إسلام ويب

فقه العبادات [35]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مصارف الزكاة ثمانية: الفقراء والمساكين، وهم الذين لا يجدون كفايتهم، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم على الإسلام ونصرته، والغارمون الذين تحملوا الديون في الخير، وسبيل الله: أي الجهاد في إعلاء كلمته سبحانه، ومنه طلب العلم.

    1.   

    تابع مصارف الزكاة

    المقدم: في لقاءاتنا الماضية سألنا عن مصارف الزكاة، من يجب أن تصرف لهم الزكاة ذكرتم منها الفقراء والمساكين والعاملين عليها، وقلتم في نهاية اللقاء إن العاملين عليها إذا كانوا فقراء يأخذون ما يكفيهم لمدة سنة، لكن هذا بالنسبة لفقرهم، هل يأخذون أيضاً لعمالتهم عليها؟

    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    قد يبدو للإنسان أنهم يأخذون لعمالتهم أيضاً؛ لأنهم استحقوا الصدقة أو الزكاة بوصفين: العمالة عليها والفقر، فيعطون لكلا الوصفين، ولكن إذا أعطيناهم للعمالة، ولم يصيروا أغنياء بقدر ما أخذوا من العمالة، فيكمل لهم المئونة لمدة سنة، مثال ذلك: إذا قدرنا أنه يكفيهم لمدة سنة عشرة آلاف ريال، وأننا إذا أعطيناهم لفقرهم أخذوا عشرة آلاف ريالات، وأن نصيبهم من العمالة ألفا ريال، فعلى هذا نعطيهم ألفي ريال ونعطيهم ثمانية آلاف ريال للفقر، هذا وجه قولنا: يعطون كفايتهم لنصف سنة؛ لأنهم إذا أخذوا بالعمالة صاروا لا يحتاجون إلا ما زاد على استحقاقهم للعمالة لمدة سنة.

    المؤلفة قلوبهم

    المقدم: أنتم ذكرتم الآن من مصارف الزكاة الثمانية، تحدثتم عن الفقراء والمساكين والعاملين عليها، نريد أن نكمل بقية المصارف؟

    الشيخ: الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهم الذين يعطون لتأليفهم على الإسلام، إما كافر يرجى إسلامه، وإما مسلم نعطيه لتقوية الإيمان في قلبه، وإما شرير نعطيه لدفع شره عن المسلمين، أو نحو ذلك ممن يكون في تأليفه مصلحة للمسلمين، ولكن هل يشترط في ذلك أن يكون سيداً مطاعاً في قومه حتى يكون في تأليفه مصلحة عامة، أو يجوز أن يعطى لتأليفه ولو لمصلحته الشخصية كرجل دخل في الإسلام حديثاً يحتاج إلى تأليفه وقوة إيمانه بإعطائه؟

    هذه محل خلاف بين العلماء، والراجح عندي: أنه لا بأس أن يعطى لتأليفه على الإسلام بتقوية إيمانه، وإن كان يعطى بصفة شخصية وليس سيداً في قومه، لعموم قوله تعالى: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60]، ولأنه إذا جاز أن يعطي الفقير لحاجته البدنية الجسمية؛ فإعطاؤنا هذا الضعيف الإيمان لتقوية إيمانه من باب أولى؛ لأن تقوية الإيمان بالنسبة للشخص أهم من غذاء الجسد.

    هؤلاء أربعة يعطون الزكاة على سبيل التمليك، ويملكونها ملكاً تاماً، حتى لو زال الوصف منهم في أثناء الحول لم يلزمهم رد الزكاة، بل تبقى حلالاً لهم؛ لأن الله عبر عن استحقاقهم باللام، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60] فأتى باللام، وفائدة ذلك أن الفقير لو استغنى في أثناء الحول فإنه لا يلزمه رد الزكاة، فمثلاً:

    لو أعطيناه عشرة آلاف لفقره وهي تكفيه لمدة سنة، ثم إن الله تعالى أغناه في أثناء الحول باكتساب مال، أو موت قريب له يرثه أو ما شابه ذلك، فإنه لا يلزمه رد ما بقي من المال الذي أخذه من الزكاة؛ لأنه ملكه.

