إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الزكاة - حديث 631-638

شرح بلوغ المرام - كتاب الزكاة - حديث 631-638للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من جملة الأحكام الشرعية المتصلة بالزكاة ما يتعلق بزكاة أموال اليتامى والمجانين، والدعاء للمزكي، وتعجيل الزكاة قبل أجلها وما يزكى من الخارج من الأرض ونصابه ومقدار زكاته، وسائر الأحكام المتصلة بهذا الباب المؤكدة في تفصيلها لرعاية هذا الباب العظيم في التشريع الإسلامي.

    1.   

    شرح حديث: (من ولي يتيماً له مال فليتجر له...)

    إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    رقم هذا الدرس (208) ضمن شرح بلوغ المرام، وبالمناسبة الشرح موجود يعني، مصوراً بعضه، وكله موجود على أشرطة كاسيت وموجود على موقع الإسلام اليوم والصوتيات لمن شاء أن يطلع على ما سبق منه.

    وهذه ليلة الخميس الثاني عشر من جمادى الآخرة من سنة: (1428هـ) ولا زلنا في كتاب الزكاة.

    عندنا الحديث رقم: (609) الآن، وهو حديث عَنْ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ولي يتيماً له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة )، رواه الترمذي والدارقطني وإسناده ضعيف.

    تخريج الحديث

    هذا الحديث رواه الترمذي كما ذكر المصنف في جامعه، والدارقطني في سننه في كتاب الزكاة، ورواه البيهقي أيضاً في كتاب البيوع، يعني: الاتجار بمال اليتيم.

    وسبب ضعف الحديث، المصنف أشار إلى أن سنده ضعيف، فالحديث أولاً: من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد سبق القول في هذه السلسلة مراراً، ولكن المصنف -رحمه الله- لا يضعف الحديث بـعمرو بن شعيب، وإنما يُضعفه بـالمثنى بن الصباح، وهو ضعيف مضطرب الحديث، والله أعلم.

    شواهد الحديث

    الحديث الذي بعده هو بمعنى حديث الباب ورقمه: (610) قال: وله شاهد مرسل عند الشافعي، فـالشافعي روى هذا الشاهد المرسل في كتاب الزكاة، ورواه أيضاً البيهقي وعبد الرزاق في المصنف، وهذا المرسل هو ضعيف أيضاً، أولاً: ضعيف؛ لأنه مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف، والمرسل هو: ما يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ بحيث نتأكد بأن في سنده انقطاعاً، ولكن أيضاً هذا المرسل فيه عنعنة ابن جريج وهو صدوق مدلس، فالحديث إذاً فيه ضعف أيضاً.

    مسألة: حكم الزكاة في مال اليتيم والمجنون

    الحديثان فيهما مسألة مهمة، وعندنا اليوم مجموعة جميلة وطيبة جداً من المسائل الأساسية والضرورية في كتاب الزكاة، إن شاء الله يعيننا الله تعالى على إنجازها.

    المسألة المعروضة هنا هي مسألة مال اليتيم والمجنون .. ونحوهما: هل فيه زكاة أم ليس فيه زكاة؟

    وسبب الخلاف في هذه المسألة: هو ضعف الأدلة أولاً في الباب، والسبب الثاني في وجود الخلاف: هو اختلافهم في الزكاة: هل هي عبادة محضة كالصلاة، فلا تجب على الصغير -الصبي- ولا على المجنون؛ لأنه غير مكلف أم هي متعلقة بالمال، فتجب عليه إذا وجد عنده مال، سواء كان مكلفاً أو غير مكلف؟

    القول الأول: أن الزكاة واجبة في مال الصبي الصغير دون البلوغ، وفي مال المجنون، وهذا قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو المنقول عن الكثير من الصحابة رضي الله عنهم، كـعائشة، وجابر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر وغيرهم.

    ودليل هؤلاء في إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون:

    أولاً: حديث الباب، حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد يجبرون ضعفه بأن يقولوا: إن هذا الحديث جاء من طرق، وعند بعض أهل الحديث أن الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه فإنه ينجبر ضعفه، خصوصاً إذا لم يكن الضعف شديداً، وهذا مذهب حسن، وطريقة صحيحة : أن الحديث إذا تعددت طرقه وليس في شيء منها متروك ولا وضاع ولا هالك، وإنما ضعفه ضعف منجبر، قد يكون من جهة حصول الخطأ عند الراوي، فإذا تعددت الطرق علمنا أن الراوي لم يخطئ في هذا الحديث، فيصحح الحديث بمجموع طرقه، وبذلك استدلوا.

    أيضاً: استدلوا من حيث النظر بأن الزكاة حق متعلق بالمال، فتجب في مال بلغ نصاباً، من عروض أو أثمان أو غيرها، سواء كان لصبي أو مجنون أو عاقل أو غيره مادام من المسلمين.

    القول الثاني: أن الزكاة لا تجب في مال الصبي والمجنون، وهذا قول لـسعيد بن جبير والحسن البصري وبعض السلف.

    قالوا: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون مطلقاً، أياً كان هذا المال، كثرة وقلة ونوع المال، عروض تجارة أو خارجاً من الأرض أو أثماناً، لا تجب فيه الزكاة، لماذا؟

    قالوا: لأن الزكاة عبادة، مثل الصلاة فلا تجب الزكاة إلا على من وجبت عليه الصلاة، وهؤلاء غير مكلفين.

    وهذان القولان مشهوران ودليلهما ظاهر.

    وهناك قول ثالث، وهو قول أبي حنيفة , قال: إن الزكاة لا تجب في مال الصبي والمجنون إلا فيما يتعلق بالزروع والثمار فتجب، فإن كان مال الصبي زروعاً وثماراً وجبت فيه الزكاة، أما لو كان أثماناً .. أو نحو ذلك فلا زكاة فيه، ولا أعلم لهم دليلاً على هذا التفريق كما ذكره ابن رشد .. وغيره، إلا أنهم ربما أخذوا الدليل من قوله سبحانه وتعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، في الزروع والثمار.

    وكذلك أن الزروع والثمار لا يشترط لها الحول مثل بقية الأموال، فكأن هذا سبب عندهم في الاستثناء، وربما استدلوا بعدم الوجوب بمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق )، فهذا دليل لهم ولـسعيد بن جبير ومن وافقه على عدم إيجاب الزكاة مطلقاً.

    وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: [ لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون ]، فهذا أثر احتجوا به عن ابن مسعود : أن الزكاة في مال الصبي والمجنون لا تجب، وهذا الأثر رواه أبو حنيفة واحتج به الأحناف.

    والواقع أن هذا الأثر عن ابن مسعود ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وأيضاً هو عن مجاهد فهو مرسل منقطع .

    إذاً: أثر ابن مسعود في عدم إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون ضعيف ومنقطع، ولا يثبت -والله أعلم- عن أحد من الصحابة أنه قال: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، بل المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون .

    وهناك قول ينسب أيضاً لـابن مسعود رضي الله عنه: أنه يقول: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، لكن لا تُخرج إلا إذا بلغ، فإن شاء أخرجها وإن شاء لم يخرجها.

