إسلام ويب

فقه العبادات [16]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن كلام الله تعالى، أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منجماً، وإليه يعود في آخر الزمان، كما هو معتقد السلف، وينبغي تعظيمه والتفكر فيه، ولا يجوز تلاوته لمن كان محدثاً حدثاً أكبر، كما ينبغي تجويده ..، ويجوز إهداء ثواب تلاوته للميت، وما يفعل في المآ

    1.   

    عقيدة السلف في القرآن الكريم

    المقدم: نود في بداية لقائنا هذا أن نعرف عقيدة السلف في القرآن الكريم؟

    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    عقيدة السلف في القرآن الكريم كعقيدتهم في سائر صفات الله وأسمائه، وهي عقيدة مبنية على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن الكريم بأنه كلامه، وأنه منزل من عنده، فقال جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، والمراد بلا ريب بكلام الله هنا القرآن الكريم، وقال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل:76]، فالقرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنى، تكلم به حقيقة وألقاه إلى جبريل الأمين، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين.

    ويعتقد السلف أن القرآن منزل نزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاثٍ وعشرين سنة حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل.

    ثم إن نزوله يكون ابتدائياً ويكون سببياً، بمعنى: أن بعضه ينزل بسبب معين اقتضى نزوله، وبعضه ينزل بغير سبب، وبعضه ينزل في حكاية حال مضت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وبعضه ينزل في أحكام شرعية ابتدائية على حسب ما ذكره أهل العلم في هذا الباب.

    ثم إن السلف يقولون: إن القرآن نزل من عند الله عز وجل ابتداءً وإليه يعود في آخر الزمان، هذا هو قول السلف في القرآن الكريم.

    ولا يخفى علينا جميعاً أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بأوصاف عظيمة، وصفه بأنه حكيم، وبأنه كريم، وبأنه عظيم، وبأنه مجيد، وهذه الأوصاف التي وصف الله بها كلامه تكون لمن تمسك بهذا الكتاب وعمل به ظاهراً وباطناً، فإن الله تعالى يجعل له من المجد والعظمة والحكمة والعزة والسلطان ما لا يكون لمن لم يتمسك بكتاب الله عز وجل، ولهذا أدعو من هذا المنبر جميع المسلمين حكاماً ومحكومين، علماء وعامة؛ أدعوهم إلى التمسك بكتاب الله عز وجل ظاهراً وباطناً؛ حتى تكون لهم العزة والسعادة والمجد والظهور في مشارق الأرض ومغاربها.

    1.   

    أحكام تلاوة القرآن

    المقدم: مادمنا عرفنا عقيدة السلف في القرآن الكريم، نود أن نعرف أبرز أحكام التلاوة؟

    الشيخ: الذي ينبغي لتالي القرآن أن يكون على طهر من الحدثين: الأصغر والأكبر، ولا يجوز له أن يقرأ القرآن وعليه حدث أكبر، فالجنب مثلاً لا يقرأ القرآن حتى يغتسل؛ لأن السنة وردت بالمنع منه في حال الجنابة، أما الحائض فقد اختلف أهل العلم في هل يجوز لها أن تقرأ القرآن على قولين، فمنهم من قال: إنه يجوز أن تقرأ القرآن؛ لأنه ليس في منعها من القرآن سنة صحيحة صريحة، والأصل براءة الذمة وعدم الإلزام، كما أن الأصل أيضاً عدم المنع، ويرى بعض أهل العلم أنه لا يجوز لها أن تقرأ القرآن وهي حائض؛ لأنها ممن يلزمها الغسل، فهي كالجنب، ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث تدل على المنع.

    والذي أراه في هذه المسألة: أنها لا تقرأ القرآن إذا كان غرضها بذلك مجرد تلاوة، أما إذا كانت تريد أن تقرأ القرآن لحاجة كأن تخشى نسيانه مثلاً، أو تقرؤه أبناءها أو بناتها أو الطالبات، أو تكون طالبة تريد أن تقرأه لإسماع المدرسة، فإن هذا لا بأس به للحاجة، وكذلك لا بأس أن تقرأ الآيات التي تكون ورداً كآية الكرسي؛ لأنها لحاجة، فيكون هذا القول الذي أراه أقرب للصواب مبنياً على حاجة المرأة الحائض، إن احتاجت للتلاوة فلها أن تقرأ القرآن، وإن لم تحتج فلا تقرأ القرآن.

