إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [591]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    إنفاق المرأة على أمها الفقيرة من مال زوجها بدون إذنه

    السؤال: امرأة متزوجة ولها أم، وليس لهذه الأم عائل، فهل يجوز أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه، علماً بأنه لو علم هذا الزوج فسيغضب غضباً شديداً، وقد يصل الأمر إلى الطلاق، وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تترك والدتها بلا عائل، ما هو الجواب في ذلك؟

    الجواب: لا يحل لهذه الزوجة أن تأخذ من مال زوجها لتنفق على أمها إلا بإذنه ورضاه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام )، قاله في منى، قال: ( كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل قد بلغت؟ قالوا: نعم ). ولكن ينبغي لها أن تشاور زوجها وتستأذنه في أن تنفق على أمها من ماله، وزوجها إذا أنفق على أم زوجته من ماله كان محسناً إليها وإلى ابنتها زوجته، وكان مثاباً على ذلك، مع النية الخالصة واحتساب الأجر من الله عز وجل، فأشير على الزوج إذا استأذنته زوجته أن تنفق على أمها الفقيرة التي ليس لها عائل، أن يوافق على ذلك ابتغاء رضوان الله عز وجل، وليعلم أن هذا يزيد في ماله بركة ونماءً، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ( ما نقصت صدقة من مال ).

    1.   

    أخذ الإنسان من مال غيره بدون علمه إذا كان يسأله حقاً

    السؤال: ننتقل بعد ذلك إلى رسالة بعث بها السائل يقول في هذا السؤال: أعمل في إحدى المؤسسات الخاصة الصغيرة، وأعمل بائعاً في محل للجرد، وأتحمل مسؤولية ذلك؛ حيث إن صاحب المحل يتأخر كثيراً في دفع رواتبي، أكثر من ثلاثة شهور، وهو يعلم جيداً بأنني أتحمل مسؤولية أسرة في بلدي، ومع ذلك لا يبالي، مما أضطر إلى أن آخذ مبالغ من المال الموجودة في عهدتي؛ لكي ألتزم بالإنفاق على أسرتي في بلدي، علماً بأنني آخذ أقل من حقي لدية حتى يغطي جزءاً من المتأخر لديه من الرواتب، والسؤال: هل يجور لي هذا؟

    الجواب: لا يجوز للإنسان أن يأخذ من مال غيره ولو كان مديناً له إلا بإذنه، وذلك أن الأصل في مال الغير أنه حرام محترم؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، ولكننا نوجه النصيحة الخالصة لكفيلك الذي أنت تعمل عنده، ونحذره من المماطلة بحق الأجراء، لأن المماطلة بحقهم ظلم لا يزداد بها الإنسان إلا إثماً، ولا يزداد بها ماله إلا فشلاً ونقصاناً، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( مطل الغني ظلم )، والظلم ظلمات يوم القيامة.

    والعجب لهؤلاء الكفلاء الذين يماطلون بحق العمال عندهم أنهم يعلمون علم اليقين أنهم لم يوفوا هؤلاء العمال أجرهم مرتين، فلماذا يماطلون بهم؟ هل المماطلة تقتضي أن ينقص من أجور العمال شيئاً؟ فليتقوا الله تعالى في هؤلاء الذين فارقوا بلادهم وأهليهم من أجل لقمة العيش ثم يماطلوا بها هؤلاء الكفلاء؛ لأن ذلك غرر من وجهين؛ الوجه الأول: المماطلة. والوجه الثاني: أن هؤلاء العمال لهم عوائل في بلادهم محتاجون إلى الإنفاق، فهل يبقى هؤلاء متضررين لعدم دفع نفقاتهم من قبل عائلهم الذي موطل بحقه، ويا سبحان الله! كيف يرضى هؤلاء الكفلاء أن يماطلوا هؤلاء العمال الفقراء ويؤخروا أجورهم إلى شهرين أو ثلاثة أو أكثر، وهم لو نقص العامل من عمله شيئاً يسيراً لعاقبوه على ذلك؟!

    إن قوماً هذا شأنهم لداخلون في قول الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:1-6]، نسأل الله الهداية والتوفيق والخير لجميع المسلمين.

    1.   

