إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الكسوف - حديث 527-529

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الكسوف - حديث 527-529للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاتي الخسوف والكسوف من أنواع النوافل والتطوعات التي تفعل إذا وجد سببها، وهي ركعتان في كل ركعة ركوعان، وقد انكسفت الشمس على عهد رسول الله فقام عليه الصلاة والسلام فزعاً وصلى بأصحابه وخطب بهم وذكرهم، كما يستحب في صلاة الكسوف أن يجهر الإمام بالقراءة ويطيل القيام والركوع والسجود.

    1.   

    مقدمات في صلاة الكسوف والخسوف

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونصلي ونسلم على خاتم رسله، وأفضل أنبيائه وخيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    ثم السلام عليكم ورحمة الله.

    ورقم هذا المجلس: (186) من مجالس شرح بلوغ المرام.

    وهذا يوم الإثنين (13) من جمادى الآخرة من سنة (1426هـ).

    اليوم عندنا باب جديد, وهو باب صلاة الكسوف، وفيه أحاديث عديدة ومباحث مفيدة بإذن الله تعالى.

    الحديث الأول منها: هو حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

    قبل أن ندخل في الحديث الأول أشير إشارة عابرة إلى معنى الكسوف:

    (باب صلاة الكسوف) طبعاً الباب مركب من لفظين: صلاة، والكسوف، أما (صلاة) فقد سبق معنا مراراً، والصلاة معروفة من حيث التعريف الشرعي، ومن حيث التعريف اللغوي، ومن حيث الأنواع والأقسام.. إلى غير ذلك.

    أما الكسوف فهو يعني: الميل إلى السواد، انقلاب اللون إلى نوع من السواد، هذا أصل معنى الكسوف في اللغة، ومنه يقال: كسف وجهه إذا اربدَّ واسودَّ وجهه لخوف أو لسبب من الأسباب.

    والكسوف يطلق على الشمس، ويطلق أيضاً على القمر، لكن الغالب في الشمس أن يعبر عنها بالكاف: كسفت الشمس، أما القمر فالغالب أنه يعبر عنه بالخسوف، وهذه لغة القرآن الكريم فيما يتعلق بالقمر: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ [القيامة:7-8], وفيها مبحث لغوي طويل، خلاصته: أن الأمر واسع، يعني: يمكن أن يطلق الخسوف على الشمس والقمر، ويمكن أن يطلق الكسوف أيضاً على الشمس والقمر، ولكن الأحسن والأفصح أن يكون الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وهي لغة الحديث النبوي.

    فيما يتعلق بسبب الكسوف؛ فإن سبب كسوف الشمس هو: حيلولة القمر بينها وبين الأرض من حيث مدارها المعروف، وسبب خسوف القمر هو: تظليل جزء من الأرض بينه وبين الشمس أيضاً؛ لأن القمر كما هو معروف جرم معتم ليس فيه نور، وإنما النور الذي في القمر هو انعكاس نور الشمس على وجه القمر، وقد بحث أهل العلم في مسألة الكسوف والخسوف، وهل يمكن إدراكها أو لا؟ وهل يمكن معرفتها بالحساب أو لا يمكن؟

    والذي حرره المتقدمون من أهل العلم أن ذلك ممكن، وأنه يستطيع الحسَّابون كما يعرفون أن للقمر وقتاً يظهر فيه، وللشمس وقتاً تظهر فيه، وكذلك يغيب في وقت معين، أنه يمكن معرفة أوقات الخسوف وأوقات الكسوف، وهذا ما نجده يعلن اليوم، وقد نص على هذا الأئمة كـابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز وغيرهم، أن ذلك ممكن وإن كان العوام يستغربونه ويستنكرونه، لكن لا إنكار في ذلك, بل هو أمر معروف، إنما مع كونه أمراً معروفاً فإنه ليس معروفاً لكل أحد، هو معروف لأهل الاختصاص، وإلا فقد يدعي أقوام مثل ذلك من باب التنجيم أو الظن أو التحري أو ما أشبه ذلك، ولا يصدق حسبهم وظنهم، وإنما المقصود: أن أصل المسألة ممكن.

    هناك مسائل كثيرة جداً, نعرض لها- إن شاء الله- خلال الدرس حتى لا يتشتت الموضوع.

    1.   

    شرح حديثي انكساف الشمس على عهد رسول الله

    الحديث الأول من أحاديث الباب: هو حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ( انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف ) متفق عليه.

    قال: وفي رواية للبخاري: ( حتى تنجلي )، يعني: بدلاً من قوله: (حتى تنكشف) وهذه رواية مسلم .

    أولاً: فيما يتعلق بتخريج الحديث:

    فقد رواه البخاري في أبواب الكسوف، باب: الدعاء في صلاة الكسوف، ومسلم أيضاً في تلك الأبواب: ذكر النداء لصلاة الكسوف، ورواه النسائي في سننه في الكسوف، ورواه جماعة كالإمام أحمد وأبي عوانة وابن حبان والبيهقي وابن أبي شيبة والطحاوي والطيالسي والطبراني وغيرهم.

    أيضاً الحديث الثاني وهو في معنى حديث الباب ورقمه (503): وللبخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) فهذا الحديث بهذا اللفظ رواه البخاري في صحيحه، باب الصلاة في كسوف الشمس، ورواه النسائي أيضاً في الكسوف, باب الأمر بالدعاء في كسوف الشمس، ورواه أحمد وابن خزيمة والبيهقي والبزار وابن المنذر وابن أبي شيبة وغيرهم.

    شواهد الحديثين

    لهذين الحديثين شواهد عديدة، وشواهد صحيحة أيضاً وكثيرة، نذكر منها على سبيل المثال حتى تعلموا قوة هذا الباب وكثرة أحاديثه، بالقياس إلى مسائل سبقت ربما يكون للحديث أربعة شواهد أو خمسة كلها ضعيفة، بينما أحاديث الباب تجدها في الصحيحين ولها شواهد كثيرة، مثلاً:

    في الصحيحين أيضاً من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قصة صلاة الخسوف، وهي طويلة.

    ومن حديث عائشة أيضاً في المتفق عليه وهي طويلة.

    وحديث أسماء مثل ذلك.

    وحديث عبد الله بن عمر في مسلم .

    وحديث عمرو بن العاص المتفق عليه أيضاً، وحديث أبي موسى الأشعري، إلى غير ذلك من الروايات والنصوص في ذكر قصة الكسوف وصفة الصلاة والأمر بالدعاء.

    ألفاظ الحديثين

    قوله: (انكسفت الشمس)، هكذا: (انكسفت) بالنون، وقد يقال: كسفت الشمس، وهما بمعنىً واحد، وهو كما ذكرت: تغيُّر لونها إلى السواد، والكسوف قد يكون كسوفاً كلياً، يعني: ألا تُرى الشمس، بل أن يسودَّ جرمها كله، وقد يكون كسوفاً جزئياً، وله وقت معين، ينتهي إليه ويزول.

