إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (942)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم قراءة القرآن في وضع الاستلقاء

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات المستمعات تقول في نهاية رسالتها: أختكم في الله (س. ع. ع. غ) من دولة الكويت، أختنا لها جمع من الأسئلة فتقول: عندما أقرأ القرآن أكون متوضئة وضوءاً كاملاً وأكون جالسة، ولكن في بعض الأحيان آوي إلى الفراش عندما أشعر بالتعب من الجلوس وأقرأ وأنا مستلقية في الفراش، هل علي إثم في ذلك، أفيدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فليس هناك مانع من قراءة القرآن قائماً وقاعداً ومضطجعاً كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191]، ويدخل في الذكر قراءة القرآن فهو أعظم الذكر.

    والوضوء لقراءة القرآن أمر مستحب وليس بفرض فيجوز لمن كان على غير وضوء أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب، إلا أن يكون جنباً فإنه لا يقرأ حتى يغتسل، ولا مانع من قراءة القرآن حال جلوسه وقيامه واضطجاعه على جنب أو مستلقياً، وهكذا لا بأس أن يقرأه ماشياً كل ذلك لا حرج فيه.

    وليس له أن يقرأه من المصحف إلا عن طهارة، ليس له أن يقرأ في المصحف إلا أن يكون على طهارة، لما ثبت في حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) وهو كالإجماع بين أهل العلم بأنه لابد من الطهارة لمن أراد قراءة القرآن من المصحف الطهارة الصغرى، أما الجنب فلا يقرأ مطلقاً حتى يغتسل لا من المصحف ولا عن ظهر قلب.

    أما الحائض فاختلف العلماء فيها هل تقرأ أم لا تقرأ؟

    فبعض أهل العلم ألحقها بالجنب وقال: ليس لها القراءة حتى تغتسل؛ لأن حدثها أكبر لابد فيه من الغسل أي: بعد الطهارة، وجماعة آخرون من أهل العلم قالوا: لا حرج عليها في القراءة عن ظهر قلب؛ لأن حدثها ليس كالجنب بل مدتها تطول وهكذا النفساء، فلا يجوز أن يقاسا على الجنب، وهذا هو الصواب، أن لها أن تقرأ عن ظهر قلب؛ لأنها ليست كالجنب بسبب طول المدة، ولها مس القرآن من وراء حائل عند الحاجة من وراء حائل كالقفازين لمراجعة الآية ونحوها، وفق الله الجميع.

    1.   

    صفة سجود التلاوة

    السؤال: تسأل أختنا أيضاً وتقول: أسأل عن سجدة القرآن الكريم هل هي سجدة فقط أم هي ركعة كاملة، أي: فاتحة القرآن وسورة قصيرة، وركوع ثم سجود؟

    الجواب: السجود للتلاوة سجدة فقط سجدة مجردة، إذا مر على آية السجود سجد قال: الله أكبر وسجد سجدة واحدة في الأرض يقول فيها: (سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى) مثلما يقول في سجود الصلاة، وإذا زاد فقال: (سجد وجهي للذي خلقه، اللهم لك أسلمت وبك آمنت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، تبارك الله أحسن الخالقين)، كان حسناً كما يقال في سجود الصلاة سواء.

    وإذا دعا بدعوات أخرى مع سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى كل ذلك حسن، والمقصود أنها مثل سجود الصلاة يقول فيها ما يقول في سجود الصلاة، ومن ذلك أن يقول: (اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته تبارك الله أحسن الخالقين)، فهذا يقال في سجود الصلاة ويقال في سجود التلاوة ويقال في سجود السهو، كل ذلك لا بأس به.

    1.   

    الواجب على من ابتليت بزوج تارك للصلاة

    السؤال: إذا ابتليت المرأة برجل لا يصلي فهل تمتنع عنه، أم كيف تتصرف، علماً بأن لديها جمع من الأطفال وهي صابرة على ذلكم الحال من أجل الأطفال؟

    الجواب: ترك الصلاة من أعظم الكبائر والجرائم، إذا كان يقر بوجوبها ويعلم وجوبها ويؤمن به، إما إن كان يجحد وجوبها ولا يؤمن به فهذا كافر عند جميع أهل العلم ولا يجوز للمسلمة البقاء معه، ولا يحل لها تمكينه من نفسها؛ لأنه كافر مرتد عند جميع العلماء.