    أحكام في زكاة الحلي

    السؤال: على الرأي القائل بوجوب الزكاة في حلي المرأة، فإذا اشترى رجل لبناته -غير متزوجات- حلياً لا يبلغ النصاب لكل واحدة، ولكن مجموع ذلك يبلغ نصاباً، فهل فيه زكاة؟ وإذا كانت المرأة تملك حلياً يساوي نصاباً بالضبط، وليس لها مال غير ذلك، فهل تبيع منه لتزكي أم ماذا تفعل؟ وإذا كان أكثر من النصاب، فهل تبيع منه أيضاً أم لا، وجهونا بذلك؟

    الجواب: إذا كان للإنسان بنات غير متزوجات، فأعطى كل واحدة منهن حلياً لا يبلغ النصاب، فإن كان أعطاهن ذلك على سبيل الهبة فليس في ذلك زكاة، لأن ملك كل واحدة من الحلي لا يبلغ النصاب، فلا تجب، أما إذا كان أعطاهن إياه على وجه الإعارة، وهو يعتقد أن هذا الحلي ملك له، وكان مجموعه يبلغ النصاب، فإنه يجب عليه أن يزكيه؛ لأنه مالكه.

    وأما المسألة الثانية: وهي ما إذا كان عند المرأة حلي بقدر النصاب، وليس عندها ما تزكي به عنه، فإننا نقول: إن زكى عنها أبوها أو أخوها أو زوجها فلا بأس، ويبقى الحلي كما هو، وإلا وجب عليها أن تبيع منه أو تخرج منه بقدر الزكاة، وحينئذ لا تجب فيه الزكاة في المستقبل، لأنه نقص عن النصاب.

    وأما المسألة الثالثة: وهي إذا كان عندها حلي يزيد عن النصاب، ولكن ليس عندها مال، فهل تبيع منه؟ فنقول فيه كما قلنا في الأول: إن تبرع أحد عنها بالزكاة ودفع عنها كفى، وإلا وجب عليها أن تخرج منه قدر الزكاة، أو تبيع ما يكون بقدر الزكاة وتدفعها لمستحقها.

    1.   

    واجبات المرأة المحادة

    السؤال: هل تخرج المرأة في عدة وفاة زوجها من البيت أم لا؟ وقرأت أن ثوب الإحداد يكون إما غير مصبوغ أو يصبغ بخيوط قبل النسج، فكيف أعرف هذا؟ وهل يجوز لبس الأبيض أو الأسود بدون تفصيل؟

    الجواب: المرأة المحادة يجب عليها في الإحداد أمور:

    الأمر الأول: أن لا تلبس زينة، أي: ثياباً تعتبر تزيناً وتجملاً، ولها أن تلبس ما شاءت من الثياب، سواء كان أحمر، أو أصفر، أو أسود، أو أخضر، أو ملوناً، وأما الأبيض فهو في عرفنا وفي بلادنا يعتبر من الزينة فلا تلبسه، والمصبوغ الملون الذي ليس من ثياب الزينة جائز، سواء صبغ قبل النسج أو بعد النسج، ولا دليل على التفريق بين ما كان قد نسج أو بعده.

    ثانياً: يلزم المحادة أن تجتنب التحلي بجميع أنواعه، سواء كان في الأذن، أو في اليد، أو في القدم، أو على الصدر، أو على العنق، وعلى هذا فإذا كان عليها فصوص وجب عليها أن تنزعها، وإذا كان عليها سن ذهب، وجب عليها أن تخلعه، إلا أن يكون بذلك مثله فيبقى، لكن تحرص على أن لا تبرزه.

    ثالثاً: يجب عليها أن لا تلون جسدها بزينة، فلا تكتحل، ولا تحمر الشفاه، ولا تستعمل الحناء، لأن ذلك كله من التجميل.

    رابعاً: يجب عليها أن لا تخرج من البيت لا ليلاً ولا نهاراً، لا لزيارة قريب، ولا لعيادة مريض، ولا لغير ذلك، إلا إذا احتاجت إلى الخروج لمرض لتصل المستشفى، أو احتاجت الخروج للمحكمة لإثبات أو إقرار أو ما أشبه ذلك، فهذه تخرج نهاراً ولا تخرج ليلاً؛ لأن أهل العلم قالوا: المحادة تخرج من البيت نهاراً للحاجة، وتخرج من البيت ليلاً للضرورة، وأما مكالمة التلفون، والرد على من قرع الباب، ومشاهدة الرجال، ودخول الرجال عليها، فهي في عدة كغيرها، ما حل لغيرها حل لها، وعلى هذا فيجوز أن ترد على التلفون، ويجوز أن تخاطب من قرع الباب، ويجوز أن يدخل في البيت من ليسوا بمحارم لها، كإخوان زوجها ونحوهم، ولكن بدون أن تخلو بهم، وأما خروجها ليلاً إلى سطح البيت أو إلى فنائه المسور، فإنه لا بأس به، سواء شاهدت القمر أم لم يكن هناك قمر، وأما ما اشتهر عند العامة من أنها لا تبرز للقمر ليلاً، فهذا ليس له أصل، لا في القرآن ولا في السنة، ولا في كلام أهل العلم.