    الرقاب

    أما الخامس من أصناف أهل الزكاة: فهم الرقاب؛ لقوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60] والرقاب فسرها العلماء بثلاثة أشياء:

    الأول: مكاتب اشترى نفسه من سيده بدراهم مؤجلة في ذمته، فيعطى ما يوفي به سيده.

    الثاني: رقيق مملوك اشتري من الزكاة ليعتق.

    الثالث: أسير مسلم أسره الكفار فيعطى الكفار من الزكاة لفكهم هذا الأسير، ومثله أيضاً الاختطاف، فلو اختطف المسلم أحداً من المسلمين أو من الكفار فلا بأس أن يفدى هذا المختطف بشيء من الزكاة؛ لأن العلة واحدة، وهي فكاك المسلم من الأسر، وهذا إذا لم يمكننا أن نرغم المختطف على فكاكه بدون بذل المال إذا كان المختطف من المسلمين.

    الغارمون

    الصنف السادس: الغارمون. والغارم: هو المدين، وقسم العلماء رحمهم الله الغرم إلى قسمين: غرم لإصلاح ذات البين، وغرم لسداد الحاجة.

    أما الغرم لإصلاح ذات البين، فمثلوا له: بأن يقع بين قبيلتين تشاحن وتشاجر أو حروب، فيأتي رجل من أهل الخير والجاه والشرف والسؤدد ويصلح بين هاتين القبيلتين بدراهم يتحملها في ذمته، فإننا نعطي هذا الرجل المصلح الدراهم التي تحملها من الزكاة جزاء له على هذا العمل الجليل الذي قام به، والذي فيه إزالة الشحناء والعداوة بين المؤمنين وحقن دماء الناس، وهذا يعطى سواء كان غنياً أم فقيراً؛ لأننا لسنا نعطيه لسد حاجته، ولكننا نعطيه لما قام به من المصلحة العامة.

    أما الثاني: فهو الغارم لنفسه، الذي استدان لنفسه باستقراض شيء ليدفعه في حاجته، أو بشراء شيء يحتاجه يشتريه في ذمته وليس عنده مال، فهذا نوفي دينه من الزكاة، بشرط أن يكون فقيراً، ولو لم يعلم بذلك.

    وعليه؛ فهل الأفضل أن نعطي هذا المدين من الزكاة ليوفي دينه أو نذهب نحن إلى دائنه، ونوفي عنه؟

    هذا يختلف، فإن كان هذا الرجل المدين حريصاً على وفاء دينه وإبراء ذمته، وهو أمين فيما يعطى لوفاء الدين، فإنا نعطيه هو بنفسه يقضي دينه؛ لأن هذا أستر له وأبعد عن تخجيله أمام الناس الذين يطلبونه.

    أما إذا كان المدين رجلاً مبذراً يفسد الأموال، ولو أعطيناه مالاً ليقضي دينه ذهب يشتري به أشياء لا ضرورة لها فإننا لا نعطيه، وإنما نذهب نحن إلى دائنه ونقول له: ما دين فلان لك؟ ثم نعطيه هذا الدين أو بعضه حسب ما يتيسر.

    وهل يقضى منها -أي: من الزكاة- دين على ميت لم يخلف تركة؟

    ذكر ابن عبد البر وأبو عبيد أنه لا يقضى منها دين على الميت بالإجماع، ولكن الواقع أن المسألة فيها خلاف، وأكثر العلماء يقولون: إنه لا يقضى منها دين على ميت؛ لأن الميت انتقل إلى الآخرة، ولا يلحقه من الذل والهوان بالدين الذي عليه ما يلحق الأحياء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقضي ديون الأموات من الزكاة، بل كان يقضيها عليه الصلاة والسلام من أموال الفيء حين فتح الله عليه.

