إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [245]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    قطع أحد الزوجين الصلاة بعد عقد النكاح وأثر ذلك على صحته

    السؤال: كنت أتابع برنامجكم الأكثر من رائع بارك الله فيكم ونفعنا بكم، وشغلتني إجابتكم عن أحد الأسئلة في حلقة مضت وكانت تفيد وجوب إعادة عقد قران اثنين تم عقد قرانهما في فترة لا يقيمان فيها الصلاة، بمعنى: أن عقد القران وقع باطلاً بطلاناً مطلقاً، والسؤال: لو قطع أحدهما الصلاة بعد عقد القران أكثر من ثلاثة أيام هل يبطل العقد ثانية ولو تكرر من أحدهما أو كلاهما قطع الصلاة أكثر من ثلاثة أيام ثلاث مرات ولو تكاسلاً فما الحكم في هذه الحالة؟

    الجواب: هذا سؤال مهم جداً؛ لأن حاجة الناس إلى معرفته من أهم ما يكون، وهو مبني على القول بكفر تارك الصلاة، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فذهب بعضهم: إلى أن ترك الصلاة لا يوجب الكفر، وإنما هو فسق من جملة الفسوق، ثم اختلف هؤلاء القائلون بذلك:

    فمنهم من قال: إنه يدعى إلى الصلاة، فإن صلى وإلا قتل حداً، ومنهم من قال: إنه لا يقتل بل يعزر.

    وذهب بعض أهل العلم: إلى أن تارك الصلاة يكفر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة، والميزان عندما يختلف أهل العلم في حكم مسألة من المسائل هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] وبين الله سبحانه وتعالى لنا كيف يكون ذلك التحاكم، فقال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] ، ولا عبرة بقول الأكثر إذا كان قد دل الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على رجحان القول الأقل؛ لأن قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ يشمل ما إذا كان المتنازعان مستويي الطرفين أو كان أحدهما أقل أو أكثر، وإذا رددنا هذه المسألة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجدنا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدلان على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، أما كتاب الله فاستمع إليه حيث يقول سبحانه وتعالى: فَإِنْ تَابُوا [التوبة:5] يعني: المشركين من الشرك وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] ، هذه الآية تدل على أن من لم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس أخاً لنا في الدين كما أنه إذا لم يتب من الشرك فليس أخاً لنا في الدين؛ وذلك أن الله رتب الأخوة في الدين على شرط متكون من ثلاث صفات: وهي التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن المعلوم أن ما توقف على شرط فإنه لا يتحقق إلا بوجود ذلك الشرط، فالأخوة في الدين لا تتحقق إلا باجتماع هذه الأوصاف الثلاثة، فلو أنهم تابوا من الشرك ولم يقيموا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين، ولو تابوا من الشرك وأقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين، هذا ما تدل عليه هذه الآية الكريمة المكونة من شرط وجزاء، ولا يمكن أن تنتفي الأخوة الدينية إلا بالخروج من الدين، الأخوة الإيمانية لا يمكن أن تنتفي بمجرد المعاصي ولو عظمت، وليستمع السائل إلى قوله تعالى في آية القصاص: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178] ومن المعلوم أن قتل المؤمن من أكبر الذنوب، حتى إن الله قال فيه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ، وإذا كان هذا الذنب العظيم لا يخرج من الإيمان دل هذا على أن الذنوب لا تخرج من الإيمان، وأنه لا يخرج من الأخوة الإيمانية إلا ما كان كفراً، كذلك استمع إلى قول الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:9-10] ، ومعلوم أن قتال المؤمن لأخيه من كبائر الذنوب حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعله كفراً، فقال: ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )، لكن هذا ليس كفراً مخرجاً عن الملة؛ لثبوت الأخوة الإيمانية معه، ولو كان مخرجاً من الملة ما ثبتت الأخوة الإيمانية معه.

    إذاً: فالمعاصي لا تخرج الإنسان من الأخوة الإيمانية، ولا يخرجه من الأخوة الإيمانية إلا الكفر، وإذا رجعنا إلى آية براءة التي استدللنا بها على كفر تارك الصلاة وجدنا أنها تدل على أن من لم يصل فقد انتفت منه الأخوة الإيمانية، فيكون حينئذٍ كافراً كفراً مخرجاً عن الملة.

