إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة - حديث 477-478

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة - حديث 477-478للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خطبة الجمعة لها آداب وأحكام بينها النبي صلى الله عليه وسلم بياناً واضحاً قولاً وفعلاً، فمن ذلك استحباب تقصير الخطبة وإطالة الصلاة بحيث لا يشق على المصلين، وأن الأحق والأجدر بالخطبة والصلاة هو الرجل الفقيه، وكما أن الخطبة لابد أن تشتمل على آيات من القرآن الكريم، سواء قراءة سورة كاملة أو آية، وقد اختلف في السجود للتلاوة أثناء الخطبة على تفصيل مبين في هذه المادة.

    1.   

    شرح حديث: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    اليوم هو الإثنين الثاني عشر من شهر الله المحرم من سنة (1426هـ)، وهذا الدرس رقمه (174) من أمالي شرح بلوغ المرام، وهو في باب صلاة الجمعة.

    وبالمناسبة كان يوم السبت أمس هو يوم عاشوراء، واليوم الأحد أحد عشر، والإثنين اثنا عشر، هذا هو الذي في التقويم وهو المعتمد، وكان في أمنيتي أن الناس يتعودون على الرجوع للتقويم ما لم يأت ما ينسخ هذا الأمر، رأيت كثيراً من الناس أصبح من المعتاد أن يكون عندهم بلبلة فيما يتعلق بيوم عاشوراء وأشياء كثيرة، وكثيرون كأنهم يرون عدم الاعتماد على التقويم.

    الأصل ليس كذلك، التقويم نحن نعتمد عليه في صلاتنا وفي معاملاتنا وفي دراساتنا وفي وظائفنا ومواعيدنا وعلاقاتنا، فنعتمد عليه أيضاً في دخول الشهر وخروجه، وفي الصيام وفي المناسبات الشرعية كلها، إلا إذا صدر من جهة رسمية شرعية معتمدة ما يخالف ذلك أو ينقضه، مثل أن يصدر من مجلس القضاء الأعلى بيان أن اليوم الفلاني يكون كذا، هذا أمر آخر يؤخذ به، وإلا فالأصل الاعتماد على التقويم.

    اليوم عندنا حديثان:

    حديث عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه )، والحديث رواه مسلم .

    وسوف نبدأ في شرح الحديث والحديث الذي بعده أيضاً. ‏

    تخريج الحديث

    معاني ألفاظ الحديث

    فيما يتعلق بألفاظ الحديث:

    أبو اليقظان -كما ذكرنا- هي كنية عمار .

    وقوله: ( أوجز وأبلغ ) الإيجاز معناه: القصر، وفي بعضها: (قصَّر أو قَصَر)، فالقصر يعني: جعل الشيء قصيراً، وهو بمعنى الإيجاز.

    وأما الإبلاغ فمعناه: أنه كان بليغاً، والبلاغة هي -كما يقال- موافقة الكلام لمقتضى الحال، يعني: أن يكون الإنسان في كلامه مناسباً لمستوى المخاطبين وطبيعة الموقف، فإذا كان المقام يتطلب الحماسة تحمس، وإذا كان يتطلب الهدوء هدأ، وإذا كان يتطلب أن تكون لغته ذات بلاغة وفصاحة فعل، وإن كان يتطلب أن تكون ألفاظه سهلة ميسرة على الناس، بحسب مقامهم من غير تكلف، فهذا هو معنى البلاغة: موافقة المقام أو الكلام لمقتضى الحال.

    وقولهم له: ( لو كنت تنفست ) يعني: تمنوا عليه أن يكون أطال في الخطبة، وهذا معنى التنفس.

    وقوله رضي الله عنه: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه )، (مئنة) هكذا بفتح الميم وكسر الهمزة وتشديد النون، ( مئنة من فقهه )، والمعنى واضح يعني: علامة على فقهه ودليل على فقهه، وهذه الكلمة من الكلمات القليلة المستخدمة في اللغة، وهي مأخوذة في الأصل من (إن) التي تقال للتوكيد، مثلاً نقول: إن زيداً أو إن فلاناً رجل كريم، و(إن) هنا يقصد بها توكيد الكرم، فهو أبلغ مما لو قلت: فلان رجل كريم، فكلمة: (مئنة) هي ليست مشتقة؛ لأن الحرف لا يشتق منه ولكن مأخوذة من كلمة: (إن)، يعني كأننا نقول: إن الإنسان الذي يختصر في خطبته فقيه، هذا هو مؤدى اللفظ.

    فقوله: ( مئنة من فقهه ) يعني: دليل وعلامة يتكلم الناس بها عنه ليعبروا عن فقهه، فيقولون: إنه فقيه؛ لأنه لا يطيل في الخطبة ولا يسترسل فيها.

    ولذلك نقل عن الأصمعي رحمه الله أنه استشهد بقول أحد شعراء الرجز يقول:

    إن اكتحالاً بالنقي الأبلج

    يعني: الكحل.

    ونظراً في الحاجب المزجج

    يعني: إعجاب الإنسان بصورته الجميلة وشبابه.

    مئنة من الفعال الأعوج

    يعني: دليلاً وعلامة وإشارة إلى الفعل المعوج عند الإنسان إذا أفرط فيه.

    وأما الفقه: ( مئنة من فقهه ) فالمقصود بالفقه: هو الفهم والعلم، والأصوليون يعرفون الفقه: بأنه معرفة الأحكام الشرعية أو الفرعية من أدلتها التفصيلية، المعرفة أو العلم بالأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية، ولكن المقصود بالفقه هنا ما هو أشمل من ذلك فإن الفقه معناه: هو العلم بشكل أوسع.

