إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه - حديث 727-728

شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه - حديث 727-728للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج هو قصد بيت الله الحرام في وقت وزمن مخصوص لعمل مخصوص، وفرضية الحج ومشروعيته ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، يجب مع القدرة والاستطاعة وتوفر الزاد والراحلة، وله مقاصد وأسرار كإحياء التوحيد في النفوس، وتعظيم هدي الأنبياء، والتربية على الأخلاق والتواصل بين الناس والانتفاع منهم، كما أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.

    1.   

    مقدمات في الحج

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    هذه ليلة الأحد الخامس والعشرين من شهر رجب من سنة (1430هـ)، وهذه الدورة العلمية المكثفة المباركة في جامع المهاجرين بحي الخالدية في مكة المكرمة تنعقد في عامها الثالث، وقد سبق أن شرحنا في العام الماضي كتاب الصيام، وفي هذا العام بإذن الله تعالى خلال ستة أيام اثني عشر درساً بإذن الله تعالى سوف نستكمل كتاب الحج، وقبل الدخول في الأحاديث التي اختارها المصنف رحمه الله لابد من الإشارة إلى عدد من المقدمات المهمة التي عادة ما يستعرضها العلماء والباحثون في هذا الموضوع.

    عنوان كتاب الحج

    المقدمة الأولى متعلقة بعنوان الكتاب، فالمصنف رحمه الله جعل عنوان الكتاب: كتاب الحج، وإذا قيل: كتاب الحج فإنه يدخل فيه العمرة، إما من باب التبع لكون العمرة تبعاً للحج وداخلة فيه، أو من باب أن العمرة تسمى الحج الأصغر كما سوف يأتي، فيكون المقصود بالحج الحج الأكبر والحج الأصغر الذي هو العمرة كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه.

    وبعض أهل العلم يطلقون على الكتاب نفسه كتاب الحج والعمرة، وهذا مشهور عند الفقهاء والمحدثين وغيرهم، فيكون ذلك تفصيلاً.

    وبعضهم يطلق كتاب المناسك، ولعل هذا أولى؛ لأنه يجمع بين الاختصار والشمول، فإذا قيل: المناسك دخلت فيه أحكام الحج وأحكام العمرة، والأحاديث الواردة فيهما معاً، والمناسك: جمع منسك، ومعناه العبادة، والله سبحانه وتعالى يقول: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا [الحج:34] فلكل أمة منسك، ولهذه الأمة مناسك وعبادات، منها مناسك الحج، ومنها مناسك العمرة، وغالب ما يطلق لفظ المنسك أو النُّسك أو النَّسك على الذبح: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] وهذه الآية كقوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1-2] يعني: صلاتي وذبحي وسائر عباداتي وأعمالي لله رب العالمين، والأمر في ذلك يسير.

    المعنى اللغوي للحج

    المقدمة الثانية: متعلقة بمعنى الحج، فالحج في اللغة معناه: القصد إلى الشيء، هذا المعنى الأول: أن تقصد إلى الشيء، فهذا الحج.

    وكذلك من معاني الحج: التردد إلى الشيء، أن تقصد إليه مرة بعد أخرى، فهذا يسمى حجاً، فلما نقول: حج البيت أو حِج البيت نعني: قصد البيت والذهاب إليه، ونعني أيضاً: التردد عليه مرة بعد أخرى، مع أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة، ولكن يكون المقصود بالتردد عليه أنه حتى في الحجة الواحدة، فالإنسان يبدأ حجه بطواف القدوم، ثم طواف الزيارة بعد الوقوف بعرفة، ثم طواف الوداع الذي يختم به أعمال الحج.

    فكأنه يذهب ثم يعود إلى البيت العتيق، فالبيت مثل بيت الإنسان الذي يذهب الإنسان ويضرب في الآفاق ثم يعود إليه، ويضرب في الأرض ثم يرجع إليه، فكذلك هذا البيت العتيق جعله الله تعالى مثابة للناس وأمناً، وجعل عبادة الحج وأعماله مرتبطة ومتصلة بهذا البيت.

    فالمعنى اللغوي إذاً للحج هو القصد والتردد إلى البيت، ومنه قولنا: المحجة، والمحجة هي الطريق، فإذا قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، معناه: تركنا على طريق مستقيم. قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر:41] فهذه تسمى المحجة، وإنما سميت المحجة؛ لأن الإنسان يسلكها في الوصول إلى مقصوده، في الوصول إلى مراده، أو لأن الإنسان والناس يترددون عليها، ففيها معنى القصد وفيها معنى التردد، ولذلك سميت المحجة.

    وكذلك الحجة حينما يتجادل أو يتناظر أقوام فيقول هذا حجته ويقول الآخر حجته، فإن الحجة هنا مأخوذة من المعنى ذاته، مأخوذة أولاً من القصد، أن الإنسان يقصد إليها، ولذلك إذا لم يكن عند الإنسان حجة أحياناً تجد أنه يرتج عليه فلا يدري ماذا يقول، أو ربما يقول كلاماً ليس تحته طائل، وإنما لمجرد ألا يظهر انقطاعه وتوقفه، فيقول أي كلام، أما الحجة فهو أن يقصد الإنسان إلى بيان واضح يدعم ويسند ويدل على ما قاله وعلى ما ادعاه، وكذلك الحجة يتردد الإنسان عليها؛ لأنه يذهب ويعود ويرجع إلى هذه الحجة التي يدعم بها قوله.

    إذاً: هذا ما يتعلق بمعنى الحج، وفي أشعار العرب قول المخبل السعدي يقول:

    وأشهد من عوف حلـولاً كثيرة يحجون سِب الزبرقان المزعفرا

    وهذا البيت على القول الراجح هو ثناء ومدح للزبرقان، أن الناس يحجون يعني يأتون إليه، يحجون سب الزبرقان، السب إما أن يكون المقصود العمامة أو الثوب، والمقصود الزبرقان ذاته، فهم يأتون إليه ويترددون عليه أيضاً، هذا معنى قوله: يحجون، ولهذا قال: حلولاً كثيرة، فهذا معنى الحج.

    وأيضاً قول الآخر:

    قالت تغيرتم بعدي فقلت لها لا والذي بيته يا سلمى محجوج

    فالمحجوج هو المقصود المذهوب إليه، المتردد عليه، فهذا ما يتعلق بمعنى الحج.

    إذاً: الحج هو القصد، أو هو التردد. والفاعل يسمى حاجاً، المفرد يسمى حاجاً، ويجمع على حجاج، ويجمع على حجيج، ويجمع أيضاً على حاج، وقد يكون هذا اسم جمع، كما قال سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [التوبة:19] فالمقصود سقاية الحجاج، وقد يكون جمعاً لحاج مفرد، أو يكون جنساً، والعرب عادة والناس ما يقرنون الحاج بالداج، فيقولون: الحاج والداج، وهذا يسمى في اللغة باب المشاكلة، يعني: جمع لفظين متقاربين أو متقابلين، مثلما يقال: هي بن بي مثلاً، بعضها قد لا يكون له معنى ولكن على سبيل المشاكلة، إنما هنا له معنى.

    ولذلك ذكر بعض أهل اللغة: أن الحاج هو المعروف الذي حج بيت الله الحرام، وأما الداج فقالوا: هو التابع الذي ليس من همه ووقته الحج، وإنما هو جاء تبعاً، مثل الخدم والسائقين والأتباع، ويدخل فيهم التجار الذين ما جاءوا يبغون حسبة ولكن جاءوا لغرض التجارة.

    ومن الطريف أنه في عاميتنا الآن الداج يعبر بها عن الإنسان الفقير الذي لم يحصل على مال، فإذا سألنا: هل فلان غني؟ قالوا: لا، فلان داج، يعني: ليس عنده شيء حتى قوته، يعني: شديد الفقر، وهذه مناسبة لطيفة وتقابل لطيف ما بين الحاج الذي حصل على الربح الوفير والخير الكثير، وما بين الداج الذي ربما يكون ذهب بقصد التجارة ولكنه ما كسب التجارة ولا كسب الثواب والأجر عند الله سبحانه وتعالى.

    وأيضاً ذكر الجوهري -فيما أحسب وأعتقد- معنىً آخر وهو: الزاج، والزاج قالوا: هو الذي حج ولكنه حج للرياء والسمعة وليس لوجه الله تعالى .

    أيضاً مما يتعلق بالمعنى: أن الحجَ والحِج هما اسمان لمعنىً واحد كما ذكره سيبويه، يقال: الحج بفتح الحاء أو الحج بكسرها، والمعنى واحد، وكلاهما مصدر، فأما المصدر الأول فهو مثل قولنا: رد الشيء يرده رداً، حج يحج حجاً بفتح الحاء أو بفتح الفاء.

    وأما الثاني فهو مثل أن تقول: ذكر الشيء يذكره ذكراً بكسر الذال أو بكسر فاء الفعل، حج أو الحَج أو الحِج، وبكلاهما قرئ في القرآن، بكلا القراءتين قرئ في القرآن الكريم في الموضعين: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] أو وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ وكلاهما في السبع.

