إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [274]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تابع حكم الدعاء للأب إذا كان تاركاً للصلاة

    السؤال: لقد توفي أبي منذ عشرين سنة، وكان قاطعاً للصلاة، وكان يفطر أحياناً في رمضان كما أخبرتني والدتي وهي تنصحه ولكن بالنسبة للفطر في رمضان امتنع عنه، ولكن الصلاة كان قاطعاً لها حتى توفي، فهل يجوز لي أن أدعو له بالمغفرة والرحمة؟

    الجواب: تقدم أول الجواب على هذا السؤال، وبينا أنه لا يجوز لهذا السائل أن يدعو لأبيه الذي مات وهو تارك للصلاة، وذلك لأن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة على القول الراجح، والكافر لا يجوز لأحد أن يدعو له بالمغفرة والرحمة، لقوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113].

    وقد شرعنا في سياق الأدلة من كتاب الله التي تدل على كفر تارك الصلاة كفراً مخرجاً عن الملة، وذكرنا آية التوبة، وهي قوله تعالى عن المشركين: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، وبينا وجه دلالتها على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومن الأدلة من كتاب الله عز وجل على ذلك قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم:59-60]، ووجه الدلالة من هذه الآية قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ [مريم:60]، فدل هذا على أن من أضاع الصلاة فليس بمؤمن، والأصل في نفي الصفة عن الموصوف أن يكون نفياً تاماً، إلا أن يقوم دليل على أن المراد انتفاء كمال تلك الصفة، فيعمل بما قام عليه الدليل، وعلى هذا فتكون الآية دالة على أن من أضاع الصلاة فليس بمؤمن، واستدل بعض العلماء من كتاب الله تعالى على أن تارك الصلاة كافر، بأن الله تعالى حكم بكفر إبليس حين ترك امتثال أمر الله تعالى بالسجود لآدم، وإن كان هذا الاستدلال فيه مناقشة، وأما دلالة السنة على كفر تارك الصلاة كفراً مخرجاً عن الملة، فمنها: ما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة )، وفيما رواه أهل السنن من حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، ولا يراد بالكفر هنا ما كان من أعمال الكفر، لأنه إذا كان المراد ما كان من أعمال الكفر، فإنه لا يذكر الكفر مقروناً بـ(أل)، بل إنما يذكر منكراً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت )، أما هنا فقال: ( بين الرجل وبين الشرك والكفر )، بأل الدالة على حقيقة الجنس وهو الكفر الأكبر المخرج عن الملة، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الثاني: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة )، والضمير في قوله: (بينهم)، يرجع للكفار، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة حداً فاصلاً بيننا وبين الكفار الخارجين عن الإسلام خروجاً كلياً، وبهذا يتبين أن هذين الحديثين واضحان في أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة.

    فإن قال قائل: ألا يمكن أن يحمل الحديث على أن المراد من تركهما جاحداً لوجوبهما؟

    فالجواب: أن هذا لا يمكن، ولا يصح، لأن في حمله على ذلك جنايتين على النص: الجناية الأولى: أننا صرفناه عن ظاهره بلا دليل، وجعلنا مناط الحكم الجحود، الثاني: أننا ألغينا ظاهره الذي جعل مناط الحكم فيه الترك، وفرق عظيم بين الترك والجحود، ولهذا من جحد وجوب الصلاة فهو كافر وإن صلى، والحديث علق الحكم فيه على الترك، ونظير هذا ما حمل بعض أهل العلم قوله تعالى في قاتل النفس: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، حيث حمل هذه الآية على من قتله مستحلاً لقتله، وقد قيل للإمام أحمد هذا القول فتعجب منه، وقال: إذا استحل قتله فهو كافر، سواء قتله أم لم يقتله، وهكذا نقول نحن هنا، إذا جحد وجوب الصلاة فهو كافر، سواء صلى أم لم يصل، والحديث نص في تعليق الحكم بالترك لا بالجحد، فلا يجوز العدول عن ظاهرهما إلا بدليل، وليس هناك أدلة توجب لنا أن نخالف هذا الظاهر، فليس في الكتاب ولا في السنة أن تارك الصلاة مؤمن، ولا أن تارك الصلاة يدخل الجنة، ولا أن تارك الصلاة ينجو من النار، أو نحو ذلك من النصوص التي توجب لنا أن نحمل نصوص التكفير على أن تكون كفراً دون كفر، أو على أن المراد بها من جحد، وليعلم أن باب التكفير موكول إلى الشرع، كباب التحليل والتحريم، فكما أنه لا عدول لنا عن تحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل، فلا عدول لنا عن تكفير من كفره الله عز وجل ورسوله، ونحن عباد لله عز وجل نمتثل أمره ونجتنب نهيه، ونأخذ بما ظهر لنا من أدلة الكتاب والسنة، فإذا دلت النصوص على تكفير أحد بفعل شيء أو تركه وجب علينا أن نأخذ بها.