    طبعاً الكسوف والخسوف والشمس القمر أشرنا إليه.

    قوله: (يوم مات إبراهيم ): إبراهيم هنا هو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمه هي مارية القبطية، ولم يولد للنبي صلى الله عليه وسلم أولاد إلا من خديجة، إلا إبراهيم فهو ابن لـمارية القبطية، أما بقية ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلهم أبناء خديجة رضي الله عنها.

    و إبراهيم ولد في السنة الثامنة من الهجرة، والسنة الثامنة هذه حصل فيها فتح مكة، وعاش ثمانية عشر شهراً، يعني: سنة ونصفاً، وأحبه النبي صلى الله عليه وسلم، وحزن لموته حزناً شديداً، وكان يأتي إلى حاضنته ومرضعته ويدخل عليها ويحضنه ويقبله، ولما مات إبراهيم تأثر الرسول صلى الله عليه وسلم، وحزن لذلك حزناً شديداً، وبكى ودمعت عيناه حتى قال له الصحابة: وأنت يا رسول الله! قال: ( إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ).

    ومات إبراهيم، يعني: إذا كان ولد في السنة الثامنة فهو مات بعد ذلك بسنة ونصف كما ذكرنا، وهذا معناه -والله أعلم- أن موته كان قبل حجة الوداع، ظناً وتخميناً.

    قوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) آيتان: تثنية آية، وتجمع على آي أو آيات، والآية في الأصل هي: العلامة، وقد يراد بها: المعجزة، فالآية هي المعجزة والعلامة على ربوبية الله عز وجل وألوهيته، أو على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالآية هي المعجزة التي يتحدى الناس بها ولا يستطيعونها.

    والمقصود: أن الشمس والقمر آيتان بذاتهما، فخلق الشمس وخلق القمر آية، وجريان الشمس والقمر بحسبان آية، وكسوف الشمس والقمر أيضاً هو آية من آيات الله تعالى.

    قوله عليه السلام: (لا تنكسفان لموت أحد) هذا واضح، يعني: لا تنكسف الشمس أو القمر بسبب موت أحد، كأن يكون ذلك حزناً، أو علامة على أن هناك حدثاً معيناً يقع، وهذا متناسب مع قول الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، وقد كانوا في الجاهلية يعتقدون ويظنون أن الكسوف يكون بسبب موت عظيم.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا لحياته) يعني: لمولده، وهذا فات على كثير من الشرَّاح، وظنوا أن قوله: (ولا لحياته) أنه من باب الاستتباع لقوله: (لموت أحد) يعني: كأنه استطراد، والواقع أن قوله: (ولا لحياته) يعني: لا تنكسف أيضاً لميلاد أحد، فهي ليست علامة لأن أحداً مات أو أن أحداً ولد، وإنما هي آية من آيات الله تعالى الكونية التي فيها عبرة.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتموها) هذا بالإفراد، أو (رأيتموهما)، يعني: رأيتم كسوف الشمس أو خسوف القمر، وهذا معناه: أن الأمر معلق بالرؤية، وليس معلقاً بمجرد التخمين أو الظن.

    قوله: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف) (ينكشف) هذه متناسبة مع قوله: (ينكسف) انكسفت الشمس، والمعنى: يزول ويعود الأمر إلى ما كان عليه من ظهور الشمس وزوال الكسوف، وكذلك قوله: (تنجلي) أو (ينجلي) الانجلاء: هو الوضوح والظهور، ومنه انجلى أو تجلى، يعني: وضح وظهر.

    فوائد الحديثين

    في الحديث فوائد:

    أولها: حصول الكسوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام، كم حصل الكسوف من مرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ مرة واحدة. وخسوف القمر لم يثبت أنه حصل، وإنما الثابت في السنة أن الشمس كسفت مرة واحدة فقط، وهذه فائدة مهمة جداً؛ لأن رواة الحديث اختلفوا في صفة الصلاة كما سوف يأتي، فمنهم من قال: إنه صلى في كل ركعة بركوعين، وقيل: بثلاثة، وقيل: بأربعة، وقيل: بخمسة، وبعض هذه الروايات في الصحيح في مسلم وغيره، ومن هنا قال بعض أهل العلم بتعدد الكسوف, وحملوا هذا على تنوع الصفة، وهذا مذهب مرجوح، والأصح: أن الكسوف وقع مرة واحدة، وأن ذلك كان يوم مات إبراهيم رضي الله عنه.

    وبناءً عليه نقول: إن الصفة الواردة في صلاة الكسوف صفة واحدة فقط, وما سواها فهو يكون شاذاً أو ضعيفاً ولا يعول عليه في مواجهة الأحاديث التي هي ثابتة وقوية.

    إذاً: الكسوف حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة فقط، وكان ذلك كسوف الشمس، أما خسوف القمر فلم يقع وإن كان ورد في رواية, لكنها رواية ضعيفة ومنكرة؛ فلا تثبت.

    كذلك من الفوائد التابعة لهذا الأمر: أن كسوف الشمس له وقت معين، وهكذا خسوف القمر، فالعلماء يقولون: إن خسوف القمر لا يقع إلا في ليالي البيض, التي هي: ليلة الثالث عشر, وليلة الرابع عشر, وليلة الخامس عشر التي يسمونها: ليالي الإبدار حيث يكون الهلال واضحاً، ومن هنا سميت: الليالي البيض.

    إذاً: كسوف القمر لا يقع في أول الشهر ولا يقع في آخره, وإنما يقع في إحدى هذه الليالي الثلاث.

    كسوف الشمس متى يقع؟

    في ليالي الاستسرار، وهي آخر الشهر، يعني: آخر ليلة أو آخر ليلتين من الشهر: ليلة تسع وعشرين وليلة ثلاثين. آخر الشهر؛ ولذلك لا يقع كسوف الشمس في أول الشهر مثلاً، ومن هنا غلَّط العلماء من قال من الفقهاء: إنه إذا اجتمع العيد والكسوف بأيهما يبدأ، فقالوا: إنه لا يمكن أن يجتمع العيد والكسوف؛ لأن الكسوف لا يقع في أيام الأعياد, وإنما يقع في آخر الشهر، وإن كان يمكن التكلف في تصوره فيما لو غلط الناس في دخول الشهر إما برؤية كاذبة، أو بحساب خاطئ، ودخل الشهر عندهم في غير وقته، فيمكن أن يتصور هذا الأمر ويكون ذلك دليلاً على الغلط الذي وقعوا فيه، فإن الكسوف يكون في ليالي الاستسرار آخر الشهر كما ذكرنا.