    وكذلك قوله سبحانه: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج:27]، أو وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحِجِّ فهما مصدران بمعنىً واحد كما ذكرت.

    المعنى الشرعي للحج

    أما معنى الحج في الشريعة وفي اصطلاح الفقهاء، فالحج هو: قصد بيت الله الحرام في وقت وزمن مخصوص لعمل مخصوص، وهذا المعنى وإن كان لا بأس به؛ لأن المقصود بالتعريف هو تحديد الماهية وتوضيحها، إلا أنه قد يشكل عليه مثلاً من أتى مكة في وقت الحج لقصد التجارة، فهذا قصد مكة بالذات وفي وقت معين ولمكان معين، ولكن لم يكن قصده العبادة بذاتها، فيشكل عليه؛ ولذلك فالأولى أن يقال في التعريف: أن الحج هو قصد بيت الله الحرام في زمن مخصوص لأداء النسك، فإذا أدخلنا كلمة: (لأداء النسك) كان ذلك محدداً لمقصد الحج، وأن المقصود فيه العبادة لله سبحانه وتعالى.

    وقولنا في التعريف: قصد بيت الله الحرام؛ فإن المقصود به مكة البلد الحرام، ولذلك فإن من ذهب مثلاً إلى المدينة المنورة لا يسمى حاجاً، ماذا يسمى من جاء إلى المدينة ؟ يسمى زائراً، ومن باب أولى من ذهب إلى غير المدينة كمن يقصدون المزارات البدعية التي لا أصل لها، وبعضهم يفعلون عندها من القرابين والنذور والعبادات ما لا يفعلونه في البلد الحرام، فهذا أيضاً من أكبر الخطأ أن يسمى حجاً، مع أن بعضهم يطلق عليه لفظ الحج، وتجد في المناسك التي تؤلف لهذا الخصوص وتوزع وتباع أنها تستخدم لفظ الحج، مما يقع فيه لبس المعاني الشرعية؛ لأن الحج -كما سوف يأتي- هو أحد أركان الإسلام العظام، وهو لا يطلق إلا على هذه الفريضة، يعني: حتى من الناحية الشرعية اندرس المعنى الأصلي في قصد الحج، ولم يعد الناس يستخدمون لفظ الحج إلا بمعناه الشرعي المتعارف، فإطلاق الحج على أعمال أخرى ليست من الشريعة، بل بعضها مما يخالف هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما بعث به مما ينبغي التنبيه عليه والحذر منه.

    وأما مقصودنا بالأعمال المخصوصة التي يفعلها الإنسان فهي أعمال المناسك التي تبدأ بماذا؟

    تبدأ بالإحرام، ولا نريد أن نقول: تبدأ بطواف القدوم، وإن كان طواف القدوم هو أول أعمال الحج المتعلقة بالبيت نفسه، لكن لابد قبل ذلك من نية الدخول في النسك وهو ما يسمى بالإحرام، فهذه الأعمال المخصوصة تبدأ بالإحرام، أي: الدخول في النسك وتنتهي بطواف الوداع.

    فهذه هي الأعمال المخصوصة أو المناسك المخصوصة.

    هذا هو الحج الأكبر، وسماه الله تعالى كذلك في كتابه الكريم، فقال: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ [التوبة:3]، وأما ما يقابله فهو الحج الأصغر، كما صح عند الدارقطني بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: [ أما يوم الحج الأكبر فهو يوم النحر، وأما الحج الأصغر فالعمرة ] .

    وكذلك قال الترمذي رحمه الله في جامعه : كانوا يقولون: الحج الأكبر هو يوم النحر، والحج الأصغر العمرة، فهذا محتمل.

    وبناءً عليه نقول: إن ما سبق هو الحج الأكبر، وأما الحج الأصغر فهو العمرة، وهي أيضاً مع نية الدخول في النسك، الطواف والسعي بالبيت بنية، فهذه هي العمرة، ولذلك نقول: من ذهب إلى مكة لزيارة قريب مثلاً أو لتجارة أو حتى لطلب علم أو لغير ذلك مما لا يدخل في مقاصد الحج لا يسمى حاجاً، وإنما الحاج هو من ذهب لأداء النسك .

    وأما الوقت المخصوص المقصود، فهي المواقيت الزمانية كما سوف تأتي، ويسميها الفقهاء بالمواقيت الزمانية تفريقاً بينها وبين المواقيت المكانية، فالمواقيت المكانية هي التي يحرم منها القادم مثل: ذي الحليفة وذات عرق ويلملم، وغيرها من المواقيت الواردة في الحديث وسوف تأتي. هذه مواقيت مكانية.

    أما المواقيت الزمانية فهي الأزمنة والأوقات المخصصة للحج، والمواقيت الزمانية سوف تأتي أيضاً هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وبعضهم يقول: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فهذه هي المواقيت الزمانية التي يوقع فيها الحج وينوى فيها الحج، ولذلك كثير من الفقهاء بل أكثرهم يقولون: لا يجوز أن يحرم بالحج قبل هذه الأشهر، فيرون أنه لو أحرم بالحج في رمضان ثم بقي إلى الحج أنه قد ارتكب إثماً، ومع ذلك فإحرامه صحيح وعليه البقاء حتى يؤدي حجه، وإنما السنة أن يحرم بالحج في هذه الأشهر، ويؤدي الحج في العام ذاته، فهذه هي المواقيت الزمانية.

    1.   

    الحج في القرآن الكريم

    المقدمة الثالثة: ما يتعلق بالحج في القرآن الكريم، وذلك أن المصنف رحمه الله في بلوغ المرام جمع طائفة طيبة من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام المتعلقة بأحكام الحج، فيناسب أن نقدم لها بما ذكر في القرآن الكريم من أمر الحج.

    فرضية الحج

    وقد ذكر الحج في القرآن الكريم ثنتي عشرة مرة، منها ثمان مرات ذكر الحج فيها في سورة البقرة، وهي من أوائل السور المدنية نزولاً، ومن هذه المواضع قوله سبحانه في سورة البقرة: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] فقال بعض الفقهاء: إن هذه الآية هي التي أوجب الله تعالى بها الحج، وبناءً عليه أيضاً قالوا: أوجب بها العمرة؛ لأنه قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ [البقرة:196] وهذا ليس بقوي؛ لأن الآية لم تأمر بأداء الحج والعمرة وإنما أمرت بالإتمام، يعني: أن من دخل فيها يجب عليه إتمامها والمضي فيها، ولا يجوز له أن يقطعها أو يرفضها كائناً من كان عذره، إلا من عليه فوات أو إحصار أو نحوهم فله حكمه الخاص وسوف يأتي أيضاً.

    فالآية إذاً تأمر بالإتمام وليست تأمر بالإقامة أو الأداء، ولذلك ليست دليلاً على وجوب الحج ولا على وجوب العمرة، وهي متقدمة في نزولها على السنة التي فرض فيها الحج، وهي السنة التاسعة على الراجح من أقوال أهل السير والمفسرين وغيرهم.

    إذاً: هذه الآية الكريمة ليست دليلاً على وجوب الحج كما ذكرت.

    وكذلك ذكر الحج في سورة آل عمران، وهذه السورة -سورة آل عمران- أيضاً هي سورة مدنية نزلت متراخية عن سورة البقرة، والغالب أن سورة آل عمران نزلت طائفة كبيرة منها بعد مجيء وفد نجران من النصارى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمجادلة معهم، وكان في السورة بيان أنهم ليسوا على شيء مما يزعمون أنهم عليه من التوحيد واتباع ملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ولذلك جاءت هذه السورة تجادلهم وتقول: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96]، فذكرت هذا الاسم الشريف المعظم بكة، وبكة هي مكة، ذكرت بهذا اللفظ في القرآن في سورة آل عمران: لَلَّذِي بِبَكَّةَ [آل عمران:96] بالباء.

    ومكة ذكرت في سورة الفتح، في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح:24]، فذكر الله تعالى بكة وذكر مكة، والغريب أنه حتى في الإنجيل مذكورة بهذا الاسم: وادي البكة، ثم حرفوه عمداً وسموه: وادي البكاء، ومما يفضح تحريفهم: أن الاسم مكتوب في الإنجيل بالحرف الكبير، وهذا لا يكتب به إلا أسماء الأعلام، فهكذا الله سبحانه وتعالى بين لهم هذه الحجة عليهم في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بل وذكر بلاده، والمكان الذي بعث فيه، وجبل فاران موجود في التوراة أيضاً ذكر جبل فاران وهو جبل معروف بمكة، إلى غير ذلك من الحجج.

    الشاهد: بكة، وسميت بكة لأن الناس يتباكون فيها، يعني: يزدحمون، فلذلك قال جماعة من السلف كما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه قالوا: إن بكة هو اسم للبيت وما حوله، وأما مكة فهي اسم لـمكة كلها، مثلاً: أنتم الآن في الخالدية على هذا القول تسمى مكة بالميم، ولكن إذا اقتربت من الحرم نفسه وما حوله يسمى بكة بالباء؛ لأن الازدحام يكون فيه والناس أصلاً يقصدونه، وهذا تقسيم لطيف، وإن كان لا يعني قصر أحد اللفظين على جزء منه، وإنما بكة ومكة اسمان للمدينة، ولكن لو أنهما جمعا معاً في سياق واحد لكانت مكة اسم لـمكة كلها كمدينة وبكة اسم للحرم وما حوله.

    فالله سبحانه وتعالى ذكر هذا المعنى في قوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:96-97]، وهو القريب من الكعبة، إلى قوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، هذه الآية هي التي فيها -والله أعلم- فرض الحج؛ لأن فيها الأمر به: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] فجعله على الناس، يعني: واجباً على الناس طاعة لربهم عز وجل.

    تارك الحج .. وحكمه

    ثم قال: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، والتعريض بالكفر إشارة إلى من لم يحج، ومن هنا قال بعض السلف: إن من ترك الحج متعمداً مع القدرة عليه فهو كافر لهذه الآية، وهي رواية عن الإمام أحمد، لكن القول الصحيح المختار الذي عليه جماهير السلف والخلف والأئمة المتبوعين: أنه لا يكفر بمجرد ترك الحج، ولهذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية نفسها: وَمَنْ كَفَرَ [آل عمران:97] أنه من لم يعتقد فرض الحج، ولا رأى في أداء الحج قربة لله سبحانه وتعالى، ولا رأى في ذمة المكلف أن يحج، فهذا هو الذي كفر؛ لعدم إيمانه بشرعية الحج، وليس من ترك الحج، فإن من ترك الحج مثله مثل من ترك كثيراً من المباني، يكون قد ارتكب إثماً وجرماً، لكنه لا يكفر، وكوننا نقول: لا يكفر لا يعني التهوين من شأن هذه الأعمال كما قد يقع لبعض الناس حتى الصلاة نفسها لا، يعني: تعظيم أمر الكفر وعدم الجرأة على إطلاقه على الناس، وفي الوقت ذاته تعطى الواجبات والأحكام الشرعية حقها، كما في بيان الوعيد والعقوبة الشديدة والإثم العظيم، وخاصة أن هذه الأحكام وهذه الفرائض هي ليست واجبات فحسب، وإنما هي أركان من أركان الإسلام، فلذلك قال الله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].

    يوم الحج الأكبر

    وكذلك ذكر الله تعالى الحج في سورة التوبة في قوله: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة:3]، فقوله سبحانه: يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ [التوبة:3] هذا إشارة إلى الحج وذكرٌ له، وقد قيل: إن الحج الأكبر هو يوم عرفة، ونقل هذا عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وذهب الجماهير من الصحابة والخلف والسلف والأئمة إلى أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر الذي يلي يوم عرفة، وهو الذي تقع فيه أعمال الحج من الرمي والنحر والحلق والطواف، فلذلك سمي يوم الحج الأكبر، بل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه يوم الحج الأكبر في الحديث المعروف: لما بعث علياً وجماعة من الصحابة ينادون في الناس يوم الحج الأكبر بهذا النداء، فحدده النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث جاء في البخاري معلقاً وهو عند أبي داود وابن ماجه وغيرهما من حديث ابن عمر وسنده جيد.

    فلذلك نقول: إن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر وليس يوم عرفة، وفيه نادى المنادي بما أمر الله عز وجل: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة:3] ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.

    قصة الحج وبناء البيت

    وكذلك الموضع الأخير في القرآن الكريم في سورة الحج وهي السورة التي سميت باسم هذه الشعيرة العظيمة، وفيها قوله سبحانه: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج:27]، وفي هذه السورة بسط الله عز وجل ما يتعلق بالحج وبناء البيت: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا [الحج:26]، وأكد على المعاني المقصودة من الحج, والتي أهمها ولبها وأساسها هو: العبودية لله سبحانه وتعالى وإفراده بالوحدانية، ونبذ الآلهة المدعاة من دونه، وهذا ما بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذلك كان البيت للرسل كلهم جميعاً، فما من نبي إلا وقد حج البيت، كما قال القائل:

    نحج لبيت حجه الرسل قبلنا لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه

    فقد حج الرسل هذا البيت، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم هوداً وهو يحج البيت، وذكر موسى وهو يحج البيت، بل ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام وأنه سيحج هذا البيت مفرداً أو قارناً أو متمتعاً، يعني: محرماً بالحج أو بالعمرة أو ليثنينهما كما في صحيح مسلم.

    فالبيت إذاً هو دار لكل الرسالات، وحتى اسم الإسلام هو اسم لجميع رسالات التوحيد التي بعث بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم هو وارث هداياتهم ومجدد شريعتهم, ومحيي ما اندرس من أمر الوحدانية، والمبعوث بختم الرسالات وبالتشريع الأخير الذي لا ينسخ ولا يزول حتى يشاء الله عز وجل.

    1.   

    حكم الحج وأسراره

    النقطة الرابعة والأخيرة في المقدمات: هي حكم الحج وأسراره، وأيضاً المصنف رحمه الله سوف يستطرد في كثير من الأحكام التفصيلية، فمن المناسب أن نشير ولو على عجالة إلى أسرار الحج التي هي من أهم مقاصده. ‏

    إحياء التوحيد في النفوس

    فمن أهم أسرار الحج ومقاصده: إحياء التوحيد في النفوس، ولهذا كان من شعائر الحج التلبية التي فيها الوحدانية: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)، والعرب كانوا يلبون في الجاهلية، ويقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليؤكد على الوحدانية، وأن الحج هو تلبية وإجابة لنداء الله عز وجل، ونداء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وإفراد الله تعالى بالعبادة، ولهذا حطم النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام من الكعبة لما فتح مكة وجعل يطعنها بعود في يده، وهو يقول: ( جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد )، وكانت الكعبة رمزاً للتوحيد، ومن فضل ربنا سبحانه أنها كانت ولا زالت كذلك، ففيها هذا المعنى العظيم.

    تعظيم هدي الأنبياء

    المقصد الثاني من مقاصد الحج: هو تعظيم هدي الأنبياء وتراثهم عليهم الصلاة والسلام، وذلك لأن من طبيعة البشر أنهم يحبون أن يكون لهم معالم مشهودة يرونها وينتهون إليها، وهذا أمر جبلهم الله تعالى عليه، فجعل الله تعالى هذه البنية -الكعبة- التي هي أول بيت وضع للناس وأذن بحفظها وبقائها كما أذن بحفظ القرآن الكريم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، حتى يكون الناس يأوون إليه ويثوبون إليه ويرجعون إليه، فهو لهم مثابة وأمن وحفظ، أمن ليس فقط في أجسادهم وحياتهم، أمن في حياتهم، وأمن في عملهم وعيشهم، وأمن في معتقداتهم وفي توحيدهم لله سبحانه وتعالى، فجعل الله تعالى الحج حفظاً لتراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولذلك كان هذا أول بيت وضع للناس؛ ولذلك كان آدم يعرف مكان البيت، وكان الأنبياء من قبله يعرفون مكان البيت كما هو موجود معروف في الآثار.

    وأيضاً: جرت عادة الناس أن الغالب أن تلك المعالم التي يقدسونها أول الأمر تكون الأجيال الأولى فاهمة وواعية ومدركة، ثم يأتي على الناس زمان ينسون فيه ما كان عليه أولوهم، ويتحول تقديس المكان إلى لون من العبادة لها، كما حصل في قوم نوح لما صوروا أكابرهم من أجل أن يتذكروا العبادة، ثم آل بهم الأمر إلى عبادتهم، وأن يكونوا أصناماً، كما ذكر الله عز وجل: وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23].

    فالمعتاد أن أتباع الأنبياء يقع لهم بعد مضي الزمان نوع من الخلط في العبادة، وهذا الذي نجده عند أصحاب الديانات السماوية فضلاً عن غيرها، كما نجد عند أهل الكتاب، بل كما نجد عند كثير من الأمم الأخرى التي ربما كان أصل رسالتهم ديانة سماوية، ثم دخلها التحريف فتحولت إلى ديانة وثنية، وأصبحت تماثيل زعمائهم تنصب في المعابد ويتوجه إليها بالعبادة، فكان هذا مصدر التخوف الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يشير إليه أنه يخشى أن يقع هذا لأمته كما وقع للأمم السابقة، ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه ألا يجعل قبره وثناً يعبد؛ لأن هذا مظنة أن يتعلق الناس بآثار الأولياء والأنبياء والصالحين؛ من باب الحب في أول الأمر ومعرفة منزلتهم عند الله وفضلهم، ثم يتطور الأمر إلى أن يكونوا هم متبوعين معبودين لغلبة الجهل على الناس؛ ولأن نفوس الناس تتعلق بالماديات، فكان هذا الحج من أعظم المعاني التي تحافظ على الجمع بين المعنيين، الجمع بين تراث الأنبياء وهديهم من جهة، والجمع بين تحقيق معنى الوحدانية لله سبحانه وتعالى من جهة أخرى.

    التربية على الأخلاق

    المعنى الثالث: التربية على الأخلاق، وهذا معنى مهم جداً، التربية على السلام، على التسامح، على التغافر، على حفظ الحقوق، هذا مما جاء به الحج؛ لأن اختلاط الناس مظنة أن يجور بعضهم على بعض، فجاء الأمر بحسن الخلق، وأن ( من حج فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ).

    سبحان الله! عندنا في الإسلام شريعة الجهاد، الجهاد فيه حفظ البيضة وحماية الإسلام، حماية المشروع من عدوان المعتدين ومن مؤامرات المتآمرين، من مؤامرات الداخل أو الخارج، فهذه شريعة الإسلام، وهذا المعنى فيه المغالبة وفيه النكاية، الإسلام جاء أيضاً بشريعة الحج التي فيها التربية على السلام، فيها التربية على التسامح، حتى إن الطير يقع أمام الإنسان فلا يُهيج، وتعجب! أنا أمس في الطائرة أقرأ في مصنف ابن أبي شيبة كتاب الحج فأجد باباً في القمل، وكيف كان السلف يسألون: وجدت على ثوبي قملة أو وجدت في شعري قملة هل أزيلها أو أتركها؟ فيقول: أزلها واتركها، لا يقول له: اقتلها، إلى هذا الحد.

    إذاً: الله أراد أن تكون هذه البقعة يأمن فيها حتى الطير في الهواء، ويتكلمون عن القراد وعن البرغوث وعن البعوض وعن أشياء صغيرة جداً، مما يدل على شدة اليقظة والحرص عندهم وتعظيم هذا البيت، وأن يعرفوا أنه بيت وضعه الله تعالى للسلام، حتى إنهم في الجاهلية -وهذا مما ورثوه عن الأنبياء- كان العربي يرى قاتل أبيه في البيت فلا يقتله، يمهله حتى يخرج؛ من باب تعظيم هذا البلد الحرام، وتعظيم المشاعر أيضاً.

    إذاً: هناك حرمة للمكان وهناك حرمة للزمان، وكلاهما تجتمع في مكة المكرمة وفي أشهر الحج ونحوها.

    فهذا معنى عظيم ينبغي ألا يمر عليكم مرور الكرام؛ لأن عائشة رضي الله عنها لما جاءت أو سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كما في صحيح البخاري - وقالت: ( يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ ) عائشة رضي الله عنها هنا شاهدت أثر الجهاد في مدافعة الأعداء ورد الظالمين وحماية المسلمين، وعلمت ما نزل فيه من النصوص، فاشرأبت نفسها إلى هذا المعنى، فالنبي صلى الله عليه وسلم رفع لها المعنى الثاني الذي يجب ألا يغفل عنه، هذا ميزان وهذا ميزان، قال صلى الله عليه وسلم: ( لكن أفضل ) ما هو؟ ( لكن أفضل الجهاد؛ جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة ) فأشار إلى هذا المعنى العظيم.

    وهو معنى ينبغي أن يتلقاه طلبة العلم والدعاة والخطباء والمعلمون؛ لأننا في هذا العصر وجدنا أن كثيراً من أمم الأرض البعيدة، العالم اليوم فيه حوالي سبعة مليار إنسان، منهم حوالي مليار ونصف مليار من المسلمين حسب الإحصائيات الرسمية، وهذا الرقم مهيأ جداً للازدياد، أمس وأنا في الطريق إليكم أقرأ خبراً عن تقرير غربي يتحدث عن أنه خلال عشر .. خمس عشرة سنة من الآن سوف يعم الإسلام معظم بقاع الأرض، وأوروبا نفسها عندهم إحساس بأنه فات الوقت للتدارك، وأن أوروبا سوف تصبح قارة إسلامية خلال عشرين.. خمس وعشرين.. ثلاثين سنة من الآن، هذا بموجب إحصائيات، سواء بالنظر إلى المسلمين الذين يهاجرون إلى أوروبا ويقيمون هناك ويحافظون على دينهم والحمد لله، أو بالنظر إلى الذين يدخلون في الإسلام من أهل البلد الأصليين، أو بالنظر إلى الدول التي قد تنظم، نحن نجد الآن كوسوفا دولة إسلامية دخلت أوروبا، البوسنة والهرسك، ألبانيا، حتى تركيا هناك مفاوضات.

    فإذاً: هناك أعداد كبيرة جداً مقبلة على هذا الدين، وهذا نوع من الفتح، حينما تقرأ في القرآن الكريم الفتح لا تظن أن الفتح مقصور فقط على القتال؛ لأن المقصود ليس هو المغالبة، حتى الجهاد هو مقصد، هو ليس هدفاً وإنما هو وسيلة إلى غاية، والغاية الكبرى هي إقامة الدين، فإذا تحققت إقامة الدين بأي معنى كان ذلك جهاداً، فهناك الجهاد بالدعوة، هناك الجهاد بالقدوة والأسوة للآخرين، هناك الجهاد بالحجة والبيان والبلاغ، هناك الجهاد بالعلم والتعليم، هناك الجهاد بالسيف والقوة والسنان، كل هذه معان ينبغي ألا يجور بعضها على بعض، أو يكون الإنسان ينظر بعين واحدة.

    فمن المناسب جداً أن يشار إلى هذا المعنى، وهو: التربية على الأخلاق العظيمة التي هي من أعظم ألوان التأثير والفتح على الناس، حتى الفتح بالقوة، لما فتح المسلمون بعض البلاد فتحوا مصر، فتحوا الشام، فتحوا العراق، فتحوا ما وراء النهر، لو أنهم بعد الفتح مارسوا أساليب البطش والقسوة والعسف للناس هل كان أهل تلك البلاد يدخلون في الإسلام؟ لا؛ لأنهم ربما ينفرون من الإسلام، لكن لما جاء الفتح وزالت العوائق, ثم نظر الناس فوجدوا أخلاقاً عالية وعدلاً تاماً، هنا دخلوا في دين الله أفواجاً، فينبغي أن يعطى هذا المعنى حقه من التأمل والنظر، فإنه معنىً قل من يتفطن له وكثير من يغفل عنه.

    التواصل بين الناس والانتفاع بما لديهم

    من معاني وأسرار الحج أيضاً: التواصل بين الناس والانتفاع بما لديهم، ولهذا نقول: إن مكة المكرمة هي أول مدينة معولمة -باللغة العصرية-، يأتيها الناس من كل مكان، كما قال الله سبحانه: مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:27-28]، فهم يأتون من كل مكان، ونظراً لذلك يتعارفون فيما بينهم، يتبادلون المعرفة والتجارة والخبرة والتجربة أيضاً في شئون الدين وفي شئون الدعوة وفي شئون الدنيا، وكذلك بطبيعة الحال هم يستفيدون حتى في الجوانب المادية.

    ولذلك أقول: إن الحج الذي لا يزال قائماً إلى اليوم وإلى أن يشاء الله سبحانه، والعدد الكبير، الآن تجد الناس يتكلمون عما يسمى بانفلونزا الخنازير وتأثيرها على الحجاج، وهذا الكلام ليس كما قد يظن البعض أنه لا قيمة له، لا، أنفلونزا الخنازير تحولت الآن إلى وباء، وأعلنت منظمة الصحة العالمية فعلاً: أنها وصلت إلى الدرجة السادسة من درجات التحذير، خلال أربعين سنة في القرن الحالي لم يتم الإعلان فيه عن وباء إلا هذه المرة، ليس لخطورة الوباء، الوباء ليس خطيراً جداً وإنما هو مثل الأنفلونزا العادية، ومن يموتون فيه نسبتهم (0.5%)، يعني من كل مائتين يصابون واحد فقط يموت، ومائة وتسعة وتسعون يشفون بإذن الله تعالى، ولكن إذا الوباء انتشر بشكل كبير جداً هذا لا شك أنه خطر.

    وأيضاً: هناك احتمال أن الوباء يتطور، وهناك ما يسمى بتحور الأوبئة، يعني: بقدر ما الناس اكتشفوا من العلاجات والأدوية والمضادات والأمصال، إلا أن الله سبحانه وتعالى بحكمته حتى هذه الجراثيم والفيروسات عندها قابلية أنها تختفي لفترة ثم تخرج بوجه آخر، ولا تستجيب لهذه المضادات وتفتك بالإنسان، حتى أمراض الجدري وغيرها من الحمى الشوكية والطاعون وسواها، كلها قابلة لأن يحدث هذا الشيء منها.

    ولذلك نحن نقول: إن هذه الدرجة من الخطورة التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية ليست بسبب خطورة الوباء، وإنما بسبب سرعة انتشاره، ولذلك على الإنسان الذي هو معرض لأن يصاب، مثل بعض الناس عنده ضعف في المناعة، أو حتى يتعاطى أدوية تضعف المناعة، أو الأطفال الصغار، أو كبار السن، أو المرضى عليهم أن يؤجلوا حجهم حتى يكون الأمر معتدلاً، وكذلك على الإنسان الذي يكتب الله له الحج وكذلك العمرة، أن يكون شديد الحرص على ما يتعلق بموضوع -أكرمكم الله- ما يخرج من فمه أو ما يخرج من أنفه، استخدام المناديل، وضعها في أماكن النفايات، ألا يعطس في وجوه الناس.. وهذا أيضاً من السنة، النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عطس كما عند أبي داود كان يغطي وجهه بيده أو بثوبه أو بما أشبه ذلك، وكذلك ما يتعلق باستخدام الكمامات، مراجعة الإنسان للطبيب إذا شعر بحرارة شديدة أو غير ذلك.

    وقد يقول البعض: أين التوكل على الله؟

    نقول: نعم، التوكل على الله مطلوب، وهو لا ينافي الأسباب، والأمر هنا لا يتعلق فقط بالشخص، وإنما المشكلة لو أن المرض أصابه ثم انتقل منه إلى غيره، فيكون سبباً في نقل العدوى، وتخيل -لا قدر الله- لو أن مجموعة من المسلمين في هذا المنسك العظيم أصابهم هذا الداء وانتقلوا إلى بلادهم وكل واحد منهم نقل الداء إلى بلده كم سيكون لذلك من الخطر الإعلامي، وأن نعطي أعداءنا مرة بعد أخرى فرصة أن يشوهوا فيها تعاليم ديننا، كما شوهوا الجهاد من قبل وهو شريعة المغالبة، أن يشوهوا الحج أيضاً وهو شريعة السلام.

    ولذلك أقول: إن كلام الفقهاء رحمهم الله لما تكلموا في موضوع التداوي وحكم التداوي، وقال جمع من المحققين: إن التداوي تجري فيه الأحكام الخمسة: فيكون محرماً كأن يتداوى الإنسان بالحرام، أو مكروهاً، أو مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً، فأقول: من حالات وجوب التداوي، هي: أن يتداوى الإنسان إذا كان المرض يؤثر على أدائه للعبادة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذه واحدة.

    الثانية: من أحكام وجوب التداوي: إذا كان هذا المرض وباءً، إذا أصاب الإنسان أو ألم به نقله إلى غيره، نقله إلى زوجه وإلى ولده وإلى جاره وإلى شريكه وإلى زميله في العمل، فهنا يجب عليه وجوباً أن يتداوى، حتى لو كان لا يتداوى لنفسه يتداوى لغيره، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ( لا يورد ممرض على مصح )، هذا في شأن الحيوانات فضلاً عن الناس، أن عليهم أن يتجنبوا هذه الأشياء.

    إذاً: أنا أرجع وأقول: إن هذا التواصل بين الناس في مكة المكرمة هو لتبادل المصالح وتبادل الخبرات وتبادل المنافع وتبادل التجارب، وهو يوجب أن يكون لدى المسلمين -وخاصة من جعلهم الله تعالى قوامين على هذا البيت- أن يكون عندهم مشروع حضاري للتأثير على العالم، وتقديم صورة كبيرة للعالم، وأحمد الله تعالى أن الله لم يجعل أمر هذا الدين موكولاً إلينا، وإلا ربما ما تعدى الإسلام حدود جزيرتنا أو حدود بيوتنا ومعالمنا، إنما الجيل الأول الذين جعل الله الإسلام ينتشر بهم ويقوم عليهم كان عندهم هذه الروح، ولذلك تجد أن قبورهم في ما وراء النهر وفي مصر وفي الشام وفي العراق وفي كل مكان؛ لأن عندهم روح التبشير، وروح الدعوة، وروح التأثير على الآخرين، وليس روح الخوف والقلق أن يتعرضوا هم للغزو أو للتأثير، هذا فرق ما بيننا وبينهم .

    فينبغي أن يكون الحج يلهمنا الشعور بهذه الروح.. روح المشروع الحضاري الإسلامي، روح الإيمان بأن هذا الدين لو عرض كما أنزله الله تعالى على الناس لكان أكثرهم يقبلونه ويدخلون فيه كما دخلوا فيه أول مرة، ولكن الإسلام يكون في كثير من الأحيان محجوباً بمساوئ أهله، إما بأعمالهم التي يراها الآخرون فيصدون بذلك عن سبيل الله، أو بأقوالهم التي لا تكون عليها أثارة من علم، ولا يكون فيها الحكمة والبصيرة .

    فلا شك أن هذا ينبغي أن يوجد عندنا أيضاً الإحساس بالتبعة والمسئولية.

    تبادل بعض المصالح الدنيوية

    من مقاصد الحج وأسراره أيضاً: موضوع المصالح الدنيوية، وهذه لا يمكن فصلها عن المصالح الدينية، حتى في الحج، جعل الله تعالى في الحج مصالح عظيمة، ولهذا قال سبحانه في شأن الحج: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، وقد نزلت هذه الآية فيمن يريد الحج ويريد التجارة، فقال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:198].

    فالمقصود بالفضل من الله هنا: التجارة، مثلما قال سبحانه في صلاة الجمعة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ [الجمعة:9-10] ما هو المطلوب؟ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10] يعني: بماذا؟ بالتجارة.

    ولهذا بعض السلف كان يذهب للجمعة ويصلي، فإذا صلى نشر الثياب التي كان يبيعها -وكان بزازاً- وقال: اللهم إني سعيت إلى ذكرك كما أمرتني, ثم انتشرت في الأرض كما أمرتني فارزقني كما وعدتني: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:10] إلى آخر السورة: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة:11].

    إذاً: الحج أيضاً يُعلمنا الاستفادة من المصالح الدنيوية، ولا حرج أن يكون الحج فرصة لكثير من البرامج والمشاريع والأعمال المدروسة المخططة للفرد وللأسرة وللشركة وللمجموعة ولأهل مكة ولغير أهل مكة وللحاج، لكن هذا يكون وفق أنظمة صحيحة، لا يكون الحج مجالاً لتسويق البضائع المغشوشة، لا يكون الحج مجالاً للبيع بما هو مخالف للمواصفات السليمة الصحيحة، أو للغش، أو للخداع.

    كما يحدثني أحد الإخوة الظرفاء يقول وهو من أهل مكة: إن واحداً من جيراننا إذا جاء الحجاج كان يبيع عليهم منارات الحرم، يبيعها عليهم ويعطونه فلوساً على أساس أن المنارة هذه لهم، كأنهم يرجون أجرها أو ثوابها من عند الله تعالى.

    فهنا الأسوة والقدوة لا تعني أن يتحول الحج إلى مجال للخداع أو الغش أو حتى مخالفة الأنظمة المرعية التي بها استمرار الحياة.

    قداسة الزمان والمكان

    أيضاً: من حكم الحج وأسراره: قداسة الزمان والمكان، وهذا معنى عظيم، بل أنا أعتبره إعجازاً من إعجاز الله سبحانه وتعالى وإعجاز هذا الدين؛ أنه على رغم تغير الظروف ورغم أن مكة في وسط منطقة صحراوية ومحاطة بحالات من الرعب والخوف، إلا أن تاريخ مكة هو تاريخ فيه قدر كبير جداً من الاستتباب للأمن والاستقرار والبقاء والحضور، فهي أم القرى، وهي حاضرة عظيمة، ونراها بحمد الله وقد حفظ الله تعالى لها هذه المكانة العظيمة وهذه القداسة.

    أحياناً أطرح على نفسي سؤالاً بل قلته يوماً من الأيام لأحد ولاة الأمر وقد لقيتهم أمام الكعبة، فقلت له: أمريكا الولايات المتحدة الأمريكية أو الصين كقوة اقتصادية وحضارية عظيمة ما عندهم كعبة، لو أرادوا أن يبذلوا تريليون دولار، أو كما يقال الآن الاسم الجديد للرقم: ديشيرليون دولار من أجل الحصول على كعبة لها هذه القداسة يستطيعون؟ هيهات.

    الله تعالى منحنا إياها هكذا، فقط المهمة أن نحافظ عليها، وأن نحسن توظيف وجودها بيننا، وهذا الذي لا شك أننا قصرنا فيه تقصيراً شديداً، ولا أريد أن أقول: إننا أبعد ما نكون عنه، فإن ذلك مقدور متى توفرت الهمم والعقول وتوجهت إليه النفوس.

    تنوع العبادات في الحج

    أخيراً من مقاصد الحج وأسراره: أن الحج جمع الله تعالى فيه بين ألوان العبادات البدنية والمالية والفعلية والتركية.

    أما أن الحج عبادة بدنية فهذا واضح؛ لأن الحاج وكذلك المعتمر يقوم ببدنه بهذه الأعمال، من الطواف والسعي والرمل وغير ذلك من الأعمال، فهذه عبادة بدنية.

    عندك الزاد والراحلة، يحتاج إليها كل آفاقي ليس من أهل مكة، وأيضاً الهدي للمتمتع والقارن، وكذلك الإنفاق، فإنه يندر اليوم من الحجاج -حتى من أهل مكة -, إلا من يحتاج إلى بذل شيء من المال، ولو أن يركب السيارة والتاكسي ذاهباً إلى عرفة أو إلى مزدلفة أو إلى منى، أو أن يشتري الماء أو العصير أو المظلة الشمسية التي يستظل بها.

    وإن كان بعض أهل العلم كشيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله تعالى عليه، أشار إلى أن الحج لا يعتبر عبادة مالية؛ لأن الإنسان ربما يحج ولا يدفع فلساً واحداً، وهذا من حيث المعنى والأصل صحيح، لكن من حيث الواقع فإن الحج يبذل فيه مال، وقد تبذل فيه أموال طائلة، بل إن الغالب من الحجاج من الأمصار -وهم الأعم الأغلب- من يجمع ماله خلال عمره كله، أو كما يسمى (تحويشة العمر) من أجل أن يتمكن من حج بيت الله الحرام، فهذه عبادة مالية إذاً.

    وكذلك أنه عبادة فعلية، بمعنى: أن الإنسان يفعل في الحج أشياء كثيرة من الأقوال والأعمال المشروعة، وهو أيضاً عبادة تركية، وما معنى كوننا نقول: عبادة تركية؟

    أن الإنسان يترك محظورات الإحرام، إذا أحرم ترك المحظورات المعروفة، والتي سوف تأتي الإشارة إليها، فهو بذلك يشبه الصيام من جهة ترك المفطرات، فكذلك في الحج يترك المحظورات إذاً، فالحج عبادة بدنية وعبادة مالية وعبادة فعلية وعبادة تركية.

    نبدأ بعد ذلك بما ذكره المصنف رحمه الله: باب فضله وبيان من فرض عليه.

    1.   

    شرح حديث: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ..)

    الحديث الأول في كتاب الحج ورقمه (708):

    هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) متفق عليه.

    تخريج الحديث

    أما ما يتعلق بتخريج الحديث: فإن البخاري رحمه الله رواه في كتاب الحج، باب: وجوب العمرة وفضلها، وكذلك رواه مسلم في الحج، باب: فضل الحج والعمرة، ولذلك قال المصنف: متفق عليه.

    وقد روى الحديث أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وكذلك أحمد في مسنده، ولذلك يمكن أن تقول: رواه الستة إلا أبا داود، ولكن المصنف رحمه الله لا يلتزم بمثل هذه المعاني، فيكتفي أحياناً بالمتفق عليه، وهذا كاف أيضاً.

    فهؤلاء الأئمة رووه في الحج والعمرة، وقد رواه الدارقطني والبيهقي، وابن خزيمة وابن حبان ومالك في الموطأ وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله صلى الله عليه وسلم: ( العمرة إلى العمرة )، العمرة بيناها سابقاً، وأن المقصود بالعمرة تعريفها: الطواف والسعي بنية؛ لأن هذا هو ما يقع للعمرة، الإحرام، الدخول في النسك، ثم الطواف ثم السعي.

    وأهل اللغة تكلموا عن اشتقاق العمرة من أين اشتقت، فقال بعضهم: إنها هي الزيارة -كما ذكرت-.

    وقال بعضهم: هي القصد، والعمرة تجمع على (عُمر)، أو على (عمرات)، مثلما نقول: غرف وغرفات، عمر وعمرات.

    واشتقاقها إما لأنها زيارة مكان عامر وهو البيت الحرام، أو لأن العمرة نفسها هي من عمارة المسجد الحرام؛ فسميت عمرة لهذا المعنى.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( كفارة لما بينهما )، الكفارة هي: التكفير، وهي: المحو والإزالة والستر، وأصلها مأخوذ من الكفر: وهو التغطية، فكأنها تغطي الذنب، والمقصود هنا أن العمرة الأولى كفارة لما قبلها، والعمرة الثانية كفارة لما قبلها أيضاً.

    فصار ما بين العمر إذا كان عمر الإنسان من عمرة إلى عمرة اعتمر الآن وهو سيعتمر في رمضان، فهو ينتقل في كفارات متعددة، فهذا معنى ( كفارة لما بينهما ).

    والكفارة هنا هي: كفارة للصغائر، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله )، وأما الكبائر فإنما تكفرها التوبة، وذهب بعض أهل العلم إلى ما هو أوسع من ذلك، وقالوا: إن الأمر متوقف على تمام العمل الصالح، فإذا كان الحج أو كانت العمرة توفرت فيها الشروط المطلوبة، من تمام الإخلاص والتجرد والإيمان وتجنب الرياء والسمعة والرفث والفسوق، فإنها تكفر ما قبلها من الذنوب، صغيرها وكبيرها.

    نعود إلى مسألة التكفير، وهل تكفر الكبائر أو تكفر الصغائر فحسب، فأقول: جمهور أهل العلم يرون أن التكفير هو للصغائر، وأن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة، أما القول الآخر فإنهم يقولون: إن الصغائر.. يعني أولاً اجتناب الكبائر يكفر الصغائر، كما في قوله سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31] احتجوا بهذا الاحتجاج.

    واحتجوا ثانياً بحديث الباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ولم يذكر شيئاً، والذي حج حجاً مبروراً ربما يكون سبق منه بعض الذنوب وبعض الموبقات وندم عليها، ولكنه لم يتحقق له تمام التوبة منها، ولذلك قالوا وكأن ابن تيمية رحمه الله يميل إلى هذا المعنى: أن العبرة بالعمل الصالح نفسه، يعني: من تم حجه، ولهذا قال: ( الحج المبرور ) ولم يقل: الحج فقط.

    فنقول: إن العمرة أو الحج أو غيرها من الأعمال الصالحة إذا تم لفاعلها الشرط الشرعي من حيث صواب النية ومن حيث صحة العمل وتمام الإخلاص والإقبال على الطاعة، فإن هذا قد يزيل حتى الذنوب الكبار السابقة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما قاله الله تعالى لأهل بدر لما وقع من حاطب بن أبي بلتعة ما وقع، وهو كان ذنباً عظيماً حينما خاطب وراسل المشركين بأسرار النبي عليه الصلاة والسلام.

    حتى أنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1] إلى قوله سبحانه: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1]، وهذا لفظ مخيف: (فقد ضل سواء السبيل) ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال معتذراً عن حاطب : ( يا عمر

    ! ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ).

    ولهذا قال العلماء: لا يقع منهم الكفر أصحاب بدر رضي الله عنهم وأرضاهم، لما سبق في علم الله لهم من الفضيلة والوعد.

    فالخلاصة أن نقول: إن التكفير في الأصل هو للصغائر، ولكن قد يكبر العمل الصالح من صلاة أو عمرة أو حج ويكمل ويتم حتى يكفر ما قبله ويَجُبّ ما قبله، وهكذا أيضاً مما يشهد لهذا المعنى: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص -وهو في صحيح مسلم -: ( يا عمرو

    ! أما علمت أن الجهاد يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها )، فنقول: هذا من هذا، والله تعالى أعلم.

    كذلك من الألفاظ في الحديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( والحج المبرور )، الحج المبرور من البر، والبر لفظ ضد الإثم كما في القرآن الكريم، فنقول: ما هو الحج المبرور؟

    قال بعضهم: الحج المبرور هو الحج المقبول، وهذا تفسير بالنتيجة وبالثمرة، ولا أحد يعلم عن القبول إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما قال الله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول وهو يقرأ هذه الآية: [ والله لو أعلم أن الله تعالى قبل مني سجدة واحدة ما باليت ما وراء ذلك ]، لكن الشأن في القبول.

    ولذلك الأفضل أن نقول في تعريف الحج المبرور: إنه ما توفرت فيه شروط معينة:

    الشرط الأول: صلاح النية، بحيث يكون هذا الحج لوجه الله عز وجل، لا يكون للرياء ولا للسمعة ولا للمفاخرة ولا لمجرد الصحبة والمؤانسة والعادة.. وإنما الحامل للإنسان والدافع له على هذا الحج هو ابتغاء ما عند الله عز وجل.

    الشرط الثاني: النفقة الحلال، النفقة الطيبة: ( فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ).

    وإذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير

    لا يقبل الله إلا كل صالحة ما كل من حج بيت الله مبرور

    وهذا هو الشاهد، فلابد أن يكون المال حلالاً طيباً، وأن يحرص الإنسان على اصطفاء ما يحج أو يعتمر به.

    الشرط الثالث: حفظ الإنسان لجوارحه أثناء الحج، حفظ الفرج، وحفظ اللسان من الجدل والغيبة والنميمة والشتم والتحقير للناس، وحفظ الأذن من السماع، وحفظ العين من النظر، وحفظ اليد من الأخذ أو من البطش أو من العدوان، وهذا معنىً عظيم أن يقدر الإنسان خلال إحرامه بالعمرة أو خلال إحرامه بالحج أن يحفظ جوارحه كلها مما لا يرضي الله سبحانه وتعالى.

    الشرط الرابع: أداء الأعمال على وجهها المشروع، من الإحرام والتلبية والطواف والسعي والوقوف والمبيت بـمنى، والوقوف بـعرفة، والمبيت بـمزدلفة، ورمي الجمار، وطواف الوداع، وأيضاً طواف الحج الذي هو طواف الزيارة، والرمي والحلق والنحر، وغير ذلك من الأعمال.. وما يرافقها من الذكر والتسبيح والاستغفار والدعاء وحضور القلب، فإن أداء هذه الأعمال على وجهها مظنة الحج المبرور.

    الشرط الخامس: وهو المحافظة على هذا الحج من السمعة، فإن بعض الناس قد يحج حجاً مبروراً ويؤدي هذه الأشياء كلها، فإذا رجع كلما كان في مجلس قال: والله يا حجة حججتها ما شاء الله الحمد لله، ما كنت حججت مثلها أبداً، ذهبنا ورجعنا ما تكلمنا ولا قلنا ولا فعلنا فلا يزال..

    قد يكون الإنسان قصده أحياناً القدوة أو التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى، لكن حظ النفس يكبر ويكبر حتى أن الإنسان -نسأل الله المسامحة والعفو والعافية- دائماً يتمدح ويتفاخر بهذا الأمر، فربما نقص أجره أو ذهب أجره، فهذه المعاني الخمسة الجامعة لمعنى الحج المبرور.

    تكرار العمرة وأقوال أهل العلم فيه

    في الحديث مسألة فقهية -وإن كان المصنف رحمه الله ذكر الحديث من باب الفضل وما فيه من فضل العمرة- وأنها كفارة ما بينها وبين العمرة الأخرى كما جاء ذلك في شأن الصلاة، وكذلك الحج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس له جزاء إلا الجنة )، وهذا غاية ما يتمناه الإنسان ويقصده.

    فالمؤلف رحمه الله ساق الحديث من باب بيان فضيلة العمرة، وبيان فضيلة الحج المبرور، وكفى بذلك دافعاً عند المؤمن بالله وبما عند الله، ولكن في الحديث مسألة فقهية، وهي: مسألة تكرار العمرة، ما حكم تكرار العمرة؟

    فإن الحديث يدل بظاهره على استحباب تكرار العمرة؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العمرة إلى العمرة )، دليل على أنه يستحب للإنسان أن يعتمر ما بين وقت وآخر.

    ولذلك اختلف العلماء في حكم تكرار العمرة، وقد ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه هذه المسألة ونقل فيها نقولات عن السلف مختلفة، منها: أن بعضهم كانوا يرون أن العمرة السنة كلها، في كل وقت للإنسان أن يعتمر، وهذا نقله عن طاوس وعن عائشة رضي الله عنها، واستثنوا من ذلك يوم عرفة وأيام التشريق.

    فقالوا: العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة وأيام التشريق، فكأن العمرة فيها لا تكون مشروعة.

    ومنهم من قال: إن العمرة تكون في السنة مرة واحدة، وهذا نقله عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ونقله إبراهيم النخعي أيضاً عن السلف أنهم كانوا يرون أن يعتمر في السنة مرة، وكذلك الحسن البصري، ونقل هذا المعنى عن ابن عمر رضي الله عنه، ولكن فعله يدل على خلافه.

    ومنهم من قال: إن العمرة في الشهر مرة، وهذا نسبه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.

    ومنهم من قال: العمرة كلما أمكن رأسك الموسى، كلما وُجد شعر يحلق، وبعضهم يعبر يقول: كلما حمم رأسه، كلما اسود الشعر كان مشروعاً أو مستحباً في حقه أن يعتمر، وهذا نقل عن أنس بن مالك وعطاء وعكرمة وجماعة.

    أقوال كثيرة، ولكن أشهر الأقوال المتداولة في مسألة تكرار العمرة قولان:

    القول الأول: استحباب تكرار العمرة

    القول الأول: أنه لا يكره تكرار العمرة، يعني: أن يعتمر الإنسان في كل أسبوع أو في كل شهر أو في كل شهرين أو ما شاء الله تعالى له، لا يكره ذلك بل هو مستحب، وهذا هو قول الجماهير، فهو مذهب الشافعية والحنفية والإمام أحمد وجمهور أهل العلم.

    واستدلوا لمشروعية تكرار العمرة بأدلة، منها: حديث الباب، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العمرة إلى العمرة )، واضح جداً في استدعاء العمرة واستحبابها، ودلالته واضحة ولا يوجد ما ينقضها.

    ومن أدلتهم أيضاً على استحباب تكرار العمرة: قصة عائشة رضي الله عنها -وهي في الصحيحين- فإنها نوت العمرة ثم حاضت، فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تدخل الحج على العمرة فتصبح قارنة، ثم لما أدت النسك قالت: يا رسول الله! يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك واحد، كأنها لم تعتد بتلك العمرة الاعتداد الكافي؛ لأنها ليست مستقلة العمرة كحال المتمتع.

    فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمرها من التنعيم ؛ ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله على هذا الحديث: إن عائشة رضي الله عنها أدت عمرتين في شهر واحد وهو ذو الحجة، فهذا دليل على استحباب تكرار العمرة.

    أيضاً: من الأدلة على الاستحباب: أن العمرة عبادة غير مؤقتة بوقت، ليست مثل الحج، الحج معروف أنه لا يتكرر؛ لأنه يوم واحد في السنة: ( الحج عرفة ) وكذلك أيام التشريق، أما العمرة فهي مثل الصلاة، أشبهت الصلاة، أنها عبادة ليست مؤقتة بوقت، فيشرع أن تؤدى في كل وقت، وهذا أيضاً معنى صحيح.

    الدليل الرابع: مجموعة من الأحاديث فيها الأمر بالمتابعة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب ).

    فقوله صلى الله عليه وسلم: ( تابعوا بين الحج والعمرة ) دليل على استحباب تكرار العمرة واستحباب تكرار الحج، وهذا الحديث لا يخلو شيء من طرقه من مقال، ولكن له طرق كثيرة جداً، فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وعن عمر وعن جابر وعن ابن عباس وغيرهم.. فهو يتقوى بمجموع طرقه، وإن كانت طرقه كلها لا تخلو من مقال، هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: كراهة تكرار العمرة في السنة الواحدة

    القول الثاني: أن الاعتمار في السنة أكثر من مرة مكروه، وهذا قال به الإمام مالك والحسن البصري وإبراهيم النخعي، ونقله إبراهيم عن السلف رضي الله عنهم، وهو أيضاً قول لـسعيد بن جبير، واستدل هؤلاء أولاً: بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعتمر في السنة إلا مرة، حتى في حجته التي حج فيها لم يعتمر إلا مرة واحدة، وهكذا الخلفاء الراشدون، قالوا: إنهم لم يكونوا يكررون العمرة، وقالوا: إن فعلهم سنة مثلما أن تركهم سنة.

    فهذا الترك يدل على أنه لا يشرع أن يكرر الإنسان العمرة أكثر من ذلك.

    الدليل الثاني قالوا: إن العمرة عبادة، فيها طواف، وفيها الإحرام، وفيها السعي؛ فأشبهت الحج، فقالوا: كذلك العمرة، ولا شك أن هذا القياس ليس بصحيح؛ لأن الحج -كما قلنا- مرتبط بوقت زمني معلوم، وهو يوم عرفة وأيام التشريق وغيرها، أما العمرة فليس لها هذا التوقيت، فهذا قياس مع النص، ولذلك الحج لا يتصور تكراره في السنة الواحدة، أما العمرة فإن ذلك متصور وواقع.

    ولذلك نقول: إن القول الأول هو الراجح: أن العمرة ليس لها حد محدود، ولكننا نستفيد من القول الثاني أيضاً فائدة جميلة، وهي: أن الإنسان عليه أن ينوع في العبادات، فربما كان من مقاصد هؤلاء العلماء لما تكلموا عن أن لا يعتمر في السنة إلا مرة؛ أن يلتفت الإنسان إلى ألوان أخرى من الطاعات والعبادات ربما يغفل عنها قوم، مثل أن يحسن الإنسان إلى جيرانه، أو يطعم الجياع، أو يتصدق، أو يقوم بعمل خير أو عمل بر، أو ما أشبه ذلك.. ويراعي مثل هذه المعاني.

    وكذلك أن لا يشق الإنسان على الناس إذا كان قوياً أو غنياً أو فتياً، فهذه من المعاني التي تستفاد من اختلاف العلماء، وإن كنا نرجح أن العمرة لا تتحدد بوقت، سنة ولا شهر ولا أسبوع، بل إن العمرة من الأعمال الصالحة، ولكن حتى الصلاة لما نتكلم نحن عن الصلاة نقول: أيهما أفضل: نوافل الصلاة ونوافل العبادة أو طلب العلم؟ نقول: طلب العلم أفضل لمن صلحت نيته كما قال ذلك الزهري ومالك وغيرهم.

    كذلك العمرة ينبغي للإنسان أن يراعي غيره.