    أما أقوال الصحابة رضي الله عنهم فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ونقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة عبد الله بن شقيق ، حيث قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، ونقل إسحاق بن راهويه الإمام المشهور إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة كفراً مخرجاً عن الملة.

    وأما دلالة الاعتبار على كفر تارك الصلاة، فإننا نقول: كيف يكون في قلب الإنسان إيمان وهو تارك لهذه الصلاة التي عظمها الله في كتابه، وتوعد المضيعين لها، وجاءت السنة بالتنويه البالغ في فضلها، حيث إن الله عز وجل لم يشرع من الشرائع شيئاً فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون واسطة إلا الصلاة، وفرضها الله على عباده خمسين صلاة في كل يوم وليلة، مما يدل على أهميتها ومحبة الله لها وعنايته بها، فكيف يمكن أن يقال لشخص ترك هذه الصلاة مع ما فيها من هذا الفضل العظيم، والتنويه، وتعلية الشأن، كيف يمكن أن نقول: إن في قلبه إيماناً وقد تركها تركاً مطلقاً، لا يصلي ولا وقتاً لله عز وجل، فهذا وجه دلالة الاعتبار على كفر تارك الصلاة كفراً مطلقاً مخرجاً عن الملة والعياذ بالله.

    وبناءً على ذلك؛ فإنه لا يحل له عقد النكاح، بمعنى أنه لا يحل أن نزوجه مسلمة، وهو إذا كان لا يصلي لا يحل أن يعقد النكاح لأحد من بناته، وإذا عقد النكاح صار العقد فاسداً، لأن من شرط الولي على المسلمة أن يكون مسلماً، وإذا مات فإنه لا يجوز أن يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يدعى له بالرحمة والعياذ بالله، بل يؤخذ به في مكان يحفر له فيه ويدفن بدون صلاة ولا تكفين ولا تغسيل، لأن هذا هو شأننا مع غير المسلمين، ثم إن هذا الذي لا يصلي يترك الصلاة تركاً مطلقاً، لا تحل ذبيحته، ولا يحل له دخول حرم مكة، لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، وقد سمعت قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة )، أما في الآخرة فإنه يكون خالداً مخلداً في نار جهنم، هذا هو ما تقتضيه الأدلة عندي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم والاعتبار الصحيح، وقد بذلت الجهد في تتبع الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة، ويحمل أدلتها على أن المراد من تركها جاحداً للوجوب، أو على أن المراد بها كفر دون كفر، تتبعت أدلتهم، والله عز وجل يعلم أنني تتبعتها بعدل وإنصاف، معتقداً بأنه لا يحل لي العدول عنها لو كانت تدل على أن تارك الصلاة لا يكفر، فوجدت هذه الأدلة لا تخلو من أربع حالات: إما أنه لا دلالة فيها أصلاً، وإما أنها وردت في قوم يعذرون بترك الصلاة لكونهم لا يعلمون عنها وقد اندرس الإسلام وانطمست معالمه، فلا يدرون إلا قول: لا إله إلا الله، وإما أن هذه النصوص قيدت بقيود لا يمكن معها ترك الصلاة، كما في حديث عتبان بن مالك : ( إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )، وإما أنها عامة خصصت بالأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة، ومثل هذه الأدلة لا يمكن أن تقاوم الأدلة الواضحة الدالة على كفر تارك الصلاة، فعلينا نحن المسلمين جميعاً من علماء ومتعلمين وعامة أن نتقي الله عز وجل فيما نحكم به، مستندين بذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلينا أن نتقي الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن ندعو إلى الله على بصيرة، وأن لا نفتح للناس أبواب التهاون فيما فرض الله عليهم، خصوصاً إذا لم يكن هناك دليل واضح فيما ذهبنا إليه، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يحمينا جميعاً من أسباب سخطه وعقابه، وأن يوفق المسلمين وولاة أمورهم لما فيه الخير والصلاح.

