إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [571]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    من نذرت صيام شهر واستمرت لسنوات ثم أرادت عدم الوفاء

    السؤال: لي أخت كانت قد تزوجت منذ فترة ولم تنجب أطفالاً لفترة ثم نذرت إن رزقها الله بأولاد ستصوم كل سنة شهراً كاملاً، وقد مضى عليها ما يقارب ثلاث عشرة سنة تصوم كل سنة شهراً، وهي الآن أم لعدة أولاد والسنة التي لا تنجب فيها تكون ترضع فهل يسقط عنها الصوم بعد هذه المدة أم عليها كفارة مع أنها قادرة على ذلك وجهونا بهذا السؤال؟

    الجواب: قبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أنبه إخواننا المستمعين إلى أن النذر مكروه، نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: ( إنه لا يأتي بخير، ولا يرد قضاء )، وبين أنه إنما يستخرج به من البخيل، وعلى هذا نحن ننهى إخواننا المسلمين عن النذر لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك حتى إن بعض العلماء حرم النذر؛ لأن الأصل في النهي التحريم لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون فيه فائدة، وبين أنه إنما يستخرج به من البخيل، وإذا أراد الله لك أمراً فإنه سيأتيك سواء نذرت أم لم تنذر، وإذا لم يرد الله لك الأمر فإنه لن يأتيك سواء نذرت أم لم تنذر، إذاً ليس في النذر فائدة إلا إلزام الإنسان نفسه بما لا يلزمه عند الله عز وجل، وما أكثر الذين ينذرون ثم يشق عليهم الوفاء بالنذر فتجدهم يتحيلون على إسقاط هذا الواجب أو يذهبون على عتبة كل عالم يسألونه لعلهم يجدون مخلصاً ولا يجدون، وإذا نذر الإنسان نذرا على نعمة يعطيها الله إياه ثم أخلف فإنه على خطر عظيم قال الله تباركم وتعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77] وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من نذر أن يطيع الله فإنه يجب عليه أن يطيع الله.

    وحينئذ ننتقل إلى جواب سؤال هذه السائلة فنقول: هذه السائلة نذرت طاعة من الطاعات وهو الصيام، علقت هذا النذر على شرط وتحقق هذا الشرط وصامت ما شاء الله أن تصوم ثلاث عشرة سنة، والآن تسأل: هل يمكن أن تنفك من هذا النذر أم لا؟ وبينت أنها قادرة على الوفاء بالنذر فأقول لها: لا انفكاك عن هذا النذر، ويجب عليها أن تصوم من كل سنة شهراً، ولكن من نعمة الله تعالى عليها أن لم يجر على لسانها أن تصوم شهراً معيناً، وعلى هذا فلها أن تصوم من أيام السنة ما كان أقصر وأبرد، أي: أن لها أن تصوم في أيام الشتاء أيام البراد والأيام القصيرة حتى يأذن الله بانتقالها من الدنيا إلى الآخرة.

    1.   

    إعطاء الزكاة لمن يخشى تضييعها فيما يضر

    السؤال: يوجد لي أخ يعول من الأولاد ما يقارب ثلاثة أولاد في مراحل تعليمهم المختلفة، دخله الشهري لا يغطي التكاليف المعيشية وهو مريض بمرض يحتاج إلى علاج طويل، ولكنه يشرب السجائر وأحياناً يصلي وغير منتظم في الصلاة هل يستحق زكاة مالي أم لا مأجورين؟

    الجواب: إذا كان حال أخيك ما ذكر فإنه يستحق الزكاة، ولكن ينبغي لك أن تقول له: عندي دراهم زكاة فماذا تريد أن أشتري لك من حاجات في البيت، وتشتري له بهذه الدراهم ما يحتاجه في بيته من نفقة أو معدات كالغسالة والبرادة والثلاجة وما أشبهها؛ لأن المبتلى بالدخان إذا كان لديه مال فأول ما يقدم شراؤه السجائر، ومعلوم أن الدخان محرم لما فيه من إضاعة المال وإنهاك البدن وكراهة الخير في بعض الأحيان، فلهذا نقول: احرص على ألا تكون الدراهم بين يدي أخيك فيفسدها بشراء السجائر.

    1.   

