاً لنا، وكذلك أهل الخير الذين يرجى منهم الصلاح، فإنهم يكونون شفعاء يوم القيامة، فإن الشفاعة يوم القيامة تنقسم إلى قسمين: قسمٌ خاصٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشركه فيه أحد، وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم في الخلق إلى ربهم ليقضي بينهم، فإن الناس يوم القيامة ينالهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيقولون: ألا تذهبون إلى من يشفع لنا عند الله عز وجل؟ ليريحهم من هول الموقف، فيأتون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، وكلهم لا يشفع، حتى يأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنتهي الشفاعة إليه، فيشفع عند الله عز وجل أن يقضي بين عباده، فيجيء الله عز وجل ويقضي بين عباده.

    والشفاعة الثانية: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.

    أما الشفاعة العامة التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فهذه تكون فيمن دخل النار أن يخرج منها، فإن عصاة المؤمنين إذا دخلوا النار بقدر ذنوبهم فإن الله سبحانه وتعالى يأذن لمن شاء من عباده من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين أن يشفعوا لهؤلاء بأن يخرجوا من النار.

    المهم أن الإنسان إذا رضي الله عز وجل أن يشفع فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أو يشفع فيه أحد من الصالحين بدون أن يسألهم ذلك، فهذا لا بأس به، وأما أن يسألهم فيقول: يا رسول الله! اشفع لي، أو يا فلان! اشفع لي أو ما أشبه ذلك فهذا لا يجوز، بل هو من دعاء غير الله عز وجل، ودعاء غير الله شرك.

    1.   

    زيارة المساجد السبعة في المدينة النبوية

    المقدم: ذكرتم أن الأشياء التي تزار في المدينة خمسة، لكن لم ترد إشارة المساجد السبعة أو بعض هذه المزارات التي قد يزورها بعض الحجاج، فما حكم زيارات الإنسان؟

    الشيخ: نحن ذكرنا أنه لا يزار سوى هذه الخمسة، التي هي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وقبره، وقبرا صاحبيه وهي في مكانٍ واحد، أعني: هذه القبور الثلاثة، والبقيع وفيه قبر عثمان رضي الله عنه، وشهداء أحد وفيه حمزة بن عبد المطلب، ومسجد قباء، وما عدا ذلك فإنه لا يزار، وما أشرت إليه من المساجد السبعة أو غيرها مما لم تذكر، فكل هذا لا أصل لزيارته، وزيارته بقصد التعبد لله تعالى بدعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لأحد أن يثبت لزمانٍ أو مكان أو عمل أن فعله أو قصده قربة إلا بدليلٍ من الشرع.

    1.   

    ما ينبغي لمن وفقه الله لإتمام نسكه من الحج والعمرة

    المقدم: من وفقه الله تعالى لإتمام نسكه من الحج والعمرة، ما الذي ينبغي له بعد ذلك؟

    الشيخ: الذي ينبغي له ولغيره ممن من الله عليهم بالعبادة أن يشكر الله سبحانه وتعالى على توفيقه لهذه العبادة، وأن يسأل الله تعالى قبولها، وأن يعلم أن توفيق الله تعالى إياه لهذه العبادة نعمة يستحق سبحانه وتعالى الشكر عليها، فإذا شكر الله وسأله القبول فإنه حريٌ بأن يقبل؛ لأن الإنسان إذا وفق للدعاء فهو حريٌ بالإجابة، وإذا وفق للعبادة فهو حريٌ بالقبول، وليحرص غاية الحرص أن يكون بعيداً عن الأعمال السيئة بعد أن منّ الله عليه بمحوها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان، إلى رمضان كفاراتٌ لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما).

    وهذه وظيفة كل إنسانٍ يمن الله تعالى عليه بفعل العبادة أن يشكر الله على ذلك، وأن يسأله القبول.

