إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [343]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم إظهار المتعبد عبادته ليقتدي به الناس

    السؤال: إذا قام الإنسان ببعض أعمال التطوع كصلاة الضحى أو قيام الليل أو غيرها من العبادات, وحاول أن يراه أهل البيت ليس رياء ولكن رجاء التقليد له أو الاقتداء به فيكون قدوة لهم فهل يجوز هذا يا فضيلة الشيخ؟

    الجواب: الأصل في معاملة الإنسان ربه وتعبده له أن يكون ذلك سراً بينه وبين ربه؛ لأنه إنما يتعبد لله رجاء ثواب الله عز وجل والنجاة من عقابه, وهذا لا يحتاج إلى أن يراه أحد من البشر؛ لأن البشر لا يحققون له شيئاً من ذلك إلا حسبما تقتضيه الشريعة كالدعاء للإنسان مثلاً, هذا هو الأصل في العبادات, لكن قد يكون إظهار العبادة أمراً مشروعاً مرغوباً فيه لما يترتب عليه من المصالح.

    فانظر إلى الصلاة مثلاً وهي أجل العبادات البدنية يشرع أن تكون جماعة في المساجد معلنة ظاهرة, لما في ذلك من الخير الكثير المترتب على إعلانها والاجتماع عليها في المساجد, ولهذا إذا عورضت المصلحة هذه بما هو أصلح كان الأفضل عدم صلاتها في المساجد, فالنساء مثلاً لا يشرع لهن أن يصلين جماعة في المساجد, وإن كان يباح لهنّ أن يحضرن جماعة الرجال في المساجد, أما الرجال فوجوب الجماعة عليهم في المساجد ظاهرة؛ لأن مصلحة إظهار الجماعة في المساجد بالنسبة للرجال عارضها مشروعية القرار في البيوت وعدم البروز بالنسبة للنساء, فكان بيوتهن خيراً لهن.

    ولهذا نقول: إن المشروع في حق المرأة أن لا تشهد الجماعة مع الرجال إلا في صلاة العيد خاصة, فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن، حتى أنه أمر العواتق وذوات الخدور يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى.

    إذاً: الأصل في العبادة أن تكون سراً بين الإنسان وبين ربه؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يثيبه عليها, ويعاقب الإنسان على معصيته, لكن إذا كان في الغالب مصلحة فإنها تراعى هذه المصلحة.

    وبناء على هذه القاعدة يتبين الجواب عن سؤال المرأة التي تسأل عن إخفاء التطوع في بيتها عن أهلها, هل هو أفضل أو إظهار التطوع لا رياء ولا سمعة, ولكن من أجل أن يقتدي بها أهل البيت؟

    فنقول: إن إظهار التطوع في هذه الحال بهذه النية أفضل من إخفائه؛ لأن الناس ينشط بعضهم بعضاً, فإذا رأت المرأة أن إظهار تطوعها في الصلاة أو قراءة القرآن أو الصدقة أو ما أشبه ذلك ينتج عنه خير باقتداء غيرها بها, فإن إظهاره حينئذ يكون خيراً, وهكذا الرجل, ولهذا امتدح الله عز وجل الذين ينفقون سراً وعلانية, ولم يجعل المدح خاصاً بالذين ينفقون سراً؛ لأن السر قد يكون أولى, والعلانية قد تكون أولى بحسب ما يترتب على ذلك من المصالح.

    وخلاصة الجواب: أن المرأة إذا أظهرت التطوع بالصلاة أو القراءة أو الصيام أو الصدقة من أجل أن يقتدي بها أهل البيت فإن ذلك لا بأس به, بل هو خير.

    1.   

    التحذير من الصيغ المبتدعة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: كيف نصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد انتشرت البدع في كل الأمور, ونخشى أن تكون في صلاتنا عليه بدعة؟ هل صحيح هذه الصلاة عليه بهذه العبارات: اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم, اللهم صل على أسعدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, اللهم صل على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, اللهم صل على شفيعنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, اللهم صل وسلم وبارك على روح سيدنا محمد في الأرواح, وعلى جسده في الأجساد, وعلى قلبه الشريف وهو نور, وعلى قبره المنير في القبور, وعلى اسمه بين الأسماء عدد معلوماتك ومداد كلماتك كلما ذكرك الذاكرون وسها وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون؟

    هل يجوز في الدعاء أن نقول: اللهم اجعلنا إلى قبره من الزائرين أم إلى مسجده من الزائرين؟

    الجواب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الصلاة عليه, وأخبر أن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله بها عليه عشراً, وخير صيغة يقولها الإنسان في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه بها, مثل قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وغيرها من صيغ الصلوات التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن خير ما ألف في ذلك كتاب ابن القيم رحمه الله المسمى جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام, فليرجع إليه السائل وغيره من الإخوة المستمعين للاستفادة منه.

    أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة التي ذكرها السائل فإنها صلاة بدعية, وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل بدعة ضلالة ).

    وهذه الصيغ من الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم وأذكار الله عز وجل التي يدأب عليها من يدأب وهي مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم كلها من البدع والضلال, ولا أدري كيف يليق بالمؤمن أن يعدل عما جاءت به السنة إلى هذه الألفاظ المبتدعة؟ وما ذلك إلا من تزيين الشيطان وتلبيسه, والذين يدعون ما جاءت به السنة من صحيح الأذكار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ابتدع فيها من البدع لهم نصيب من قوله تعالى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، فإذا كنت أخي المسلم تريد أن تتعب نفسك بل تريد أن تتقرب إلى ربك بشيء من الأذكار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فعليك بما جاءت به الشريعة, فإن ذلك هو الهدى والنور والشفاء, وإياك ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة, وأكثر الناس ولاسيما طلبة العلم يعلمون أن العبادة لا تصح إلا بشرطين: أحدهما: الإخلاص لله. والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما قول السائل: هل يجوز أن نقول: اللهم اجعلنا إلى قبره من الزائرين أو إلى مسجده؟

    فالمشروع أن تقول: اللهم اجعلني إلى مسجده من الزائرين؛ لأن مسجده هو الذي تشد إليه الرحال وليس قبره؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام, ومسجدي هذا, والمسجد الأقصى ).

    وهاهنا نقطة أحب أن أنبه عليها, وهي: أن كثيراً من الناس يتشوقون إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما يتشوقون إلى زيارة مسجده, بل أكثر مما يتشوقون إلى زيارة الكعبة بيت الله عز وجل, وهذا من الضلال البين, فإن حق النبي عليه الصلاة والسلام لا يشك أحد في أنه دون حق الله, فالرسول عليه الصلاة والسلام بشر مرسل من عند الله, ولولا أن الله اجتباه برسالته لم يكن له من الحق هذا الحق الذي يفوق حق كل بشر, أما أن يكون مساوياً لحق الله عز وجل, أو يكون في قلب الإنسان محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تزيد على محبة الله فإن هذا خطأ عظيم, فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبة الله, وتعظيمنا له تابع لتعظيم الله عز وجل, وهو دون تعظيم الله تعالى؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نغلو فيه, وأن نجعل له حقاً مساوياً لحق الله عز وجل: ( قال له رجل مرة: ما شاء الله وشئت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده ).

    والخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله ومحبة الله في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد, وأن تكون محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق, وأما أن يساوي بين حق الله وحق الرسول صلى الله عليه وسلم.. وبين حق الرسول صلى الله عليه وسلم بحق الله تعالى فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم.

    1.   

    حكم الدعاء بجاه الرسول والقرآن الكريم

    السؤال: الدعاء بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم؟

    الجواب: هاتان مسألتان: المسألة الأولى: الدعاء بالقرآن الكريم؛ فالدعاء بالقرآن الكريم يعني أن يسأل الإنسان ربه بكلامه, وهذا على القاعدة المعروفة عند أهل العلم جائز؛ لأن هذا من باب التوسل بصفات الله عز وجل, والتوسل بصفات الله عز وجل جائز جاءت به الشريعة, والقرآن صفة من صفات الله عز وجل فإنه كلام الله تكلم به حقيقة لفظاً وأراده معنى, فهو كلامه عز وجل لفظاً ومعنى, ليس كلام الله ألفاظاً دون المعاني ولا المعاني دون الألفاظ, وإذا كان صفة من صفاته فالتوسل به جائز.

    وأما التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وهي المسألة الثانية, فالراجح من أقوال أهل العلم أنه ليس بجائز, وأنه يحرم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم, فلا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك كذا وكذا؛ وذلك لأن الوسيلة لا تكون وسيلة إلا إذا كان لها أثر في حصول المقصود, وجاه النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى الداعي ليس له أثر في حصول المقصود, وإذا لم يكن له أثر لم يكن سبباً صحيحاً, والله عز وجل لا يدعى إلا بما يكون سبباً صحيحاً له أثر في حصول المطلوب.