    والإحداد واجب وقت العدة فقط، فلو كانت حاملاً ووضعت في اليوم الذي مات زوجها فيه انتهت العدة وانتهى الإحداد، ولو لم تعلم بموت زوجها إلا بعد مضي مدة العدة، فإنه لا إحداد عليها ولا عدة، لأن ابتداء العدة والإحداد من موت الزوج لا من العلم بموته، فيحسب من موت الزوج، فإذا قدر أنها لم تعلم بموته إلا بعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام فلا حداد عليها ولا عدة، لأنها انتهت، وإذا علمت بعد موته بشهرين اعتدت بقية العدة شهرين وعشرة أيام.

    1.   

    ضابط السفر الذي تحتاج المرأة فيه إلى محرم

    السؤال: ما هي المسافة التي إذا سافرتها المرأة تحتاج فيها إلى محرم؟ وهل يعتبر مسافة نصف ساعة بالسيارة سفر؟

    الجواب: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ( لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم )، فما عده الناس سفراً فهو سفر، سواء طالت المسافة أم قصرت، وما لم يعده الناس سفراً فليس بسفر، وعلى هذا فلو قدر أن المرأة تعمل في بلد قريب من بلدها، وتذهب في الصباح وترجع بعد الظهر، فإن هذا ليس بسفر، لأن الناس لا يعدونه سفراً، اللهم إلا أن تكون المسافة بعيدة، كما لو سافرت من مكة إلى المدينة، أو من مكة إلى الرياض أو ما أشبه ذلك، فهذا سفر ولو رجعت في يومها، وذلك لبعد المسافة عرفاً، وقال بعض أهل العلم: إن المرأة لا يحل لها أن تسافر بلا محرم، سواء كان السفر قصيراً أم طويلاً، والاحتياط أن لا تسافر إلا مع محرم، سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً، أما اللزوم فإنه لا يلزم عن المحرم إلا إذا عد خروجها من بلدها سفراً.

    1.   

    حكم من تركت الصلاة بسبب النزيف

    السؤال: امرأة حصل لها نزيف مدة ما يقارب من عشرين يوماً ولم تصل، هل عليها قضاء للصلاة أم ماذا تفعل؟

    الجواب: لا بد أن نعرف ما سبب هذا النزيف، هل هو حمل فقط، أو مرض، أو حمل شيء ثقيل، أو ما أشبه ذلك، فإن كان له سبب أوتي حكم ذلك السبب، فإذا كان سببه الحمل وسقط الجنين، وقد تخلق، أي: تبين خلقته، فتميز رأسه من يده من قدمه، فهذا الدم نفاس يثبت له حكم نفاس الكبير، وإن كان سببه مرضاً، فإن هذا ليس دم حيض ولا نفاس، بل هو دم حكمه حكم الاستحاضة؛ لقول النبي صلى الله علية وسلم في دم الاستحاضة: ( إنه دم عرق )، وكذلك لو كان سبب حمل ثقيل، فإنه ليس بحيض، لكن إذا مرت عليها أيام عادتها فإنها تجلس مقدار العادة ثم تغتسل وتصلي، وهذه السائلة تقول: إنه حصل عليها نزيف ستون يوماً، فتنزل هذا النزيف على ما ذكرناه من التفصيل.

    1.   

    جلب العاملات من بلادهن بغير محرم

    السؤال: تقول: كما تعلمون أن الخادمات المنتشرات في كل مكان، وهناك عدة أسباب لوجودهن، وأنا لي وظيفة خارج مدينتي، وكذلك إخوتي الكبار، وأبي وأمي كبيران في السن، ولقد جلبنا لهما خادمة للحاجة وهي بدون محرم، ما الحكم في ذلك؟

    الجواب: مثل هذا لا يجوز، أي: لا يجوز أن يستقدم إنسان خادمة بلا محرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم )، والخادمة امرأة، ولا دليل على إخراجها من هذا العموم، ويستفهم بعض الناس عن أن يجلب محرمها معها، ويقول: إنه ليس له عمل عندي؟ فنقول له: وإن لم يكن له عمل عندك، لابد أن يكون مع امرأته أو أخته أو عمته أو خالته، ويمكن أن تجد له عملاً بقضاء حوائجك الخصوصية التي تحتاجها من السوق، وإذا كان صالحاً لقيادة السيارة صار قائداً لسيارتك، المهم أنه إن وجدت له عمل فهذا هو المطلوب، وإن لم تجد فعمله عمل امرأته التي جاء محرماً معها.