    إعطاء الزكاة للأخت التي لا ينفق عليها زوجها

    السؤال: يوجد لي أخت وزوجها لا يقوم بالصرف عليها بحجة أنه ليس في استطاعته مثل هذه الأشياء الضرورية كالملابس وخلاف ذلك فهل تستحق الزكاة والحال ما ذكر أم أن على الزوج أن يقوم بتغطية النفقات المعيشية؟

    الجواب: لا شك أن على الزوج أن يقوم بتغطية نفقات زوجته الضرورية والحاجية التي تشبه الضرورة، فإن امتنع مع غناه فلها أن تأخذ من ماله ولو بغير علمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن لـهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف، فإن لم تقدر له على مال ولم ينفق عليها ما يجب عليه إنفاقه فإنه يجوز أن تعطى من الزكاة ما يسد حاجتها فقط.

    1.   

    ما يلزم كبيرة السن العاجزة عن الصوم بسبب المرض

    السؤال: زوجتي تبلغ من العمر خمسة وخمسين عاماً وهي كفيفة البصر ومريضة بمرض السكر، وأيضا الكلى والضغط ومشاكل أخرى في القلب ولابد من أخذ الإبر صباحا ومساء يومياً وأخذ الأدوية على مدار اليوم، وقد نصحها الأطباء بعدم الصيام لآثاره على صحتها منذ أربع سنوات تقريباً، ولكن رفضت وأعانها الله على الصيام تلك المدة فصامت والحمد لله، ولكن منذ سنة لم تعد تستطيع الصيام لأسباب صحية كما ذكرت فما هو رأيكم في ذلك في فتوى الصيام مأجورين؟

    الجواب: الواجب على هذه المرأة إذا كانت لا تستطيع الصيام ولا يرجى زوال عجزها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً؛ لأن هذا هو المفروض على الإنسان إذا كان لا يستطيع الصوم على وجه مستمر.

    أما الذي لا يستطيع الصوم لفترة معينة ويرجى أن يقدر عليه فيما بعد فهذا ينتظر حتى يقدر عليه ثم يقضيه لقول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] .

    1.   

    صبغ اللحية بالسواد

    السؤال: ما حكم صبغ اللحية بالصبغة السوداء حيث أنني رأيت البعض من الناس يصبغون لحاهم؟ أرجو الإجابة عن سؤالي.

    الجواب: صبغ الشيب أمر مطلوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر به فقال: ( غيروا هذا الشيب )، ولكن لا يحل أن يصبغ بالسواد لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( جنبوه السواد )، ولما ورد في ذلك من الوعيد حيث جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( يكون قوم في آخر الزمان يخضبون لحاهم بالسواد حتى تكون كحواصل الطير لا يريحون رائحة الجنة )، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن يمكن أن يستغني عن السواد الخالص بلون بني بين الأسود والأصفر ويحصل بذلك على فعل السنة وعلى تجنب المحرم.

    1.   

    معنى حديث: (من مس الحصى فقد لغا)

    السؤال: ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من مس الحصى فقد لغى، ومن لغا فلا جمعة له

    الجواب: الحصى يعني بذلك الحجارة الصغيرة التي تكون كالحجارة التي ترمى بها الجمرات، وكان مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مفروشاً بهذه الحجارة، ومراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا من مس الحصى أي: على وجه العبث واللعب كأن يشتغل أثناء الخطبة بمسح هذا الحصى والكتابة عليه وما أشبه ذلك مما يحصل من العبث، فيقول عليه الصلاة والسلام: (من مس الحصى) أي: على هذا الوجه العبث (فقد لغى ومن لغى فلا جمعة له)، ففسر صلى الله عليه وسلم اللغو: بأن الإنسان يحرم من فضيلة الجمعة، وليس المراد أن صلاته لا تصح، ونظير هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ومن لغا فلا جمعة له )، والمراد أنه يحرم ثواب الجمعة، وليس المراد أن جمعته لا تصح، وإنني بهذه المناسبة أحذر مما يتهاون به بعض الناس من الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة، فإن ذلك من المحرمات، وقد شبهه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحمار يحمل أسفاراً، فإن قال قائل: إذا كان هناك الإمام يخطب يوم الجمعة ولكني لا أريد الصلاة معه ولكني أريد الصلاة في مسجد آخر فهل يلزمني أن أنصت لخطبته؟

