إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [392]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الوفاء بالنذر وكفارته

    السؤال: إذا حلف الإنسان, قائلاً: عليّ عهد الله أن أفعل كذا, أو عليّ نذر لله أن أفعل كذا, ثم حنث, ولم يف بهذا العهد, هل عليه كفارة؟ وما هي؟

    الجواب: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أنبه إلى أن النذر الذي يلتزم به الإنسان مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه, وقال: (إنه لا يأتي بخير, وإنما يستخرج به من البخيل ) حتى إن من أهل العلم من قال: إن النذر محرم؛ لأن الإنسان يلزم نفسه بما لا يلزمه, فيشق على نفسه, وربما يتأخر عن إيفائه, فيعرض نفسه للعقاب العظيم الذي ذكره الله تعالى في قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77].

    وقد أشار الله عز وجل إلى كراهة النذر وإلزام الإنسان نفسه, فقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ [النور:53] ثم إننا نسمع دائماً عن أناس نذوراً معلقة على شرط من الشروط, كأن يقول: إن شفى الله مريضي, فلله علي نذر أن أصوم كذا, أو أن أتصدق بكذا, أو إن شفاني الله, أو ما أشبه ذلك ثم يحصل له ما علق النذر عليه, ولا يفي به، وهذا كما أشرت إليه آنفاً, تعريض من الإنسان لنفسه أن يقع في هذه العقوبة العظيمة, أن يعاقبه الله نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقاه، وإذا ابتلي الإنسان فنذر, فإن كان النذر نذر طاعة, فإنه يجب عليه الوفاء به, ولا يحل له أن يدعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه )، ولا فرق بين أن يكون النذر طاعة واجبة, كأن يقول الإنسان مثلاً: لله عليّ نذر أن أؤدي زكاتي, أو نذر طاعة مستحبة, كأن يقول: لله عليّ نذر أن أصلي ركعتين، ولا فرق بين أن يكون هذا النذر مطلقاً غير معلق بشيء, أو يكون معلقاً بشيء.

    فالأول: كأن يقول: لله عليّ نذر أن أصوم الإثنين والخميس, والثاني: أن يقول: إن شفى الله مريضي, أو إن شفاني الله فلله عليّ نذر أن أصوم الإثنين والخميس.

    وعلى كل حال فإن كل نذر طاعة فإنه يجب عليه الوفاء به, ولا يحل له أن يدعه ويكفر, ولو فعل كان آثماً، أما إذا كان النذر غير طاعة, فإن كان نذر معصية, فإنه لا يجوز الوفاء به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه )، ولكنه يجب عليه كفارة يمين, كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كفارة النذر كفارة يمين ) وهذا عام, فكل نذر لا تفي به, فإن عليك فيه كفارة يمين، وكفارة اليمين بينها الله تعالى في قوله: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]. وهذه الثلاثة على التخيير فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89]، وبناء على هذه القاعدة؛ يلزم على السائل الذي قال: لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا ولم يفعله, يلزمه أن يكفر كفارة يمين, فيطعم عشرة مساكين, أو يكسوهم, أو يعتق رقبة، والإطعام كيفيتان:

    الكيفية الأولى: أن يصنع طعاماً غداءً أو عشاءً, ويدعو إليه عشرة مساكين فيأكلوه, والثانية: أن يفرق عليهم طعاماً, كالرز مثلاً ويحسن أن يجعل معه لحماً يؤدمه, حتى يكون إطعاماً ومقدار الواجب من الأرز إذا أراد أن يفرقه بدون طبخ, مقدار ربع صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم, وهو خمس صاع بصاعنا الموجود حالياً, ولو أخرج إنسان للعشرة عشرة كيلو، لكل واحد كيلو لكان أدى الواجب وزيادة، والله أعلم.

    1.   

    إخراج الكفارة للأقارب

    السؤال: هل يشترط عشرة مساكين إذا لم يجد هؤلاء المساكين بعينهم يا شيخ, فهل الأقارب يدخلون في هذا؟

    الجواب: يدخلون؛ لقوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89]، والمساكين سواء كانوا من الأقارب أم من غيرهم, بل إذا كانوا من الأقارب فهو أفضل من غيرهم, لكن إذا قدر أنه لم يجد, فقد بين الله حكم ذلك في آخر الآية في قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]، ونفي الوجود هنا يشمل من لم يجد الطعام فيطعمه, ومن لم يجد المساكين, وإن كان عنده مال كثير إذا لم يجد المساكين, فإنه يصوم ثلاثة أيام, لكن يشترط في الأيام الثلاثة إذا صامها أن تكون متتابعة.

    1.   

    كيفية منع المار بين يدي المصلي عند الزحام كالمسجد الحرام

    السؤال: إذا كان الرجل في الصلاة, فإن عليه أن يمنع المارين أمامه, فكيف نتعامل مع من لا يمتنع, خاصة إذا كان المسجد مزدحماً مثل: المسجد الحرام وغير ذلك؟

    الجواب: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبي فليقاتله) أي: فيدافعه، وإن أدى ذلك إلى الضرب, وما أشبه ذلك, (فإنما هو شيطان ) وفي لفظ: (فإن معه قرين ) فأنت تدافع بالتي هي أحسن أولاً, فإن أصر فادفعه ولو بقوة؛ لأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: شيطان، وإذا كنت في محل مزدحم, فالأفضل أن تتحرى الأماكن قليلة الازدحام بقدر ما تستطيع, وأنت عليك أن تتقي الله ما استطعت, وإذا جاء أمر خارج عن قدرتك واستطاعتك, فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

    1.   

    تحريك السبابة في التشهد

    السؤال: البعض من الناس يحركون السبابة في التشهد,..إلخ، هل يجوز ذلك؟ أم أن تحريك السبابة يقتصر على أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله؟ نرجو الإفادة.

    الجواب: تحريك السبابة إنما يكون عند الدعاء, وليس في جميع التشهد, فإذا دعا حركها, كما جاء ذلك في بعض الأحاديث, يحركها يدعو بها, ووجه ذلك أن الداعي إنما يدعو الله عز وجل, والله سبحانه وتعالى في السماء؛ لقوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ) فالله تعالى في السماء, أي: في العلو فوق كل شيء, فإذا دعوت الله, فإنك تشير إلى العلو, ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أنه خطب الناس في حجة الوداع وقال: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم, فرفع أصبعه إلى السماء, وجعل ينكتها إلى الناس, يقول: اللهم اشهد, اللهم اشهد, اللهم اشهد, ثلاثاً )، وهذا يدل على أن الله تعالى فوق كل شيء, وهو أمر واضح معلوم بالفطرة والعقل والسمع والإجماع, وعلى هذا فكلما دعوت الله عز وجل, فإنك تحرك السبابة, تشير بها إلى السماء, وفي غير ذلك تجعلها ساكنة, فلنتتبع الآن مواضع الدعاء في التشهد, في السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين, اللهم صلِّ على محمد، اللهم بارك على محمد، أعوذ بالله من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال، هذه ثمانية مواضع للدعاء فتشير بها نحو السماء.

    مداخلة: لو سمحت يا فضيلة الشيخ تعيد نفس المواضع الثمانية؟

    الشيخ: نعم، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين, اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، أعوذ بالله من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال، هذه ثمانية مواضع يحرك الإنسان أصبعه فيها نحو السماء, وإن دعا بغير ذلك أيضاً رفعها؛ لأن القاعدة أن يرفعها عند كل دعاء.

    1.   

    طاعة الوالدين إن غضب أحدهما من بر الولد للآخر

    السؤال: يقول: هو شاب يبلغ الخامسة والعشرين من العمر, والدي ووالدتي في خصام مستمر طول أيامهما, إن بررت الأول غضب ونفر الثاني, وإن بررت الثاني غضب الأول, واتهمني بالعقوق, ماذا أفعل يا فضيلة الشيخ لكي أبرهما؟ وهل أعتبر عاقاً بالنسبة لأمي لمجرد أنني بررت بأبي, أو العكس؟ نرجو من فضيلة الشيخ الإجابة مأجورين.