    أما إن كان يتركها تهاوناً وكسلاً ولكنه يؤمن بأنها حق وأنها فريضة فهذا محل خلاف بين أهل العلم هل يكفر كفراً أكبر أم يكون كفره كفراً أصغر، على قولين لأهل العلم، والراجح من القولين أنه يكون كافراً كفراً أكبر؛ لأن الصلاة عمود الإسلام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، وفي صحيح مسلم رحمه الله عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) فهذا يدل على أنه يكون كافراً كفراً أكبر ولو لم يجحد الوجوب، ولهذا القول أدلة أخرى كلها تدل على أنه كافر كفراً أكبر، كفراً أكبر إذا تركها تهاوناً وهو يقر بوجوبها.

    ومن ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما سئل عن الأئمة الذين توجد منهم بعض المعاصي قال له السائل: (أفنقاتلهم؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاة)وفي الرواية الأخرى: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) فجعل ترك الصلاة كفراً بواحاً يحل مقاتلة ولاة الأمور.

    فالمقصود أن الواجب على المسلمين أن يحافظوا على الصلاة، وأن يؤدوها كما أمر الله، وأن يحذروا الكسل عنها، وأنهم متى تركوها جحداً لوجوبها صار التارك كافراً بالإجماع، وإن تركها كسلاً وتهاوناً صار كافراً كفراً أكبر في أصح قولي العلماء، تبين منه امرأته ولا يحل له الاتصال بها ولا يحل لها تمكينه من نفسها حتى يتوب إلى الله من ترك الصلاة، نسأل الله لجميع المسلمين الهداية والتوفيق، كما نسأله سبحانه أن يبصرهم في دينهم وأن يعينهم على أداء الواجب، وأن يعيذهم من شرور النفس وسيئات العمل.

    1.   

    حكم أكل الناذر من ذبيحة النذر

    السؤال: مستمع من العراق الموصل هو عبد الله بن عبد الكريم يسأل جمعاً من الأسئلة، في سؤاله الأول يقول: هل يجوز الأكل من لحم الذبيحة المنذورة، أي: إذا نذرت أن أذبح شاة ثم ذبحتها هل يجوز لي الأكل من لحمها؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل: فإن كان الناذر نذرها نذر الذبيحة ليذبحها في بيته ويأكل منها هو وأهله وجيرانه أو أقاربه أو غيرهم من أصدقائه ومعارفه فهذا لا بأس لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

    أما إن كان نذرها للفقراء أو أطلق النذر ولم ينو شيئاً فإنها تصرف للفقراء وليس له أن يأكل منها بل النذور تكون للفقراء والمحاويج، يذبحها لله سبحانه ثم يوزعها بين الفقراء الذين يعرفهم في بلده أو غيرها، وبذلك تبرأ ذمته.

    مع العلم بأنه لا ينبغي النذر ولا يشرع للعبد أن ينذر بل ينهى عن ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تنذروا فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل).

    لكن متى نذر طاعة لله وجب عليه الوفاء كما قال تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، مدح به عباده الأبرار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه).

    1.   

    حكم تعليق التمائم

    السؤال: يسأل أخونا ويقول: ما رأي سماحتكم في القلائد، أي: كتابة الآيات القرآنية ووضعها في قطعة قماش وتعليقها على جسم الشخص أو تحت الوسادة؟

    الجواب: تعليق التمائم ويقال لها: الحروز ويقال لها أيضاً: الجوامع لا يجوز؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) وقال: (من تعلق تميمة فقد أشرك)وقال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).

    فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على منع التمائم وأنه لا يجوز تعليقها على المريض ولا على الطفل ولا جعلها تحت الوسائد كل ذلك لا يجوز لأنه من عمل الجاهلية؛ ولأنه يسبب تعلق القلوب بهذه القلائد، وصرفها عن الله عز وجل؛ ولأنه أيضاً يفضي إلى التعلق بها والاعتقاد فيها، وأنها تصرف عنه البلاء، وكل شيء بيد الله لا بيدها، ليس بيد التمائم شيء بل الله هو النافع الضار، وهو الحافظ لعباده، وهو مسبب الأسباب.

    فلا يجوز للمسلم أن يتعاطى شيئاً من الأسباب التي يظن أنها أسباب إلا بإذن الشرع، كالقراءة على المريض، والتداوي بالأدوية المباحة، هذه أذن فيها الشرع، أما التمائم فلم يأذن فيها الشرع، تعليقها على الأطفال هذه لم يأذن فيها الشرع بل نهى عنها للأسباب التي سبق ذكرها.

    واختلف أهل العلم فيما يتعلق بالتمائم التي تكون من القرآن أو من الدعوات المباحة هل تجوز أم لا؟

    والصواب: أنها لا تجوز لأمرين:

    أحدهما: أن الأدلة الدالة على منع التمائم مطلقة عامة ليس فيها استثناء بخلاف الرقى فإنه يجوز منها ما ليس فيه شرك لقوله صلى الله عليه وسلم (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) فقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) هذا عام لكن جاءت الأحاديث باستثناء الرقى التي ليس فيها بأس، وهي ما يكون من القرآن ومن الدعوات الطيبة، هذا لا بأس بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) ولأنه رقى ورقي عليه الصلاة والسلام، فلا بأس بذلك.

    أما التمائم فلم يأت فيها استثناء فتبقى على العموم والمنع، وهكذا التولة وهي نوع من السحر يتعاطاها النساء وتسمى الصرف والعطف، صرف الرجل عن زوجته إلى غيرها، أو عطفه عليها دون غيرها وهو من السحر وهذا منكر لا يجوز، بل من المحرمات الشركية.

    المقدم: سواءً كان الصرف أو العطف شيخ عبد العزيز؟

    الشيخ: كله سواء، كله ممنوع، كله من السحر ولا يجوز، وأما التمائم التي من العظام أو من الودع أو من شعر الذئب أو من حيوانات أخرى هذه كلها محرمة لا تجوز وليس فيها نزاع بل هي ممنوعة، وإنما النزاع والخلاف فيما إذا كانت التمائم من القرآن أو من دعوات معلومة لا بأس بها فهذه هي محل الخلاف.

    والصواب: أنها ممنوعة أيضاً لما تقدم من كون الأحاديث عامة في منع التمائم ولم يستثن الرسول منها شيئاً عليه الصلاة والسلام.

    ولأمر ثاني: وهو سد الذرائع التي تفضي إلى الشرك، فإنها متى سمح بالتمائم التي من القرآن أو الدعوات المباحة التبس الأمر، وعلقت هذه وهذه ولم يتميز الممنوع من الجائز، وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع والنهي عن وسائل الشرك كلها، فوجب منع التمائم كلها لهذين المعنيين والسببين. عموم الأدلة وسد الذرائع.

    وذكر بعض أهل العلم مانعاً ثالثاً: وهو أن تعليقها وسيلة إلى .. يدخل بها صاحبها محلات قضاء الحاجة ولا يبالي، وفيها آيات قرآنية، فيكون ذلك من أسباب امتهانها امتهان الآيات.

    وعلى كل حال فهذا وجه من المنع لكن المعنيين الأولين أوضح في الحجة وأبين في المنع، وهما: عموم الأدلة وليس هناك استثناء لشيء من التمائم.

    والمعنى الثاني: سد الذرائع التي تفضي إلى الشرك، ولا ريب أن إجازة التمائم التي من القرآن أو من الدعوات المباحة والأسباب المباحة لا شك أنها وسيلة إلى تعليق النوعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حقيقة ظهور المهدي في آخر الزمان

    السؤال: يسأل أخونا ويقول: ما رأي الشرع في ظهور المهدي المنتظر في نهاية الزمان؟

    الجواب: المهدي جاءت به أحاديث كثيرة، وصنف فيه بعض العلماء مصنفات وذكر أنها متواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي فيها الصحيح وفيها الحسن، وفيها الضعيف وفيها الموضوع، لكن الحجة في الأحاديث الصحيحة والحسنة، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يكون شخص يقال له المهدي في آخر الزمان، يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم، واسم أبيه اسم أبي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: محمد بن عبد الله ، اسمه محمد بن عبد الله وهو من أهل بيته عليه الصلاة والسلام.

    فالصواب: أنه سوف يكون وسوف يقع قرب نزول المسيح بن مريم، وجاء في بعض الروايات أنه يكون أميراً على الجيش الذي يدعو إلى الله ويملأ الأرض عدلاً عند نزول المسيح عليه الصلاة والسلام.

    فهو رجل صالح من أهل البيت يدعو إلى الله وينشر العدل ويمنع الجور، ويقيم شعائر الله في أرض الله حتى ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام.

    أما المهدي الذي تزعمه الرافضة فهو باطل ولا حقيقة له، بل هو سراب لا حقيقة له، وهو صاحب السرداب الذي يزعمون، هذا شيء باطل لا أصل له ولا حقيقة له، وإنما المهدي المنتظر شخص آخر غير مهدي الرافضة وهو محمد بن عبد الله من أهل البيت وهو من ذرية فاطمة كما صرحت به بعض الروايات، وهو يملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً كما جاءت به الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    بيان حال كتاب الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية وغيره من كتب الصوفية

    السؤال: يسأل أخونا سؤاله الأخير فيقول: قرأت كتاباً بعنوان الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية، جمع وترتيب إسماعيل بن السيد محمد سعيد القادري ، والكتاب مطبوع في مصر، ويضم الكتاب مجموعة كبيرة من أشعار وأوراد منسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني ما رأيكم في هذا الكتاب؟

    الجواب: هذا الكتاب لم أطلع عليه، ولا أعلم حقيقة حاله، ولكن كثير من المنتسبين للتصوف يكتبون كتابات لا وجه لها ولا صحة لها ولا ينبغي أن تعتمد كتاباتهم إلا من عرف بالاستقامة وصلاح العقيدة، وعرف بالعلم والبصيرة بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يعلم أنه أتى بأدلة شرعية يعتمد عليها، والشيخ عبد القادر الجيلاني وآخرون من أهل العلم الذين يعرفون بالزهد والورع يكذب عليهم كثيراً وينسب إليهم أشياء من الباطل، بالنسبة إلى المنتسبين إلى التصوف لا ينبغي أن يعترف بها ولا ينبغي أن يتعلق عليها.

    وهو رجل صالح معروف وفقيه معروف حنبلي، ولكن المنتسبين إليه ينسبون إليه أشياء لا حقيقة لها ولا توافق الشرع.

    فينبغي التحرز من ذلك والحذر من ذلك، وأن لا يعتمد على شيء من ذلك إلا ما وافق الكتاب والسنة سواء كان ذلك ينسب إليه أو إلى غيره، فالاعتماد في هذه الأمور على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام مما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولا يجوز للمسلم أن يعتمد على قول فلان، أو رأي فلان مما ينسبه الناس إلى فلان أو فلان من الأئمة المعروفين أو غيرهم، بل يعرض ذلك كله على الكتاب والسنة فما وافقهما أو أحدهما قبل وما لا فلا، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].

    فالواجب رد ما يتنازع به الناس، ورد ما يرويه الناس عن الأئمة الأربعة أو غيرهم أو عن الأوزاعي أو عن إسحاق بن راهويه أو عن من دونهم، أو عن الشيخ عبد القادر الجيلاني أو الجنيد أو أبي سليمان الداراني أو فلان أو فلان، كل ذلك يجب أن يرد إلى الكتاب والسنة، وأن لا يقبل على علاته لمجرد النسبة، بل يجب أن تعرض أقوال الناس وآراء الناس على الميزان العادل، على كلام الله عز وجل وما صح عن رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، هذا هو الميزان عند أهل العلم والإيمان، فما وافقهما أو أحدهما فهو الحق، وما خالفهما فهو الباطل، والله المستعان.

    1.   

    ما يشرع لمن دخل المسجد والصفوف مكتملة وليس هناك من يصف معه خلف الصف

    السؤال: من جيزان المدرسة المتوسطة والثانوية المستمع أخونا حمود محمد علي هزازي يسأل ويقول: لقد سمعنا من أناس كثيرين قالوا: إذا جاء المسلم إلى المسجد للصلاة ووجد بأن الصف مزدحم من جميع الجهات فعليه أن يسحب أحد المصلين ليصلي معه، وسمعنا أناساً آخرين قالوا: لا يجوز ذلك بل يصلي وحده من غير أن يسحب أحداً، نرجو من سماحتكم البيان في ذلك؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: هذه المسألة كما ذكر السائل بعض أهل العلم يرى أنه إذا كان الصف قد كمل وليس فيه فرجة فلا مانع من أن يسحب أحدهم ويصف معه في الصف الذي بعده، وجاء في حديث ضعيف: (ألا دخلت معهم أو اجتررت رجلاً) ولكنه حديث ضعيف لا يعول عليه.

    والصواب القول الثاني: وأنه لا يسحب أحداً؛ لأن ذلك يفتح فرجة في الصف والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بسد الخلل وسد الفرج وتراص الصفوف؛ ولأنه تصرف في إنسان قد سبقه إلى هذا الفضل فلا ينبغي له ولا يجوز له أن يتصرف فيه، ولكن يلتمس فرجة أو يقف مع الإمام إذا تيسر عن يمين الإمام فإن لم يتيسر ذلك انتظر حتى يأتي من يصف معه، فإن انتهت الصلاة ولم يأت أحد صلى وحده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) ولأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة.

    ولما صف أبو بكرة رضي الله عنه خلف الصف حين الركوع أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن لا يعود إلى ذلك، قال: (زادك الله حرصاً ولا تعد) فلا يجوز أن يصف وحده بل يصبر حتى يأتي من يصف معه أو يجد فرجة في الصف، أو يقف عن يمين الإمام إذا تيسر ذلك، فإن فاتت الصلاة ولم يتيسر له أحد فإنه يصلي وحده وهو معذور وله أجر الجماعة؛ لأنه ترك الدخول معه لعذر شرعي، فيكون له أجر الجماعة كالمريض ونحوه الذي لم يتيسر له الصلاة في الجماعة.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: اللهم آمين.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤكم هذا مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم وإلى الملتقى وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.