    فالجواب: لا يلزمك فلو مررت بمسجد يصلي الجمعة وإمامه يخطب وأنت قاصد مسجداً آخر فليس عليك أن تنصت لهذا الخطيب الذي يخطب؛ لأنه ليس الخطيب الذي تريد أن يوجه إليك النصيحة، وكذلك لو فرض أنك تنتظر مجيء الإمام إلى المسجد فسمعت مسجداً آخر يخطب فإنه لا يلزمك الإنصات لخطبته؛ لأنك لا تريد أن تتلقى التوجيه من ذاك الخطيب، وإنما تريد أن تتلقى التوجيه من خطيب المسجد الذي أنت فيه.

    وإنني بهذه المناسبة أقول: إنما يفعله بعض الناس اليوم من رفع الخطبة أو الصلاة من سماعات المنارة حتى يشوش على الآخرين أمر منكر نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سمع أصحابه وهم يصلون أوزاعاً يجهر بعضهم بالقراءة فقال صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤذين بعضكم بعضاً في القراءة )، وفي حديث آخر: ( لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة )، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا إيذاء وصدق عليه الصلاة والسلام، فإن هذا الصوت الذي يسمع من الخارج يؤذي المصلين في المسجد الثاني ويشوش عليهم الاستماع إلى إمامهم، بل ربما ينصرفون إلى الاستماع إلى هذا الإمام الخارج وينسون الاستماع إلى إمامهم لكون الأول أحسن قراءة وأندى صوتاً، وهذا إيذاء لإخوانهم المسلمين وقد حذر الله تعالى من إيذاء المؤمنين فقال: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58] فنصيحتي لإخواني الذين يفعلون ذلك أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يدعوا التشويش على إخوانهم، ولا حرج فيما أرى أن تنقل الإقامة من المنارة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة ) فإن هذا يدل على أن الإقامة تسمع من الخارج أي: من خارج المسجد، وإن كان بعض الإخوة قد كرهها وقال: إن فيها ضررا وهو أن الكسالى إذا قيل لهم: قوموا إلى الصلاة بعد الأذان قالوا: لم تقم الصلاة بعد سننتظر حتى تأتي الإقامة، لكني أرى أنه لا بأس بها إن شاء الله أي: لا بأس بنقل الإقامة من على المنارة إن شاء الله تعالى.

    1.   

    الاستنجاء بالتراب

    السؤال: هل الاستنجاء بالتراب الطاهر يجوز مع العلم بوجود الماء؟

    الجواب: نعم الاستجمار بالأحجار أو بالتراب أو بالخرق المنقية بدلا عن استعمال الماء في إزالة الخارج من السبيلين جائز إلا أنه يشترط أن يكون ثلاث مسحات فأكثر، وأن تكون منقية وألا يكون الاستجمار بشيء نجس ولا بشيء محترم كالطعام، ولا بعظم، ولا بروث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بعظم وروث؛ وعلل ذلك بأنها طعام إخواننا من الجن وطعام بهائمهم، فالعظام يجدونها أوفر ما تكون لحماً والأرواث يجدونها علفاً لدوابهم، هكذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا كنا نهينا أن نستجمر بطعام الجن وطعام دوابهم فطعامنا وطعام دوابنا من باب أولى بالنهي، ويجوز هذا الاستجمار بدون استعمال الماء بالشروط التي ذكرتها وإن كان الماء موجوداً، وعلى هذا فتطهير محل الخارج يكون بواحد من أمور ثلاثة: إما بالأحجار وحدها أو ما ينوب عنها من التراب والثياب والخرق، وإما بالماء وحده، وإما بالتراب والماء جميعا.

    1.   

    المسح على الجورب الرقيق أو المخرّق

    السؤال: السائل يقول: هل يجوز المسح على الشراب ولو كان رقيقا أو به قطع بسيط؟

    الجواب: نعم يجوز المسح على الشراب وإن كان خفيفاً وإن كان به خروق؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشترط أن يكون صفيقاً وألا يكون فيه خروق، بل ما سمي جوربا أو خفا جاز المسح عليه على أي صفة كان وعلى أي حالة كان، لكن ليعلم أن المسح على ذلك لابد فيه من شروط:

    الشرط الأول: أن يلبسه على طهارة، ودليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة أنه أهوى لينزع خفي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )، يعني: أنه أدخلهما على طهارة.