    وقت العمرة وأقوال العلماء فيه

    يتفرع عن هذه المسألة مسألة أخرى، وهي: وقت العمرة، أو مواقيت العمرة، هل للعمرة ميقات زمني مثلما للحج ميقات زمني كما قلنا؟

    فنقول: القول الأول: أن ميقات العمرة السنة كلها، وهذا مذهب الجمهور والظاهرية، وذكرته قبل قليل.

    القول الثاني: أن ميقات العمرة السنة كلها خلا يوم عرفة وأيام التشريق، وهذا منقول عن عائشة رضي الله عنها وطاوس، وهو مذهب الحنفية، فلا يرون العمرة في هذه الأيام الأربعة، وبعضهم يقول: الأيام الثلاثة.

    فوائد الحديث

    النقطة الرابعة: فوائد الحديث:

    فيه فضل العمرة وأنها تكفر ما قبلها.

    ومن فوائد الحديث: استحباب تكرار العمرة، كما دل عليه ظاهر الحديث.

    ومن فوائد الحديث: استحباب تكرار الحج أيضاً، فيه فضل.

    ومن فوائده: فضل الحج المبرور وأن جزاءه الجنة.

    ومن فوائد الحديث: أن العمرة ليس لها وقت.

    ومن فوائد الحديث: تربية الناس على الكيف وليس على الكم، إلا أن يجتمعا معاً فيكون الأمر نوراً على نور، ولذلك في العمرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( العمرة إلى العمرة )، ولم يحدد شيئاً، ثم جاء في الحج فقال: ( والحج المبرور )، يشير إلى أنه حتى العمرة فضلها ليس فقط بتكرارها، وإنما بما فيها من معاني العبودية والطاعة لله عز وجل.

    1.   

    شرح حديث: (... عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)

    الحديث الثاني هو رقم (709):

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلت: يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: نعم. عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة ).

    يقول المصنف رحمه الله: رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له، وإسناده صحيح وأصله في الصحيح.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه ابن ماجه في المناسك، فضل الحج، وكذلك رواه ابن خزيمة والبيهقي والدارقطني، ورواه أيضاً أحمد في مسنده كما أشار.

    وقول المصنف رحمه الله: وأصله في الصحيح، هذه لفظة تستخدم عادة أن يكون الحديث موجوداً في البخاري أو مسلم، لكن بزيادة أو نقص أو اختلاف، ولهذا قال هنا: وأصله في الصحيح، والحديث الذي في الصحيح -وقد ذكرته قبل قليل- هو حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، ولكن أفضل الجهاد حج مبرور ).

    وبهذا اللفظ ونحوه رواه البخاري في الحج، باب: الحج المبرور، ورواه أيضاً في الحج، باب حج النساء، وأخرجه أيضاً في المغازي والجهاد.

    ولذلك أقول: إن المصنف -رحمه الله- ساق لفظ حديث عائشة من أجل كلمة: (والعمرة) فقط، فهذه الزيادة هي التي من أجلها اختار المصنف هذا اللفظ، وإلا لكان أخذ لفظ البخاري، لكن لفظ البخاري ليس فيه العمرة، وكأن المصنف يريد أن يسوق أدلة من يرون وجوب العمرة وفضل العمرة أيضاً، فساق هذا الحديث الذي فيه الحج والعمرة.

    ومن حيث الفضيلة فلا إشكال، فإن فضيلة العمرة ثابتة بهذا الحديث وبغيره وبسابقه وبإجماع الأمة، لكن زيادة العمرة: (الحج والعمرة) في هذا الحديث يغلب على ظني أنها ليس بمحفوظة، بمعنى أن هذه الزيادة تعتبر زيادة منكرة، وذلك أن راوي هذا الحديث محمد بن فضيل قد رواه عن حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ثم ذكر الحديث.

    وقد خالفه جماعة من الرواة الثقات الأثبات كـسفيان وجرير بن عبد الحميد وعبد الواحد بن زياد ويزيد بن عطاء وخالد الطحان وغيرهم، فهؤلاء خمسة أئمة خالفوه ولم يذكروا لفظة (العمرة)، ومثل هذا يسمى عند المحدثين منكراً أو شاذاً.

    ولهذا نقول: إن ذكر العمرة في هذا الحديث يعتبر منكراً، المنكر هو ما تفرد به الضعيف، والشاذ ما تفرد به الثقة وخالف فيه من هو أوثق منه أو أكثر منه، فهذا الحديث قد يكون فيه شيء من الشذوذ وذكر العمرة هنا شاذ، والله أعلم. وإن كان كثير من أهل العلم مضوا على ظاهر الحديث ولم يتفطنوا إلى هذه العلة الخفية الموجودة في إسناده .

    إذاً: نقول: إن راوي الحديث محمد بن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة قد تفرد بهذه الزيادة وخالفه الثقات فلم يذكروها.

    معاني ألفاظ الحديث

    قولها رضي الله عنها: ( على النساء جهاد؟ ) هذا استفسار، سؤال، وهو يدل على أن السؤال عن الوجوب؛ لأن (على) في الغالب وخاصة في هذا السياق يستدل بها على الوجوب، لكن ذلك ليس صريحاً في الوجوب، فإن لفظة (على) ليست صريحة في الدلالة على الوجوب، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ) ثم ذكر صلى الله عليه وسلم ألواناً من الأعمال الصالحة والصدقات.

    فهنا ليس المقصود فيه الوجوب، وإنما هنا التبعة، سواء كانت وجوباً أو استحباباً، فذلك ليس صريحاً في الوجوب.

    قوله صلى الله عليه وسلم: ( عليهن جهاد لا قتال فيه ) هذا دليل على أن العمرة والحج يكون فيها بعض التعب؛ لأن الجهاد هو بذل الجهد، هذا هو معنى الجهاد، ولهذا قال هنا: ( جهاد لا قتال فيه ) يعني: تعب لكن من دون قتال وقتل، وإن كان القتال قد يحصل بسبب ازدحام الناس كما نرى أحياناً بعض المواقف، لكن الأصل أنه ليس كذلك، ولهذا قال: ( لا قتال فيه ).

    وفي ذلك إشارة أيضاً إلى أن النهي عن أن يتحول الجهاد إلى قتال بين المسلمين بسبب الازدحام والمضايقة، وأن يطأ بعضهم بعضاً، وأن هذا مما لا يحبه الله ولا يرضاه، ولم يشرع من أجله الجهاد، لكن قوله هنا: (جهاد) يعني: جهد ومشقة، وفي ذلك إشارة إلى أن العمرة والحج لا تخلو من بعض المشقة.

    فوائد الحديث

    من فوائد الحديث:

    أولاً: التطلع للخير وليس التنصل من المسئولية، فهذه عائشة الصديقة رضي الله عنها, وهي امرأة وفي بيت النبوة عندها أعمال صالحة كثيرة، ومع ذلك ترى فضل الجهاد فتتطلع إليه، وتقول: ( أفلا نقاتل )، فذلك دليل على التطلع إلى الخير وإلى تحمل المسئوليات لمن كان خليقاً وجديراً بها.

    ومن فوائد الحديث: التفريق بين الجهاد والقتال، فإن الجهاد مفهوم شامل، فهو بذل الجهد في عمل الخير، وأما القتال فهو مقاتلة أعداء الله أو مقاتلة من يشرع قتالهم وهو لون من ألوان الجهاد .

    وفي الحديث: فضل الحج كما هو واضح.

    وفيه: فضل العمرة على فرض ثبوت اللفظ الوارد فيها.

    وفي الحديث أيضاً من الفوائد: دليل على أن التعب غالباً لابد منه، ونحن وإن كنا نقول: إنه لا بأس بالترفه المعتدل في الحج والعمرة، كون الإنسان يركب سيارة مثلاً مكيفة، ويسكن غرفة قريبة من الحرم، أو يسكن في خيمة مكيفة أيضاً، هذا لا بأس به؛ لأن الله تعالى لا يصنع بعذابنا شيئاً ولا بأذانا شيئاً، ليس المقصود هو أن يلحق التعب الإنسان، ولكن التعب الطبيعي في مرضاة الله لا بأس به، ولا ينبغي للإنسان أن يبالغ في الترفه والتنعم في الحج، حتى إنك تسمع أحياناً عما يسمى بحملات سبعة نجوم مثلاً.

    فالحج هنا ليس عبارة عن فندق ضخم، ولا عن رحلة ترفيه، وإنما الله سبحانه وتعالى قال: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ [النحل:7]، وهذا البلد المذكور ليس بالضرورة مكة، السفر بذاته فيه مشقة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله ).

    ولكن أيضاً سفر طاعة كأن يلقى الإنسان فيه بعض النصب أو بعض التعب لا بأس بذلك؛ لأنه يتدرب على هذا، ولو أن بعض الشباب الذين لم يتدربوا واجهوا تأخيراً في المرور في السيارة أو عطلاً أو حراً أو غير ذلك لوجدت أن الكثير منهم يتذمرون من ذلك.

    الفائدة الرابعة: وجوب العمرة، فإن بعض أهل العلم استدلوا بهذا الحديث وغيره على أن العمرة واجبة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( عليهن جهاد لا قتال فيه )، والقول بوجوبها فيه نظر.