    وفيه أيضاً من فوائد الحديث: أن الكسوف يقع للتخويف؛ ولهذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة خشوع وخوف، وقال: ( فافزعوا )، وفي بعض الروايات: ( خرج فزعاً يجر رداءه )، صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك دليل على أن الكسوف يقع للتخويف، وهذه مسألة مهمة؛ لأنه طال الجدل حولها لما وقعت الأحداث الأخيرة في بلاد إندونيسيا وتايلاند وما حولها، ووقع بما يسمى: بمد تسونامي، والفيضان الذي أهلك مئات الآلاف من الناس، فأثار الناس هذه القضية, وتحدث الكثيرون فيها، وعادة بعدما تهدأ الأمور يحتاج الإنسان إلى أن يتأمل المسألة بلغة علمية وصحيحة، ما هو الكلام الصحيح في هذا؟

    فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هنا أن الله تعالى يخوف بهما عباده.

    إذاً: الزلازل والفيضانات والبراكين والخسوف والكسوف تقع للتخويف بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك القرآن الكريم نص الله تعالى فيه في قوله: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، فدل أيضاً على أن الله تعالى يرسل بالآيات لتخويف العباد، فهذا معنىً ثابت وصحيح وصريح.

    هنا ينبغي أن يراعى أن التخويف ليس بالضرورة أن يكون متطابقاً مع العقاب، التخويف شيء, والعقاب شيء آخر، وقد يرسل الله تعالى بالآيات عقوبات للناس، قد تكون الآية أو المصيبة النازلة: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، وهذا- والله أعلم- لا يقال في حق الأفراد، بمعنى: أن المصيبة التي تنزل بالشخص عينه لا نقول بالضرورة: إنها عقوبة له؛ لأن: ( أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ).

    إذاً: ليس بالضرورة أن كل مصيبة تنزل بالشخص من موت قريب أو مرض، أو اجتياح مال، أو تسلط عدو- أن ذلك عقوبة عليه هو شخصياً، بل قد يكون هذا لرفعة درجاته، وقد يكون هذا لحكمة يعلمها الله تعالى، وإنما نقول: إنها عقوبات إذا كانت مصائب عامة.

    وأيضاً: هنا لا يلزم أن تكون عقوبة بخصوص من وقعت عليهم، وهذا في نظري مهم، فائدة مهمة، أنه لا يلزم أن تكون عقوبة خاصة لمن وقعت عليهم بالذات, بل قد تكون عقوبة للجنس، فالله سبحانه وتعالى عندما يقول: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، يخاطب البشر، جنس الإنسان.

    وكذلك: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41]، فلا يلزم أن تكون هذه عقوبة للناس الذين وقعت عليهم، فقد يقول قائل مثلاً: لماذا وقعت العقوبة على هؤلاء القوم المسلمين ولم تقع على غيرهم؟

    نقول: ليس بالضرورة أن تكون العقوبة خاصة للجنس، مثلاً: وقعت مصيبة على أهل فلسطين، هل يليق أن واحداً يقول: هذه العقوبة للفلسطينيين؟! أو عقوبة على أهل العراق؟! يقول: هذه العقوبة للعراقيين؟ الله سبحانه وتعالى لا يعامل الناس بمقتضى جنسياتهم أو أحوالهم أو بلدانهم أو قبائلهم.

    ولذلك نقول: إن هذه العقوبات لا يلزم أن تكون عقوبة خاصة لمن وقعت عليهم، بل قد تكون تنبيهاً لجنس الناس، لجنس البشر، ولفتاً لأنظارهم، وتحذيراً لهم ولا يلزم، وقد تقع على الفاضل دون المفضول، وقد تقع على المفضول دون الفاضل، وقد تقع عليهم جميعاً؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخسف الذي يقع وقيل: ( يا رسول الله! كيف يخسف بهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بهم ثم يبعثون على نياتهم ), فهؤلاء قد يكون فيهم كثير ممن لم يستحقوا العقوبة؛ لكن لأن الدنيا ليست دار جزاء وإنما هي دار ابتلاء- فقد يكون هذا ابتلاء لأقوام, وقد يكون عقوبة لآخرين, وقد يكون تحذيراً لفئة ثالثة؛ ولهذا الله عز وجل ذكر في القرآن أيضاً: تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ [الرعد:31].

    إذاً: قد تكون عقوبة لأشخاص من وقعت عليهم، وقد تكون عقوبة للجنس البشري، وقد تكون ابتلاءً، وقد تكون تحذيراً، وهذا التعميم أولى؛ لأن الإنسان قد يجد أحياناً أنه يتكلم عن مصيبة وقعت في أناس لهم قدر وفضل, وابتلوا في حج أو في عمرة أو في مناسبة معينة، فأن يكون هناك اطراد في النظام والقاعدة والتفسير أولى من أن يظن أن هذه عقوبة نزلت بهؤلاء الناس في خصوصهم.

    أيضاً من فوائد الحديث: الإشارة إلى عادة الجاهلية، وأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن الشمس والقمر تكسف لموت أحد أو لحياة أحد، فجاء الإسلام يبطل هذه الأسطورة، ويضرب المثل بشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقد يكون كثير من العظماء والأكابر وأهل المكانة والسلطان يمكن لو حصلت مناسبة معينة وصار فيها تكريس لمكانته لم يأنف منها، فإذا جاء إنسان شريف إلى بلد من البلدان, وعلى قدومه نزل المطر؛ فقام الشعراء وقالوا: المطر جاء على وجهك وعلى قدومك وفألك الطيب- وجدت أن وجهه يتهلل ويفرح، ويمكن من باب التواضع قال: لا. يعني: هذا ليس كذلك، ولكنه في قرارة نفسه قد يكون مبسوطاً، أما محمد صلى الله عليه وسلم فهو شيء آخر؛ ولهذا يقوم على المنبر ويحذر أصحابه أن يعتقدوا مثل ذلك بولده إبراهيم، وأنه لا تنكسف لموت أحد ولا لحياة أحد, وإنما يخوف الله بها عباده.

    والشيء العجيب أنني قرأت اليوم في الإنترنت في بعض المواقع النصرانية، التي فيها توقح وبذاءة: أنهم تكلموا عن موضوع الكسوف، وزعموا أن هذه عادة جاهلية، أن أهل الجاهلية كانوا يصلون, وأن الإسلام كرَّس هذه العادة، وأن العرب في الجاهلية كانوا يعبدون الشمس والقمر, فإذا حصل الخسوف ظنوا أنه إله قد غضب عليهم، يعني: أن الشمس وهي إله معبود، أو القمر وهو كذلك، فصلوا له وسجدوا، وهذا الكلام افتراء وكذب، والعرب لم يكونوا يعبدون الشمس، ولا يعبدون القمر. وهذا معروف عندهم، ولم يكونوا يصلون أصلاً لا صلاة الكسوف ولا غيرها، فالصلاة نظام شرعي ديني كان عند الأنبياء, وجاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشرعه للكسوف والخسوف، وأبطل عادة الجاهلية الذين كانوا يعتقدون أنها كسفت لموت فلان أو حياة فلان.