    وهذا يدل على أنه لا يصح قضاء دين الميت من الزكاة.

    ويقال: الميت إن كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه بفضله وكرمه، وإن كان قد أخذها يريد إتلافها فهو الذي جنى على نفسه، ويبقى الدين في ذمته يستوفى يوم القيامة، وعندي أن هذا أقرب من القول بأنه يقضي منها الدين على الميت.

    وقد يقال: يفرق بين ما إذا كان الأحياء يحتاجون إلى الزكاة لفقر أو غرم أو جهاد أو غير ذلك، وما إذا كان الأحياء لا يحتاجون إليها، ففي الحال التي يحتاج إليها الأحياء يقدم الأحياء على الأموات، وفي الحال التي لا يحتاج إليها الأحياء لا حرج أن نقضي ديون الأموات الذين ماتوا ولم يخلفوا مالاً، ولعل هذا القول يكون وسطاً بين القولين.

    في سبيل الله

    الصنف السادس: في سبيل الله. وسبيل الله المراد بها الجهاد في سبيل الله لا غير، ولا يصح أن يراد بها جميع سبل الخير؛ لأنه لو كان المراد بها جميع سبل الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60] إذ يكون الحصر عديم التأثير، فالمراد في سبيل الله هو الجهاد في سبيل الله، فيعطى المقاتلون في سبيل الله، الذين يظهر من حالهم أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا؛ يعطون من الزكاة ما يحتاجون إليه من النفقات والأسلحة وغير ذلك، ويجوز أن تشترى الأسلحة لهم من الزكاة ليقاتلوا بها، ولكن لابد أن يكون القتال في سبيل الله، والقتال في سبيل الله بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بميزان عدل وقسط حين سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه: أي ذلك في سبيل الله؟ قال: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )، فالرجل المقاتل حمية لوطنه أو قوميته أو غير ذلك من أنواع الحميات ليس يقاتل في سبيل الله، فلا يستحق ما يستحقه المقاتل في سبيل الله، لا من الأمور المادية الدنيوية، ولا من أمور الآخرة، والرجل الذي يقاتل شجاعة، أي: أنه يحب القتال لكونه شجاعاً، والمتصف بصفة غالباً يحب أن يقوم بها على أي حال كانت، هو أيضاً ليس يقاتل في سبيل الله، والمقاتل ليرى مكانه يقاتل رياء وسمعة ليس من المقاتلين في سبيل الله، وكل من لا يقاتل في سبيل الله فإنه لا يستحق من الزكاة؛ لأن الله تعالى يقول: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60] والذي يقاتل في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

    قال أهل العلم: ومن سبيل الله الرجل يتفرغ لطلب العلم الشرعي، فيعطى من الزكاة ما يحتاج إليه من نفقة؛ من كسوة وطعام وشراب ومسكن وكتب علم يحتاجها؛ لأن العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله، بل قال الإمام أحمد رحمه الله: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، فالعلم هو أصل الشرع كله، ولا شرع إلا بعلم، والله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط، ويتعلموا أحكام شريعتهم، وما يلزم من عقيدة وقول وفعل.

    أما الجهاد في سبيل الله فهو من أشرف الأعمال، بل هو ذروة سنام الإسلام، ولا شك في فضله، لكن العلم له شأن كبير في الإسلام، فدخوله في الجهاد في سبيل الله دخول واضح لا إشكال فيه.

    فإذا جاءنا رجل أهلاً للعلم، وقال: أنا إن ذهبت أكتسب لنفسي وأهلي لم أتمكن من طلب العلم، وإن تفرغت لطلب العلم فإنني أحصل فيه، ولكن لا أجد ما يدفع حاجتي، فإننا نقول له: تفرغ لطلب العلم، ونعطيه ما يدفع به حاجته من الزكاة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003980027

    عدد مرات الحفظ

    718762358