    1.   

    قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة والدعاء عقب الصلوات المكتوبة

    السؤال: ما هو الدليل على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، وما هو الدليل على الدعاء دبر الصلوات المكتوبة كذلك؟

    الجواب: أما الأول: فقد ورد فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت )، وهذا الحديث اختلف العلماء في صحته، فمنهم من قال: إنه ضعيف، ومنهم من حسنه، والذين قالوا بضعفه قالوا: إنه من فضائل الأعمال، وأجازوا العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وأما من حسنه فإن الحديث الحسن من الأحاديث المقبولة التي يعمل بها لاسيما في مثل هذا الموضع، فمن قرأ آية الكرسي دبر الصلاة فإنه يرجى أن ينال خيراً، وأما الدعاء أدبار الصلوات فإن المراد بأدبار الصلوات في الحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه سئل: أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة )، والمراد بأدبار الصلوات، أواخر الصلوات، وليس المراد به ما بعد الصلاة، لأن دبر الشيء يكون منه، كما في دبر الحيوان، فإنه الجزء المؤخر من الحيوان، وقد يكون المراد بالدبر ما بعد العمل، ففي مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين )، والمراد بدبر الصلاة هنا ما بعدها، بدليل قوله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103]، وأما إذا لم يدل دليل على أن المراد بالدبر ما بعد العبادة، ولاسيما دبر الصلاة، فإن المراد بدبرها آخرها، لأنه هو محل الدعاء، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه في التشهد قال: ( ثم ليتخير من الدعاء ما شاء)، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء في آخر التشهد، وكما أن الدعاء في آخر الصلاة مقتضى الدليل، فهو مقتضى النظر أيضاً، فإن كونك تدعو الله تعالى وأنت في صلاتك قبل أن تنصرف من مناجاة الله، أولى من كونك تدعوه بعد أن تنصرف من صلاتك، لكن ما دل الدليل عليه فإنه يتبع، ولهذا كان من المشروع بعد السلام أن تقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثلاثاً، أي: تقول: أستغفر الله ثلاثاً، وهذا من الدعاء الذي وردت به السنة، وما ورد به السنة فإنه ثابت.

    1.   

    حكم الصلاة خلف إمام يكثر الحلف بالنبي ويدعو بعد الصلاة بصوت جماعي

    السؤال: يوجد إمام بمسجد جاري على لسانه القسم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول مثلاً: تفضل والنبي، اجلس والنبي، أو اعمل كذا، وكذلك يدعو بعد الصلاة دعاء جماعياً، ويختم الدعاء بالفاتحة، ولم يتقيد بالسنة في الصلاة كوضع اليد اليمني على اليسرى، ورفع اليدين عند الركوع وعند الرفع من الركوع، فهل تصح الصلاة خلفه أم لا؟