    وفي الحديث: مشروعية الصلاة والدعاء عند الكسوف والخسوف، وسوف يأتي بعد قليل، أو يفترض أن يأتي الحديث عن حكم صلاة الكسوف، وصلاة الكسوف ركعتان بصفة معينة، ولا يشرع والله أعلم تكرارها، وإنما إذا انتهوا من الصلاة ولم ينكشف الكسوف فإنهم يدعون الله تعالى ويذكرونه ويستغفرونه ويسبحونه، إضافة إلى مشروعية الصلاة والدعاء، كذلك نقول: مشروعية الأعمال الصالحة، وقد ورد فيه ذكر العتق والصدقة وغير ذلك.

    ومن الفوائد: مشروعية النداء بصلاة الكسوف، بالصلاة جامعة، ولا ينادى لها كما ينادى للصلوات المفروضة، وإنما ينادى لها بهذا النداء وهو: الصلاة جامعة، استحباباً، ولفظ النداء: (الصلاةَ جامعة)، يعني: احضروا أو الزموا، أو أدوا الصلاة، فالصلاة: مفعول به منصوب لفعل محذوف، وقد يكون منصوباً على الإغراء، و(جامعة): صفة للصلاة.

    وبعضهم يجعلها مبتدأ وخبراً: الصلاةُ جامعةٌ، يعني: الصلاة: مبتدأ، وجامعة: خبر، يعني: يجتمع الناس لها، والخطب في ذلك يسير.

    وفيه بيان وقت صلاة الكسوف، وأن وقتها يبدأ من حين ظهور الكسوف ورؤيته إلى تجليه، فإن كان الكسوف يطول أطال الصلاة, وإن كان يقصر قصر الصلاة إذا علم هذا, وإذا لم يعلم فإن الناس يجتهدون، ولو أنهم في الصلاة ثم أخبرهم مخبر أن الشمس قد تجلت فإنه يشرع لهم أن يخففوا الصلاة.

    وفيه من الفوائد: جريان الأحوال البشرية على الأنبياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولده إبراهيم، وماتت زوجه خديجة ومات عمه؛ حتى سمي عام الحزن، فيقع للنبي صلى الله عليه وسلم ما يقع لغيره من الناس.

    وفيه أن المعول عليه في الكسوف هو الرؤية- كما ذكرنا- أن ترى بالعين .

    وفيه خطبة الكسوف، وأنه يشرع أن يخطب للصلاة، لكنها ليست كخطبة الجمعة, وإنما المقصود: موعظة؛ ولهذا لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم فيها بصيغة وصفة الخطبة المعتادة.

    ومن الفوائد: أن جر الثوب لغير خيلاء لا يدخل في النهي، فقد ورد في بعض ألفاظ الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فزعاً يجر إزاره يخشى أن تكون الساعة )، وهو في الصحيح، فقال العلماء: إن جر النبي صلى الله عليه وسلم إزاره هنا يقيناً أنه لم يكن لخيلاء, وإنما كان بسبب الاستعجال والفزع، الإسراع للخروج، فإذا كان ذلك لغير خيلاء فليس داخلاً في النهي.

    ونأخذ من هذا أيضاً مشروعية المبادرة لصلاة الكسوف؛ لأن خروج النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً مسرعاً دليل على استحباب الإسراع لها أول ما يقع الكسوف.

    وفيه: أن الجماعة ليست شرطاً للصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فصلوا وادعوا )، وصلى هو جماعة, ولم يدل دليل على اشتراط الجماعة.

    ومن فوائد الحديث أيضاً: مشروعية الاستغفار عند النوازل والأزمات.

    1.   

    شرح حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف بقراءته ... )

    الحديث الثالث: هو حديث عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات )، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم . قال: [ وفي رواية له: ( فبعث منادياً ينادي: الصلاةَ جامعة، أو الصلاةُ جامعة ) ].

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في صحيحه - كما ذكر المصنف- في أبواب الكسوف، باب لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته، ومسلم أيضاً في الكسوف، باب صلاة الكسوف، ورواه النسائي في صلاة الكسوف، باب عدد ركعات الكسوف، ورواه البيهقي وابن المنذر وغيرهم، وقد روي هذا الحديث المختصر مطولاً في السنن وغيرها، إلا الترمذي عن عائشة رضي الله عنها.

    أما الرواية الأخرى: ( فبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة ) فهي في صحيح مسلم، في باب صلاة الكسوف، وعند أبي داود والنسائي وأحمد وغيرهم.

    سنية صلاة الكسوف

    في هذا الحديث مسألتان:

    المسألة الأولى: حكم صلاة الكسوف.

    وهي مسألة مشتركة بين هذا الحديث والحديث الذي قبله، وقد نص كثير من الأئمة والفقهاء على أن صلاة الكسوف سنة أو سنة مؤكدة بإجماع العلماء، يعني: نص على الإجماع على سنيتها جمع كثير من أهل العلم، نص عليه ابن قدامة في المغني، ونص عليه النووي في المجموع، وفي شرح مسلم أيضاً، وابن رشد في بداية المجتهد، وابن المنذر وابن هبيرة وابن الملقن وابن دقيق العيد وابن عبد البر وغيرهم، كل هؤلاء قالوا: صلاة الكسوف سنة أو سنة مؤكدة.

    والواقع أنه لا يوجد في المسألة إجماع, ولكن هذا قول الجماهير من أهل العلم، فهو مذهب الإمام أحمد والشافعي، وهو أيضاً المشهور عن مالك وأبي حنيفة، وهو المنقول عن السلف رضي الله عنهم، وفي المسألة قول آخر كما سوف يأتي.

    القول الأول: وهو القول بالسنية أو أنها سنة مؤكدة، يستدلون أولاً: بأحاديث الباب التي فيها دليل على مشروعية صلاة الكسوف، أحاديث الباب هي حديث المغيرة بن شعبة، وحديث عائشة وشواهد عن ابن مسعود .

    وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، وأسماء رضي الله عنها, وجابر، إذاً: أحاديث الكسوف وردت في الصحاح بعدد كبير عن الصحابة، فهذا دليل على المشروعية.

    ما هو الصارف لهذه الأحاديث عن الوجوب بحيث نقول: إنها سنة أو سنة مؤكدة؟

    الصارف سبق أن مر معنا، وهو الأحاديث التي فيها: أنه لا يجب على الإنسان شيء إلا خمس صلوات، مثل قصة الرجل الذي قال: ( يا رسول الله! هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطَّوع )، وكذلك حديث معاذ وهو في الصحيحين: ( أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، وهذه الأحاديث تستخدم في الصوارف في أشياء كثيرة, مثلما سبق معنا مثلاً في تحية المسجد وفي غيرها، فهذا دليل للجمهور على استحباب صلاة الكسوف أو سنيتها وعدم وجوبها.

    القول الثاني: ورد القول بأنها واجبة، وهذا القول نقله الزين ابن المنير عن أبي حنيفة، وهكذا بعض المصنفين من الأحناف نسبوا للإمام أبي حنيفة القول بوجوبها.

    وكذلك نص على الوجوب أبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم، فقد نص على وجوب صلاة الكسوف، مثل ذلك مالك رحمه الله نقل عنه بعضهم أنه أجراها مجرى الجمعة، وهذا نقله جمع، وبعدما رجعت إلى نص الإمام مالك وجدت أنه أجراها مجرى الجمعة ليس في الوجوب, وإنما في اجتماع الناس لها؛ لأنه قال: لا بأس أن يجتمعوا لها، فليس في النص ما يدل على أنه أجراها مجرى الجمعة في الحكم؛ ولهذا ينظر فيما نسب إلى الإمام مالك كأنه ليس بقوي، وكذلك الإمام ابن القيم رحمه الله مال إلى ترجيح هذا القول.

    وهناك قول وسط ظهر لي، وهو أن نقول: بأن صلاة الكسوف شأنها شأن صلاة العيد وغيرها، ماذا نقول في حكمها؟ إنها فرض كفاية، يعني: إذا قام بها من الناس من يكفي وصليت في المساجد أنها لا تجب على الأعيان, وإنما يجوز للفرد أن يصلي الكسوف في بيته مفرداً، ويجوز له ألا يصلي ويكون قد ترك سنة، وهذا القول أفضل وأحسن من القول بالوجوب المطلق أو السنية المطلقة. هذه مسألة.

    إذاً: الراجح الذي نختاره في صلاة الكسوف: أنها فرض كفاية، وفي نص الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله- ما يومئ إلى اختيار هذا القول.

    الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف وأقوال أهل العلم فيها

    المسألة الثانية: وهي في حديث عائشة أيضاً. قالت: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف بقراءته)، والمسألة هي الجهر بصلاة الكسوف، يعني: هل يجهر أو يسر؟

    والمسألة فيها قولان:

    القول الأول: أنه يستحب للإمام أن يجهر في صلاة الكسوف، وهذا قول الإمام أحمد وأصحاب أبي حنيفة، كـأبي يوسف وغيره، وهو أيضاً مذهب أهل الحديث، كـإسحاق بن راهويه وغيرهم، وهو رواية عن مالك والشافعي، وكأنه المنقول عن السلف من الصحابة ومن بعدهم.

    وحجتهم في ذلك:

    أولاً: حديث عائشة رضي الله عنها، فإنه حديث متفق عليه، وهو نص في المسألة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم، جهر في صلاة الكسوف بقراءته ).

    وكذلك الأحاديث الأخرى السابقة, في كثير منها الإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ، وقرأ سورة البقرة أو غيرها، ففيها الإشارة إلى الجهر بالصلاة وإلى ما قرأه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    القول الثاني: أنه يُسِر بصلاة الكسوف ولا يجهر بها، وهذا قول أبي حنيفة، وهو المشهور عن الشافعي ومالك رحمهم الله جميعاً.

    من أدلتهم:

    أولاً: روي عن عائشة نفسها رضي الله عنها كما عند أبي داود أنها قالت: ( حزرت -يعني: خمنت وقدرت-قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فوجدتها قدر سورة البقرة )؛ فقالوا: كون عائشة رضي الله عنها لجأت إلى الحرز والتخمين دليل على أنها لم تسمع ولم يسمع الناس قراءته.

    وهذا الحديث فيه علة عندهم. قال الآخرون: فيه علة، وهو أنه من طريق محمد بن إسحاق صاحب السير، وهو صدوق مدلس، والواقع أن محمد بن إسحاق ليس ضعيفاً، ولكن قد لا تقبل روايته فيما خالف فيه من هو أوثق منه، فعندنا حديث عائشة الآن في المتفق عليه، وفيها النص على أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في القراءة، هذا لو فرض أن رواية ابن إسحاق فيها مخالفة، بينما قول عائشة رضي الله عنها: ( فحزرت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ) هل هو نص في أنه لم يجهر؟

    لا. لأنه يجوز أن يكون جهر وهي رضي الله عنها بعيدة لم تسمع، وقد يسمع الإنسان صوت القاري, ويدري أنه يجهر لكنه لا يستطيع أن يحدد ماذا يقرأ؛ لبعد الصوت، فلا تعارض إذاً بين الروايتين.

    ومن أدلتهم أيضاً: حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: ( صلينا الكسوف مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا نسمع له صوتاً، أو لا نسمع له حساً ), وهذا الحديث رواه أهل السنن، رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

    والجواب على هذا الحديث:

    أولاً: من جهة الإسناد أن في إسناده ثعلبة بن عباد البصري وهو مجهول، فالحديث ضعيف الإسناد، وعلى فرض صحته فإننا نقول: إن عدم سماع سمرة لصوت النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون بسبب بعده؛ لأن الصفوف اجتمعت وكثرت حتى كان الذين في آخر المسجد لا يسمعون صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    كذلك ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف فقام قياماً طويلاً قدر سورة البقرة)، فقالوا: إن قول ابن عباس : (قدر سورة البقرة) دليل على أنه لم يسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث- وإن كان متفقاً عليه كما ذكرنا- إلا أنه ليس صريحاً في عدم الجهر، وإنما يقال فيه ما يقال في حديث عائشة وسمرة : أن ابن عباس كان صغير السن، ولعله كان بعيداً لم يسمع قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    ويمكن أن يستدلوا أيضاً بدليل عقلي على عدم الجهر بالقراءة وهو: أن صلاة كسوف الشمس صلاة نهارية تقع في النهار، والعادة أن صلوات النهار صلوات سرية, فنقول: إن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد وأشبه بصلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس منها بالفروض المعتادة التي يتفرق الناس فيها بين المساجد.

    هذا ما يتعلق بمسائل الحديث.

    صفة صلاة الكسوف

    حديث عائشة رضي الله عنها في ألفاظه إشكال في قولها: ( فصلى أربع ركعات في ركعتين )، ما معنى هذه؟ كيف صلى أربع ركعات في ركعتين؟

    قولها: ( صلى أربع ركعات في ركعتين )، يعني: أربع ركوعات، ففي الركعة الواحدة يركع مرتين، يركع ثم يقوم ويقرأ الفاتحة وسورة, ثم يركع مرة أخرى كما هو معروف في صفة صلاة الكسوف.

    وأيضاً قولها: (وأربع سجدات) يعني: السجود المعتاد، فليس في صلاة الكسوف زيادة إلا في عدد الركوعات.

    وقولها رضي الله عنها: ( فبعث منادياً ينادي )، يعني: أرسل رجلاً يؤذن في الناس بالصلاة جامعة.

    فوائد الحديث

    في حديث عائشة رضي الله عنها عدد من الفوائد، منها: ‏

    أولاً: مشروعية الجهر بصلاة الكسوف, وأيضاً صلاة الخسوف من باب أولى، وذكرنا أقوال أهل العلم في ذلك وإطالة الصلاة.

    ثانياً: صفة صلاة الكسوف، وصفة صلاة الكسوف عند جمهور أهل العلم هي: أنه يصلي كالصلاة المعتادة إلا أنه يجهر بالصلاة, ويجعل في كل ركعة ركوعين, فيكبر مثلاً ثم يقرأ سورة الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة، ليكن مثلاً قرأ سورة يونس, ثم يركع ثم يقوم ويقرأ الفاتحة مرة أخرى يجهر بها, ثم يقرأ سورة طويلة, ولتكن سورة هود مثلاً، ثم يركع بعد ذلك، ثم يرفع من الركوع، ثم يسجد السجدة الأولى، ويجلس بين السجدتين، ثم السجدة الثانية، ثم يقوم للركعة الثانية, فيفعل فيها مثل ما فعل في الركعة الأولى، هذا ما يتعلق بصفة صلاة الكسوف عند جمهور أهل العلم، وهو المنصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث السابقة كما ذكرنا.

    أبو حنيفة رضي الله عنه خالف في ذلك، فالحنفية يرون أن صلاة الكسوف كالصلاة المعتادة، يعني: صلاة بركعتين دون زيادة في الركوع، ولا شك أن قول الجمهور هو الراجح لقوة الأدلة.

    هنا سؤال: لو أن إنساناً فاته الركوع الأول، وأدرك الركوع الثاني، يعني: أدرك الإمام في الركوع الثاني، فماذا عليه؟ هل يكون أدرك الركعة لأنه أدرك الركوع، أو عليه القضاء؟ عليه القضاء.

    إذا فاته الركوع الأول فعليه القضاء؛ لأن الركوع الثاني زائد أو هو سنة، والله أعلم، ولو لم يركع الركوع الثاني صحت صلاته، فإذاً: الركوع الأول هو الركن أو الواجب، فمن فاته الركوع فاتته الركعة وعليه أن يقضيها، فإذا سلم الإمام يقوم، يركع ركوعاً واحداً أم ركوعين؟

    يركع ركوعين، هذا هو الأقرب؛ لأنه سبق أن ذكرنا أمس أن القضاء يحكي الأداء، ومن فاته شيء قضاه، والقضاء يكون بصفة الأصل، فنقول: السنة لو فاته ركعة في صلاة الكسوف أن يقوم بعد الإمام ويقضيها بصفتها، لكن دون أن يجهر؛ لأن الجهر من خصائص الإمام.

    ومن فوائد حديث عائشة أيضاً: مشروعية النداء لصلاة الكسوف كما ذكرنا.

    ومن فوائدها: مشروعية الجماعة؛ لأن النداء دليل على دعوة الناس إلى الصلاة، ومنه نقول: إن الجماعة لصلاة الكسوف والخسوف سنة، كسوف الشمس وخسوف القمر الجماعة سنة.

    ولو قال لنا قائل: إن صلاة الكسوف سنة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها، لكن بالنسبة لخسوف القمر، ما هو الدليل على أنه يشرع لخسوف القمر صلاة؟ وما هو الدليل على النداء لها؟

    نقول: وإن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى لخسوف القمر ولم يصح هذا، إلا أن أحاديث الباب فيها ذكر الشمس والقمر، فقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم ذلك) يعني: الشمس أو القمر. قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك-يعني: كسوف الشمس أو خسوف القمر- فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، فدل ذلك على أن خسوف القمر مثل كسوف الشمس تشرع له الصلاة، والجمهور يرون أنه تشرع الصلاة جماعة في خسوف القمر مثل الشمس، وهذا هو الراجح ودليله الحديث.

    ذهب الإمام مالك رحمه الله في بعض النقل عنه إلى أنه فيما يتعلق بخسوف القمر يصلون فرادى، وعلل ذلك بالمشقة الحاصلة لهم بالخروج في الليل، وقد يكون ليلاً متأخراً.

    فنقول: المشقة لا تنافي السنية؛ لأنه عندما يقال: إن الأمر سنة، فإذا وجد مشقة عند الإنسان وسعه أن يصلي في بيته أو لا يصلي؛ لأنه ليس بواجب، وإنما المشقة تلحق بالواجب الذي يتعين على الإنسان فعله.

    هذه تقريباً أهم الفوائد والمباحث الموجودة في المسألة.

    وهذا البحث الذي طلبناه بالأمس الفرق بين السنة والمستحب. طبعاً يقول:

    المستحب: هو ما أثيب فاعله أو ما استحق الثواب فاعله، أو ما كان مشروعاً فعله على غير جهة الإلزام.

    كثير من علماء الفقه والأصول أخذوا بعلاقة الترادف بين السنة والمستحب، أي: أن السنة والمتسحب والمندوب والنفل والتطوع كلها بمعنى واحد، هذا فريق.

    فريق آخر يرى أنه يحمل كل منهما على معنى يميزه عن الآخر، وهذه طريقة الأحناف:

    منهم من يقول: إن السنة هي ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والمستحب هو ما لم يواظب عليه. وعلى هذا تكون السنة أقوى من المستحب.

    ومنهم من عبَّر بأن المستحب هو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، كالركعتين قبل المغرب، والسنة: ما فعله صلى الله عليه وسلم.

    ومنهم من عبَّر بأن السنة: ما استحب فعله وكره تركه.

    من خلال ما سبق نجد أن السنة بتعريف الأصوليين أقوى, ويدخل فيها المستحب، الفريق الأول الذي يرى أن السنة والمستحب مترادفات، فالقضية قضية تعريف مصطلحي.

    الاتجاه الثاني الذي فرق بين معاني السنة والمستحب تمسكوا بتعريف الأصوليين، في إدخال المستحب كمصطلح منفصل عن السنة، بارك الله فيك يا أبا عبد الله !

    1.   

    الأسئلة

    تحويل جهاز استقبال إلى قناة المجد

    السؤال: رجل عنده في البيت جهاز استقبال, ويريد أن يحوله إلى قناة المجد فقط؛ فما حكم ذلك؟

    الجواب: طبعاً قناة المجد لا يمانعون من التقاط القناة العامة, وإنما الكلام في القنوات الخاصة كقناة الأطفال وغيرها، وسوف يقومون هم بتشفيرها، وعلى الإنسان أن يشتري الجهاز الخاص على الأقل من باب دعم هذا المشروع الإعلامي الإسلامي.

    عذاب الكافر مع سبق كتابة الله له ذلك

    السؤال: لماذا يعذب الله المشرك وقد كتب الله له؟

    الجواب: هذا السؤال جاءنا البارحة. نقول: إن الله تعالى يعذب الناس على أعمالهم كما يثيبهم أيضاً على أعمالهم، وإن كان القدر مكتوباً بدون شك، لكن لا أحد يعلم عن القدر إلا الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يعذب الإنسان أو يثيبه بناءً على الشعور الضروري القطعي الموجود عنده. تقول لي: كيف؟ أقول لك: افترضنا أن إنساناً في السطح يريد أن ينزل إلى الأسفل، هذا الإنسان لو أن عنده أربعة أو خمسة من الرجال الأقوياء الأشداء, فقاموا على هذا الإنسان وحملوه ورموه من خلف السور، في هذه الحالة: هل الإنسان هذا له اختيار أو ليس له اختيار؟

    ليس له اختيار، هو مقهور، لكن لو أن الإنسان ذهب واتجه وبحث عن الدرج, ثم فتح الباب وبدأ ينزل درجة بعد أخرى حتى وصل إلى أسفل البناء، في هذه الحالة هل يشعر هو في داخله أنه مقهور, أو أنه يفعل هذا الأمر باختياره؟

    باختياره؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى قال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:28].

    فهذه أحياناً -بعيداً عن الجدل الفلسفي والسفسطة- كل إنسان يعلم بالضرورة في داخل نفسه أنه يفعل باختياره، وأنت تحاسب وتعاقب أو تثاب على مقتضى ذلك، همَّ أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يقوم أو يقعد، فالإنسان مختار بشكل واضح، أين يدرس؟ أين يسكن؟ أين يتزوج؟ من يصادق؟ هل يقوم أو يقعد؟ أو يدخل أو يخرج؟ أو يحضر أو يغيب؟ أو يركب أو ينزل؟

    كل هذه الأشياء أمور يفعلها الإنسان باختياره، فلماذا يكون ما يتعلق بالتزام الإنسان الديني والأخلاقي استثناء؟ ويقول الإنسان: لماذا يحاسبه الله تعالى؟ هل تظن أن الله تعالى لما كتب على الناس أقدارهم كتبها اعتباطاً؟! حاشاه سبحانه، فهو الحكيم العليم، ولا يعني: أن هذا الإنسان يريد الخير، ولكن المانع بينه وبين الخير أن الله لم يكتب له ذلك، هذا لا يحدث أبداً، وإنما الله تعالى لطيف بعباده.

    إعراب جملة: ( الصلاة جامعة )

    السؤال: الصلاة جامعةً، يبدو أنه حال؛ لأن الصفة تطابق الموصوف؟

    الجواب: جامعة تكون حالاً، فنقول: الزموا الصلاة جامعة؛ لأنها بعد المعرفة، فبعد المعرفة تكون حالاً.

    إنكار المنكر والتثبت في أخبار رسائل الجوال

    السؤال: هل إنكار المنكر يشترط أن يرى المنكر، وإذا كان شرطاً فما العمل إذا أتت الإنسان رسالة فيها خبر؟

    الجواب: إذا جاءتك رسالة فيها خبر فنصيحتي أن تثبَّت؛ لأنا وجدنا كثيراً من رسائل الجوال يكون فيها نوع من العجلة التي قد يحمل عليها الغيرة، لكن يأسف الإنسان أنه إذا تثبت في كثير من الأحيان يجد الأمور ليست صحيحة، وفي هذه المناسبة على الإنسان أن يتأنَّى, ولا يستمع لكل ما يقوله الآخرون.

    حكم جر الثوب خيلاء

    السؤال: قلت: إن من فوائد الحديث الأول: أنه لا حرج في جر الثوب بدون خيلاء، فهل يقاس هذا على الإسبال؟

    الجواب: أما الإسبال إن كان بخيلاء فهو محرَّم باتفاق أهل العلم، بل هو من كبائر الذنوب، وقد ورد فيه الحديث، أما إن كان بغير خيلاء، يعني: الثوب طويل ولكن من غير خيلاء، طبعاً بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون الثوب مسترخياً كما في قصة أبي بكر رضي الله عنه قال: (إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده)، لكن لو فرضنا أنه أطال الثوب من غير خيلاء، فهل هو حرام أو ليس بحرام؟ هذه المسألة ليس فيها إجماع، ليست كمسألة الخيلاء، بل فيها قولان لأهل العلم:

    القول الأول: أنه محرم، وهذا عليه أكثر الحنابلة وبعض الشافعية.

    القول الثاني: أن ذلك لا يكون حراماً, وإنما الحرام إذا كان لخيلاء، أما لو كان الثوب طويلاً والخيلاء مندفعة، مثل ثوب نوم أو غيره والإنسان لم يتقصده، أو يكون لبس ثوب غيره أو ما أشبه ذلك- فهذه المسألة فيها خلاف مشهور.

    إنشاء قناة الإسلام اليوم

    السؤال: لا تقف في مكانك، هل وقفت الشمس في مكانها، هل ثبت القمر في موضعه، الكل في حركة دءوب يسابق الزمن، الصوت يسعى لمنتهاه، والضوء ينطلق إلى مداه، فامض وليكن أحد أهدافك القريبة قناة الإسلام اليوم الفضائية؟

    الجواب: جزاك الله خيراً، كلامك محفز ومشجِّع، وأبشر بالذي يسرك إن شاء الله.

    استحباب صلاة الكسوف والخسوف

    السؤال: إذا كان الكسوف والخسوف تخويفاً للعباد، والله تعالى يقول: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر:84]، ألا يكون هذا دليلاً على استحباب صلاة الكسوف لكل فرد سمع النداء؟

    الجواب: نعم. هو سنة كما ذكرنا، بل سنة مؤكدة، بل هو فرض كفاية.

    التعليق على رأي أبي حنيفة في صفة صلاة الكسوف

    السؤال: كيف أن الرسول عليه السلام خرج فزعاً ظاناً أنه يوم القيامة، وصفة الصلاة تغيرت إلى ركوعين لكل ركعة وهي أول مرة، فأرى أن رأي أبي حنيفة أصح؟

    الجواب: لا أدري ما علاقة هذا بهذا، أما كون النبي صلى الله عليه وسلم خرج فزعاً فالله أعلم أنه يخشى أن يكون هذا من مؤشرات وعلامات الساعة القريبة، والإنسان أحياناً إذا اشتد عنده الفزع ربما يغيب عنه بعض التفصيل وبعض المعنى، فقد يقول قائل: إن الرسول عليه السلام يعلم أن بعض علامات الساعة لم تأت، فنقول: هذا صحيح، لكن الإنسان إذا اشتد عليه الخوف أحياناً ربما تغيب عنه بعض الدلالات وبعض العلامات، أما أن رأي أبي حنيفة أصح، فنقول: إن رأي الجمهور في الصلاة وتغيرها أصح؛ لأنه نقل جماعة من الصحابة يقرب من التواتر عند بعض أهل الحديث, كمن ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم ممن حضروا ورأوا.