    وهذا أيضاً فيه بعد؛ لترتب زكوات كثيرة جداً، فقد يُشق عليه إخراجها.

    فالصواب: هو ما ذهب إليه الجمهور الأئمة الثلاثة أحمد ومالك والشافعي : أن مال الصبي والمجنون فيه زكاة؛ لأن الزكاة متعلقة بالمال، ولعموم النصوص الواردة في الأمر بإخراج الزكاة.

    حكم المضاربة بمال الصبي والمجنون

    أيضاً هناك مسألة أخرى في الحديث: وهي المضاربة بمال الصبي والمجنون, يعني: حديث عمرو بن شعيب يقول: ( من ولي يتيماً له مال فليتجر له ) يعني: يُتاجر له بالمال.

    فيجوز المضاربة بمال الصبي والمجنون عند الأئمة الأربعة، أن يضارب بالمال لهذه الأحاديث ولغيرها، لكن قالوا: يختار في المضاربة التجارات التي هي أقرب إلى الضمان وأبعد عن المخاطرة، فلا يُضارب -مثلاً- بالاحتمالات أو بالأشياء الصعبة، أو حتى -مثلاً- بالحيوانات والمواشي؛ لأنها تموت وتهلك، وإنما قد يُضارب في العقار؛ لأن الغالب عليه الحفظ والسلامة ولو طال به الوقت، أو ما يغلب على ظنه أنه يسلم، ولا يُغامر بهذه الأموال كما يُغامر ربما بماله الخاص أحياناً؛ لأن القاعدة عند الاقتصاديين: (أنه دائماً ارتفاع الربح مرتبط بارتفاع المخاطرة) يعني: هذه الصفقة فيها ربح: (50%) لكن احتمال المخاطرة كبير أيضاً، أو يكون الربح قليلاً والمخاطرة قليلة أيضاً يعني: (5 %) شبه مضمون، فارتفاع المخاطرة هنا لا يُقبل في مال الصبي والمجنون.

    إذاً: هذا فيما يتعلق بالمضاربة.

    وقد نقل عن الحسن البصري أنه كان لا يرى المضاربة في مال الصبي والمجنون، أو يقول: أكره المضاربة في مال الصبي والمجنون.

    وكأنه خشي على هذا المال أن يتعرض للتلف.

    حكم مضاربة الولي بمال الصبي والمجنون إذا كان تاجراً

    طيب هنا سؤال:

    إذا كان ولي اليتيم تاجراً، فهل له أن يأخذ مال الصبي والمجنون ويُضارب به بنفسه أو يعطيه أحداً يُضارب به؟

    لأنه إذا أعطاه أحداً يُضارب به، هنا ما في اتهام له، سوف يُعطي هذا المضارب نصيبه مثل ما يُعطى غيره، وهو فقط أعطاه إياه أمانة.

    أما إذا ضارب هو فهنا يكون محل اتهام؛ لأنه ربما ضارب لمصلحته؛ ولذلك كثير من الفقهاء يرون ألا يضارب هو في مال الصبي والمجنون، والذي أميل إليه أن الأمر لا يكون فيه حسم، وإنما يختلف من حال إلى أخرى.

    فإذا كان الولي تاجراً وثرياً وصاحب أموال وصاحب عقار وهو مأمون أيضاً، ومضاربته هو بمال الصبي والمجنون من باب البر لهما؛ لأنه لا يقبل هو أصلاً أن يُدخل أموال الناس عنده في المضاربة إلا بمبالغ طائلة، وقد لا يقبل ذلك أصلاً؛ لأنه ليس بحاجة إلى أموال الناس، فيكفيه ماله أن يُضارب به، إنما قال: هذا اليتيم -لأنه يتيم في حجري ولحدبي عليه وحرصي عليه- أجعل ماله أسوة بمالي فأُضارب بماله مثلما أُضارب بمالي من باب الإحسان إلى اليتيم، وهذا كثير في هذا الزمان، فهذا لا بأس به بل يُشكر عليه؛ لأنه جعل مال اليتيم أسوة بماله.

    أما إذا كان هذا الإنسان ما عنده مال، لكن يقول: أريد أن آخذ مال اليتيم هذا وأُضارب لعلني أنا أستفيد وهو يستفيد، فهنا يُمنع، بل قد يُغرَّم لو خسر؛ لأنه قد لا يكون أهلاً للمضاربة ولا خبرة عنده، وقد يؤدي بهذا المال إلى التهلكة.

    فوائد الحديث

    من فوائد حديث عمرو بن شعيب والحديث الآخر المرسل:

    أن الولي هو الذي يُخرج الزكاة من مال اليتيم والمجنون كما هو ظاهر.

    ومنه: أن مال الصبي واليتيم والمجنون يُزكى وهو مذهب الجمهور.

    ومنه: جواز المضاربة في مال الصبي والمجنون حتى ينمو ولا تأكله الزكاة.

    ومنه: أن الجنين لا يجب في ماله زكاة. كيف عرفناها من الحديث؟

    لأنه لا يصدق عليه أنه صبي ولا مجنون، يعني: الجنين لم يولد بعد، نعم هو مخلوق، لكن هل نصفه بأنه صبي؟ ولم يكن صبياً بعد، لا ندري: أذكر هو أم أنثى؟ حي أم ميت؟ فهو ليس موجوداً، وبالتالي لا يُضارب بماله بل يُوقف ماله، إلا في حالة ما إذا كان ماله مشاعاً ضمن غيره.

    1.   

    شرح حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على من جاءه بصدقة ماله

    الحديث الذي بعده رقمه: (611).

    حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه, قال: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلّ عليهم ). ‏

    تخريج الحديث

    أولاً: ما يتعلق بتخريج الحديث:

    الحديث متفق عليه كما ذكر المصنف.

    فقد رواه البخاري في كتاب الزكاة، ورواه أيضاً في كتاب الدعوات، ومواضع أخرى، من كتاب المغازي أيضاً.

    ورواه مسلم في صحيحه في الزكاة أيضاً، وهو عند أبي داود، وابن ماجه، وأبي عوانة في كتاب الزكاة، ورواه أحمد، وابن حبان، وابن أبي شيبة .. وغيرهم.

    ترجمة راوي الحديث

    راوي الحديث هو: عبد الله بن أبي أوفى، وكنيته أبو إبراهيم، وهو صحابي، وأبوه صحابي أيضاً، وهو ممن شهد بيعة الرضوان، فله فضيلة ومزية ومقام، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وحظي بهذا الثناء، فإنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم صلّ على آل أبي أوفى )، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة وبورك فيه، وقد توفي رضي الله عنه سنة ست وثمانين هجرية.

    معاني ألفاظ الحديث

    ثانياً: ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قوله: (إذا أتاه قوم) المقصود: إما عائلة أو رب أسرة أو قبيلة من القبائل، كما إذا كانت الزكاة إبلاً أو غير ذلك، وجاءوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (بصدقتهم) الصدقة هي الزكاة.

    وقوله : (اللهم صلّ عليهم) الصلاة: هي الدعاء، فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157].

    أقوال العلماء في حكم الصلاة على غير الأنبياء عليهم السلام

    ما يتعلق بالحديث ففيه مسألة: وهي حكم الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟

    أما الصلاة على الأنبياء فهي مشروعة: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم صل على محمد ).

    فالصلاة عليه مشروعة وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين عليهم جميعاً أطيب الصلاة وأزكى السلام، لكن الصلاة على غيرهم من الناس ما حكمها؟

    هذه فيها أقوال أشهرها قولان:

    إما أن ذلك يمنع استقلالاً ويجوز تبعاً، وكثيراً ما يقول الفقهاء: إنه يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، يعني: شيء يجوز أنك تفعله تبعاً لغيره، لكن لا تستقل به، ومثال ذلك: هنا في مسألة الصلاة، كونك تقول -مثلاً-: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وعلى أصحابه وعلى أزواجه وعلى أتباعه وعلينا وعلى جميع المؤمنين والمسلمين.

    ليس في ذلك من حرج؛ لأن هذا تبع للصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا يجوز تبعاً، لكن يُمنع استقلالاً، يعني: لا تجعله مستقلاً، فتقول: اللهم صل على فلان من الناس، أو اللهم صل على الشخص الفلاني أو العالم الفلاني .. أو ما أشبه ذلك، فيُمنع الاستقلال به، والمنع هنا قد يكون -كما ذكر النووي - إما منع تحريم أو كراهة أو خلاف الأولى، وهذا القول بالمنع هو مذهب الشافعية -يعني: فقهاء الشافعية- والمالكية: أنهم يجيزونه تبعاً ويمنعونه استقلالاً.

    القول الثاني: أن ذلك جائز بلا كراهة، وهو مذهب الحنابلة، مذهب الإمام أحمد، واستدلوا بأدلة كثيرة جداً، منها: قوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الأحزاب:43]، فذكر سبحانه صلاته، وقوله: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157]، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصلي عليهم، وقد كان يفعلها صلى الله عليه وسلم ويتأولها، كما في حديث ابن أبي أوفى هنا: ( أنه إذا أتاه قوم بصدقة قال : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ )؛ لأنه سبحانه قال: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103]، فإذا أخذ الصدقة صلى عليهم كحديث الباب.

    وكذلك من الأدلة على جواز ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم ابن مسعود الصلاة وغيرها: ( التحيات لله )، ثم يقول بعد ذلك: ( اللهم صل على محمد ) ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) هذا فيه السلام، والصلاة في قوله بعد ذلك: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ) فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله مع أن الآل قد يقصد بها الأتباع -كما ذكرنا ذلك بالأمس- فيطلق الآل على القرابة، ويُطلق الآل على الأتباع، ويقول بعض أهل العلم:

    آل النبي همُ أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعربِ

    لو لم يكن آله إلا قرابته صلّى المصلي على الطاغي أبي لهبِ

    فقصد الشاعر هنا الإشارة: إلى أن المقصود بالآل هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، وهكذا: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، يعني: آل فرعون أتباعه على دينه وملته.

    والأقرب: أن الصلاة جائزة، ولكن لا ينبغي أن تُتخذ شعاراً كما هو الحال بالنسبة للأنبياء، فلا يُذكر فلان إلا ويقال: صلى الله عليه وسلم، فهذا مما درج المسلمون ودرج عرفهم على أنه خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، كما أن -مثلاً- كلمة (عز وجل) لا تقال شعاراً إلا لله تبارك وتعالى، فنقول: ربنا عز وجل، مع أنه لو قالها قائل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لكانت صدقاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم عزيز: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8]، وهو جليل أيضاً وعظيم القدر، ولكن جرى العرف على أن تكون (عز وجل) خاصة بالله سبحانه وتعالى، فيقال: (الله عز وجل .. ربنا عز وجل) وأن يكون الصلاة والسلام خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيقال: صلى الله عليه وآله وسلم .

    فكون بعض الناس يخصون -مثلاً- علي بن أبي طالب نقول: رضي الله عنه، مثله في ذلك مثل أبي بكر الصديق أو عمر أو عثمان .. أو غيره من الصحابة، لجلالة قدره ومقامه وعظمته وفضله، فيُترضى عنه، ولو قال قائل: علي بن أبي طالب عليه السلام لا بأس، أو صلى الله عليه وسلم لا بأس، أبو بكر صلى الله عليه وسلم .. عمر .. عثمان، لكن لا يتخذ هذا شعاراً، لا يُذكر أحد منهم إلا ذكره بالصلاة والسلام، خاصة أن من الناس من قد ينتقي أو يُميز أو يُفضل أحداً على أحد، أو يتخذ هذا لمصالح دنيوية، مثلما ذكر بعض الأئمة والعلماء بالصلاة والسلام على ملوكهم أو على أمرائهم أو ما أشبه ذلك، أو على متبوعيهم أيضاً، فينبغي ألا تتخذ هذه شعاراً، ولو قالها فإنه لا يداوم عليها.

    1.   

    شرح حديث: (أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته...)

    الحديث الذي بعده رقم : (612) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( أن العباس رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك )، رواه الترمذي والحاكم. ‏

    تخريج الحديث

    حديث علي في قصة العباس، أولاً: ما يتعلق بالتخريج:

    فقد رواه أبو داود في كتاب الزكاة، ورواه أيضاً الترمذي ولم يشر المصنف إلى ذلك، وابن ماجه في الزكاة أيضاً، ورواه أحمد في مسنده، ورواه الحاكم، والعادة أنه إذا قيل: رواه الحاكم يُقصد: رواه في المستدرك، وهو أعظم كتبه، وهو وعاء من أوعية العلم وإن كان فيه أحاديث ضعيفة بل فيه أحاديث واهية وموضوعة، ولكنها قليلة مثل حديث الطير في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن الذي أظنه أن الحاكم روى هذا الحديث في كتابه معرفة علوم الحديث، وهو كتاب له مطبوع في المصطلح وعلوم الحديث وأنواعها، ورواه البيهقي أيضاً في سننه.

    ترجمة راوي الحديث

    هذا الحديث أيضاً فيه -ما يتعلق بالألفاظ- ذكر العباس : العباس بن عبد المطلب، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أكبر -يعني: أسن، نقول أدباً: أسن- من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين تقريباً وُلد قبله بسنتين ؛ ولهذا مرة العباس من لطفه وأدبه قالوا: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    قال: أنا أسن منه وهو أكبر مني.

    و يقال: إن العباس ضاع في طفولته، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو الكعبة حريراً، فوجدته فكست الكعبة حريراً، وكانت هي أول من كسا الكعبة.

    وكان العباس رجلاً فاضلاً جميلاً أبيض، طويلاً سيداً، توفي تقريباً سنة (32هـ)، ومن أسرته آل العباس الذين كان لهم ذكر وشأن ودولة، وولده كثيرون، من أفضلهم وأشهرهم: عبد الله بن عباس، وكذلك الفضل بن عباس وقثم .. وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    وفي الحديث أيضاً من ناحية اللفظ أنه: ( سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته؟ ) يعني: تعجيل زكاته: أن يُعطيها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل حلول الحول، أو أن يُقدم صدقة سنتين في سنة واحدة، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    مسألة: حكم تعجيل الزكاة

    النقطة الثالثة في الحديث: حكم تعجيل الزكاة؟

    يعني: إنسان عنده مال، عنده خير، مائة مليون، ما هي بشيء مائة مليون، الآن الناس أصبحوا يتكلمون في المليارات، دعنا نقول: مليار .. عنده مليار، فقال: أُخرج الزكاة السنة هذه، لكن هناك ظروف صعبة والناس محتاجون، فقال: أُقدم زكاة العام القادم أيضاً، أُخرج زكاتين تكون هذه كالدين لي من باب التوسعة على الناس، هذا معنى تعجيل الزكاة.