    الجواب: الصواب من أقوال أهل العلم أن الصلاة خلف العاصي إذا لم تصل معصيته إلى الكفر أنها صحيحة، لكن كلما كان الإمام أتقى لله فالصلاة خلفه أولى، وما ذكرت عن هذا الإمام فإن كان الأمر على ما قلت، فإن الواجب على المسئولين عن الأئمة والمساجد أن يستبدلوا هذا الإمام بغيره، بمعنى أن يقيموا غيره مقامه إلا أن يتوب إلى الله، لأن هذا الإمام يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، والحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم محرم بل هو نوع من الشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى أن تغلو أمته فيه، حتى تقسم به كما تقسم بالله عز وجل، بل من أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم معتقداً أن للنبي صلى الله عليه وسلم نصيباً من الربوبية، والتصرف في الكون، وجلب النفع ودفع الضرر، فإنه يكون مشركاً شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً، كما قال الله تعالى آمراً له: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:21-22]، وكما لا يملك لغيره لا يملك ذلك لنفسه أيضاً، كما قال الله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50]، وكما قال تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188]، ومن أراد تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام فليعظمه بما أرشد إليه أمته، وذلك بتعظيم سنته واتباعها ظاهراً وباطناً، ومحبته صلى الله عليه وسلم أكثر من محبة النفس والولد والوالدين والناس أجمعين.

    وأما كون هذا الإمام لا يضع يده اليمنى على اليسرى، فإنه في ذلك خالف السنة، فإن السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة )، فالمشروع للإنسان في حال القيام قبل الركوع أو بعده أن يضع يده اليمنى على اليسرى، وأفضل محل تكون عليه اليدان هو الصدر، هذا أحسن ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما كونه لا يرفع يديه عند الركوع، فكذلك أيضاً هو خلاف السنة.

    فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع )، وصح عنه أيضاً أنه كان يرفعهما إذا قام من التشهد الأول، فلا ينبغي العدول عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس كائناً من كان، وأما كونه يدعو بعد الصلاة دعاء جماعياً، فإن هذا من البدع التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، والمشروع للمصلين بعد الصلاة كل يذكروا الله تعالى وحده، بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون ذلك جهراً، كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ).

    1.   

    تسمية المساجد بأسماء الأنبياء وجعل مرقد لذلك النبي داخل المسجد

    السؤال: عندنا عدد من المساجد بأسماء الأنبياء، مثل جامع النبي يونس وغيرها من الجوامع ويوجد داخل المسجد مرقد لذلك النبي، ويذهب الناس ويصلون في هذه المساجد، وفي الحديث الذي معناه: ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )، ما حكم عملهم هذا؟

    الجواب: تسمية المساجد بأسماء الأنبياء لا تنبغي، لأن هذا إنما يتخذ على سبيل التقرب إلى الله عز وجل، أو التبرك بأسماء الأنبياء، والتقرب إلى الله بما لم يشرعه، أو التبرك بما لم يجعله سبباً للبركة لا ينبغي، بل هو نوع من البدع، وأما كون قبور الأنبياء في هذه المساجد فإنه كذب لا أصل له، فلا يعلم قبر أحد من الأنبياء سوى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبور الأنبياء كلها مجهولة، فمن زعم مثلاً أن مسجد النبي يونس كان مرقد يونس، أو كان قبر يونس، فإنه قد قال قولاً بلا علم، وكذلك بقية المساجد أو الأماكن التي يقال عنها: إن فيها شيئاً من قبور الأنبياء، فإن هذا قول بلا علم، وأما صحة الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور، فإن كان القبر سابقاً على المسجد بأن بني المسجد على القبر، فإن الصلاة فيه لا تصح، ويجب هدم المسجد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا )، وأما إذا كان المسجد سابقاً على القبر بأن كان المسجد قائماً مبنياً ثم دفن فيه أحد، فإنه يجب أن ينبش القبر، وأن يدفن فيما يدفن فيه الناس، والصلاة في هذا المسجد السابق على القبر صحيحة، إلا إذا كان القبر تجاه المصلين، فإن الصلاة إلى القبور لا تصح، كما في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ).