إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب الفوات والإحصار - حديث 798-800

شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب الفوات والإحصار - حديث 798-800للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شرع في حج أو عمرة فيجب عليه أن يتمهما، وإن أحصر بعد أو غيره وجب عليه أن ينحر هديه إن ساقه ويحلق رأسه ويحل، وإن كان إحرامه فرضاً وجب عليه قضاؤه بعد ذلك، وإن كان نفلاً فقد اختلف أهل العلم في القضاء وإن كان الراجح عدم الوجوب.

    1.   

    شرح حديث: (أحصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحلق رأسه ..)

    الباب الأخير هو باب الفوات والإحصار، وهذا آخر باب في الحج.

    في الحديث رقم (780):

    عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( أحصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عاماً قابلاً ) رواه البخاري.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في الحج، باب: إذا أحصر المعتمر، ورواه البيهقي في المناسك، باب: الإحصار، وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (أحصر) بضم الهمزة وكسر الصاد، وهذا المبني لما لم يسم فاعله، ومعنى (أحصر) أي: منع. وبعضهم يفرقون بين أحصر وحصر، فيكون هذا إذا حصره عدو، وهذا إذا حصره مرض، والواقع أن الإحصار يشمل الأمرين معاً، إذا حصره عدو أو حصره مرض أو مانع.

    قوله: (ونحر هديه) كم كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصر؟ الإحصار هذا متى كان؟ في الحديبية ؟ كم كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن عباس رضي الله عنه: ( كان سبعين بدنة ).

    قال: (ثم اعتمر عاماً قابلاً) هذا العام القابل هو عام القضية أو عام القضاء وكان سنة سبع.

    ما يكون به الإحصار وأقوال أهل العلم فيه

    النقطة الثالثة في الحديث: بم يكون الإحصار؟

    وفيه قولان مشهوران:

    القول الأول: أن الإحصار يكون بالعدو، لا يكون الإحصار إلا إذا منعه عدو عن البيت، وهذا قول الشافعي ومالك، وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، وممن قال بهذا القول أيضاً ابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم وابن عمر، وأنس وابن الزبير وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم.

    واستدلوا بالآية الكريمة، وهي قوله سبحانه: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، فقالوا: إن الإحصار المقصود والمذكور في الآية هو حصر أو منع العدو، بدليل سبب النزول، وأيضاً بدليل قوله بعد ذلك: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة:196]، فقالوا: الأمن مقابل الخوف الذي حصل لهم من العدو.

    وقالوا: إنه في الآية بعد ذلك قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، فقالوا: لو كان المريض داخلاً في الإحصار لم يكن لذكره بعد ذلك معنى، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: (لا حصر إلا حصر العدو)، وقد رواه البيهقي عنه بإسناد صحيح، وابن عباس ممن يقول بأن الإحصار لا يكون إلا من عدو.

    القول الثاني: بأن الإحصار يكون بكل ما يمنع الإنسان عن البيت، سواء كان ذلك بعدو أو بحادث سيارة أو بمرض أو بحبس، يسجن.

    نعيد القول الثاني:

    القول الثاني: أن الإحصار يكون بكل ما يمنع الإنسان من دخول البيت، سواء كان بعدو أو بمرض أو بحادث سيارة أو بسجن، أو بغير ذلك مما يحول بين الإنسان وبين إتمام نسكه.

    وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه وعطاء وعروة، وهو مذهب أبي حنيفة وقول لـمالك ورواية عن الإمام أحمد، وقد اختار هذا القول الإمام البخاري في صحيحه، وكذلك ابن تيمية وابن القيم وابن باز وابن عثيمين رحم الله الجميع.

    واستدلوا بالآية ذاتها، فقالوا: إن قوله سبحانه: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [البقرة:196] عام يشمل الحصر والمنع بأي سبب كان.

    وقوله: فَإِذَا أَمِنتُمْ [البقرة:196] المقصود الأمن ليس فقط من العدو، من العدو أو مما يحول بين الإنسان وبين البيت.

    واستدلوا أيضاً بحديث: ( من كسر أو عرج فقد حل )، وسوف نذكره بعد قليل وسنده حسن إن شاء الله.

    وهذا القول الثاني هو الراجح، وهو الأوسع؛ الأكثر توسعة على الناس، والأنسب إلى سعة الشريعة أن يكون الإحصار عاماً؛ لحصر العدو أو المرض أو غيره.

    فبناءً عليه نقول: المحصر يعني: الذي لم يستطع دخول البيت بمنع أو بعدو أو بحبس -لو سجن- أو بمرض -لو حصل له مرض- أو حادث سيارة، نقول: المحصر يذبح هديه -إن كان معه هدي- كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو يشتري إن لم يكن معه هدي فإنه يشتري؛ فإن لم يجد هدياً فلا شيء عليه ويحل.

    قضاء المحصر نسكه الذي أحصر عنه

    يبقى السؤال: إذا حل فهل عليه أن يحرم من قابل -كما قال ابن عباس - يحرم في السنة القادمة أو لا؟

    بعض الفقهاء يقولون: عليه حجة أو عمرة من قابل عن التي حصر عنها، يعني: كأنها في ذمته وإن حل منها، فعليه أن يحج أو يعتمر من العام القابل.

    ونقول: إنه لا يلزمه الحج من قابل إلا إن كان أصل الوجوب عليه، يعني: إن كان حجه أو عمرته كانت فرضاً، فعليه أن يحج من قابل حج الفريضة، والدليل على أنه لا يلزم أن يحج من قابل إذا لم يكن في ذمته شيء واجب أصلاً أن النبي عليه الصلاة والسلام لما تحلل عام الحديبية نحر هديه وحلق رأسه، وتحلل وتحلل أصحابه، أيضاً يكون حلق الرأس ضمن التحلل -كما هو معروف- إن لم أكن ذكرته، فإنه يذكر أن الإنسان المحصر ينحر هديه ويحلق رأسه.

    فنقول: الدليل أنه لا يلزمه حج أو عمرة من قابل أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية خلق كثير، ولم يأت معه عليه الصلاة والسلام كل هؤلاء في عمرة القضية أو ما بعد ذلك، مما يدل على عدم الوجوب، وهذا الذي رجحه ابن تيمية، وقال: إن تسمية العمرة التالية -يعني: في السنة السابعة- بعمرة القضية أو عمرة القضاء ليس معناه أن هذا قضاء للعمرة التي حصروا عنها في الحديبية، وإنما عمرة القضية يعني: القضية القائمة بين الرسول عليه الصلاة والسلام وقريش قضية الصلح، سميت بهذا أنها ضمن بنود الصلح، أنه يحج من عام قابل، وليس ذلك قضاء ما فات، وهذا هو القول الراجح كما ذكرت.

    فوائد الحديث

    من فوائد الحديث: وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما.

    ومن فوائد الحديث: أن المحصر يتمتع بالرخص -رخصة الإحصار- سواء كان حصره بعدو أو بغيره، فينحر هديه ويحلق رأسه ويحل.

    ومن فوائد الحديث: أنه إن كان إحرامه فرضاً وجب عليه قضاؤه بعد ذلك، وإن كان نفلاً فالأصح أنه ليس عليه في ذلك شيء.

    1.   

    شرح حديث عائشة في الاشتراط في الحج

    الحديث رقم (781):

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) متفق عليه.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في النكاح، باب: الأكفاء في الدين. لاحظ البخاري روى الكتاب في النكاح، باب: الأكفاء في الدين، من أين أتت قصة الكفاءة في الدين: أن الكفاءة ليست في النسب وإنما في الدين؟ هذا لأن ضباعة بنت الزبير -وهي من هي رضي الله عنها- قرشية هاشمية عريقة في النسب زوجها المقداد بن الأسود، وهو لم يكن قرشياً، كان حليفاً لقريش، هذا قصد أو إشارة البخاري رحمه الله.

    فإذاً: البخاري روى الكتاب في كتاب النكاح، ورواه مسلم في الحج، باب اشتراط التحلل للمرض ونحوه، وروى الحديث النسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وأحمد، وللحديث شاهد عن ابن عباس رضي الله عنه عند الستة -إلا البخاري - فيه ذكر الاشتراط.

    ترجمة ضباعة بنت الزبير

    ثانياً: ضباعة بنت الزبير هي بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي قرشية هاشمية روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن زوجها المقداد بن الأسود، وقد تزوجها المقداد وكان حليفاً لقريش.

    معاني ألفاظ الحديث

    قولها رضي الله عنها: (وأنا شاكية) يعني: مريضة وتخشى أن يتمادى بها المرض، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اشترطي) يعني: عند النية، عند الإحرام، أن تضع شرطاً إن حبسها المرض أو غيره فمحلها حيث حبست.

    وقوله: (فمحلي) بكسر الحاء. هناك فرق بين (محَلي) و(محِلي)، (محَلي) يعني: مكاني، جمعاً (محلي)، يعني: مكاني الذي أنا جالس فيه. وأما (محِلي) -بكسر الحاء- فهي: موضع إحلالي من النسك، من الحج أو العمرة.

    وقوله: (حيث حبستني) حيث هنا ظرف للزمان وظرف للمكان، يعني: أحل في الوقت والمكان الذي حبستني فيه.

    الاشتراط للمحرم وأقوال أهل العلم فيه

    ثالثاً: في الحديث مسألة الاشتراط، كون المحرم يشترط يقول: لبيك عمرة فإن حبسني حابس، أو لبيك حجاً، أو لبيك حجاً وعمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.

    القول الأول: أن الاشتراط يجوز، وهو قول عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم من الخلفاء الراشدين، منقول عن الثلاثة، وكذلك ابن عباس رضي الله عنه وضباعة كما هو واضح هنا، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وابن حزم، واستدلوا بحديث ضباعة ورواية ابن عباس الأخرى، حديث عائشة رضي الله عنها وحديث ابن عباس، وكلاهما في الصحيحين، وهما ظاهران في الاستدلال على جواز الاشتراط.

    القول الثاني: أن ذلك لا يشرع ولا يفيد، يقولون: حتى لو اشترط فإنه لا ينفع ولا يغير في الحكم شيئاً، وهذا منقول عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما، وهو قول مالك وأبي حنيفة .

    ومما نقل في هذا حديث ابن عمر رضي الله عنه أنهم ذكروا له الاشتراط فقال: [ حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ثم حل حتى يحج عاماً قابلاً ]، يعني: يقصد مثلما حصل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حبسه أو حصره عن البيت يوم الحديبية.

    وقالوا: إن حديث الباب -قصة ضباعة - إنها قصة عين أو خبر خاص، وأقول: حتى لو كانت قصة عين فإن الأمر فيها قوله عليه الصلاة والسلام: ( اشترطي )، هذا لفظ منه عليه الصلاة والسلام يشملها ويشمل غيرها.

    وهناك القول الثالث أو لعله القول الراجح أن الاشتراط مشروع حيث يخاف الإنسان أن يكون له حادث أو يحبس أو يحصر أو يمرض كما قالت ضباعة، أو يكون إنسان يخشى أن يمنع بسبب عدم وجود استكمال أدوات الحج، أو أن يتعرض لعدو أو ما أشبه ذلك، ففي مثل هذه الحالة يستحب له أن يشترط؛ لأن فيه أمراً من النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأما غيره من الناس فيجوز الاشتراط وإن كان ليس هو الأولى، وأشار سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله إلى أن في هذا العصر مع كثرة الحوادث وكثرة السيارات وما أشبه ذلك أن الأولى بالإنسان أن يشترط، وكثير من الفقهاء يجعلون الاشتراط هنا تلقيناً يلقنونه للمحرمين، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يشترط ولا أصحابه، وإنما ذكر ذلك لـضباعة ؛ لأنها كانت شاكية، فدل على أن هذا له مناسبة، ولو أن الإنسان اشترط فلا حرج عليه، ولو لم يشترط، طبعاً لو اشترط معناه أنه يحل، إذا اشترط له على ربه ما استثنى، فإذا شرط وحصل الشيء الذي يخافه فإنه يحل ولا شيء عليه، وهذا هو الفرق بين من اشترط ومن لم يشترط.

    فوائد الحديث

    النقطة الرابعة: فوائد الحديث

    أن المشترط يتحلل ولا شيء عليه.

    ومن فوائد الحديث: جواز الاشتراط.

    ومن فوائد الحديث: أن الأفضل أن يكون الاشتراط لمن يخاف.

    ومن فوائد الحديث: أن الشرط يسقط الدم كما ذكرنا.

    ومن فوائده: أن المشترط يحل حيث حبس.

    1.   

    شرح حديث: (من كُسر أو عرج فقد حل وعليه حج من قابل)

    الحديث رقم (782) وهو الحديث الأخير:

    عن عكرمة -وهو مولى ابن عباس - عن الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( من كُسر أو عرج فقد حل وعليه حج من قابل )، قال عكرمة : فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صدق. الحديث رواه الخمسة وحسنه الترمذي.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه أبو داود في المناسك، باب الإحصار، والترمذي في الحج، باب في الذي يهل بالحج فيكسر، ورواه النسائي في المناسك، باب فيمن أحصر بغير عدو، ورواه ابن ماجه في المحصر، والدارقطني والبيهقي والحاكم وأحمد.

    ترجمة راوي الحديث

    عكرمة هو -كما قلت- مولى ابن عباس، وهو من البربر، أصله بربري، وهو فقيه مكي عالم بالتفسير ثقة ثبت إمام، توفي سنة (105) للهجرة.

    وصحابي الحديث هو الحجاج بن عمرو الأنصاري، وهو صحابي مدني -كما هو واضح من اسمه- أنصاري، وليس له -فيما أعلم- إلا هذا الحديث في كتاب الحج، يعني: ليس له في المرويات إلا هذا الحديث. وفي إسناد الحديث ضعف يسير لكنه منجبر.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (كُسر) بضم الكاف يعني: كسرت رجله أو كسرت يده أو غير ذلك. (وعرج) بفتح الراء، يعني: حدث له عرج في رجله طارئ، وليس المقصود العرج الأصلي.

    وقوله: (فقد حل) يعني: يحل بما أصابه من المرض أو الكسر إذا لم يستطع أن يؤده، وإلا فلو استطاع أن يطوف أو يُطاف به وهو محمول فإن عليه أن يتم عمرته، لكن إذا لم يستطع فإنه يحل، وعليه إحرام من قابل كما قال في الحديث.

    فوائد الحديث

    ومن فوائد الحديث: أن المحرم يمرض فيحل كما دل عليه الحديث.

    ومن فوائد الحديث: عموم الإحصار وأنه لا يقتصر على العدو.

    ومن فوائد الحديث: أن من أحصر بسبب كهذا فليس عليه قضاء إلا أن يكون أحرم بحج واجب.