    المقدم: هل هناك علامات يمكن أن تظهر على المقبولين في أداء الحج والعمرة؟

    الشيخ: قد تكون هناك علامات لمن تقبل الله منهم من الحجاج والصائمين والمتصدقين والمصلين، وهي: انشراح الصدر، وشروح القلب، ونور الوجه؛ لأن للطاعات علامات تظهر على بدن صاحبها، بل على ظاهره وباطنه أيضاً، وذكر بعض السلف أن من علامات قبول الحسنة: أن يوفق الإنسان لحسنةٍ بعدها، فإن توفيق الله إياه لحسنة بعدها يدل على أن الله عز وجل قبل عمله الأول، ومنّ عليه بعملٍ آخر يرضى به عنه.

    1.   

    واجب المسلم تجاه أهله وجماعته بعد رجوعه من الأماكن المقدسة

    المقدم: المسلم إذا انتهى من حجه وسافر عن هذه الأماكن المقدسة، ما الذي يجب عليه تجاه أهله وجماعته ومن يعيش في وسطهم؟

    الشيخ: الواجب هذا الذي تشير إليه واجب على من حج ومن لم يحج، واجب على كل من ولاه الله تعالى على رعية أن يقوم بحق هذه الرعية، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أن الرجل راعٍ في أهله ومسئولٌ عن رعيته)، فعليه أن يقوم بتعليمهم وتأديبهم كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أو كما كان يأمر بذلك الوفود الذين يفدون إليه أن يرجعوا إلى أهليهم فيعلموهم ويؤدبوهم، والإنسان مسئولٌ عن أهله يوم القيامة؛ لأن الله تعالى ولاه عليهم، وأعطاه ولاية، فهو مسئولٌ عن ذلك يوم القيامة، ويدل لهذا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ، فقرن الله تعالى الأهل بالنفس، وكما أن الإنسان مسئول عن نفسه يجب عليه أن يحرص كل الحرص على ما ينفعها فإنه مسئولٌ عن أهله كذلك، يجب عليه أن يحرص كل الحرص على أن يجلب لهم ما ينفعهم، ويدفع عنهم بقدر ما يستطيع ما يضرهم.

    1.   

    آثار الحج على المسلم

    المقدم: ما هي آثار الحج على المسلم؟

    الشيخ: سبق لنا الإشارة إلى شيءٍ منها حيث سألت: ما هي علامات قبول الحج؟

    فمن آثار الحج: أن الإنسان يرى راحةً لنفسه وطمأنينة، وانشراح الصدر، ونور القلب.

    وكذلك قد يكون من آثار الحج ما يكتسبه الإنسان من العلم النافع الذي يسمعه في المحاضرات وجلسات الدروس في المسجد الحرام وفي المخيمات في منى وعرفة.

    وكذلك من آثاره أن يزداد الإنسان معرفةً بأحوال العالم الإسلامي إذا وفق بشخصٍ ثقة يحدثه عن أوطان المسلمين.

    وكذلك من آثاره: غرس المحبة في قلوب المؤمنين لبعضهم البعض، فإنك ترى الحاج وعليه علامات الهدى والصلاح فتحبه وتسكن إليه وتألفه.

    ومن آثار الحج أيضاً: أن الإنسان قد يكتسب أمراً مادياً بالتكسب بالتجارة وغيرها؛ لقوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج:28]، ولقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198] .

    وكم من إنسانٍ اكتسب مالاً بالتجارة في حجه شراءً وبيعاً، وهذا من المنافع التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

    ومن آثار الحج: أن يعود الإنسان نفسه على الصبر على الخشونة والتعب، لا سيما إذا كان رجلاً عادياً من غير أولئك الذين تكون لهم الرفاهية في حجهم، فإنه يكتسب بذلك شيئاً كثيراً، أعني: الذي يكون حجه عادياً يكتسب خيراً كثيراً بتعويد نفسه على الصبر والخشونة.

    1.   

    نصيحة لمن أدى الحج

    المقدم: هذا اللقاء هو آخر ما سنتحدث فيه عن الحج وأموره، فما هي نصيحتكم لمن أدى الحج؟

    الشيخ: نصيحتي له أن يتقي الله عز وجل في أداء ما ألزمه الله به من العبادات الأخرى كالصلاة، والزكاة، والصيام، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الخلق، وإلى المملوكات من البهائم، وغير هذا مما أمر الله به، وجماع ذلك كله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:90-91].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010295266

    عدد مرات الحفظ

    721914047