    وفي المسألة قولان:

    القول الأول: أنه يجوز تعجيل الزكاة، وهذا مذهب الجمهور، مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل الأئمة الثلاثة، ومما يستدلون به على جواز التعجيل حديث الباب: ( أن العباس رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك )، وهو ظاهر الدلالة.

    ومن الأدلة أيضاً: الحديث الآخر وهو في الصحيحين: أن المُصدِّق جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا رسول الله! منع فلان وفلان والعباس، ما أعطوني الزكاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أما خالد فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله .. )، ماله وقف كله، ما عنده شيء يزكي به، (احتبسها) يعني: جعلها وقفاً: ( وأما العباس فهي عليّ ومثلها ).هذا متفق عليه.

    والمعنى والله أعلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: صدقة العباس عندي السنة هذه والعام القادم، أيضاً أعطاني العباس زكاة سنتين.

    وأيضاً: دليلهم الثالث: قالوا: إن الزكاة مثل الدين، لو أن إنساناً عليه دين يحل بعد سنتين أو ثلاثة ثم قام وعجّل الدين لصاحبه أليس هذا يجزئ عنه ويبرئ ذمته؟ فكذلك الزكاة هي مثل الدين، فإذا قدّمه أو عجله أجزأه ذلك.

    القول الثاني:

    أن ذلك لا يجزئ ولا يجوز، وهو قول مالك وبعض فقهاء المدينة، فهو قول ربيعة، والليث بن سعد كلهم من فقهاء المدينة، وقالوا: إن الزكاة هنا إذا أداها قبل وقتها، فقد خالف تشريعها وتوقيتها، فإن الحول شرط في وجوب الزكاة: ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول )، وقد جاء في هذا آثار عديدة، وذكرنا إجماع العلماء عليه فيما عدا الزروع والثمار، فإذا أخرج الزكاة قبل الحول يكون أخرجها قبل وقتها وخالف النص.

    ودليلهم الثاني:

    قالوا: إن الزكاة عبادة مؤقتة لا تصلح إلا في وقتها، مثل ما لو أدى الصلاة -مثلاً- قبل وقتها لم تصح، فكذلك الزكاة.

    والذي نختاره هو القول الأول: أنه يجوز تعجيل الزكاة، أولاً: للنص، الحديث في قصة العباس .

    وثانياً: لأن الزكاة وإن كانت عبادة ومؤقتة بالحول إلا أن الوجوب هو المؤقت في الحول، أما لو وجد عنده سبب الزكاة وهو المال والملك فقدمها، فإن ذلك لا بأس به، خصوصاً إذا وجد لهذا حاجة من فقر أو نكبة أو أزمة أو ما شابه ذلك.

    1.   

    شرح حديثي جابر وأبي سعيد: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة ...)

    الحديث رقم: (613) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة )، رواه مسلم .

    وله من حديث أبي سعيد : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة )، وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه. ‏

    تخريج الحديثين

    هذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه رواه مسلم، وقد أشرت إليه مراراً فيما سبق؛ لأنه من الأدلة في موضوع النصاب.

    رواه مسلم في كتاب الزكاة، ورواه أيضاً ابن ماجه، وأحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة .

    أما حديث أبي سعيد الآخر وهو مثل حديث جابر رضي الله عنه، وقد ذكرته أيضاً أكثر من مرة: ( ليس فيما دون خمسة أوسق .. )، فقد رواه مسلم في كتاب الزكاة، ورواه أحمد، وأصل الحديث متفق عليه، فأصله في البخاري أيضاً في كتاب الزكاة، بل أصل حديث أبي سعيد رواه السبعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، فحديث أبي سعيد ليس في مسلم إلا هذا اللفظ، وإنما هو في الواقع في الصحيحين بل هو في السنن والمسند، فهو حديث رواه السبعة.

    معاني ألفاظ الحديثين

    النقطة الثانية: ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قوله: (ليس فيما دون خمس أواق) الأواق جمع وقد تُثبت الياء، فيقال: أواقي، أو أواق بحذف الياء، مع أنها موجودة في الأصل، والمفرد: أوقية أو أوقيَّة بالتشديد، والتشديد أشهر .

    والأوقية: هي نوع من المقادير التي كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام، وقد ذكرت لكم أمس قدر الأوقية، وأنها أربعون درهماً، وآية ذلك: أن نصاب الفضة خمس أواق، وهو مائتا درهم، فإذا قسمنا مائتي درهم على خمس أواق أصبحت الأوقية تقابل أربعين درهماً، والأوقية نصاب أو مقدار معروف مضبوط.

    وهذا أيضاً إجماع عند أهل العلم أن الأوقية أربعون درهماً.

    وقوله: (ليس فيما دون خمس ذود) هذا استعمال لغوي صحيح، خلافاً لمن أنكره.

    وما هو المقصود بخمس ذود؟

    جرت العادة أنهم يقولون: (ذود) يعني: رعية أو مجموعة، فإذا قيل: خمس ذود يعني: خمس من الإبل، بقرينة النصوص الأخرى كحديث أنس .. وغيره: أنه ليس في الإبل صدقة حتى تبلغ خمساً، فإذا بلغت خمساً ففيها شاة .. إلى آخره.

    فإذاً: المقصود: (خمس ذود) يعني: خمس من الإبل، كأنه قال: خمس جمال، أو خمسة من الإبل، هذا معنى الذود.

    وأيضاً قوله: (وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) الأواقي في الفضة، والذود في الإبل، والأوساق في الخارج من الأرض، في الزروع والثمار، والأوساق: جمع وَسْق بفتح الواو وسكون السين على المشهور، أو فتح الواو والسين الوَسَق، لكن الوَسْق أشهر، والجمع على أوسق أو أوساق، وقد جاء الحديث باللفظين: أوساق أو أوسق.

    و الوسق: ستون صاعاً بالصاع النبوي، وسوف أُبين الصاع النبوي إن شاء الله بعد قليل.

    إذاً: هذا ما يتعلق بألفاظ الحديث.

    فوائد الحديثين

    النقطة الثالثة: فوائد الحديث:

    منها: بيان النصاب وأنه لابد منه في الزكاة، يعني: أنه لا زكاة في مال حتى يبلغ نصاباً، وهذا محل اتفاق.

    وفيه: بيان نصاب الفضة وأنه خمس أواق أو مائتا درهم، وبالأمس قلت لكم: إن نصاب الفضة مائتا درهم والدرهم ثلاثة جرامات، فيكون نصاب الفضة بالجرام تقريباً ستمائة.

    وبالعملة الورقية .. (600 × سعر الفضة اليوم)، فإذا كان سعر الفضة -مثلاً- (2.10) فمعناه: أن نصاب الورق النقدي بالفضة يساوي: (1260) ريالاً.

    في الحديث أيضاً: بيان نصاب الإبل، وقد بينّاه مراراً، وأنه لا يبدأ النصاب إلا بخمس فما فوقها.

    وفيه: بيان نصاب الحبوب والثمار، وهذا لم يرد فيما أظن فيما سبق، نصاب الحبوب والثمار أو الخارج من الأرض، وقد بينّه النبي صلى الله عليه وسلم هنا بقوله: ( وليس فيما دون خمسة أوسق حب ولا تمر صدقة )، خمسة أوساق، وقلنا: الوسق ستون صاعاً. إذاً: (60 × 5) يكون ثلاثمائة.

    إذاً: نصاب الحبوب والثمار ونحوها ثلاثمائة صاع.

    الآصع أو الأصواع تختلف من بلد إلى بلد.

    فنقول هنا: العبرة بالصاع النبوي، ( المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة )، فالعبرة بالصاع النبوي، والصاع النبوي: أصغر من الأصواع الموجودة عند الناس اليوم قليلاً.

    وضبط ذلك: أن الصاع يمكن يعرف إما عن طريق الأشياء التي تكال كالشعير والقمح والحب، أو يعرف عن طريق الآصع الموجودة اليوم، وهي ما زالت موجودة في المتاحف كما ذكرت بالأمس، وتقريباً متفقة أو متقاربة.

    فالصاع يقول العلماء: هو أربعة أمداد وهذا اتفاق عندهم.

    و المد: يقول العلماء هو ما يعادل قبضة اليدين معاً للإنسان المتوسط المعتدل ما تكون يده كبيرة جداً ولا يكون أيضاً طفلاً صغيراً، وإنما هو الرجل المعتدل من الناس إذا وضع يده هكذا، ثم وضع فيها القمح، فإنما تستوعبه هذه المدة أو هذا المد يسمى مداً؛ ولذلك سمي مداً؛ لأن الإنسان يمده ويعطيه لآخر، يعطيه للمحتاج أو للمشتري أو لغير ذلك، فسمي مداً من ذلك.

    فالصاع أربعة أمداد بمد الإنسان المعتدل، وأيضاً بالبر المعتدل الذي لا تكون الحبة فيه كبيرة ولا صغيرة، بل يكون متوسطاً في ذلك، فأربعة أمداد تقابل الصاع النبوي، والأقرب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده صاع واحد، ولا أقصد إناءً واحداً لكن المقاس واحد، هو الذي يُستخدم في القمح والشعير، والحنطة والحب، وهو الذي يستخدم في الماء؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ).

    ابن تيمية -رحمه الله- كأنه يذهب إلى أن صاع الماء غير صاع الحب .

    والذي يظهر: أن صاع الماء وصاع الحب واحد، ولكن بالنسبة لأن الماء سيال فيكثر، أما الحَب فيكون بينه فراغات في الصاع فيكون أقل، وإلا فالصاع واحد.

    والواقع: أن المد إذا حُسب، المد المعتدل يساوي رطلاً وثلثاً -بالرطل البغدادي- رطل وثلث بالضبط وبالاتفاق، فعلى هذا يكون الصاع أربعة، اضرب (4 × 1 وثلث)= خمسة وثلث.

    إذاً: نقول: الصاع النبوي هو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وقد حُكي أن هذا اتفاق.

    الحنفية رحمهم الله صاعهم أكبر من ذلك، والشيء الطريف والجميل: أن أبا يوسف -رحمه الله- وهو من تلاميذ الإمام أبي حنيفة، لما حج أراد أن يمر على المدينة وأن يُعلمهم الصاع، وأن الصاع أكثر مما يظنون، يمكن ثمانية أرطال، فقال لهم: ما دليلكم على أن الصاع خمسة أرطال وثلث؟

    قالوا: الدليل غداً نأتيك به، ائت غداً الصباح، وسنأتيك بالدليل.

    فلما جاء من صباح الغد كان عنده مائة وستون واحداً من أهل المدينة، كل واحد معه صاع قد أخفاه في ثيابه، فأخرجوا له آصعهم، وكل واحد منهم من أولاد الصحابة رضي الله عنهم، يقول: هذا صاع أبي، وهذا يقول: هذا صاع جدي، وهذا يقول: صاع أهلي، وهذا يقول: صاع فلان، وهذا صاع ابن عمر، وهذا صاع ابن عباس، وهذا صاع أسيد بن حضير، وهذا صاع فلان، فنظر فوجد هذه الآصع كلها متماثلة، فرجع أبو يوسف إلى مذهب الجمهور، والأكثرين وغيّر ما كان يقول، هذا فقط تعريف فيما يتعلق بالصاع ومقداره.

    طيب! لو أردنا أن نحسب الصاع بالجرامات أيضاً، سواء عن طريق الحب كما ذكرت أو عن طريق قياس بعض الآصع الموجودة في المتاحف، عملوا ذلك فوجدوا: أن الصاع النبوي يقارب ألفين ومائتي جرام تقريباً، يعني: اثنين كيلو ومائتي جرام تقريباً، يزيد قليلاً وينقص قليلاً، فهذا هو الصاع النبوي، إذاً: هذا تقريباً انتهينا منه.

    1.   

    شرح حديث: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر..)

    ننتقل إلى الحديث الذي بعده وهو رقم: (614) حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر )، رواه البخاري.

    تخريج الحديث

    أولاً: الحديث رواه البخاري في كتاب الزكاة، ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ؛ ولذلك يصح أن يقال: الحديث رواه الستة إلا مسلماً كعادة المصنف، ورواه ابن خزيمة وابن حبان وأبو عوانة .

    وأنا أحرص أن أذكر ابن خزيمة وابن حبان وأبو عوانة والحاكم ؛ لأن روايتهم للحديث تعتبر تصحيحاً عندهم له، فأنت إذا سمعت أنه رواه ابن خزيمة، معناه: صححه ابن خزيمة، إلا أن يكون أشار إلى غير ذلك، رواه ابن حبان، يعني: صححه ابن حبان، رواه الحاكم، يعني: صححه الحاكم، أبو عوانة كذلك؛ لأنه عمل مستخرجاً على صحيح مسلم وهو مطبوع.

    فـ أبو عوانة لا يُخرج فيما يسمى بصحيح أبي عوانة أو مستخرج أبي عوانة إلا ما صح عنده.

    شواهد الحديث

    والرواية الأخرى حديث رقم : (615) قال المصنف:

    ولـأبي داود : ( أو كان بعلاً العشر ) يعني: فيما سقت السماء والعيون، بدل قوله: (أو كان عثَريًّا) يقول: ( أو كان بعلاً العشر وفيما سُقي بالسواني أو النضح نصف العشر ).

    فهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب الزكاة، ورواه النسائي، وابن ماجه أيضاً بهذا اللفظ.

    معاني ألفاظ الحديث

    أما فيما يتعلق بألفاظ الحديث:

    فقوله صلى الله عليه وسلم: ( فيما سقت السماء )، أي: المطر.

    إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضاباً

    المقصود بـ: (السماء): المطر.

    و(والعيون) هي الينابيع الجارية، سواء نبعت من الأرض، وهذا هو الذي نعرفه في نجد، يعني: غالب العيون عندنا، وكذلك في الأحساء تكون نابعة من الأرض، بينما العيون والينابيع في بلاد أخرى تكون من الجبال.

    إذاً: العيون: هي الينابيع التي لا يد للإنسان فيها، نبع من الله سبحانه وتعالى.

    (أو كان عثرياً) يعني: يشرب بعروقه، النبات الذي لا يحتاج إلى سقي وإنما له عروق طويلة ممتدة يحصل على الماء بعروقه بدون حاجة إلى سقي، ومثله: البعل، فإن البعل هو ما يُسقى من السماء، من المطر أو من أشياء متصلة، تأتي عن طريق المطر، والجامع في هذه الأشياء كلها: أنها تسقى بغير فعل الناس، تسقى من المطر أو من الأرض أو من النهر بدون أن يجهد الناس في سقيها.

    وأما القسم الثاني:

    فهو ما سقي بالنضح، وأصل النضح هو الصب، يعني: أن تصب الماء؛ ولهذا في الحديث -مثلاً- قال: ( انضح فرجك )، وهو دون الغسل، وكذلك نضح الثوب، يعني: لا يحتاج أنك تعصره .. وكذا، مجرد صب الماء عليه يسمى نضحاً.

    إذاً: المقصود بالنضح هو: الصب، السقي، السانية، يعني: سُقي بجهد الإنسان، بمكينة أو بواسطة الدلو أو بأي طريقة، لكنه بالجهد البشري الإنساني، هذا هو المقصود.

    فوائد الحديث

    وفي هذا الحديث -وهي النقطة الثالثة- فوائد، منها:

    التفريق بين ما سُقي بجهد الإنسان وبين ما سُقي بغير جهد الإنسان، وهو اتفاق عند العلماء والفقهاء -فيما أعلم-: أنهم يُفرقون في الزكاة بين ما سُقي بالسماء أو كان عثرياً أو بعلاً، أو سُقي بعين، فهذا سُقي بغير مئونة -كما يعبرون- فيكون فيه ماذا؟ زكاته تزاد أم تنقص؟ تزاد؛ لأنه ما فيه مجهود، فيكون فيه العشر، يعني: واحد من عشرة أو عشرة من مائة؛ ولذلك الأحناف يسمونها (العشور أو المعشرات) لماذا؟ لأنه يؤخذ منها: (10 %) بخلاف نظام الزكاة في غيرها كم هو؟ (2.5 %)، قلنا: واحد في الأربعين، يعني تقريباً (2.5 %).

    أما المعشرات فيؤخذ منها العشر؛ لأن الإنسان ليس له فيها أي مجهود، يعني: شيء نابت من نفسه، من السماء من المطر أو شيء من هذا القبيل.

    وأما القسم الثاني: فهو ما سقي بالنضح، ما سقي بجهد الإنسان، أو كما يعبر الفقهاء: ما سقي بمئونة وتعب، وهذا فيه نصف العشر.

    ولو كان مشتركاً: عند الإنسان زرع نصف السنة سقاه بمئونة، والنصف الثاني جاء الله بالمطر واستغنى، نقول: عليه سبعة ونصف يعني: عليه ثلاثة أرباع العشر، أما إذا كان الأغلب عليه كذا أو كذا فيؤخذ بالأغلب عليه.

    1.   

    شرح حديث: (لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة ...)

    طيب! الحديث رقم: (616):

    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ومعاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: ( لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر )، رواه الطبراني والحاكم .

    رقم: (617) وللدارقطني عن معاذ : ( فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب.. فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وإسناده ضعيف.

    الحديث الأول: فيه: أنه صلى الله عليه وسلم حدد لهم ما تؤخذ منه الزكاة من الخارج من الأرض، وحدد لهم أربعة أشياء فقط، هذه الأصناف الأربعة هي: (الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب) في ضوء هذا الحديث كأن الزكاة لا تجب في شيء من الخارج من الأرض إلا أن يكون أحد أربعة أشياء: إما حنطة، أو زبيب، أو تمر، أو شعير.

    تخريج الحديث

    هذا الحديث.. حديث أبي موسى الأول رواه الحاكم في كتاب الزكاة، والطبراني كما ذكر المصنف، والبيهقي، والدارقطني، وفي سنده يحيى بن طلحة مختلف فيه -سجل هذه واضبطها- وكثير من أهل العلم يُحسنون إسناده، والواقع أن فيه يحيى بن طلحة، ولا يُقبل تفرده في مثل هذه المسائل، لماذا؟

    لأننا الآن في هذا الحديث سوف نثبت أصلاً عظيماً، وهو ما تكون فيه الزكاة وما لا تكون، معناه: بناءً على هذا الحديث أخرجنا معظم الخارج من الأرض من وجوب الزكاة عليه، وما بقي عندنا إلا الشعير، يعني: أن تجب الزكاة في الشعير ولا تجب في الأرز مثلاً، انظر كيف انتشار الأرز عند الناس اليوم، فبذلك أقول: إن الحديث فيه يحيى بن طلحة وهو مختلف فيه.

    1.   

    شرح حديث الرخصة في زكاة القثاء والبطيخ والرمان والقصب

    والحديث الذي بعده حديث الدارقطني عن معاذ أيضاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لهم وعفا لهم عن القثاء والبطيخ والرمان والقصب )، قال المصنف: إسناده ضعيف، وقد رواه الدارقطني في كتاب الزكاة والحاكم، وصححه، قال: هذا حديث صحيح الإسناد، وفيه ضعف أيضاً كما أشار المصنف، في رواته ضعف، منهم عبد الله بن نافع المخزومي وهو مضطرب الحديث ومتكلم فيه.

    مصطلح الخارج من الأرض

    في الحديثين نقطة ثانية، وهي: ما تتعلق بزكاة الخارج من الأرض:

    وقد بيّنا بعض ما يخصها، لكن أختم هذا المجلس المبارك بمزيد من إلقاء الضوء على الخارج من الأرض؛ لأنه سبق وأن تكلمنا مثلاً عن زكاة الإبل، زكاة البقر، زكاة الغنم، وتكلمنا أمس عن الأثمان، وبقي عندنا الخارج من الأرض نُبيّنه اليوم، ويبقى عندنا أيضاً عروض التجارة، يأتي لها مجال فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

    ففيما يتعلق بزكاة الخارج من الأرض:

    كثير من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم يعبرون بالخارج من الأرض، وهذا تعبير جيد، أولاً: لأنه هو المصطلح القرآني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]، وأيضاً مع ذلك هو أشمل؛ لأنه يشمل كل الخارج من الأرض، سواء كان من الحبوب والثمار .. وغيرها، ويشمل شيئاً آخر وهو المعادن التي تخرج من الأرض أيضاً.

    وبعض الفقهاء يقولون: زكاة الحبوب والثمار، وهذا لا بأس به، وهو مستخدم عند الحنابلة والشافعية وغيرهم.

    وبعضهم يقولون: المعشّرات، وهذا غالباً مصطلح عند فقهاء الأحناف، العشور أو المعشرات، ويقصدون: أنه ما يؤخذ منها العشر.

    والأولى: استخدام المصطلح القرآني وإن كان الأمر واسعاً فلا مشاحة في الاصطلاح.

    أدلة القول بوجوب زكاة الخارج من الأرض

    فيما يتعلق بزكاة الخارج من الأرض عندنا عدة نقاط:

    النقطة الأولى: ما يتعلق بأصل وجوب الزكاة، هل تجب فيها الزكاة أم لا تجب فيها الزكاة؟

    نقول: الزكاة في الخارج من الأرض واجبة بالكتاب والسنة والإجماع والنظر.

    أما الكتاب: فقد ذكرها الله تعالى في موضعين من كتابه على الأقل، الموضع الأول منها: قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]، والمقصود بالإنفاق هنا: الزكاة؛ ولهذا قال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267] يعني: لا تخرجوا الرديء في الصدقة والزكاة، وأنتم لو قُدّم لكم هذا الرديء لم تأخذوه إلا على إغماض: إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267]، فأخرجوا الطيب أو أخرجوا المعتدل من جنس ما عندكم، وهذا نص في الباب، يعني: في الآية الكريمة.

    أما الدليل الثاني: فهو قوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ [الأنعام:141] ما هو الفرق بين المعروشات وغير المعروشات؟ المعروشات: هي التي يوضع لها عريش مثل العنب -مثلاً- وغير المعروشات: هي التي تنبت على ساقها أو على الأرض بدونه.

    وقيل: إن المعروشات هي ما تنبت من الله سبحانه وتعالى، وغير المعروشات هي ما ينبته الإنسان ويزرعه، فهذا وهذا خلقه الله سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ [الأنعام:141] يعني: متنوع وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:141].

    فقوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] يعني: أعطوا حقه وقت حصاده.

    والراجح -والله أعلم-: أن المقصود (بالحق) هاهنا الزكاة، وأنها تُخرج وقت الحصاد؛ ولهذا نقول في الزروع والثمار: إنه لا يُشترط لها الحول -كما أسلفنا- وإنما يُخرجه فوراً يوم الحصاد، وقت الحصاد، فهذا هو الحق، ولا يحتج محتج: بأن هذه الآية نزلت قبل وجوب الزكاة، وإن كان هذا قول قال به بعض أهل العلم، واستدلوا به على أنه ليس المقصود في الآية الزكاة، لكننا نقول: إن قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، أن الحق هنا عام والأمر يتعلق بالبيان، فحين لم يكن بيان بـمكة كان الحق يتحدد بما يُقدّره الإنسان مما يُعطي للفقير والمحتاج والمسكين كما في قصة أصحاب الجنة: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:17-18]، أما بعدما نزلت مقادير وأنصباء الزكاة، فهي أشبه ما تكون بالبيان لما أُجمل في القرآن الكريم، فيكون (الحق) المقصود به هو الزكاة المفروضة، وهذا استدلال جيد .

    وقوله: وَلا تُسْرِفُوا [الأنعام:141] يعني: في الأكل والشرب: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:141]، وليس المقصود بالإنفاق؛ لأنه لا إسراف في الخير، وقد تصدق أبو بكر رضي الله عنه بماله كله كما هو معروف.

    إذاً: هذا الدليل الثاني على وجوب الزكاة في الزروع والثمار والخارج من الأرض.

    الدليل الثالث: السنة النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها: حديث الباب وهو في البخاري حيث أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيما خرج من الأرض إما العشر أو نصف العشر.

    بالمناسبة إذاً: (الزكاة أحياناً يكون المأخوذ فيها العشر) وذلك مثل المعشرات، ما خرج من الأرض وليس للإنسان فيه مئونة ولا جهد، وأحياناً يؤخذ للزكاة نصف العشر، وهو ما إذا كان ما خرج من الأرض بمئونة وسقي ونضح، وأحياناً يؤخذ منه ربع العشر في أنصباء الزكاة الأخرى، مثل الذهب والفضة، وقريباً منها الإبل والبقر والغنم على ما بيّناه، وأحياناً يؤخذ منه ثلاثة أرباع العشر، إذا كان مما سقي بمئونة وبغير مئونة مناصفة.

    إذاً: الدليل على وجوب الزكاة فيما خرج من الأرض: الكتاب والسنة والإجماع، فقد أجمع العلماء والأئمة والصحابة والخلفاء الراشدون وغيرهم على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض، وإن اختلفوا في تفصيلات ذلك، فهذا الاختلاف لا يؤثر على أصل القول.

    الدليل الرابع:

    هو النظر: فإننا بيّنا سابقاً: أن الزكاة هي في المال النامي، والمعدّ للنماء، ولا شك أن الخارج من الأرض داخل في هذا الباب.

    أقوال أهل العلم في زكاة الخارج من الأرض وأدلتها

    النقطة الثانية:

    ما هي الأشياء والأصناف التي تجب فيها الزكاة من الخارج من الأرض؟

    وهذه الحقيقة فيها بعض الإشكال، لكن أذكرها في وضوح إن شاء الله تعالى بحيث يحفظها الطالب.

    في مسألة ما تجب الزكاة من الخارج من الأرض تقريباً أربعة أقوال مشهورة:

    يعني: -مثلاً- الحبحب فيه زكاة أم لا؟

    البازلاء، التين، العنب، الرز، الشاي أصل الورق -خارج من الأرض- هل فيها زكاة؟

    إذاً: في إشكالات كثيرة، والخارج من الأرض شيء هائل، يعني: زكاة الإبل واضحة، والغنم والبقر، ونصاب الذهب والفضة أيضاً واضح، لكن الخارج من الأرض فيه إشكال، فيما تجب فيه الزكاة مما هو من الخارج من الأرض، فالمسألة فيها أربعة أقوال:

    أكثر هذه الأقوال ضيقاً هو من أخذ بظاهر حديث الباب الذي عندنا، وقال: لا تجب الزكاة في شيء من الخارج من الأرض إلا في أربعة أشياء: ( الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب )، وهذا قول الحسن البصري وابن سيرين، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد، ومال إليها بعض العلماء وبعض الذين يأخذون بظاهر النصوص من المجتهدين.

    وحجتهم: حديث الباب.

    ونرد على حجتهم بأن نقول:

    إن الحديث فيه يحيى بن طلحة وهو راو مختلف فيه، ونقصد بذلك: أن مثل هذا الحديث الذي فيه إثبات الزكاة في أصناف أربعة ونفيها عما سواها لا يُقبل فيه تفرد راو مثل عثمان بن طلحة في حديث لم يخرّجه الأئمة ولم يعتمدوه وخالفه أكثر الفقهاء.

    فمثل هذه المسائل الكبيرة وإن ترجح عند الإنسان أن الحديث حسن الإسناد -مثلاً- ليس من السهل؛ ولذلك مثل الأشياء هذه التي تتعلق بأركان الإسلام، وفيها تحليل وتحريم وحرمان للفقراء والمساكين وغيرهم، ينبغي أن الإنسان يتأنى فيها، وأن يكون الأصل عدم ثبوت الشيء المعارض لذلك حتى يكون ثبوته قوياً واضحاً كما سوف أزيد الأمر وضوحاً فيما يأتي.