    فإن قال قائل: الآية فيها وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] وهذا يدل على أن من لم يزك فهو كافر؟

    أيضاً قلنا: نعم، وقد قال بذلك بعض أهل العلم: بأن من لم يزك ولو بخلاً فإنه يكون كافراً، ولكن الأدلة تدل على أن هذا قول مرجوح، وأن من لم يزك فقد تعرض لعقوبة عظيمة ولكنه لا يخرج من الإيمان.

    ومن الأدلة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )، وحقها هو الزكاة كما تفيده الرواية الأخرى، وإذا كان هذا المانع للزكاة يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار دل على أنه لا يكفر؛ لأنه لو كفر كفراً مخرجاً عن الملة لم يكن له سبيل إلى الجنة، وعلى هذا فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم الآية الكريمة، ومن القواعد المقررة في أصول الفقه أن المنطوق مقدم على المفهوم.

    وأما الأدلة من السنة على كفر تارك الصلاة فما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة )، وفي السنن من حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر )، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة حداً فاصلاً بين الإيمان والكفر والشرك وبين المؤمنين والكافرين، والحد الفاصل إذا تجاوزه الإنسان فقد خرج من الدائرة الأولى إلى الدائرة الثانية، وعلى هذا فإن من لم يصل فقد خرج من الإيمان إلى الكفر وخرج من المسلمين إلى الكافرين.

    وأما أقوال الصحابة رضي الله عنهم فإنه قد نقل إجماعهم الإمام إسحاق بن راهويه وقال عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من التابعين: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، وهذا نقل لإجماعهم، وكما دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فإنه قد دل عليه العقل والنظر، فإن أي إنسان يؤمن بما لهذه الصلاة من الأهمية والعناية لا يمكن أن يحافظ على تركها وفي قلبه شيء من الإيمان، فالصلاة كما هو معلوم فرضها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بدون واسطة من الله جل وعلا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم في أعلى مكان يصل إليه بشر وفي أفضل ليلة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرضها الله على عباده خمسين صلاة في اليوم والليلة حتى خففها عنهم بفضله وكرمه فصارت خمس صلوات بالفعل وخمسين في الميزان، وهذا يدل على عناية الله بها وأنها متميزة عن باقي الأعمال بميزات عظيمة، فما أجدرها وأحراها بأن يكون تركها كفراً بالله عز وجل، ولا يمكن أن يكون في قلب الإنسان عرف أهمية الصلاة ومنزلتها أن يدعها ويحافظ على تركها، وإذا كان قد دل الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والنظر الصحيح على كفر تاركها، فإنني قد تأملت أدلة من قالوا بعدم التكفير فوجدتها لا تخلو من أحوال أربع:

    إما أنه لا دلالة فيها بوجه من الوجوه.

    وإما أنها مقيدة، بمعنى: لا يمكن معه ترك الصلاة.

    وإما أنها وردت في حال يعذر فيها بترك الصلاة.

    وإما أنها عامة خصصت بأدلة كفر تارك الصلاة.

    وحينئذ فيتعين القول: بكفر تارك الصلاة، ومن العجب أنهم أجابوا عن الأدلة الدالة على كفر تاركها بأن حملوها على من تركها جحداً، وهذا الحمل لا شك أنه ضعيف؛ لأنهم إذا حملوها على أن ذلك لمن تركها جحداً فقد ألغوا الوصف الذي اعتبره الشرع وهو الترك وأتوا بوصف لم يعتبره الشارع. والشارع لم يقل: من جحدها، بل قال: من تركها، والنبي عليه السلام أعلم الناس بما يقول وأفصحهم فيما ينطق وأنصحهم فيما يريد عليه الصلاة والسلام، لا يمكن أن يريد من جحدها ثم يعبر عن ذلك بالترك؛ لما علم من الفرق العظيم بين الجحد وبين الترك.

    ثم نقول: مجرد الجحد كفر ولو صلى، فإن الإنسان لو جحد فرضية الصلوات الخمس وهو يصليها ويحافظ عليها يكون كافراً، وحينئذٍ يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (من تركها) لا قيمة له إطلاقاً إذا حملناه على الجحد.

    ثم نقول أيضاً جحد الصلاة موجب للكفر بلا شك، لكن جحد الزكاة أيضاً موجب للكفر، وجحد الصيام موجب للكفر، وجحد الحج -أي: فرضيته- موجب للكفر، فهلا قال النبي عليه الصلاة والسلام: فمن ترك الزكاة ومن ترك الصيام ومن ترك الحج، إذن فحمل الترك هنا على الجحود لا شك أنه ضعيف مردود، ويجب أن تبقى الأدلة على ما جاءت به وعلى ما وردت به، وبناءً على ذلك نقول: إذا تزوج الرجل الذي لا يصلي امرأة مسلمة فإن نكاحه باطل، وقد أجمع المسلمون على أن المسلمة لا تحل لكافر، كما دل على ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].