    فجاه النبي صلى الله عليه وسلم هو مما يختص به النبي صلى الله عليه وسلم وحده, وهو مما يكون منقبة له وحده, أما نحن فلسنا ننتفع بذلك, وإنما ننتفع بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته, وما أيسر الأمر على الداعي إذا قال: اللهم إني أسألك بإيماني بك وبرسولك كذا وكذا, بدلاً من أن يقول: أسألك بجاه نبيك, ومن نعمة الله عز وجل علينا ورحمته بنا أنه لا ينسد باب من الأبواب المحظورة إلا وأمام الإنسان أبواب كثيرة من الأبواب المباحة.

    ولهذا ينبغي للداعي إلى الله عز وجل إذا ذكر للناس باباً مسدوداً في الشرع أن يبين لهم الباب المفتوح الذي أتت به الشريعة حتى لا يسد على الناس الطرق, ويبقيهم في عمه وحيرة, وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك في كتابه, وأرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته؛ فقال الله تعالى في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا [البقرة:104]، فنهاهم عن قول وفتح لهم قولاً آخر أو باب قول آخر, لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا [البقرة:104] وقال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي جاءه بتمر طيب, وأخبره أنه يشتري هذا الطيب الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة, قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تفعل ), فنهاه أن يشتري صاعاً من التمر الطيب بصاعين من التمر الرديء, نهاه عن ذلك؛ لأن هذا ربا, وقال له: ( بع الجمع -يعني: الرديء- بالدراهم, ثم اشتر به -يعني: ثم اشتر بالدراهم- تمراً طيباً ), فلما نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن المحرم بين له الحلال, وهكذا ينبغي لكل داعية يدعو الناس إلى شيء فيحذرهم من فعل أو قول أن يذكر لهم بدلاً منه من الأقوال والأفعال المباحة.

    وخلاصة القول: أن سؤال الله تعالى بكلامه كالقرآن مثلاً جائز, وأن سؤال الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ليس بجائز على ما بينا من الحكمة والتعليل.

    1.   

    حكم نقل الصلاة عبر مكبرات الصوت إلى خارج المسجد

    السؤال: هل وجدت وأسست الجوامع والمساجد منذ عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحتى الآن لغرض انتقال الناس إليها والتجمع فيها لقيام الصلاة وأداء بعض العبادات بصورة جماعية داخل المساجد, أم وجدت وأسست لغرض نقل العبادات والصلوات جهرة إلى بيوت الناس عبر مكبرات الصوت وبأعلى درجة ممكنة وشل عبادات الناس وتسبيحاتهم في بيوتهم, وخاصة النساء والشيوخ والعجزة والمرضى الذين لا يستطيعون الذهاب إلى الجامع فيتعبدون في بيوتهم في هدوء واطمئنان؟

    الجواب: لاشك أن المساجد بنيت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا للصلاة وقراءة القرآن والذكر وغير ذلك من الطاعات التي تشرع فيها, وأهم شيء إقامة الصلاة فيها جماعة؛ قال الله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، وقال الله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

    وأما نقل الصلاة عبر مكبرات الصوت من على رءوس المنائر, فإنه كما قال السائل: فيه تشويش على الناس في بيوتهم وشل لأذكارهم وتسبيحاتهم الخاصة, وربما يكون فيه إزعاج لبعض النوّم والمرضى الذين لم يجدوا راحة إلا في ذلك الوقت, ثم هو أيضاً إيذاء للمساجد الأخرى التي بجوار هذا الصوت وتشويش عليهم، وقد حدثني كثير من الناس الذين كانوا بجوار المساجد التي ترفع الأذان من على المنائر أنه إذا كان صوت الإمام في المسجد الذي نقلت صلاته عبر هذه المكبرات أحسن من صوت إمامهم وقراءته أحسن من قراءة إمامهم أنهم يتابعون ذلك الإمام الذي خارج مسجدهم, ويدعون إمامهم ولا ينصتون لقراءة الإمام.