    ومما احتجوا به أيضاً حديث الباب، واحتجوا بشيء آخر، وهو أنهم قالوا: إن هذه الأشياء الأربعة قدر متفق عليه عند العلماء، فلا خلاف في وجوب الزكاة في هذه الأصناف الأربعة، وأما ما سواها ففيه الخلاف، فنثبت الزكاة فيها وننفيه عما سواها، هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: قالوا: تجب الزكاة في كل مكيل مدّخر، وهذا قول أصحابنا من الحنابلة، يعني: اشترطوا شرطين:

    الكيل، والادخار، فإذا كان الخارج من الأرض مكيلاً يُكال ويُدخر وجبت فيه الزكاة، فمثلاً: على هذا الرز تجب فيه الزكاة؛ لأنه يُكال ويُدخر، وحتى لو لم يكن قوتاً عندهم؛ لأن الرز قوت، لكن لو كان يكال عندهم -مثلاً- يدخل في ذلك ما يسمى بالأبازير -البزارات- على هذا كلها فيها زكاة؛ لأنها تكال وتدخر، يعني: يُحتفظ بها، وكذلك ما يسمى بالقطنيات وسميت القطنية؛ لأنها تكون في البيوت، يعني: تقطن في البيوت وتزرع في البيوت مثل البازلاء وألوان الخضروات التي تكون مع الأطعمة وتؤكل .. وغيرها، فإن الزكاة فيها واجبة، هذا القول الثاني وهو مذهب الحنابلة، فجعلوا الزكاة مرتبطة بالكيل والإدخار.

    القول الثالث: أن الزكاة واجبة في كل ما يُقتات ويُدّخر، فهؤلاء وضعوا قيداً جديداً وهو القوت، فالشيء الذي لا يُقتات عندهم، يعني: ليس قوتاً أو يصلح للقوت ويُصلح القوت فلا زكاة فيه؛ ولهذا -مثلاً- مالك -رحمه الله- مع أن هذا القول هو قول مالك والشافعي : أن الزكاة تجب فيما يقتات ويُدخر، مالك -رحمه الله- ذكر أن التين لا زكاة فيه، وقال: (إن الذي وجدناه: أن التين لا زكاة فيه).

    التين يقتات ويدخر ويجمد ويجفف كما هو معروف، لكن كما قال ابن عبد البر : إن الإمام مالكاً ربما لم يعلم بهذا، فظن أن التين لا زكاة فيه، وإلا فإن على قاعدته فيه الزكاة، فجعلوا الزكاة مرتبطة بما يقتات ويدخر.

    القول الرابع:

    وهو أوسع الأقوال وهو مقابل القول الأول وهو مذهب الحنفية قالوا: الزكاة واجبة في كل ما يخرج من الأرض، فعلى هذا -مثلاً- الفواكه فيها زكاة، والخضروات كلها، والخس والجرجير والجزر والبطيخ وألوان الأشياء، فكل ما يخرج من الأرض ففيه الزكاة.

    والواقع أن مذهب الحنفية قوي ويُقويه القرآن، ونحن الآن نبحث عن حديث فيه ضعف وفيه راو مختلف فيه، بينما عندنا نص في القرآن الكريم: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ فيه زكاة أو ليس فيه زكاة؟ لأنه قال: وَآتُوا حَقَّهُ ، وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وإن كان فيه اختلاف حتى عند الحنفية، فيه زكاة على هذا، وَالرُّمَّانَ [الأنعام:141] فيه زكاة أم لا؟ فيه زكاة لأنه مذكور في الآية: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ .. [الأنعام:141].

    فنقول: على هذا القول وهو قول الحنفية: إن الزكاة تجب في كل خارج من الأرض بشرطها.

    وفي الواقع أن هذا القول قوي من حيث الدليل خصوصاً إذا ضعّفنا الحديث السابق.

    وأيضاً فيه حظ للفقير، وبيان أن المزروعات من أعظم النعم على العباد، وفيه احتياط للأغنياء الذين يملكون هذه الأشياء، فعلى هذا القول تكون الزكاة واجبة في كل ما يخرج من الأرض، ومن ذلك أن تكون واجبة -مثلما أعطيتكم مثالاً- في الشاي عند المزارعين، وفي الفواكه وفي الخضروات وفي البقول كلها والأبازير .. وغيرها، وما يقتات وما لا يقتات وما يدخر وما لا يدخر.

    وقت إخراج زكاة الخارج من الأرض

    والزكاة تُخرج فوراً كما بينّا، لكن يُشكل على هذا أمور:

    أولاً : النصاب كيف يمكن تقديره إذا لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، فكيف نُقدر النصاب؟

    الأقرب: أن نُقدِّره بالقياس إلى الفضة كما ذكرنا سابقاً، يعني: قيمته.

    النقطة الثانية: أن كثيراً من هذه الأشياء لا تستوي جملة واحدة، وإنما تستوي متدرجة، وهذا أيضاً، يعني: أن الإنسان إذا كان عنده في الخرص والتقدير ما يبلغ قيمة النصاب، فعليه أن يُخرج منه زكاته، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم زكاة الحشيش والأفيون

    السؤال: هل تجب زكاة الخارج من الأرض كالأفيون والحشيش؟

    الجواب: لا، هذا لا زكاة فيه، لأنه ليس رزقاً حلالاً.

    تقييم كتاب فقه الزكاة للقرضاوي

    السؤال: ما رأيكم في كتاب فقه الزكاة للشيخ القرضاوي؟

    الجواب: الحقيقة أنه موسوعة، كتاب فقه الزكاة موسوعة، لم أرَ أنه كتب في الزكاة مثله، وهو في الأصل -يبدو لي- أطروحة علمية، والشيخ تأنق فيه واجتهد وأبدع، ولغته مشرقة، وبحثه عميق، واختياراته موفقة، وإن كنت خالفته في العديد من المسائل التي قررتها في هذه الدروس، فهذا شيء طبيعي.

    معنى قوله تعالى: (وثيابك فطهر)

    السؤال: هذا يسأل عن تفسير قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]، طهر أعمالك من الشرك.

    الجواب: هذا صحيح، هذا أحد المعاني، ونحن قلنا: الثياب إما أن تكون حسية أو معنوية، فمن معانيه ما ذكره الأخ.

    معنى قوله تعالى: (إنها لإحدى الكبر)

    السؤال: ذكرت أن من تفسير: لَإِحْدَى الْكُبَرِ [المدثر:35] وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالساحر؟

    الجواب: هذه الأقوال كثيرة جداً، والأئمة توسعوا ولا أكتمك سراً؛ لأنني أطلع تقريباً على كل ما كتب في التفسير، ولكنني أختار فيما أقوله، لأنه ليس كل الأقوال تسرد، وتحويل التفسير إلى عرض للأقوال ربما أنه يسبب الفتور ويصرف المستمع عن روح القرآن وما أنزل إليه.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.