    وقد اشتبه على بعض الناس هذه المسألة حتى ظنوا أنها من جنس الكافرَين إذا أسلما فإنه لا يجب إعادة نكاحهما، وهذا ليس كذلك، فإن الكافرين الأصل بقاء نكاحهما على ما كان عليه وكلاهما كافر، وأما هذا فهو بين كافر ومسلمة أو بين مسلم وكافرة، إذا كان الزوج يصلي وهي لا تصلي فبينهما فرق عظيم، والمرتد ليس كالكافر الأصلي كما هو معلوم عند أهل العلم، وعلى هذا فلا يصح قياس بل هو من الشبهة التي قد تعرض لبعض الناس، فنقول: إذا تزوج الرجل الذي لا يصلي بامرأة تصلي فإن النكاح باطل لا يصح، فإن هداه الله تعالى إلى الإسلام وصلى وجب إعادة عقد النكاح من جديد، أما إذا طرأ عليه ترك الصلاة بعد النكاح مثل أن يتزوجها وهو يصلي وهي تصلي ثم بعد ذلك والعياذ بالله ترك الصلاة فإن النكاح ينفسخ ويبقى الأمر موقوفاً إلى انقضاء عدتها، فإن عاد إلى الصلاة قبل أن تنقضي العدة فهي زوجته، وإن بقي تاركاً للصلاة حتى انقضت عدتها فإنه يتبين انفساخ النكاح من حين ترك صلاته ولها أن تتزوج بغيره، فإن بقيت على عدم الزواج تنتظر لعل الله يهديه فيصلي ثم صلى بعد ذلك فلها أن ترجع إليه ولو بعد انتهاء العدة على القول الصحيح الراجح.

    أما ما ذكره السائل من كونه ترك الصلاة ثلاثة أيام أو نحو ذلك فإنه لا يكفر بهذا؛ لأن ظاهر الأدلة فيمن تركها تركاً مطلقاً، وأما كونه يصلي يوماً ويدع يوماً أو يصلي صلاة ويدع صلاة مع إقراره بفرضيتها فإنه لا يكفر بذلك، وعلى هذا فلا ينفسخ النكاح ولكن يجب أن يؤمر هذا بالصلاة ويؤدب على تركها حتى يستقيم ويصلي جميع الصلوات.

    مداخلة: إن كان الزوجان وقت عقد النكاح كلاهما لا يصليان؟

    الشيخ: إذا كان الزوجان كلاهما لا يصليان وقت العقد فإن العقد لا يصح أيضاً، وقد ذكر أهل العلم أن المرتد لا يصح أن يتزوج بمرتدة، وعلى هذا فيكون نكاحهما جميعاً باطلاً.

    مداخلة: ولا يقاس في مثل هذه الحالة على نكاح الكفار؟

    الشيخ: لا يقاس في مثل هذه الحالة على نكاح الكفار؛ لأن حكم الكافر الأصلي غير حكم الكافر المرتد، إذ أن الكافر المرتد كان مطالباً بالتزام أحكام الإسلام، فيجب أن يطبق النكاح على ما تقتضيه الشريعة من أن يكون في حال يصح منه ذلك بخلاف الكافر الأصلي.

    مداخلة: إنما وجوب عقد النكاح أو وجوب تجديد العقد بين الزوجين في مثل هذه الحالة لا يؤثر على شرعية الأولاد والعشرة الماضية؟

    الشيخ: إذا كان الزوج حين تزوجها في حال لا يصح منه نكاحها وهو يعتقد أن النكاح صحيح فإن الأولاد الذين خلقوا من مائه يعتبرون أولاداً شرعيين؛ لأن أكثر ما يقال فيهم: إنهم من وطء شبهة، ووطء الشبهة يلحق به النسب كما ذكره أهل العلم وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية إجماعاً.

    1.   

