إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [485]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم صلاة من بينه وبين وإمام مسجده عداوة فانتقل إلى مسجد بعيد

    السؤال: رجل متدين، محافظ على الصلوات الخمس، ومحافظ على أمور دينه، بينه وبين إمام المسجد سوء تفاهم، فيذهب ويصلي بمسجد بعيد جداً جداً عن مسكنه، مع أن المسجد الأول الذي يصلي فيه قريب جداً من منزله، هل عليه حرج؟

    الجواب: يقول هذا السائل: إنه بينه وبين إمام المسجد سوء تفاهم، وهذا أمر لا يستغرب، فإن الشيطان يلقي العداوة والبغضاء بين قلوب المؤمنين، كما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [المائدة:91].

    وليس بغريب أن يقع بين الإمام وبين أحد من المأمومين شيء من هذا، ولكن الحازم العاقل المؤمن يحاول إذا وقع بينه وبين أخيه سوء تفاهم أن يتفادى هذا السوء، وأن يصلح ما بينه وبين أخيه، إما بنفسه إن كان عنده شجاعة وقدرة وحزم، وإما أن يتوسط بأحد إلى هذا الرجل ليزيل ما بينهما من العداوة، وحينئذٍ لا يبقى في الأمر إشكال أن يصلي خلفه، ولكن إذا لم يتيسر ذلك وكان في فترة الانتقال فإنه لا حرج عليه أن يذهب إلى مكان آخر ليصلي فيه إذا كانت صلاته مع الإمام الذي بينه وبينه سوء تفاهم لا يحصل بها الخشوع الذي يطمئن به الإنسان في صلاته، ولكن كما قلت أولاً: يجب أن يحاول بقدر ما يستطيع إزالة ما بينه وبين أخيه من سوء التفاهم.

    1.   

    الفرق بين الإيمان والتوحيد

    السؤال: هل الإيمان هو التوحيد؟

    الجواب: الإيمان والتوحيد شيئان متغايران، وشيئان متفقان، فالتوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يستحقه ويختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وأن هذه الأقسام جاءت في قوله تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، فقوله: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [مريم:65] يعني: توحيد الربوبية، وقوله: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:65]، يعني: توحيد الألوهية، وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] يعني: توحيد الأسماء والصفات.

    وهذا التقسيم هو الإيمان في الواقع؛ لأن الإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وعلى هذا فالموحد لله مؤمن به، والمؤمن بالله موحد له، لكن قد يحصل خلل في التوحيد أو في الإيمان فينقصان؛ ولهذا كان القول الراجح: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص في حقيقته وفي آثاره ومقتضياته، فالإنسان يجد من قلبه أحياناً طمأنينةً بالغة كأنما يشاهد الغائب الذي كان يؤمن به، وأحياناً يحصل له شيء من قلة هذا اليقين الكامل، وإذا شئت أن تعرف أن اليقين يتفاوت فاقرأ قول الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، كما أنه أيضاً يزيد بآثاره ومقتضياته، فإن الإنسان كلما ازداد عملاً صالحاً ازداد إيمانه حتى يكون من المؤمنين الخلص.

    1.   

    حكم من طالب معسراً بدين

    السؤال: إنني أبيع وأشتري في السيارات بالتقسيط، وأنا عندي أكثر من سبعين زبوناً يشترون بالتقسيط لمدة ثلاث سنوات، والبعض منهم يقوم بتأخير القسط شهرياً فأشتكيه وآخذ حقي منه، هل علي خطأ في شكواي لهم عن حقي المتأخر؟

    الجواب: إذا كان هذا الذي حل عليه القسط قادراً على الوفاء فلك الحق في مطالبته ورفع أمره إلى ولاة الأمور ليخرجوا حقك منه، وأما إذا كان معسراً فإنه ليس لك أن تطلبه ولا أن تطالبه ولا أن ترفعه إلى ولاة الأمور؛ لقول الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ أن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280] .

    وإنني بهذه المناسبة أحذر إخواننا الذين يكون لهم ديون على المعسرين فيؤذون هؤلاء المعسرين بالطلب والمطالبة، ويرفعونهم إلى الجهات المسئولة، وهذا الدائن لا شك أنه آثم إذا طالب المعسر بوفاء الدين؛ لأنه عاصٍ لقول الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280] .

    أما بالنسبة للمدينين فإنني أيضاً أوجه إليهم نصيحة بأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن لا يستدينوا شيئاً إلا عند الضرورة القصوى التي لابد لهم منها؛ وذلك لأن الدين خطره عظيم، فإنه هم في الليل، وذل في النهار، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يفتح الله عليه إذا قُدِّم إليه الميت يسأل: ( أعليه دين لا وفاء له؟ فإن قالوا: نعم، لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم )، وهذا يدل على عظم الدين.

    وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ( أنه سئل عن الشهادة في سبيل الله -يعني هل تكفر الخطايا؟- فقال: نعم، ثم أدبر الرجل فناداه، فقال عليه الصلاة والسلام: إلا الدين أخبرني بذلك جبريل آنفاً ).

    فإذا كانت الشهادة في سبيل الله لا تكفر الدين وتكفر ما سواه من المعاصي، كان ذلك دليلاً على عظمه، وأنه أمر يعيق الإنسان عن الوصول إلى درجات الكمال، ثم إني أنصحهم مرةً أخرى إذا دعت الضرورة إلى الاستدانة واستدانوا، أنصحهم ألا يماطلوا في حق الدائن ويؤخروه، فإن ذلك ظلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مطل الغني ظلم )، والمطل يكون إذا حل الحق، والغني هو القادر على الوفاء، فإذا حل حق الدائن وكان المدين قادراً على الوفاء فإنه يجب عليه المبادرة بوفائه، وإذا تأخر ساعةً فهو آثم وساعتين فهو أشد إثماً، وثلاث ساعات فهو أشد إثماً، وهكذا كلما زادت الساعات في تأخيره للوفاء ازداد بذلك إثماً، ثم إنه ربما يعاقب فيسلب هذا المال الذي كان به قادراً على الوفاء، ويندم حين لا ينفع الندم.

    1.   

    حكم من بني مسجداً لابنه المتوفى وسماه باسمه

    السؤال: عندي قطعة أرض، فقمت ببناء مسجد لابني المتوفى، هل يجوز ذلك عنه؟ وإذا قمت بتعليق لوحة على باب المسجد وكتب عليها مسجد فلان رحمه الله، فهل يجوز ذلك عنه؟

    الجواب: بناء المساجد من أفضل القرب التي تقرب إلى الله عز وجل، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( أن من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة )، ولكن هل من المستحب والمشروع أن نبني المساجد للأموات أو نبنيها لأنفسنا وندعو للأموات؟ الجواب: الثاني، أن نبني المساجد لأنفسنا؛ لأننا محتاجون إلى العمل الصالح، أما الأموات فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرشدنا ماذا نفعل لهم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له )، فترى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرشد إلى الدعاء لا إلى أن يعمل له عمل صالح، مع أن سياق الحديث في العمل، ولو كان العمل للأموات من الأمور المشروعة لأرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكننا حينما نقول: إنه ليس من الأمور المشروعة لا نقول: إنه حرام؛ لأن السنة دلت على جوازه، فقد ثبت في الحديث الصحيح: ( أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها وأظن أنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها أو قال: أفيجزئ أن أتصدق عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم ).

    وأذن لـسعد بن عبادة أن يجعل مخرافه في المدينة وهو نخل يخرف صدقةً لأمه.

    أيضاً يترتب على سؤال الأخ السائل أنه جعل المسجد لابنه المتوفى، فهل يمكن أن نقول: إنه لا يجوز أن يخص ابنه المتوفى بهذا المسجد دون إخوته الباقين إن كان له إخوة؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم )، أو نقول: إنما العدل واجب في أمور الدنيا أما أمور الآخرة فلا يجب فيها العدل؟ فالأول أقرب عندي، وأنه لا يخص أحداً من أولاده بأعمال صالحة دون الآخرين؛ لأنه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم )، وقوله لـبشير بن سعد حين أراد أن يشهد النبي صلى الله عليه سلم على عطيته لابنه النعمان قال: ( أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور ).

    والخلاصة: أننا نقول لهذا الرجل: الذي ينبغي أن تجعل المسجد لك، وثوابه لك، وأما ابنك فالدعاء له أفضل من أن تجعل له هذا المسجد.

    وفي سؤاله قال: إنه كتب عليه أن هذا مسجد فلان بن فلان، فهذا حسن من وجه، وسيئ من وجه آخر، أما كونه حسناً فإن الناس إذا رأوا هذا الاسم دعوا لمن بناه وقالوا: غفر الله له وأثابه وجزاه خيراً وما أشبه ذلك، ولكنه سيء من وجه آخر لأنه يخشى منه الرياء، وأن الإنسان فعل ذلك ليرائي به الناس، والرياء إذا شارك العمل فإنه يبطله؛ لما ثبت صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ).

    1.   

    حكم تارك الصلاة، وحكم العمل معه

    السؤال: يقول: أنا عامل، وكفيلي لا يصلي الصلاة المفروضة، وأنا والحمد لله ملتزم بصلاتي وصيامي، وهذا من فضل الله علي، هل يصح لي الأكل معه؟ وما رأيكم في الراتب الذي أتقاضاه منه؟

    الجواب: قبل أن نفتي هذا السائل نوجه نصيحةً إلى كفيله، حيث ادعى هذا السائل أنه لا يصلي، فإن كان الأمر كذلك فإننا نقول لهذا الكفيل: اتق الله في نفسك، احمد الله على نعمته أن جعلك قادراً ونعمك، احمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة وقم بواجب الشكر لله رب العالمين، فإن معصية المنعم سيئة وقبيحة عقلاً وفطرةً وشرعاً.

    نقول لهذا الذي لا يصلي: اتق الله، وصل فإن الصلاة شأنها عظيم، وثوابها جزيل، وتركها خطر عظيم، فإن أصح أقوال أهل العلم: أن من ترك الصلاة فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه عن المشركين: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] ، وهذا يدل على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فليسوا إخوةً لنا في دين الله، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا إذا انتفى الإيمان وصار الإنسان كافراً؛ لأن المؤمن وإن كان ضعيف الإيمان ما دام لم يصل إلى حد الكفر هو أخ لنا، ونحبه على ما معه من الإيمان، وإن كنا نكره ما يقوم به من المعاصي؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في تارك الصلاة: ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة )، أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ).

    وقد نقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة عبد الله بن شقيق التابعي المعروف حيث قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وقد نقل بعض أهل العلم إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة وممن نقل الإجماع إسحاق بن راهويه الإمام المشهور.

    والنظر يقتضي أن من ترك الصلاة فهو كافر، ووجهه أن كل مؤمن يؤمن بما للصلاة من المكانة العظيمة عند الله عز وجل وعند رسوله وعند المؤمنين لا يمكن أن يدعها ويحافظ على تركها، فالله سبحانه وتعالى رفع شأن هذه الصلوات حيث فرضها على رسوله صلى الله عليه وسلم من غير واسطة، وفرضها عليه في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضها عليه في أفضل ليلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله فرضها على رسوله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين عرج به إلى السموات السبع، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها.

    ومما يدل على عنايته بها أيضاً أنه فرضها أول ما فرضها خمسين صلاةً، ورضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك واطمأن إليه، لكنه سبحانه وتعالى خفف على عباده فجعلها خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، فالنظر مع الأدلة السابقة يقتضي أن من ترك الصلاة تركاً مطلقاً لا يصلي أبداً فإنه كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومن المعلوم أن هذا الكفيل لو خاطبه شخص فقال: يا كافر! أنه لا يرضى بذلك أبداً، وأنه سوف يقوم بينه وبين من ناداه بهذا الوصف خصومة قد تصل إلى حد المحاكمة عند القضاة، فإذا كان لا يرضى أن يلقب بالكافر من أطراف الناس وعامة الناس، فكيف يرضى لنفسه أن ينطبق عليه لقب النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقبه به، حيث قال: ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ).

    فالواجب على هذا الكفيل وعلى غيره ممن يتهاونون بالصلاة أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وأن يقوموا بالصلاة إخلاصاً لله، واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليجربوا فإنهم إذا صلوا مرة ومرتين وثلاثاً فإنهم يرغبون للصلاة، وتكون الصلاة قرة عين لهم، ويأنسون بها، أما إذا استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله وأنساهم الصلاة فإنهم سوف يرونها ثقيلة والعياذ بالله، ويستمرون على ما هم عليه من تركها المؤدي إلى الكفر.

    أما بالنسبة للعامل وبقائه عند هذا الكفيل فإنه لا حرج عليه أن يبقى عنده، ولكن يجب عليه أن يناصحه دائماً، وألا يحقر نفسه عن النصيحة، ربما يقول العامل: أنا عامل كيف أنصح كفيلي هو في نظر الناس أعلى مني قدراً، وأكبر مني جاهاً فكيف أناصحه؟ نقول: لا حرج أن تناصحه وإن كنت أقل قدراً في أعين الناس، فإنك إذا نصحته لله صرت عند الله أكبر منه قدراً.

    وبعض الناس يرى أن تارك الصلاة ليس بكافر، ويحمل النصوص الواردة في تكفيره على أن المراد بذلك من جحد وجوبها وتركها جحداً لوجوبها، والحقيقة أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأنه إذا حمل النصوص الواردة في الترك على الجحد فقد حملها على غير ما يقتضيه ظاهر اللفظ، فجنى عليها من وجهين:

    الوجه الأول: أنه صرفها عن ظاهرها.

    والوجه الثاني: أنه استحدث لها معنىً لا يراد بها.

    ثم نقول: إن الجاحد لفرضية الصلاة إذا كان قد عاش بين المسلمين يكون كافراً سواء صلاها أو لم يصلها، حتى لو فرض أنه يحافظ على صلاتها ولكنه يقول: إنها نافلة وليست بواجبة فإنه كافر.

    واستدل بعض الناس الذين ذهبوا هذا المذهب استدلوا بأدلة، ولكني تتبعت هذه الأدلة واستقرأتها فوجدت أنها لا تخرج عن أحد خمسة أوجه:

    إما أنه ليس فيها دلالة أصلاً.

    وإما أنها مقيدة بوصف يستحيل معه ترك الصلاة.

    وإما أنها أحادية ضعيفة لا تقوم بها الحجة.

    وإما أنها في قوم يعذرون بالجهل، يكون الإسلام قد درس عندهم ولم يعرفوا عنه شيئاً.

    وإما أنها عامة تخصص بأدلة كفر تارك الصلاة كما هو معروف عند أهل العلم أنه إذا ورد النص العام والخاص، فإن العام يخصص بالخاص.

    ثم إن الله سبحانه وتعالى يعلم أننا لم نذهب هذا المذهب من أجل التضييق على عباد الله وإخراج عباد الله من الإسلام، ولكننا ذهبنا هذا المذهب؛ لأننا نرى أنه هو الذي دل عليه كلام ربنا وكلام نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ونعلم أن التكفير والتفسيق والتبديع والتضليل والترشيد والقول بالإسلام أو الإيمان كله ليس راجعاً إلينا، وإنما هو راجع إلى الله ورسوله، والذي له الحكم وبيده ملكوت كل شيء هو الله، فإذا حكم على شخص أنه كافر فهو كافر، ونقول: إنه كافر، ولا نبالي، وإذا حكم على شخص بأنه مسلم فإنه مسلم، ونقول: إنه مسلم، ولا نبالي وهكذا، كما أن التحليل والتحريم والإيجاب كله إلى الله عز وجل، فكذلك الوصف بالإسلام والإيمان والكفر والعصيان كله إلى الله عز وجل، وإذا قلنا بما يقتضيه الدليل فنحن معذورون، بل مشكورون على ذلك ومأجورون عليه، ولسنا نريد أن نضيق على الناس أو نخرجهم من دينهم إلا ببرهان يتبين لنا، والله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

    كما ننصح المستمعين والكفلاء بالذات أن يتقوا الله عز وجل في مكفوليهم، وأن يؤدوا إليهم حقهم، فإن كثيراً من الكفلاء -نسأل الله لنا ولهم الهداية- يضيعون من يأتون به من هؤلاء الفقراء الذين جاءوا لتحصيل لقمة العيش لهم ولعوائلهم، فتجده يماطل في حق هذا العامل؛ تمت الشهران والثلاثة والأربعة وهو لم يوف حقه، وإذا أراد أن يرفعه إلى الجهات المسئولة هدده بأن يلغي عقده ويرده إلى بلاده، تجده يجعل عليه ضريبة كل شهر يقول: لا بد أن تأتيني بمائتي ريال بثلاثمائة ريال ثم يسيبه في البلد، وهذا لا شك أنه حرام ولا يجوز، فإن هذا أولاً: ينافي نظام الحكومة، وثانياً: ظلم لهذا العامل المسكين الذي قد لا يجد ما فرضه عليه هذا الكفيل.

    ثم إني أذكر هؤلاء الكفلاء بأنه ربما يأتي يوم من الأيام يكونون هم بمنزلة هؤلاء الفقراء، فيحتاجون إلى الناس، ويذهبون إلى بلادهم، ويفعل بهم ما فعلوا بهؤلاء، ثم إذا قدر أنهم سلموا من عقوبة الدنيا فإنهم لن يسلموا من عقوبة الآخرة، حيث يهضمون هؤلاء حقهم ويظلمونهم، ولقد قيل لي: إن بعض الناس يتفقون معهم على أجر في بلادهم، ثم إذا وصلوا إلى البلد -أي بلادنا- قالوا: لا نعطيك إلا كذا أو ارجع، فمثلاً: يتفقون على أن الشهر بخمسمائة ريال، فإذا وصلوا إلى البلد قالوا: لا نعطيك إلا ثلاثمائة، تريد هذا وإلا ارجع إلى أهلك، وهذا لا شك أنه حرام، فهذا إخلاف للوعد ونقض للعهد، وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34] ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] ، وقال الله عز وجل: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92] .

    فعلى المؤمن أن يتقي الله عز وجل، وألا ينظر إلى الدنيا، فهو الآن قد يكون منعماً في دنياه صحيح البدن، كثير المال، كثير الأهل، كثير الأصحاب، لكنه سيأتي يوم من الأيام يكون منفرداً في قبره بعمله، فليذكر الإنسان هذه الحال، وليذكر الحال التي وراءها يوم القيامة، حيث يقتص للإنسان ممن ظلمه، حتى إن الرجل ليأتي بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ظلم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النار.

    فعلى المؤمن أن يتقي الله عز وجل في هؤلاء الفقراء الذين ما جاءوا إلا لحاجة، نسأل الله للجميع السلامة.