    تقدير المباركفوري لوقت الكسوف باليوم والساعة في زمن الرسول

    السؤال: قلت: موت إبراهيم تخميناً قبل حجة الوداع، وقال الشيخ المباركفوري : إنه تم الكسوف في يوم 28 أو 29 من شوال عام (10) للهجرة في الساعة الثامنة والنصف صباحاً؟

    الجواب: هذا هو تخمين أيضاً، يعني: قد يكون اليوم معقولاً، أما الساعة الثامنة والنصف فلا أدري، ولكن ما قاله الشيخ المباركفوري يعزز ما ظننته.

    صفة صلاة الكسوف مختصرة

    السؤال: أرجو إعادة صفة صلاة الكسوف؟

    الجواب: صفة صلاة الكسوف واضحة، هي مثل صفة الصلاة العادية سواء أنه في كل ركعة ركوعان، فيقرأ الفاتحة ويجهر ويقرأ سورة ثم يركع، ثم يرفع من الركوع ويقرأ الفاتحة جهراً, ويقرأ معها سورة ثم يركع مرة أخرى، ثم يرفع ويسجد كالمعتاد.

    تكرار الكسوف والخسوف دليل على قرب الساعة

    السؤال: ذكر أحد أهل الفلك أن كسوف الشمس سوف يقع بإذن الله في نهاية شهر شعبان من هذه السنة، وكثر خسوف القمر خلال العقد الماضي القريب، فهل تكرر هذا دلالة على قرب الساعة؟

    الجواب: نعم. هذا دليل على قرب الأمر, وما يتعلق بالكسوف إذا قال العلماء المختصون العارفون بوقوعه فلا يبعد أن يقع.

    المراد بقوله: (المشهور عن مالك, مذهب الشافعي القديم, رواية عن أحمد)

    السؤال: يقول: رواية عن مالك، والمشهور عن مالك، مذهب الشافعي القديم, رواية عن أحمد ؟

    الجواب: هذا من سعة أهل العلم!

    طبعاً: المشهور عن مالك يعني: يكون للإمام روايات متعددة، وقد يروي عنه طلابه القريبون منه رواية, ويروي غيرهم رواية أخرى.

    الشافعي رضي الله عنه عنده مذهب قديم لما كان في العراق, ولما ذهب لمصر غيَّر كثيراً من فروع مذهبه، وما هو السبب في تغيير الشافعي لأقواله؟ السبب: أنه قد يكون زاد علمه؛ لأنه أضاف إلى علم أهل العراق والحجاز علم أهل مصر.

    هناك سبب آخر: وهو اختلاف البيئة، والبيئة لها تأثير كبير, فإنه خالط أقواماً آخرين وعرف ظروفاً وحاجات معينة، فهذا يؤثر في نظر الفقيه واجتهاده.

    رواية عن الإمام أحمد : الإمام أحمد يكون له روايات ووجوه، بل قد يكون الإمام أحمد هو أكثر الأئمة روايات، يكون له في المسألة الواحدة أحياناً سبع روايات، والذي يقرأ كتاب المغني مثلاً يجد تنوعاً في الروايات عن الإمام أحمد .

    السبب: أن هذه كلها مسائل ممكن نضعها بين قوسين أنها مسائل الفروع، مسائل الفروع التي فيها اجتهاد، وبعضها لا نص فيه، وبعضها يكون فيه أدلة متعارضة، وبعضها قد يصح الحديث عنده مرة ويضعف عنده بعد ذلك، وبعضها قد يخضع للمناظرة، مثل: الإمام الشافعي وإسحاق بن راهويه لما تناظرا في مسألة جلود الميتة، وهل تطهر بالدباغ أم لا؟ فبعد نهاية المناظرة رجع إسحاق إلى مذهب الشافعي، ورجع الشافعي إلى مذهب إسحاق، وهذا من العجب.

    اعتبار ظاهرة الكسوف أمراً فلكياً لا حكمة إلهية

    السؤال: يقول: الوضع الآن يا شيخ! قد ذهبت الحكمة من هذه الآيات, فتجد أصحاب الفلك يعدونها مناسبة للمشاهدة؟

    الجواب: والله هذه مشكلة، طبعاً هذا لا يعارض أن الإنسان يشاهد والمشاهدة فيها عبرة، لكن إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج فزعاً, ويصيبه الخوف والرعب والقراءة, وكان بعض الصحابة يغشى عليه- كما في حديث أسماء - ويسقط في الصلاة، فالإنسان حري به أن يكون هذا نوعاً من التنبيه والتقريع.

    صحة حديث عقبة بن عامر فيما يقرأ في ركعتي الفجر

    السؤال: ذكرت يا شيخ! في أحد الدروس استحباب قراءة سورة المعوذتين في صلاة الفجر, ما صحة الحديث؟

    الجواب: نعم. الحديث ورد عن عقبة بن عامر وهو في سنن النسائي وسنده جيد، وأظنه كان في سفر, أنه قرأ في صلاة الفجر: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]في الركعة الأولى، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] في الركعة الثانية.

    الحكمة من وقوع الحوادث والمصائب

    السؤال: (تسونامي) ألم ينزل على أكثر المناطق التي يكثر فيها الفجور والمحرمات، ألا يكون هذا عقاباً لهم؟

    الجواب: يعني: مثلما ذكرنا لك التفصيل. لا نعيد الموضوع، المهم أن يفهم الإنسان أن مثل هذه الأشياء قد تكون عقوبة للخاصة، وقد تكون عقوبة للعامة، وقد تكون ابتلاءً، وقد تكون توجيهاً للناس، وقد تكون تخويفاً لهم كما ذكر ربنا سبحانه.

    جر الإزار في الكسوف

    السؤال: هل يشرع للإنسان أن يجر إزاره اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: لا. هذه ليس محل قدوة، بل ليس مقصوداً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف

    السؤال: ما هو الدليل على أن ابن عباس كان بعيداً ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: الدليل أن عائشة رضي الله عنها نصت على أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر، والذي يقول بأن النبي عليه الصلاة والسلام جهر في القراءة في الكسوف معه زيادة علم أم ليس معه زيادة؟

    معه زيادة، يعني: لو صلى اثنان في المسجد، واحد قال: الإمام جهر، والثاني قال: الإمام ما جهر، وكلهم ثقات، أيهما أولى بالقبول؟ الذي قال: جهر؛ لأن معه زيادة علم، بينما الآخر الذي قال: لم يجهر، يحتمل أن يكون ثقيلاً سمعه, أو يكون بعيداً ولم يسمع من الإمام، فهذا معه زيادة علم، فضلاً عن هذا- كما قلنا أنسب؛ لأنه أليق وأقرب أن يشبه بصلاة الجمعة وصلاة العيد أيضاً لكثرة الناس، وأن أغلب من رووا صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف ذكروا أنه جهر في القراءة.

    سبحانك اللهم وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت, نستغفرك ونتوب إليك.