إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه - حديث 734-739

شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه - حديث 734-739للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مات وعليه حج نذر أو فريضة فإنه يحج عنه بعد أن يحج الإنسان عن نفسه أولاً، والصبي يصح منه الحج نافلة لا فريضة، فإذا بلغ يلزمه الحج فريضة، والمرأة إذا أرادت الحج فإنه يلزمها أن تحج بمحرم معها مع خلاف بين أهل العلم في ذلك، ومن لم يستطع الحج بجسده مع وفرة مال لديه فإنه ينيب غيره مع أحكام تفصيلية مبثوثة في ثنايا هذه المادة.

    1.   

    شرح حديث ابن عباس في السائلة عن المرأة المتوفاة وعليها نذر حج

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على خاتم رسله وأفضل أنبيائه وخيرته من خلقه، سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    الحديث الذي وقفنا عليه رقمه (716):

    وهو حديث ابن عباس رضي الله عنه: ( أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟! اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء ).

    يقول المصنف: رواه البخاري.

    تخريج الحديث

    فأولاً: تخريج الحديث: رواه البخاري في مواضع، منها: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وباب: من شبه أصلاً معلوماً من الدين بأصل مبين، وكأن البخاري استنتج من الحديث مسألة القياس.

    وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس حقوق الله سبحانه وتعالى على حقوق العباد، إذا كنت ستقضي الدين الذي للناس فالله أحق بالقضاء، والله أحق بالوفاء، وكذلك أخرجه البخاري أيضاً في كتاب الحج، باب الحج والنذر عن الميت؛ لأن الحديث فيه: ( أنها نذرت )، والحديث رواه النسائي والبيهقي وابن خزيمة والبغوي، كلهم في كتاب الحج، والإمام أحمد رحمه الله.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (أن امرأة) هذه المرأة مبهمة، ولم يذكر أحد من الشراح -فيما أعلم- اسمها، واسمها لا يتعلق به كبير فائدة، وإنما العبرة بما سألت وبما أجيبت.

    وهذا الفن المعروف -وهو فن المبهمات- قد كتب فيه أهل العلم وأكثروا، كما كتب فيه الخطيب البغدادي وغيره في محاولة تبيين ما أبهم في السنة النبوية.

    وقوله: (أن امرأة من جهينة) هذا فيه نوع تحديد، فهذه المرأة هي جهنية، وجهينة هي: قبيلة قضاعية قحطانية معروفة، ومساكنهم على الساحل الشرقي للبحر، ولا يزالون إلى اليوم وعاصمتهم هي مدينة أملج، تقريباً هي عاصمة المنطقة، ومنها امتدت جهينة إلى مناطق كثيرة.

    وقولها رضي الله عنها: (إن أمي نذرت) النذر هنا هو أن يلزم المكلف نفسه بشيء ليس واجباً عليه في أصل الشريعة، مثل أن يربط ذلك بقوله: إن عافى الله مريضي، أو رد الله غائبي، أو حقق الله لي ما أريد؛ فلله علي نذر أن أفعل كذا من صيام أو صدقة أو حج أو بر.. أو غير ذلك، فهذا يسمى نذراً، وقد يكون النذر مخرجه مختلفاً، مثل ما يسمى بنذر التبرر، أو نذر اللجاج والغضب، أو غيرها مما حقيقته اليمين، مثل كون الإنسان يريد أن يمنع نفسه من شيء، من التدخين مثلاً، فينذر أنه إن دخن فعليه كذا من الصدقة، وعليه كذا من الصلاة، فهذا إن أوفى بنذره وإلا فعليه كفارة يمين؛ لأن هذا ليس نذراً في حقيقته، وإن كانت صيغته وصورته النذر إلا أن حقيقته اليمين، كأنه حلف على نفسه أن لا يفعل، وإن فعل عاقب نفسه بكذا.

    وقد اختلف السلف في النذر، فقيل بأنه محرم، كما نقل عن جماعة من السلف، وقيل: مكروه. وهو الأقرب، وقيل: مباح، وقال بعضهم: إنه من السنة إذا غلب على ظنه أن يوفي به.

    والأقرب أن النذر مكروه كما دل عليه عموم نصوص الكتاب والسنة: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ [النور:53].

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقضوا الله فالله أحق بالوفاء )، أي: اقضوا حقوق الله سبحانه التي آلاها الإنسان على نفسه، كالنذر الذي أوجبه الإنسان على نفسه، فالله أحق بالوفاء.

    وقوله: (أحق بالوفاء) يحتمل أن يكون المعنى أن الله أحق أن توفوه من أن توفوا الناس، ويحتمل أن الله تعالى أحق بالوفاء أن يوفي الله تعالى عباده إذا نذروا، وأن يعظم لهم الأجر والثواب؛ ولذلك فإن من الفقهاء من يقول -وهذه قاعدة مشهورة عندهم- إن حقوق العباد مبناها على المشاحة وحقوق الله مبناها على المسامحة، وهذا أيضاً معنى صحيح، فإن الله سبحانه وتعالى عفو غفور، ويوم القيامة يعفو عن عباده، عن التائبين، ويعفو عمن يشاء برحمته، إلا ما كان من العبد بينه وبين أخيه فإنه لا يعفى عنه حتى يعفو عنه صاحب الحق.

    من مات وعليه حج واجب .. وما يلزم ورثته تجاهه

    المسألة الثالثة في الحديث: مسألة من مات وعليه حج الفريضة، أو مات وعليه نذر حج، يعني: من مات وعليه حج واجب، إما أن يكون حج الفريضة، أو أن يكون نذراً أوجبه على نفسه، فما حكمه، قيل: بأنه يُحج عنه وإن لم يوصِ، أنه يجب الحج على من خلفه، على ورثته وعلى أبنائه وإن لم يوصِ بذلك، وهذا مذهب الإمام أحمد والشافعي، وروي عن جماعة من الصحابة كـابن عباس رضي الله عنهما وأبي هريرة، وهو قول جماعة من السلف كـعطاء وطاوس وابن سيرين وابن المسيب والأوزاعي وسواهم.

    حجة هؤلاء الذين يقولون: على ورثته أن يحجوا عنه وإن لم يكن أوصى بذلك، حجتهم حديث الباب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من هذه المرأة: هل أمها أوصت أن يخرج هذا الحج من تركتها أو لم توصِ.

    وترك الاستفصال -كما يقال- في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، يعني: كأن ترك الاستفصال معناه: أنها أوصت أو لم توصِ فيجب الحج عنها على ورثتها، فهذا استدلالهم بالحديث.