    وحدثني أيضاً بعض الناس أنهم يكبرون بتكبير إمام المسجد المجاور ظناً منهم أن هذا التكبير تكبير إمامهم, وهذا أمر معلوم عند كثير من الناس, وهو أيضاً أمر لا ينضبط بمعنى أنه قد يقول قائل: إن صوتي لا يبلغ المسجد الفلاني ولا يشوش على أهله, فإن هذا أمر لا ينضبط؛ لأن هذا خاضع لاتجاه الرياح, فإذا كانت الرياح متجهة إلى المساجد المجاورة سمعوا الصوت, وإذا كانت متجهة إلى خلافها لم يسمعوا الصوت, وربما يكون الصوت قوياً جداً فيسمع من حوله على أي حال كان اتجاه الرياح, وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثين صححهما ابن عبد البر : ( أنه سمع الصحابة رضي الله عنهم يقرءون ويجهرون فنهاهم عن ذلك, وقال: لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة أو قال: في الصلاة ) وفي لفظ آخر: ( لا يؤذين بعضكم بعضاً )، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن ليس للإنسان أن يجهر جهراً يشوش على المصلين.

    وإن نصيحتي لإخواني المسلمين أن يدعوا هذا العمل الذي يشوشون به على من بقربهم ويؤذونهم, وهذا أمر قد جاء به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم, وما جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا مجال للاجتهاد فيه, فإذا علمنا أن في ذلك تشويشاً على من حولهم من المساجد تخبيطاً لصلاتهم, فإن هذا داخل فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم, والمصالح التي قد تحصل أو قد يتوهم بعض الناس حصولها هي مغمورة جداً في المفاسد التي تترتب على ذلك, فإن من الناس من يقول: إن بقاء الصلاة من على المنائر قد يستمع إليه بعض النساء في البيوت وينتفعون بقراءة القاري.

    فنقول: إن هذه المصلحة منغمرة في جانب المفاسد الأخرى؛ لأن من الناس من لا يرغب أن يسمع هذا الصوت الذي يشغله كما قال السائل عن أذكاره الخاصة وقراءته الخاصة, ومن الناس من يكون محتاجاً إلى النوم لكونه طول الليل وهو ساهر لمرض أو قلق ثم ينام, فينام بعد أن يصلي الفجر لكونه لا يستطيع الخروج للصلاة في المساجد ثم يأتي هذا الصوت الذي يزعجه وينبهه من النوم, فهذه مفسدة, ثم إننا رأينا وشاهدنا كثيراً من الناس إذا أقبل على المسجد وسمع الإمام في آخر القراءة ذهب يسعى ويشتد سعياً أي يركض ليدرك الركوع مع الإمام, وهذا وقوع فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    على كل حال المصلحة كل المصلحة أن يتبع الإنسان ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلاً للمأمور وتركاً للمنهي, وإذا كان قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن يشوش المصلون بعضهم على بعض برفع أصواتهم في القراءة, فهذا هو الفيصل في هذه المسألة, ولا تحسين للعقول بعد وجود النص أبداً, فنصيحتي لأخواني أن يدعوا هذا.

    وإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى استعمال المكبر في داخل المسجد فليستعملوه في داخل المسجد, كما لو كان المسجد كبيراً, وفيه نساء لا يسمعن إلا بذلك, أو كان ذلك في يوم الجمعة فليستعملوه, وإذا لم تدع الحاجة إليه حتى في داخل المساجد فلا ينبغي استعماله أيضاً؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يعتاد الإنسان على هذا المكبر فلا يخشع إلا إذا استعمله؛ ولأن في هذا إضاعة المال بصرف الكهرباء.

    وأرجو أن لا ينتقدنا أحد في هذه النقطة فيقول: إن صرف الكهرباء هذا قليل جداً, وما أكثر الكهرباء التي تصرف في غير فائدة! فنقول: إنها أمر يسير بالنسبة إلى واحد, لكن إذا قدر أن في البلد مئات من المساجد, واستعملت هذه المكبرات فكم تستهلك من كيلوات في خلال الخمس صلوات في كل يوم وليلة؟

    على كل حال أهم شيء عندي في هذه المسألة أن في رفع الصوت من على المنائر ولاسيما في الصلاة الجهرية الليلية مع تقارب المساجد إيذاء للمصلين بعضهم بعضاً, وقد يكون فيها أيضاً إيذاء لمن كان حول المساجد من البيوت, وإن كان قد يكون فيه مصلحة لبعض ساكني البيوت, لكن قد يكون فيه مضرة أيضاً وإيذاء لبعض ساكني البيوت, والقاعدة الشرعية عند أهل العلم أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح عند التساوي.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002248650

    عدد مرات الحفظ

    718501439