    كذلك ينبغي لقارئ القرآن أن يكون مستحضراً في قلبه ما تدل عليه كلمات القرآن العظيم من المعاني الجليلة، سواء كانت هذه الآيات تتضمن الأخبار والقصص أو الأحكام؛ لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن لهذه الحكمة: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، فالإنسان يجد الفرق العظيم إذا تلا القرآن وقلبه غافل، وإذا تلا القرآن وقلبه حاضر يتدبر ما يقول، يجد الفرق العظيم بين هذه الحال والحال الأخرى، ويجد أنه ينتفع أكثر إذا قرأ القرآن بتدبر وتفكر؛ لأن ذلك يؤثر في قلبه قوة الإيمان والتصديق، وقوة الانقياد والإذعان للأحكام التي يتضمنها كتاب الله عز وجل.

    وأما ما ينبغي أن تكون التلاوة عليه، فينبغي أن تكون التلاوة هادئة ليس فيها سرعة تسقط بعض الحروف أو تخفى بها الكلمات، بل يقرأ القرآن بتمهل وترسل، ولا بأس بالعجلة أحياناً بشرط أن لا يسقط الحروف أو شيئاً منها أو يدغم ما لا يجوز إدغامه أو ما أشبه ذلك.

    1.   

    إهداء قراءة القرآن لروح الميت

    المقدم: نود أيضاً في بقية حديثنا عن أصول الدين أن نعرف حكم التلاوة لروح الميت؟

    الشيخ: التلاوة لروح الميت: يعني: أن يقرأ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من يرى أن ذلك غير مشروع، وأن الميت لا ينتفع بالقرآن في هذه الحالة، ومنهم من يرى أنه ينتفع بذلك وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو فلان من المسلمين، سواء كان قريباً له أو غير قريب له، وهذا هو الأرجح؛ لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت، كما في حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه حينما تصدق بمخرافه -أي: ببستانه لأمه- وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم )، وهذه قضايا أعيان تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز وهو كذلك، ولكن أفضل من هذا أن يدعو للميت، وأن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له )، ولم يقل: أو ولد صالح يتلو له أو يصلي له أو يصوم له أو يتصدق عنه، بل قال: أو ولد صالح يدعو له، والسياق في سياق العمل، فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح أن يجد ثوابه مدخراً له عند الله عز وجل.

    أما ما يفعله بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة، مثل أن يحضروا قارئاً يقرأ القرآن بأجرة ليكون ثوابه للميت، فإن هذا بدعة، ولا يصل إلى الميت ثوابه؛ لأن هذا القارئ إنما قرأ من أجل الدنيا، ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا فإنه لا حظ له منها في الآخرة، كما قال الله تبارك وتعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]، وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة لإخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه؛ لأن القارئ الذي ليس له نية في قراءته إلا أخذ الأجرة ليس له ثواب عند الله عز وجل، وحينئذ يكون أخذ الأموال ولم ينتفع الميت بذلك.

    1.   

    الوصية بقراءة الفاتحة لروح النبي أو قراءتها عند قبره

    المقدم: بالنسبة للذين يوصون أن تقرأ الفاتحة إما لروح النبي صلى الله عليه وسلم أو له عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الشيخ: هذه الوصية لا يلزم تنفيذها؛ لأنها وصية بأمر غير مشروع، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يشرع لأحد أن يعبد الله، ثم يجعل ثواب العبادة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا لو كان مشروعاً لكان أسبق الناس إليه الصحابة رضي الله عنهم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى مثل هذا، فإنه ما من إنسان يعمل عملاً صالحاً إلا كان للنبي صلى الله عليه وسلم مثل أجره؛ لأنه هو الذي دل عليه، والدال على الخير كفاعله، فهذا يكون من العبث ومن البدعة التي لم ترد عن السلف الصالح رضي الله عنهم.

    وكذلك لو قال: تقرأ الفاتحة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم لي، فإنه لا يلزم الوفاء بهذه الوصية؛ لأن تخصيص مكان بعبادة معينة لم يرد به الشرع من البدع، كما هو معلوم في البحث عند ذكر المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنها لا تتحقق المتابعة حتى توافق العبادة في أمور ستة: في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.