    مصير النمام وقاطع الرحم في الآخرة

    السؤال: يذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بأن مصير الموحدين إلى الجنة في نهاية المطاف، وجاء في الحديث أنه: ( لا يدخل الجنة قاطع رحم )، وأيضاً جاء: ( لا يدخل الجنة نمام )، فهل الموحدون من هاتين الفئتين لا يدخلون الجنة كما هو ظاهر هذه النصوص أم كيف يكون الجمع بينها؟

    الجواب: هذه النصوص وأمثالها من نصوص الوعيد، وهي التي أوجبت لطائفة الخوارج والمعتزلة أن يقولوا بخلود أهل الكبائر في النار؛ لأنهم أخذوا بهذه العمومات ونسوا عمومات أخرى تعارضها، وهي ما ثبت في أدلة كثيرة من أن الموحدين أو من في قلبه إيمان ولو مثقال حبة من خردل فإنه لا يخلد في النار، كما أن عمومات الأدلة الدالة على الرجاء وأن المؤمن يدخل الجنة حملت المرجئة على ألا يعتبروا بنصوص الوعيد، وقالوا: إن المؤمن ولو كان فاسقاً لا يدخل النار، فهؤلاء أخذوا بعمومات هذه الأدلة، وأولئك أخذوا بعمومات أدلة الوعيد، فهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الوسط الذي تجتمع فيه الأدلة وهو أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان وأنه مستحق للعقوبة ولكن قد يعفو الله عنه فلا يدخله النار، وقد يدعى له فيعفى عن عقوبته، وقد تكفر هذه العقوبة بأسباب أخرى، وإذا قدر أنه لم يحصل شيء يكون سبباً لتكفيرها فإنه يعذب في النار على قدر عمله ثم يكون في الجنة، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى هذا فأحاديث الوعيد المطلقة أو العامة كما في الحديثين اللذين أشار إليهما السائل: ( لا يدخل الجنة قاطع رحم )، ( لا يدخل الجنة نمام )، تحمل على أن المعنى: لا يدخلها دخولاً مطلقاً -أي: دخولاً كاملاً- بدون تعذيب، بل لابد أن يتقدم ذلك التعذيب إن لم يوجد ما يمحو ذلك الإثم من عفو الله أو غيره، فيكون معنى (لا يدخلون الجنة) أي: الدخول المطلق الكامل الذي لم يسبق بعذاب، وبهذا تجتمع الأدلة.

    1.   

    ما يشرع فعله للمصلي إذا قام إلى زائدة في الصلاة

    السؤال: شخص لحق الإمام في الركعة الأولى في الركوع، فلما سلم الإمام قام ظاناً أن عليه ركعة، فلما قام تذكر أنه ليس عليه شيء فماذا يفعل؟ وشخص آخر حصل له نفس الوضع إلا أنه لما تذكر أنه ليس عليه شيء استمر في تكميل الخامسة وسلم بعد سجدة السهو فما الحكم؟ وكذلك لو حصل وأكمل الخامسة ناسياً ولم يتذكر إلا بعد الانتهاء من الصلاة فما الحكم؟

    الجواب: الواجب على الإنسان إذا قام إلى زائدة من صلاته، سواء كان مأموماً كما في السؤال أو كان غير مأموم، الواجب عليه إذا قام إلى زائدة في صلاته أن يرجع متى ذكر، حتى لو ذكر وهو راكع فإنه يجلس، أو ذكر بعد أن قام من الركوع فيجلس، أو ذكر وهو قائم قبل الركوع فيجلس، ولو شرع في القراءة، وعلى هذا فنقول في جواب السؤال الأول: الرجل الذي أدرك الركوع ثم قام ظاناً أنه لم يدرك الركعة ثم ذكر فإنه يجب عليه أن يجلس ويسلم؛ لأنه لم يفته شيء من الصلاة، وفي هذه الحال يكون الإمام قد تحمل عنه سجود السهو؛ لأنه غير مسبوق، والمأموم إذا لم يكن مسبوقاً فإن سهوه يتحمله الإمام.

    أما في السؤال الثاني: وهو الذي قام إلى زائدة ثم ذكر واستمر وسلم وسجد للسهو، فنقول: إن كان فعل ذلك متعمداً فصلاته باطلة؛ لأنه زاد فيها زيادة عن عمد، وإن كان غير متعمد بل يظن أنه إذا قام فإنه لا يرجع حتى يتم ركعته، فإن صلاته صحيحة ولا تجب عليه الإعادة.

    وأما السؤال الثالث: الذي لم يذكر أنه زاد الركعة إلا وهو في التشهد، فإن هذا كما ذكره السائل يتم التشهد ويسلم ويسجد سجدتين بعد السلام وتتم صلاته.