    الجواب: بر الوالدين من أوجب الواجبات التي تجب للبشر على البشر؛ لقول الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، وقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، والأحاديث في هذا كثيرة جداً, فالواجب على المرء أن يبر والديه كليهما, الأم والأب, يبرهما بالمال والبدن والجاه, وبكل ما يستطيع من البر, حتى إن الله تعالى قال في سورة لقمان: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:14-15]، فأمر بمصاحبة هذين الوالدين المشركين اللذين يبذلان الجهد في أمر ابنهما, أو في أمر ولدهما بالشرك, ومع ذلك أمر الله أن يصاحبهما في الدنيا معروفاً, وإذا كان كذلك فالواجب عليك نحو والديك اللذين ذكرت أنهما في خصام دائم, وأن كل واحد منهما يغضب عليك إذا بررت الآخر, فالواجب عليك أمران, الأمر الأول: بالنسبة للخصام الواقع بينهما, أن تحاول الإصلاح بينهما ما استطعت, حتى يزول ما بينهما من الخصام والعداوة والبغضاء؛ لأن كل واحد من الزوجين يجب عليه للآخر حقوق لابد أن يقوم بها, ومن بر والديك أن تحاول إزالة هذه الخصومات, حتى يبقى الجو صافياً, وتكون الحياة سعيدة, فأما الأمر الثاني: فالواجب عليك نحوهما أن تقوم ببر كل واحد منهما, وبإمكانك أن تتلافى غضب الآخر إذا بررت صاحبه, بإخفاء البر عنه, فتبر أمك بأمر لا يطلع عليه والدك, وتبر والدك بأمر لا تطلع عليه أمك, وبهذا يحصل المطلوب ويزول المرهوب، ولا ينبغي أن ترضى ببقاء والديك على هذا النزاع, وهذه الخصومة, ولا على هذا الغضب, إذا بررت الآخر, والواجب عليك أن تبين لكل واحد منهما أن بر صاحبه لا يعني قطيعته, أي: قطيعة الآخر, بل كل واحد منهما له من البر ما أمر الله به ورسوله.

    1.   

    كيفية بر الوالدين بعد الممات

    السؤال: بر الوالدين بعد الممات كيف يكون؟

    الجواب: بر الوالدين بعد الممات يكون بالدعاء لهما, والاستغفار, وصلة الرحم التي هما سبب الرابطة بينك وبينها, وإكرام صديقهما.

    1.   

    حكم ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً ودليل ذلك

    السؤال: هل الذي يترك الصلاة تهاوناً وكسلاً وإهمالاً يعتبر كافراً أو مرتداً؟

    الجواب: هذا السؤال كما قلت: هام جداً, وذلك أن كثيراً من الناس يدع الصلاة تهاوناً وكسلاً؛ بناء على أنه مؤمن, يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, ويعتبر نفسه من عصاه المؤمنين الذين يدخلون تحت المشيئة, إن شاء الله عذبهم, وإن شاء غفر لهم؛ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ولكن القول الراجح الذي تؤيده الأدلة, أنه -أي: تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً- كافر كفراً مخرجاً عن الملة؛ وذلك لدلالة القرآن والسنة, وأقوال الصحابة, فمن أدلة القرآن قوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، فرتب الله ثبوت الأخوة في الدين على هذه الأمور الثلاثة, التوبة يعني: من الشرك, وإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, ومن المعلوم أن الحكم المرتب على أوصاف لابد أن تكون هذه الأوصاف تامة فيه؛ لأن المشروط لا يتم إلا بوجود الشرط, فإذا لم يتوبوا من الشرك, فليسوا إخواننا في الدين؛ لأنهم مشركون، وإن تابوا من الشرك ولم يقيموا الصلاة فليسوا إخواناً لنا؛ لأنهم لم يقيموا الصلاة، وإن تابوا من الشرك ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخواننا في الدين؛ لأنهم لم يؤتوا الزكاة، هذا ما تدل عليه الآيات الكريمة, ولكن قد جاء في السنة بيان أن مانع الزكاة ليس بكافر, كفراً مخرجاً عن الملة, وهو ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها, إلا إذا كان يوم القيامة, صفحت له صفائح من نار, وأحمي عليها في نار جهنم, يكوى به جنبه وجبينه وظهره, كلما بردت أعيدت, في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, حتى يقضى بين العباد, ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )، فإن هذا الحديث يدل على أن تارك الزكاة يمكن أن يدخل الجنة؛ لقوله: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )؛ وعلى هذا فيكون مفهوم الآيات الكريمة مخصوصاً بمنطوق هذا الحديث، ومن المعلوم بين أهل العلم أن السنة النبوية تخصص القرآن الكريم، أما تارك الزكاة فلم يرد في السنة تخصيصه, بل جاء في السنة ما يؤيده, حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة )، وفي السنن من حديث بريدة بن حصين رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )، وورد في الأحاديث الأخرى هذا المعنى, فهذا دليل من القرآن ومن السنة.

    أما كلام الصحابة, فقد حكى إجماعهم غير واحد, فقال عبد الله بن شقيق التابعي المشهور: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة, وحكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة الإمام إسحاق بن راهوية رحمه الله وغيره من أهل العلم, ممن نقل الإجماع في ذلك, ثم إن النظر يقتضي أيضاً أن يكون كافراً؛ لأن من عرف حقيقة الصلاة وفضلها وعناية الله بها والثواب الجزيل لمن حافظ عليها, والعقاب على تاركها, وأنها هي الفريضة التي فرضها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من غير واسطة, وفرضها عليه في أعلى مكان بلغه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج, أقول: من عرف فضلها, ومرتبتها في الدين, ثم عرف ما يترتب على تاركها من العقوبة العظيمة, فإنه لا يمكن إذا كان في قلبه إيمان أن يدعها، ولقد تأملت الأدلة التي استدل بها من يقول بأن تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً لا يكفر, فوجدتها لا تخلو من خمس حالات:

    الحالة الأولى: أنه ليس فيها دلالة أصلاً على أن تارك الصلاة لا يكفر.

    والحالة الثانية: أن تكون مقيدة بوصف لا يمكن أن يدع الموصوف به الصلاة.

    والحالة الثالثة: أن تكون مقيدة بحال يعذر فيها تارك الصلاة.

    والحال الرابعة: أن تكون أدلة عامة, ومن المعلوم أن الأدلة العامة تقضي عليها الأدلة الخاصة, وتخصصها.

    الحالة الخامسة: أن تكون أحاديثَ ضعيفةً لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أعلم حديثاً واحداً ذكر فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن تارك الصلاة من أهل الجنة, أو أن تارك الصلاة مؤمن, أو نحو ذلك, مما يقتضي حمل النصوص الدالة على كفره, على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

    وإنني بهذه المناسبة أحذر إخواننا المسلمين من التهاون بالصلاة وإضاعتها, وأذكرهم بقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم:59-60]، والغالب على من أضاع الصلاة, أن يتبع الشهوات؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, فإذا تركها فَقَدَ ناهياً عن الفحشاء والمنكر, فيوشك أن يقع فيه، هذا وقد حمل بعض العلماء رحمهم الله الأحاديث الدالة على كفره على من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها, ولا شك أن هذا الحمل غير صحيح, لوجهين:

    الوجه الأول: أنه صرف للنصوص عن ظاهرها إلى معنى لا يدل عليه الظاهر.

    والوجه الثاني: أنه إلغاء لوصف علق الشارع عليه الحكم مع اعتبار وصف آخر لم يعلق عليه الشارع الحكم, ثم إنه منقوض بما لو كان الإنسان يصلي ويحافظ على الصلاة, لكن لا يعتقد وجوبها, فإنه كافر, ومع ذلك لم يكن تاركاً للصلاة, فدل هذا على أن المراد بتارك الصلاة من تركها وهو يعتقد وجوبها، أما من جحد وجوبها فهو كافر سواء صلى أم لم يصل.

    1.   

    حكم الاجتماع للاستغفار ثلاثاً وقراءة الفاتحة ستاً والصلاة على النبي عشراً بعد الجمعة

    السؤال: في يوم الجمعة وبعد صلاة العصر يقوم إمام المسجد بعمل الختم, وهو أن يجلس هو في الوسط ويجتمع من حوله من المصلين ثم يبدأ ويقول: استغفر الله ثلاث مرات, ويقرأ الفاتحة ست مرات, ويصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم عشر مرات, فهل هذا عمل جائز أم أنه بدعة؟ نرجو التوجيه.

    الجواب: هذا العمل بدعة بلا شك, وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول على المنبر وهو يخطب الناس: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد, وشر الأمور محدثاتها, وكل بدعة ضلالة ). وصح عنه أنه قال: (عليكم بسنتي, وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي, تمسكوا بها, وعضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة )، فكل عبادة يتعبد بها الإنسان إلى الله, فإنه لا بد فيها من أمرين: الأول: الإخلاص لله عز وجل, والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا تتحقق المتابعة, إلا إذا كانت العبادة التي يتعبد بها موافقة للشرع, في سببها وجنسها وقدرها وكيفيتها وزمانها ومكانها، وهذه العبادة, أو الذكر الذي ذكره السائل, لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام, لا في زمنها, ولا في كيفيتها, فهي بدعة, يجب على من فعلها أن يتوب إلى الله عز وجل, وأن يستغني بما شرع الله عما ابتدعه هذا وأمثاله؛ فإننا عبيد لله عز وجل, وإذا كنا عبيداً له فلا ينبغي لنا عقلاً ولا يسوغ لنا شرعاً أن نعدل عن الطريق التي رسمها للوصول إليه إلى طريق أخرى نتخذها من أهوائنا والله المستعان.