    وكذلك يستدلون بأن هذا شبيه بالدين كما في الحديث نفسه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين الذي للمخلوقين، والديون التي على الميت تقضى، سواء أوصى بها أو لم يوصِ، فإذا علم أن لفلان عليه كذا، ولفلان عليه كذا؛ وجب قضاء هذا الدين من تركته وإن لم يكن أوصى به، فالدين مقدم على الوصية ومقدم على الميراث.

    كذلك أنهم قالوا: إن هذا حق تدخله النيابة، الحج، وقد ثبت في عموم النصوص أنه قد يحج أحد عن أحد لاعتبار من الاعتبارات، فالحج حق قد تدخله النيابة، وكذلك أن هذا الحج لزم الإنسان، لزم هذه المرأة الجهنية، لزمها حال الحياة يوم كانت حية بالنذر، أو يكون لزمها -أيضاً- بأن يكون حج الفريضة، فلا يسقط بالموت.

    وبناءً عليه: يخرج الحج من رأس مالها، من أصل تركتها، مثله في ذلك مثل دين الآدمي سواء بسواء، هذا هو القول الأول في من مات وعليه حج نذر أو عليه حج الفريضة.

    القول الثاني: أن الحج يسقط بالموت عن الميت، فإذا لم يوصِ لا يحج عنه، فإن أوصى وكتب في وصيته أنه يحج عنه؛ فإن الحج حينئذٍ يكون أين؟ يحج عنه من أصل ماله، أو يحج عنه من وصيته؟

    يحج عنه من وصيته، فإذا أوصى يحج عنه من الثلث -كما يقال- من الوصية، وإذا لم يوصِ فلا يلزم أن يحج عنه، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، واستدلوا بقول الله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، فقالوا: إن هذا الإنسان بعدما مات سقطت عنه الفريضة، والميت ليس عليه تكليف، فلا يلزم الورثة أن يخرجوا شيئاً من المال، ولا أن يخرجوا بأنفسهم، فإن أوصى فيخرج هذا من وصيته وليس من تركته، يعني: من حقه هو، وليس من حق الورثة الذين من بعده.

    ولا شك أن الذي يغلب على ظني أن الأول هو الأقوى، وهو الذي يدل عليه ظاهر الحديث، يعني أن من مات وعليه حج فرض أو مات وعليه نذر حج أيضاً، فإنه يحج عنه.

    فوائد الحديث

    الحديث فيه مجموعة من الفوائد:

    من أول فوائد الحديث: القياس، والقياس أصل من الأصول عند العلماء، بعد الكتاب وبعد السنة وبعد الإجماع يأتي القياس، وقد قال به جماهير الفقهاء، وأخذ به الأئمة الأربعة، وخالف في ذلك الإمام ابن حزم الظاهري فنفى القياس وأنكره، وشدد النكير على القائلين به.

    والواقع: أن القياس الفاسد لا شك أنه قياس مردود، والقياس في مواجهة النص، في مسألة ورد فيها نص هو كذلك، لكن القياس الصحيح مما تقتضيه الشريعة الحكيمة ومما تقتضيه العقول الحصيفة أيضاً؛ فإن قياس ما لم ينطق على المنطوق أمر ظاهر جداً، وسوف يأتي بعد قليل في مسألة الإحرام نموذج واضح جداً لهذا القياس.

    ومن فوائد الحديث أيضاً: ضرب الأمثال، وهذا أمر أوسع من القياس، فإن ضرب الأمثال للاعتبار مفيد ونافع ويستفيد منه المعلم والمتعلم، والإنسان قد يستفيد من تجارب الآخرين الأحياء والأموات.

    فضرب الأمثال أيضاً جاء في القرآن الكريم، وقال سبحانه: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ [العنكبوت:43]، وهو مما يجعل الإنسان يعتبر.

    من فوائد الحديث أيضاً: تعليل الفتوى، وأن ذلك من أسباب قبولها، حرص المفتي على أن يذكر للفتوى تعليلاً أو بياناً أو توجيهاً أو إقناعاً؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال لهذه المرأة: ( اقضوا الله فالله أحق بالوفاء )، وقال: ( أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ )؛ فإن هذا مما يجعل السائل يتصور الجواب نفسه ويقتنع به، فالسائل قد لا يقتنع بأن يقال له: هذا حلال وهذا حرام ثم يمضي، ولكن إذا أدخل هو في المسألة، وجعل يفكر فيها مثل المفتي، ويعرف من أين مأخذها ومن أين مأتاها فإن ذلك أدعى إلى القبول.

    من فوائد الحديث: الحج عن الميت، سواء كان هذا الحج حج الفريضة أو كان حج النذر.

    ومنه أيضاً قضاء الدين عن الميت، كما قاس النبي صلى الله عليه وسلم الحج على قضاء الدين، فإذا كان يقضى عنه دينه من ماله فكذلك يحج عنه من ماله قبل أن يقسم المال.

    1.   

    شرح حديث: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى ..)

    الحديث الثاني ورقمه (717):

    وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى ).

    يقول المصنف: رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، يعني: على ابن عباس رضي الله عنهما.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي شيبة له كتاب المصنف وهو مليء بالآثار، وكتابه هذا الذي معي كتاب ضخم، والحج على وجه الخصوص بذل فيه جهداً كبيراً، والمحققون أيضاً أخرجوه؛ لأنه كان مفقوداً، فـابن أبي شيبة روى هذا الحديث في الحج في باب الصبي والعبد والأعرابي يحج.

    وقد رواه البيهقي أيضاً في الحج: باب حج الصبي، والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه ابن خزيمة والطحاوي وغيرهم، وأبو داود في كتاب المراسيل وليس في سننه على أنه حديث مرسل، والحديث صححه جمع من الأئمة كما رأينا.

    فقد صححه الحاكم، قال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتابعه على ذلك الذهبي أيضاً في التلخيص، فصحح الحديث، وصححه ابن خزيمة، فإنه أخرجه في صحيحه، وكذلك ابن حجر في التلخيص مال إلى تصحيح الحديث، والألباني في الإرواء من المتأخرين، والهيثمي في مجمع الزوائد قال: رجاله رجال الصحيح، وهذا ليس تصحيحاً للحديث، هذا حكم على رجاله، لكن قد يكون رجاله رجال الصحيح وهو مرسل، رجاله رجال الصحيح وهو موقوف، رجاله رجال الصحيح وهو منقطع، فهذا ليس نصاً في تصحيحه، وكذلك النووي وابن حزم، فإنهما ممن صححوا إسناد الحديث.

    ولكن المصنف رحمه الله في أصل الكتاب ذكر أن للحديث علة، قال: اختلف في رفعه والمحفوظ أنه موقوف، ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من كلام ابن عباس، ولذلك فإن الحديث المرفوع لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا يزيد بن زريع عن شعبة ؛ ولهذا رجح جمع من العلماء الموقوف على المرفوع، وممن رجح ذلك الإمام البخاري والبيهقي، وكذلك أشار إليه الطبراني وابن خزيمة وغيرهم.

    وبعض أهل العلم يبحثون إذا اختلف العلماء ما بين الرفع والوقف، فبأيهما يؤخذ؟

    فالمسألة هذه مسألة اجتهاد وليس لها قاعدة مطردة ينظر من هو أوثق وأعلم، فالرفع والوقف نوع من الاختلاف في سند الحديث، ولكن إذا تقابلت الأقوال والأدلة فالوقف أولى؛ لئلا يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما تم التثبت والتأكد من رفعه، والأصل وقفه على الصحابي، وأصلاً يبدو أن في الحديث نوعاً من الاضطراب في فهم قول ابن عباس ؛ لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: أقول قولاً ولا تقولوا: قال ابن عباس، فهل هذا الكلام معناه: أن الحديث مرفوع، يعني: ابن عباس يقول: لا تظنوا أن هذا الكلام من كيسي، ولا تقولوا: قاله ابن عباس وإنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك محتمل، ويحتمل معاني أخرى؛ لأنه ليس صريحاً في الرفع هذا الكلام.

    فمن قال: هذا دليل على أنه مرفوع؛ فنقول: ذلك ليس صريحاً في الرفع، ولا أعلم أن العلماء الذين تكلموا في رفع الحديث ووقفه ذكروا هذه الصيغة من الصيغ الدالة على الرفع، أن يقول: أقول قولاً ولا تقولوا: قال ابن عباس، فيفهم أنه يقول: قولوا: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يحتمل أن يكون المعنى أن ابن عباس تذمر من بعض الحاضرين ونسبة الأقوال إليه إلى غير ذلك من الاحتمالات.

    فالحديث -إذاً- موقوف على القول الراجح.

    معاني ألفاظ الحديث

    من ألفاظ الحديث: قوله رضي الله عنه: (أيما صبي حج)، والمقصود بالصبي هنا من كان دون البلوغ، ويدخل فيه الصبية أيضاً، الفتاة قبل البلوغ، فليس الأمر مقصوراً على الذكر.

    وقوله: (حج ثم بلغ الحنث)، الحنث ورد في القرآن الكريم في مواضع، كما في قوله سبحانه: وَلا تَحْنَثْ [ص:44]، والمقصود بالحِنث: هو الإثم، وهو المؤاخذة، فكأن المعنى أنه بلغ الدرجة أو السن التي يؤاخذ فيها، وهي درجة البلوغ التي تكون ببلوغ خمس عشرة سنة، أو بالإنبات، أو بالإنزال، أو بالحيض عند الجارية.

    فالمقصود ببلوغ الحنث أنه بلغ السن التي يؤاخذ فيها، ويكلف ويحاسب على ذنوبه وأخطائه، أما قبل ذلك فإن الصبي تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات، فهذا هو المقصود ببلوغ الحنث، يعني: بلوغ سن التكليف.

    مسألة حج الصبي قبل بلوغه والعبد قبل عتقه

    في الحديث مسألة، وهي: حج الصبي، وكذلك حج العبد، إذا حج الصبي قبل البلوغ، أو حج العبد قبل أن يحرر ويعتق فإن حجهم صحيح من حيث إنه عبادة يثابون عليها وتكتب لهم، ولكن لا يجزئهم عن حج الفريضة، وقد أجمع أهل العلم على ذلك -كما يقول ابن المنذر - إلا من شذ ممن لا يعتد بخلافه، أجمعوا على ذلك، وأن حج الصبي لا يجزئه، فإذا بلغ فعليه حجة أخرى وهي حجة الإسلام.

    وكذلك العبد، القِن، فالحج يجزئه نافلة، ولكن لو عتق وجب عليه أن يحج حجة أخرى حجة الإسلام، ومستندهم في ذلك حديث الباب فهو صريح، وشواهده، فقد جاء للحديث شواهد عن جمع من الصحابة.

    وأيضاً يستندون على الإجماع، فقد نقل الإجماع ابن المنذر كما ذكرت، ونقله أيضاً الترمذي وابن عبد البر وابن الوزير وغيرهم.

    والخلاف في العبد مشهور، أما الخلاف في الصبي فلا يكاد يوجد خلاف، أنه إذا بلغ يجب أن يحج حجة أخرى حجة الإسلام، أما العبد فقد اختلف فيه، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان حجه بإذن سيده فحجه صحيح ويجزئه عن حجة الإسلام، ولكن الراجح هو القول الأول: أنه لا يجزئه، بل لو عتق وجب عليه حجة أخرى.

    إحرام الصبي بالحج ثم يبلغ وإحرام العبد بالحج ثم يعتق

    هناك أيضاً مسألة أخرى، وهي: لو أحرم الصبي بالحج ثم بلغ، وكذلك أحرم العبد ثم عتق، فما هو الحكم؟

    نقول: هذه المسألة لها عدة صور:

    الصورة الأولى: إذا كان البلوغ -ومثله العتق- بعد انتهاء الحج، يعني: بعدما طاف طواف الوداع -مثلاً- بلغ، فهذا لا يجزئ، وهي المسألة التي ذكرناها قبل قليل بعينها؛ لأن عتقه أو بلوغه كان بعد فراغه من الحج.

    الصورة الثانية: أن يكون الصبي بلغ أو العبد عتق بعد يوم عرفة وبعد ليلة عرفة، يعني: في يوم العيد، بلغ في يوم العيد، أو في ليلة الحادي عشر، أو في ليلة الثاني عشر أثناء الحج، ولكن بعد نهاية الوقوف بـعرفة والوقوف بـمزدلفة ليلة مزدلفة، فهذا -أيضاً- مثل الأول بلا خلاف، إلا خلافاً يسيراً هو ما حكيناه.

    الصورة الثالثة: لو أنه بلغ بـعرفة وهو في يوم عرفة أو في ليلة مزدلفة، وبإمكانه أن يذهب إلى عرفة ويبيت فيها، أو قبل ذلك أيضاً، مثلاً: لو بلغ قبل عرفة يوم التروية اليوم الثامن.

    فهذا يجزئه عند الشافعية والحنابلة، وعليه إذا كان بلوغه يوم عرفة أن يذهب إلى عرفة ولو للحظة ويمكث فيها حتى يكون أدرك عرفة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الأربعة وغيرهم: ( الحج عرفة )، فقالوا: إذا أدرك عرفة فقد أدرك الحج.

    والآخرون يقولون: لا يجزئه؛ لأن إحرامه بالحج وبدأه بالنسك كان نفلاً بالنسبة للصبي، لم يكن فرضاً، فلا يجزئه، كما لو أحرم بصلاة الفريضة ثم بلغ في أثنائها مثلاً، فإن هذه تعتبر نافلة لأنه بدأها نفلاً، هذه هي الاحتمالات الثلاثة: أن يكون بعد الفراغ من الحج، أو أن يكون بعد الوقوف بـعرفة، أو أن يكون في يوم عرفة أو في ليلة عرفة أو قبل ذلك.

    وهذه الصورة الأخيرة ذكرت فيها أن الشافعية والحنابلة يقولون: يجزئه ذلك؛ لحديث: ( الحج عرفة )، والإمام مالك وأبو حنيفة يرون أنه لا يجزئه؛ لأن الإحرام وقع منه قبل البلوغ.

    فوائد الحديث

    من فوائد حديث ابن عباس رضي الله عنه: مشروعية حج الصبي، وفيه: أن حج الصبي يعد نافلة ولا يعد فريضة ولا يجزئه عن حجة الإسلام، وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث ذاته أنه قال: ( وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى )، فكيف نخرج هذا اللفظ؟

    في بعض الألفاظ قالوا: ( أيما عبد عتق وأيما صبي بلغ، قال: وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى )، كيف نفسر اللفظ الثاني هذا؟

    نقول: إن العديد من العلماء والشراح قالوا: (وأيما أعرابي حج ثم هاجر) قالوا: إن المقصود بالهجرة: الإسلام، خروجاً من تبعة هذا اللفظ، مع أننا إذا قلنا: إن اللفظ لا يثبت أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبقى الأمر أسهل؛ لأنه قول واجتهاد من ابن عباس رضي الله عنهما، لكن على افتراض أنه مرفوع فإن الأقرب أن يقال: إن المقصود بالهجرة هنا: الإسلام، ويكون المقصود بحجه هنا أن يكون حج قبل الإسلام، والحج معروف عند العرب في الجاهلية كما هو معروف.

    1.   

    شرح حديث: (.. انطلق فحج مع امرأتك)

    طيب. الحديث الذي يليه، حديث رقم (718):

    قال: [وعنه]، والغريب أنه لاحظ أن معظم الأحاديث التي عندنا اليوم هي عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه؛ وذلك لأنه قد فقه أحكام الحج، حتى كانت عائشة رضي الله عنها تقول: (ما بقي على أديم الأرض أعلم بالحج من ابن عباس رضي الله عنه)، فهو كان فقيهاً عالماً بالحج؛ ولهذا تنقل عنه كثير من المناسك، وكذلك جابر رضي الله عنه ينقل عنه مثل ذلك.

    عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: ( لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انطلق فحج مع امرأتك )، متفق عليه واللفظ لـمسلم .

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في كتاب الجهاد، لمناسبة قوله: ( إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا )، ورواه أيضاً في النكاح؛ لقوله: ( انطلق فحج مع امرأتك )، فهذا فيه بيان بعض الحقوق بين الزوجين، ورواه أيضاً في كتاب الحج، وهذا من فقهه رحمه الله، ورواه مسلم أيضاً في الحج: باب سفر المرأة.

    وقد نوهت وبينت سلفاً أن الأبواب في صحيح مسلم ليست من وضع الإمام مسلم، مسلم رحمه الله اعتنى بالكتب، عناوين الكتب، أما الأبواب التي نحيل إليها فإن الذي وضعها غيره، مثل الإمام النووي أو المازري أو غيرهم، كل واحد شرح مسلماً وضع أبواباً من اجتهاده.

    وكذلك رواه ابن ماجه في سننه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي في المناسك، ورواه الإمام أحمد في مسنده .

    وأيضاً نحن أحياناً -أو غالباً- نؤخر ذكر الإمام أحمد مع تقدم تاريخه وتقدم رتبته، ولكن التأخير لأن الكتب الأخرى هي كتب على حسب الموضوعات، يعني: ترتيبها ترتيب موضوعي، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحج.. الخ.

    أما المسند فإن ترتيبه على حسب المسانيد وأسماء الصحابة، فلذلك نقول: رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي -مثلاً- في كتاب الحج، ثم نقول: ورواه أحمد ؛ لأن أحمد ما عنده كتاب الحج، أحمد عنده مسند ابن عباس مثلاً.

    معاني ألفاظ الحديث

    النقطة الثانية: فيما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قوله رضي الله عنه: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ويقول: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم )، (لا يخلون) هذا نهي، من الخلوة، وأصل الخلوة والخلاء هو أن يكون المكان فارغاً ليس فيه أحد، وقد يطلق على خلوة الرجل بنفسه، فيقال: خلا بنفسه، أو خلا بفلان، خلا بصديقه أو بزميله منفرداً.

    وكذلك الخلوة بالمرأة، يعني: أن يوجد رجل وامرأة ليس معهما أحد ثالث يرفع هذه الخلوة.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: ( إلا ومعها ذو محرم )، ذو المحرم قد يكون هو الزوج، أو من تحرم عليه، فهو زوجها أو من تحرم عليه، تحرم عليه على التأبيد تحريماً أبدياً، فيخرج من ذلك من تحرم عليه تحريماً مؤقتاً مثل أخت الزوجة، فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23]، فلا يجوز الجمع بين الأختين، فهي حرام عليه، أخت زوجته حرام عليه، لكن هذا تحريم مؤقت ما دامت زوجته معه، أما لو طلقها وتزوج أختها فإن ذلك يجوز.

    فنقول: المحرم هو من تحرم عليه تحريماً أبدياً مثل الأب والأخ والابن والعم والخال، فهذا المحرم، من تحرم عليه تحريماً أبدياً بنسب، أو بسبب مباح وهو المصاهرة، أو برضاع أيضاً، فإن ذلك يدخل في المحرمية.

    قوله: (فقام رجل فقال: يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وإن امرأتي خرجت حاجة)، قوله: (اكتتبت) وهذا مبني للمجهول، والمعنى: أنه قيد نفسه على أنه سوف يذهب في غزوة أو نوى ذلك، أو سجل أو قيد، وقد يكون هذا دليلاً على وجود ديوان للجند في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان بطريقة بسيطة، أنه كان الإنسان يكتب نفسه أو يقيد نفسه أنه سوف يذهب مع هذه الغزوة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( انطلق فحج مع امرأتك ) يعني: اترك ما اكتتبت له، واذهب في الحج مع امرأتك.

    وهذه الخطبة التي خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لم يذكر ما هي؟ هو يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ويقول.

    وخطب النبي عليه الصلاة والسلام منها خطب راتبة، مثل خطبة الجمعة، مثل خطبة العيد، مثل خطبة عرفة، مثل خطبة الوداع، فهذه خطب راتبة، وهناك خطب عارضة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم أحياناً، وربما ينادي المنادي فيجتمع الناس ثم يقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيخطب ويعظ الناس مواعظ أو ينبههم على عدو قادم، أو على أمر من الأمور، أو على خطأ وقع فينبه عليه، فهذه الخطبة ليس واضحاً متى كانت، وفي أي وقت كانت؟ لكن الأظهر -والله أعلم- أن هذه الخطبة كانت قبل حجة الوداع.

    سفر المرأة للحج بغير محرم وأقوال أهل العلم في ذلك

    النقطة الثالثة في الحديث: مسألة سفر المرأة بلا محرم، وفي هذه المسألة قولان مشهوران:

    القول الأول: حرمة سفر المرأة للحج بغير محرم

    القول الأول: هو تحريم سفر المرأة بلا محرم، أي: ما يعد سفراً شرعياً تتمتع فيه برخص السفر، أنها لا تسافر فيه إلا بمحرم، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه.

    واستدلوا على ذلك بأدلة: منها حديث الباب، حديث ابن عباس رضي الله عنه، وقالوا: من أدلته نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يخلو بها رجل إلا ومعها ذو محرم، بل قالوا: من أدلة الحديث كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الرجل أن يترك الجهاد ويذهب ليسافر مع امرأته هذا دليل على أهمية المحرم وعلى ضرورته.

    أيضاً: الأحاديث الواردة في الباب، وهي أحاديث كثيرة جداً.

    في الصحيحين: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ( لا يحل لامرأة تسافر ) في بعض الألفاظ: ( مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم )، وهكذا عند مسلم، حديث أبي هريرة في الصحيحين وفيه: ( مسيرة يوم وليلة)، ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم )، حديث ابن عمر رضي الله عنه، وهو أيضاً متفق عليه، وفيه (ثلاثة أيام): ( لا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم منها ).

    وهذه الأحاديث الأربعة عن أبي سعيد وعن أبي هريرة وعن ابن عباس وعن ابن عمر رضي الله عنه، وغيرها كثير أيضاً، قالوا: هذه الأحاديث تدل على أنه لا يحل ولا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، إلا سفر الضرورة الذي لابد لها منه، مثل امرأة منقطعة، أو امرأة انفلتت من أيدي العدو، فهذه حالات اضطرارية.

    القول الثاني: عدم اشتراط المحرم في سفر المرأة للحج

    القول الثاني: المحرم ليس شرطاً لحج الفريضة، أنه يمكن للمرأة أن تسافر حج الفريضة من غير محرم، وهذا قول مالك والشافعي، وهو أيضاً مروي عن جماعة من الصحابة كـعائشة رضي الله عنها، وعمر وابن عمر وابن الزبير، وجمع من السلف كـعطاء وابن سيرين، والأوزاعي والزهري، وهو مذهب داود الظاهري وأصحابه، وابن حزم صرح به في المحلى وانتصر له، ونقل المروذي أيضاً عن الإمام أحمد رواية بهذا الخصوص: أنه سئل عن المرأة المسنة إذا لم يكن لها محرم: هل تذهب للحج؟ فقال الإمام أحمد : إنها إذا وجدت رفقة مأمونة ولم تحتج إلى أحد فأرجو أنه لا بأس بذلك.

    فهؤلاء قالوا بجواز ذلك، واستدلوا بأدلة، هنا لا نقول كما قال بعض الإخوة -هداه الله- مرة على المنبر يقوم ويقول: إن من يقول هذا فكأنه يقول: لا سمع ولا طاعة لك يا رسول الله!

    فهؤلاء أئمة أجلاء حاشاهم أن يقولوا مثل هذا، لكن يكون ظهر لهم من الأمر ما لم يظهر لغيرهم، أو اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، أو اجتهدوا فأخطئوا فلهم أجر، ولا ينبغي أن يتعامل مع مسائل العلم بهذه الروح، وإنما يتعامل معها بروح الأدب والاحترام والتوقير للعلم والعلماء ولو خالفهم الإنسان.

    فحجة هؤلاء القائلين بعدم اشتراط المحرم -بل لعله من أقوى حججهم- ما رواه البخاري: أن عائشة رضي الله عنها وأمهات المؤمنين سافرن في الحج في عهد عمر رضي الله عنه، ومعهن عمر والصحابة، وكن ينزلن أسفل الوادي، فقالوا: إن هذا الحج من عائشة وأمهات المؤمنين وفي عصر مبكر من عصر الرسالة، وفي عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه وهو من القوة والصدع بالحق ما هو فيه، وبملأ من الصحابة، ليس عمر فقط، وإنما عمر وعثمان وعلي وأكابر الصحابة كانوا موجودين، ولم ينقل أن أحداً أنكر ذلك.

    فقالوا: هذا دليل على أن مثل ذلك جائز، وأن المقصود هو وجود الأمن، ووجود الطمأنينة والسلامة وغلبة الظن على السلامة في هذا الطريق، فهذا من أقوى الأدلة؛ ولذلك رجح ابن تيمية رحمه الله هذا القول، وانتصر له أيضاً في الفتاوى.

    كذلك من أدلتهم: حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه -وهو في البخاري - لما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( يوشك أن تخرج الضعينة من الحيرة تؤم البيت ) يعني: بسبب الأمن الذي يضرب بجرانه في هذه الأرض.

    (تخرج الضعينة) وهي المرأة في الرحل، من الحيرة، من الشام، من العراق .. إلى البيت، ولم يذكر أن معها محرماً.

    فقالوا في الجواب على هذا الحديث: إن هذا خبر من النبي عليه الصلاة والسلام ولا يلزم أن يكون إقراراً، وكم أخبر النبي عليه السلام مما سيحدث في آخر الزمان.

    فنقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم: ( تؤم البيت ) دليل على أن المقام مقام ثناء على الأمر، وليس مقام ذم له، وإلا فالنبي عليه السلام قال: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة )، لكن هنا واضح أن السياق هو سياق ذم لاتباع عادات وطرائق أهل الكتاب.

    أما حديث عدي بن حاتم فالمقام -فيما يبدو- هو مقام ثناء ومقام نعمة ورحمة أن تكون المرأة تذهب والأمن مستتب لا تحتاج إلى مثل ذلك، وهذا القول الذي ذكرته -القول الثاني ومن اختاره وذهب إليه-، بعضهم قيدوه بسفر حج الفريضة، وبعضهم ذكروه في الحج مطلقاً.

    الراجح في سفر المرأة للحج بغير محرم

    والذي يظهر لي: أن الأمر مرهون -فعلاً- بوجود الحاجة وبالأمن، يعني: المحرم هنا ليس المقصود فيه المراقبة على المرأة كما يظن البعض، المحرم المقصود فيه: حماية المرأة من وجود العدوان عليها أو وجود الظلم.

    بعض الإخوة لو تكلموا في هذه المناسبة أوجعوا، وتكلموا عن قضية أن المرأة ضعيفة عقل، والمرأة تخدع، والمرأة ركبت فيها الشهوة.. وما أشبه ذلك، فهذا مما لا يحسن أن يقال في هذا السياق فيما يبدو لي؛ لأن المحرم ليس يرسل من أجل أن يراقب المرأة ويتجسس عليها حتى لا تذهب، المحرم ليحمي المرأة، هو نوع من الحماية؛ ولذلك المحرم تكريم للمرأة في حقيقة الأمر.

    وحينما يكون هناك خوف، والسفر -طبعاً- مظنة حصول الخوف، مظنة حصول الضياع، مظنة أن الإنسان لا يدري إلى أين هو ذاهب ويأتي إلى بلاد جديدة لا يعرف فيها الكثير، فقد يحتاج إلى من يحميه، يحتاج إلى من يساعده، فينبغي أن يراعى هذا المعنى.

    والأمر -فيما يبدو لي- أنه مترتب على قضية وجود الحاجة، يعني: أن تكون المرأة محتاجة إلى هذا السفر، وأيضاً مسألة أن لا يكون لها محرم؛ لأنه كما قالت عائشة: (ليس كل النساء تجد محرماً).

    والأمر الثالث: أن يكون هناك أمن، أمن الطريق، فلا يكون هناك خوف.

    الأمر الرابع: أن يكون هناك رفقة مأمونة، وخاصة أن تكون الرفقة من النساء.

    وبناءً عليه نقول: مثلاً: لو أن مجموعة من النساء ذهبن في حملة حج، وهذه الحملة يقوم عليها أناس أهل دين، وأهل أمانة وكفاءة، وقاموا بترتيب برامج توعوية وتعليمية، وربما بعض النساء حديثة عهد بإسلام وهي أصلاً مسافرة؛ لأنها في بلد غير بلدها، فهذا فيه مصلحة إذا ضبط وأحكم ولم يتحول إلى تساهل أو عبث، أما إذا كانت الأخرى فلا شك أن هذا مذموم بكل حال، ويكفي ما ورد فيه من النصوص التي ذكرناها قبل قليل.

    فوائد الحديث

    من فوائد الحديث:

    تحريم خلوة الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية، وهذه الخلوة تنتفي بوجود شخص آخر، سواء كان رجلاً آخر أو امرأة، فإن ذلك لا يكون خلوة، يعني: النهي هو عن الخلوة، والخلوة إنما تكون بوجود اثنين فقط -يعني: رجل وامرأة- وهما أجنبيان عن بعضهما، أما لو وجد مجموعة من الرجال فهذه لا تسمى خلوة، وكذلك لو وجد مجموعة من النساء فهذه لا تسمى خلوة.

    زد على ذلك أن الخلوة هي في المكان الذي يتمكن الرجل فيه من المرأة، أما إذا كان في مكان مفتوح فهذه لا تعد خلوة، مثلاً: إذا كانوا في مكان الناس يذهبون ويأتون فهذه لا تعتبر خلوة.

    ولكن يبقى أن هناك اعتبارات، يعني: هذا الرجل إذا كان أجنبياً عن المرأة فإذا كان المقام مقام ريبة مثل ما يحدث اليوم من بعض الشباب، أنك تجد كثيراً منهم يأخذون بعض الفتيات إلى مطاعم، وقد يقع من جراء ذلك أشياء كثيرة جداً، فهذا لا شك أنه أمر مذموم، وينبغي على ولاة الأمر السعي في منعه ووضع رقابة على كثير من المحلات والمقاهي والمطاعم التي تستقبل الشباب وتستقبل الفتيات الذين هم على هذه الشاكلة التي ذكرت، وقد حدث هذا مرات أنك تشاهد من طبيعة الجلوس والعلاقة بين البنت وبين الفتى أنهم ليسو أزواجاً وليسو محارم، وإنما تجد أن هذا الشاب كأنه يغتنم فرصة مع هذه البنت فهو يقترب منها ويقبلها، وتجد أن هذا أحياناً أمام الناس يحدث، هو يحتاج إلى مراجعة وإلى معالجة ولا شك.

    وكذلك في خروج الرجل في الحج مع امرأته، وبعض أهل العلم والفقه يرون أن الزوج يجب عليه أن يحج مع زوجته، والأقرب أن هذا إذا بذلت له ما يبذل لمثله أو كان برضاه ذلك.

    1.   

    شرح حديث ابن عباس في الملبي عن شبرمة

    الحديث الذي بعده، وهو الحديث رقم (719):

    هو حديث ابن عباس أيضاً رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول في الحج: ( لبيك عن شبرمة، فقال له: من شبرمة ؟ قال: أخ لي أو قريب لي، فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة )، والحديث رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، والراجح عند الإمام أحمد وقفه.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه أبو داود -كما أشار المصنف- في كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، ورواه ابن ماجه في المناسك أيضاً وابن خزيمة والدارقطني وابن حبان والبيهقي والطحاوي كلهم في كتاب المناسك.

    والمصنف رحمه الله يقول: والراجح عند أحمد وقفه؛ وذلك أن الذي رفع الحديث هو عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة، هذا هو الذي رفع الحديث.

    ووقفه غيره ممن هو أثق منه، كـغندر وهو محمد بن جعفر، وهو إمام جليل؛ ولذلك رجح الأئمة الموقوف كما رجحه الإمام أحمد والطحاوي وابن المنذر، وكأن الحافظ ابن حجر يميل إلى هذا القول أيضاً؛ ولذلك نقول: إن الأقرب والأصح أن هذا الحديث موقوف على ابن عباس رضي الله عنه وليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام .

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (سمع رجلاً يقول: لبيك) (لبيك) هذه تلبية الحاج، وأصلها من (لَبّ) لام وباء، لب بالمكان: يعني: أقام، فكأن قوله: (لبيك) على التثنية، وهكذا عند أكثر أهل اللغة: أن لبيك تثنية، يعني: أجيبك مرة بعد مرة، فلبيك يعني: إقامة على طاعتك بعد إقامة، هذا معنى لبيك.

    فهذا الرجل كان يقول: (لبيك عن شبرمة )، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: من شبرمة ؟ وهذا سؤال لطيف؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما لا يعرف هذا الرجل، فقد يكون هو شبرمة، ولكن بعض الناس لا يحسن أن يقول: لبيك اللهم لبيك، فكأنه يقول: لبيك عني، هذه التلبية واصلة عني، عن فلان -مثلاً- يقصد نفسه، فلذلك لما قال له: من شبرمة ؟ قال: أخ لي أو قريب لي، و(أو) هذه على سبيل الشك والله أعلم، يعني: الراوي شك: هل قال الرجل: إن شبرمة أخي، أو قال: إن شبرمة قريب لي، وكأن شبرمة هذا -فيما ذكر بعض الشراح- مسلم قديم الموت، يعني: مات قبل فريضة الحج، فحج عنه هذا الرجل، وواضح جداً أن القصة هذه هي في الحج؛ لأن الرجل ملبى، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: حججت عن نفسك؟ قال: لا، يعني: حج الفريضة، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة .

    نيابة من لم يحج عن نفسه عن غيره في حج الفريضة

    هذا الحديث فيه مسألة النيابة في حج الفريضة، كون الإنسان ينوب عن آخر في الحج.

    هل يجوز أن ينوب عن غيره وهو ما أدى فريضته؟

    إنسان عليه حج وما حج عن نفسه، هل يجوز أن يحج عن غيره؟ هذه هي المسألة، وفيها قولان:

    القول الأول: أنه يشترط أن يكون النائب في حج الفريضة قد حج عن نفسه، لابد أن يكون حج عن نفسه أولاً ثم يحج عن شبرمة أو عن غيره، يحج عن أمه أو عن أبيه أو عن وكيله.. لابد أن يبرئ ذمته أولاً، وهذا قول أحمد والشافعي وبعض فقهاء المالكية، وحجتهم حديث الباب وشواهده، فقد جاء للحديث شواهد عديدة عن جمع من الصحابة، قالوا: لابد أن تبرأ ذمة الوكيل عن نفسه أولاً ثم عن موكله.

    القول الثاني: أنه يصح أن يحج عن غيره، ولو لم يكن حج عن نفسه، فيمكن أن يحج عن قريبه هذا العام ويحج عن نفسه بعد سنة أو بعد سنوات، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وحجتهم في جواز ذلك عموم الأحاديث، مثل حديث الجهنية الذي ذكرناه قبل قليل، ومثل حديث الخثعمية الذي ذكرناه بالأمس، وما شابهها من الأحاديث الكثيرة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يحجوا عن آبائهم أو عن أمهاتهم، ولم يشترط عليه الصلاة والسلام شيئاً.

    فقالوا: هذا دليل على أنه يجوز أن يكون الوكيل لم يؤدِّ الفريضة، هذه حجتهم.

    والحديث كما رأينا أنه حديث موقوف، حديث ابن عباس، فهو يدل على أن هذا رأي ابن عباس رضي الله عنه وجمع من الصحابة، أنه لابد أن يكون الوكيل قد حج عن نفسه.

    ولذلك نقول: لو أن هذا الإنسان حج عن قريبه ولبى عن شبرمة أو عن غير شبرمة فلمن يكون هذا الحج؟ هل يكون له هو باعتبار أنه ما حج عن نفسه، أو يكون للوكيل باعتبار النية، أو هناك قول ثالث، هل يتصور قول ثالث في المسألة؟

    القول الثالث: أنهم يقولون: لا يقع عن أي منهما هذا الحج؛ لأنه بالنسبة لهذا الحاج ما نواه لنفسه، وبالنسبة للوكيل لا يصله؛ لأنه يشترط أن يكون قد حج عن نفسه، فكأنهم يقولون: يكون هذا الحج نفلاً، الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، لكن لا يكون هذا الحج عن أي منهما، هذا هو القول الثالث.

    القول الثاني: أنه يكون عن الرجل المحجوج عنه بحسب النية، وهذا الذي رجحه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى.

    والقول الثالث: أنه يكون عن الحاج نفسه، وهو الذي يظهر أنه قول ابن عباس رضي الله عنه؛ لأنه قال: (حج عن نفسك) فكأن هذه الحجة تكون عن نفسه هو، وهذا موجود في الحج، له نظائر، مثل من حج نفلاً وهو لم يؤدّ الفريضة، فإن حجه ينقلب فريضة، فلذلك نقول: إن هذا له نظائر.

    ولكن مما ينبغي أن يوضح في هذه المسألة أنه إذا كان النائب غير مستطيع فحج عن أحد فهذه المسألة واضحة، والأقرب أنه يجوز ذلك، مثل إنسان ما عنده مال، وبناءً عليه فهو ليس ممن استطاع إليه سبيلاً، ولا يستطيع الحج، فآجره أحد على أن يعطيه مالاً ليحج عنه، فحج عن هذا الغير، فنقول: هذا صحيح؛ لأن النائب هنا لم تجب عليه الحجة بسبب أنه غير مستطيع، ليس عنده مال، فهذه المسألة قال بها سفيان الثوري، وطبعاً ذكرنا سابقاً من باب أولى مذهب الحنفية والمالكية والشيخ ابن عثيمين، فنقول: مثل هذه المسألة مسألة واضحة، إذا كان النائب لم يحج ولكنه غير مستطيع.

    فوائد الحديث

    من فوائد حديث ابن عباس : الجهر بالتلبية؛ لقول هذا الرجل: (لبيك).

    وفيها: تسمية المحجوج عنه أو المعتمر عنه، من نوى عنه الحج أو نوى عنه العمرة أنه ينبغي أن يقول: لبيك عن فلان، لبيك عن أمي أو عن أبي أو عن فلان.

    وفيها: أهمية السؤال والاستفصال قبل الإنكار، يعني: بعض الناس قد يبادر بالإنكار دون أن يكون متثبتاً من المسألة، فأن يسأل قبل أن ينكر فذلك خير وأفضل؛ حتى لا يكذب بحق أو يصدق بباطل كما ورد.

    وفيها: التحري في الرواية، كما نجد أن هذا الراوي قال: أخ لي أو قريب لي.

    وفيها: الحج عن الغير وأن ذلك ثابت وفي نصوص أخرى كثيرة سبقت.

    وفيها: أن من المشروع للمفتي أن يبين المخرج إذا كان ذلك ميسوراً، فإن ابن عباس رضي الله عنه -على اعتبار أن هذا الحديث موقوف- قال للرجل: (حج عن نفسك أولاً ثم حج عن شبرمة) فبين له المخرج.

    1.   

    شرح حديث: (إن الله كتب عليكم الحج ..)

    الحديث رقم: (720):

    قال: وعنه -يعني: ابن عباس رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( إن الله كتب عليكم الحج.. ) الحديث هذا -الحقيقة- فيه عبر: ( فقام الأقرع بن حابس ) كأن القصة ما انتهت، الأقرع بن حابس رضي الله عنه كأنه اعترض الحديث: ( فقام فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها لوجبت ولما استطعتم، الحج مرة فما زاد فهو تطوع )، يقول المصنف رحمه الله: رواه الخمسة إلا الترمذي. ‏

    تخريج الحديث

    الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في المناسك، باب فرض الحج، ويبقى من الخمسة الإمام أحمد في مسنده، وأيضاً روى الحديث الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد، والدارقطني والبيهقي وأحمد، والحديث من طريق سفيان بن حسين عن الزهري، وسفيان بن حسين راوٍ ثقة، إلا في حديثه عن الزهري، ففي حديثه عنه مقال، ولكنه قد تُوبع في هذا الحديث؛ ولذلك نقول: إن هذا الحديث بطرقه جيد الإسناد.

    ويتبعه الحديث الذي بعده أيضاً (721)، قال: وأصله في مسلم، يعني: نفس الحديث، وسبق معنا أن (أصله) يعني: أصل اللفظ مع نوع من الاختلاف، أو اختلاف الصحابي، وهنا الصحابي اختلف فأصبح حديثاً آخر، الحديث السابق حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن ابن عباس .

    أما الحديث الآخر -حديث مسلم - فهو عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: (فقال رجل)، وهو الأقرع بن حابس ولم يسمه هنا، وهذا من الإبهام الحسن؛ لأن المقام مقام طيٍّ، أن تطوي اسمه أفضل من أن تذكره، ( فقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قالها ثلاثاً )، أفي كل عام يا رسول الله؟ أفي كل عام يا رسول الله؟ ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ).

    وهذا اللفظ رواه مسلم -رحمه الله- في صحيحه، كتاب الحج، ورواه النسائي في المناسك وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي والدارقطني وأحمد في مسنده.

    معاني ألفاظ الحديث

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب عليكم)، معنى (كتب) هنا: أوجب وألزم وفرض، فهذا إشعار بوجوب الحج، وكأن هذا عقب قوله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

    قوله: (أفي كل عام؟)، يعني: الحج في كل عام؟ ومن حكمة الله أن لا يكون الحج في كل عام؛ لما في ذلك من المشقة على الناس، وأن المكان لا يستوعب الحجيج كل عام، كما قد علم الله سبحانه وتعالى، فالآن الذين يحجون لا يعدلون (1%) من المسلمين، ومع ذلك يضيق بهم المكان، فقوله: (أفي كل عام؟) هذا من السؤال المذموم، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة:101]، وكان سعد رضي الله عنه يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم -: ( إن من أشد الناس جرماً من سأل عن مسألة لم تحرّم فحرمت من أجل مسألته )، وهذا فيه تنبيه للناس -خاصة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم- أن لا يكثروا السؤال.

    وفيه تنبيه للناس من بعدهم أيضاً: أن لا يكثروا السؤال على المفتين؛ لأن المفتي أحياناً يحرج من بعض الأسئلة، وقد يكون عنده جواب، فيخشى أن يفهمه الناس خطئاً فيعمد إلى إغلاق الباب في بعض المسائل حتى لا يفهم الناس منه ما لا يريد، فيكون في ذلك تحجر على الناس وإغلاق أبواب، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال، كما في الحديث الآخر.

    حكم الحج

    في الحديث مسألة، وهي مسألة: حكم الحج:

    وحكم الحج فرض، وهو ركن من أركان الإسلام باتفاق المسلمين، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( بني الإسلام على خمس ) وذكر منها صوم رمضان والحج، والحديث متفق عليه.

    وكذلك حديث جبريل المشهور من طرقه وفيه ذكر الحج، والآيات الكريمة الواردة في هذا، فضلاً عن حديث الباب.

    فنقول: الحج ركن من أركان الإسلام، وفرض في العمر مرة على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع حر، وذلك ثابت بالكتاب كما ذكرت، وثابت بالسنة النبوية، وثابت بإجماع العلماء، الإجماع القطعي؛ ولهذا قال سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، وبينا أمس أن ابن عباس رضي الله عنه يقول: (ومن كفر) يعني: بأن لا يعد الحج متعيناً على الناس ولا يكون فعله عبادة وتركه مأثماً، فهذا يكون كفراً لإنكاره أمراً معلوماً من الدين بالضرورة.

    فوائد الحديث

    من فوائد الحديث:

    أولاً: فرض الحج ووجوبه، وأن الله كتبه على العباد.

    ثانياً: أن الحج مرة في العمر، وهذا أيضاً إجماع، وبعض أهل العلم ذكروا استحباب الحج كل خمس سنوات، واحتجوا بحديث مرفوع: ( إن عبداً أصححت له بدنه وأوسعت له في رزقه يمكث خمس سنين لا يفد إليّ لمحروم )، وهذا الحديث منكر الإسناد فلا يصح .

    ولكن مسألة تنظيم الحج بترتيب معين في الدول، هذا أصبح من الضرورات التي لابد منها من أجل السيطرة على وضع الحجيج وترتيب أمورهم، وحماية الحج أن يكون الحج جهاداً لا قتال فيه -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- بدلاً أن يكون عملاً فيه قتال بين المسلمين يقتل بعضهم بعضاً.

    وفيه: العفو عن المسكوت في هذا الحديث، العفو عما سكت الله تعالى عنه، وعما سكت عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله ( سكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها )، فما سكت الله تعالى عنه فهو عفو.

    وفيه: ترك التشديد بالإفراط في الأسئلة، وأن من شدد شُدد عليه، كما وقع لبني إسرائيل في قصة البقرة: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة:71].

    وفيه: ترك البحث الشرعي عما لم يرد، ما لم يرد من الأحكام وغيرها فإنه لا حاجة إلى البحث فيه؛ لأنه لو علم الله فيه مصلحة للعباد لبينه، وكثير من الأبحاث التي أخذت وقت الناس وعقولهم ربما لم يكن لها فائدة؛ لأنها لم تكن واردة في الشريعة ولا في القرآن ولا في السنة، فشغل الناس بها أوقاتهم وملئوا بها الطروس والدروس والكتب، وكانت محلاً للجدل، ولم ينتفع الناس بها لا في دينهم ولا في دنياهم.

    وفيه: رحمة الله تبارك وتعالى بالعباد.