    الشرط الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الجنابة ونحوها لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاث أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم ).

    الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة المحددة وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وابتداء المدة من أول مرة مسح بعد الحدث وانتهاؤها معلوم مما ذكرنا فهي: أي المدة أربع وعشرون ساعة للمقيم واثنتان وسبعون ساعة للمسافر ففي هذه المدة يمسح الإنسان لكن كما قلنا في الحدث الأصغر دون الأكبر؛ لأن الأكبر لابد فيه من غسل البدن ومنه القدمان.

    1.   

    عاقبة مقترف الشرك الأصغر

    السؤال: هل يخلد صاحب الشرك الأصغر في النار؟

    الجواب: لا يخلد صاحب الشرك الأصغر في النار؛ لأن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، والذي يخلد به الإنسان في النار أعاذنا الله منها هو الشرك الأكبر لقول الله تبارك وتعالى: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، ولكن هل يكون الشرك داخلا تحت المشيئة كسائر الذنوب أو لابد فيه من توبة؟ هذا يحتمل أن يكون قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] عاماً للشرك الأصغر والأكبر أي: أنه لا يغفر لكن الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، ويحتمل أن يقال إن المراد بالشرك في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] الشرك الأكبر فيكون الشرك الأصغر داخلاً تحت قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] ، وفضل الله سبحانه وتعالى أوسع مما نتصور فنرجو أن يكون الشرك الأصغر داخلاً تحت المشيئة، وبهذه المناسبة أود أنبه إلى مسألة حول هذه الآية أعني قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فإن بعض المتهاونين بالمعاصي إذا نهوا عن المعصية قال: إن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] ، فجميع المعاصي داخلة تحت مشيئة الله فيتهاون بالمعصية من أجل هذا الذي ذكره الله تعالى فيما دون الشرك فنقول له: أنت على كل حال مخاطر فهل تعلم أن الله تعالى يشاء أن يغفر لك إنك لا تدري فربما تكون من الذين لا يشأ الله أن يغفر لهم، فأنت مخاطر والخطر أمر منهي عنه، ثم إن هناك أدلة أخرى محكمة ليس فيها اشتباه وهي وجوب التوبة إلى الله عز وجل فقد قال الله تبارك وتعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    1.   

    ترك الصلاة والزكاة

    السؤال: الذي لا يصلي ولا يزكي هل يعتبر كافراً؟

    الجواب: إن كان مراد السائل الذي لا يصلي ولا يزكي أي: أنه جمع بين ترك الصلاة وترك الزكاة فنعم هو كافر، فإن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم قد دلت على أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر مخرج عن الملة، وإن كان مراده لا يصلي ولا يزكي، أي أنه يترك الصلاة مع كونه يزكي أو يترك الزكاة مع كونه يصلي فهذا فيه تفصيل: فإن كان مراده أنه يترك الصلاة ويزكي فنقول له: إنه إذا ترك الصلاة وزكى فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ولا ينفعه إيتاء الزكاة لأنه كافر قال الله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54] ، وإن كان قصده أنه ترك الزكاة مع الصلاة أي: أنه يصلي ولكنه لا يزكي فالصحيح أنه لا يخرج من الإسلام لكنه قد فعل كبيرة من كبائر الذنوب قال الله تبارك وتعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران:180]، وقال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35]، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع أي حية عظيمة قرعاء ليس على رأسها زغب لكثرة سمها قد تمزق شعرها يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- فيقول: أنا مالك أنا كنزك )، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )، وهذا أيضا وعيد شديد عظيم، لكنه لا يكفر لقوله في هذا الحديث: ( ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )؛ وذلك لأنه لو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة؛ ولأن عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من التابعين المعروفين قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.

    والخلاصة في الجواب على سؤال الرجل: أن من لا يصلي ولا يزكي كافر مرتد عن الإسلام لأنه لا يصلي، وعدم زكاته يكون ظلماً على ظلم، وإن كان لا يزكي ولكنه يصلي فقد أتى كبيرة عظيمة لكنه ليس بكافر.