    1.   

    زكاة مال الأيتام

    السؤال: لي أخت ولها خمسة من الأولاد وقد بلغوا الحلم، ووالدهم مات قبل 13 سنة، وقد ظلوا منذ فراق أبيهم تحت كفالتي أنا وأخي الكبير، في كل ما يسد المعاش، وقبل سنة تطوع بعض أهل الخير بمبلغ من المال لشراء مسكن لها ولأولادها، ولكن بسبب الانتظار لمزيد من المال استكمالاً لما استلمناه سابقاً، فقد حال عليه الحول على هذا المال، والسؤال يبقى: هل تجب زكاة في هذا المال، مع أننا لا نأخذ منه شيئاً، ولو نفقتهم وما أشبه ذلك حتى لا ينقص عما عين له، أريد التوضيح حول هذا؟

    الجواب: الزكاة واجبة في هذا المال، لأنه إما مال المتبرع، وإما مال الأيتام وأمهم، فلابد من إخراج الزكاة فيه حتى يشترى به عقار.

    1.   

    الجمع والقصر للطالب الذي يدرس خارج مدينته

    السؤال: يقول: تبعد مدينتي عن العاصمة حوالي 350 كيلو متر، وأنا أدرس في الجامعة ومقيم فيها، وأيام العطل- أي: الخميس والجمعة- أعود إلى مدينتي، فهل يجوز أن أقصر وأجمع الصلاة وأنا مقيم في الجامعة؟

    الجواب: الواجب عليك أن تصلي مع الجماعة في المساجد، وحينئذ لابد أن تتم وأن لا تجمع، لكن لو فرض أنه فاتتك الصلاة الرباعية فلك أن تقصر؛ لأنك في الحال التي وصفت مسافر، حيث لم تتخذ البلد الذي أنت تدرس منه مقراً لك وسكناً، وعموم النصوص من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان مسافر حتى يرجع إلى وطنه، فقوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]، لم يقدر بمدة، فما دام ضارباً في الأرض، أي: مسافراً فيها، فإنه يقصر الصلاة، ولم يحدد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمته حداً معيناً، بل أطلق، وأقام عليه الصلاة والسلام إقامات مختلفة، فأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة، وأقام في حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة، لأنه صلى الله عليه وسلم قدم في اليوم الرابع من ذي الحجة، أي: قدم مكة ولم يخرج منها إلا في صباح اليوم الرابع عشر.

    وقول بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم أنشأ السفر من حين أن خرج إلى منى في اليوم الثامن، وأن المدة التي يقصر فيها الإنسان صلاته أربعة أيام، فما زاد عليها وجب عليه الإتمام فيه، هذا قول بعيد من الصواب، وذلك لأنه لا أحد يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما خرج من الأبطح إلى منى في اليوم الثامن أنشأ السفر مغادراً مكة، وكيف نقول: إنه أنشأ السفر مغادراًمكة، وهو إنما جاء لهذا لغرض الذي يتعلق بمكة، وهو الوقوف والمبيت والرمي والطواف! كيف نقول: إنه غادر مكة قبل أن يأتي بالمقصود الذي سافر إلى مكة من أجله، هذا بعيد جداً، ولذلك سئل أنس بن مالك رضي الله عنه: كم أقمتم بمكة، يعني: عام حجة الوداع؟ قال: أقمنا فيها عشراً، هكذا جاء في صحيح البخاري وغيره، ثم إنه من المعلوم أنه لو كانت مدة الإقامة التي ينقطع بها السفر ما زاد عن أربعة أيام، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً واضحاً؛ لأن هذا مما تتوافر الدواعي على بلاغه وعلى بيانه، بل لنا أن نقول: إن الرسول صلى الله علية وسلم بين بفعله وسكوته أن المدة لا تتغير بأربعة أيام، وجه ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجة الوداع صبيحة اليوم الرابع، ولم يزل يقصر، ولم يقل لأمته: من أتى قبل اليوم الرابع إلى مكة فعليه الإتمام، مع أنه من المعلوم أن من الحجاج من يقدم مكة في اليوم الرابع، ومنهم من يقدمها قبل اليوم الرابع، ولو كان يلزم من قدم إلى مكة قبل اليوم الرابع أن يتم، لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما سكت عن تحديد المدة، علم أنه لا حد فيها، فما دام الإنسان مسافراً ينوي الرجوع إلى بلده، متى انتهى شغله الذي قدم من أجله، فإنه يعتبر مسافراً، سواء حدد المدة أم لم يحددها.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003749015

    عدد مرات الحفظ

    718723783