    وقد ورد في مسلم أيضاً بعد هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة )، المقصود هنا بإطالة الصلاة: الإطالة المعتدلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إطالة الصلاة، كما سبق معنا في درس مضى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أيكم أمّ الناس فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة، وأيكم صلى لنفسه فليطول ما شاء ).

    إذاً: فقوله: ( أطيلوا الصلاة ) يعني: بالنسبة إلى الخطبة، وأيضاً معناه أي: إطالة الصلاة الإطالة المناسبة، كما قال ابن دقيق العيد : إن هذا أمر إضافي، يعني: يختلف من جماعة إلى جماعة، ومن حال إلى حال، ونأتي إلى هذا قريباً إن شاء الله.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( وإن من البيان لسحراً )، في بقية الحديث، والبيان هنا: الكلام واللغة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن من البيان لسحراً )، هذا فيه إشارة أولاً إلى تأثير البيان في النفوس، وأنه أحياناً يفعل فيها فعل السحر، كما يقول أحدهم عن امرأة:

    وحديثها السحر الحلال لو انها لم تجن قتل المسلم المتحرز

    فحديثها في تأثيره في العقول كالسحر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال عن النساء: ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لذي لب منكن )، فهذا يذهب بعقل الإنسان، البيان سحر؛ لأنه أحياناً يؤثر في الإنسان من حيث لا يشعر ولا يدري، وهكذا السحر يعرف: بأنه شيء خفي لطيف، فمن معاني السحر: أنه تأثير لطيف، فلما عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن البيان بأنه سحر، كأن في ذلك إشارة إلى أن الإنسان المستمع يشعر بأن هذا البيان يتخلل نفسه ويؤثر فيه ويغير قناعاته، ويحمله على فعل أو على ترك من حيث لا يشعر ولا يدري، وهذا مشاهد؛ أن الإنسان أحياناً إذا سمع كلاماً جميلاً أو شعراً.. أو ما أشبه ذلك، يشعر بأن هذا الإنسان أخذ غرف قلبه.

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن من البيان لسحراً )، هل هو مدح أو ذم؟ وقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، ويحق لنا أن نقول: إن سيد البيان هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهل قوله: ( إن من البيان لسحراً )، مدح للبيان أو ذم؟

    الذي اختاره الإمام اللغوي الشهير أبو عبيد القاسم بن سلام وأكثر المحققين عليه أن السياق سياق مدح وثناء على البيان؛ ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:3-4]، إذاً: الله لما امتن علينا بأنه علمنا البيان دل على أن البيان ممدوح، وأنا لمحت لهذا المعنى لما قلت: إن سيد البيان والفصحاء والبلغاء هو محمد صلى الله عليه وسلم، وما هو بقول ساحر ولا بقول شاعر، وإنما بيانه صلى الله عليه وسلم بفصاحته وحسن لغته، وما آتاه الله سبحانه وتعالى من البيان في قوم كانت اللغة هي من أبرز وأحسن مجال مفاخراتهم.

    فنقول: إن السياق سياق مدح، ومما يدل على ذلك: أن عماراً أيضاً ساقه مثلما ذكر أبو عمر في سياق حديثه هو.

    وإن كان هناك من أهل العلم من قال: إن المقام مقام ذم، وإن السحر شر كله كما ورد ذمه في القرآن والسنة والوعيد على فاعله، فلما شبه النبي صلى الله عليه وسلم البيان بالسحر دل على ذمه، وأظن الإمام مالكاً رحمه الله في الموطأ بوب على هذا الحديث: باب ما يكره من البيان؛ لأنهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: إن البيان لسحر، قال: ( إن من البيان ) يعني: بعض البيان، فيكون ذم بعض البيان الذي يشبه السحر في أنه يقلب الحق باطلاً ويفرق بين المرء وزوجه.

    ولكن الأول أوجه وأقوى، أن نقول: إن البيان فيه سحر، ولكن هذا مدح لذات البيان، وإنما يبقى أن البيان عنصر محايد لا يحمد ولا يذم لذاته، وإنما بحسب ما يستخدم له، فإذا كان الإنسان وظف بيانه وبلاغته في الدفاع عن الإسلام، وعن قضايا الأمة، وعن حقوق الناس، وعن المصالح، وعن الحق؛ كان ذلك محموداً، فإذا وظفه في نصرة الباطل، والترويج للأكاذيب، والتلبيس على الناس كان ذلك مذموماً؛ ليس لأنه بيان، ولكن لأنه وضع في غير محله.

    ولهذا نقول: كم من القضايا المهمة الناجحة الصحيحة التي فشلت بسبب المحامي الذي يدافع عنها ولا يحسن الكلام، وكم من القضايا الباطلة الفاسدة التي نجحت بسبب وجود محامين أقوياء يدافعون عنها، وقديماً كانت العرب تقول:

    تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير

    ذماً ومدحاً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير

    فالبيان قد يقلب الحق باطلاً، هذا ما يتعلق بألفاظ الحديث.

    تخفيف الصلاة في حق الإمام

    ما يتعلق بمسائل الحديث فيه عدد من المسائل:

    أولها: مسألة تخفيف الصلاة.

    وقد أشرت إليه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( طول صلاة الرجل وقصر خطبته )، فهذا ظاهره يدل على أن الصلاة تطول، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على تقصير الصلاة كما أشرت إلى شيء منها.

    ولهذا ذهب الجمهور: الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى استحباب تقصير الصلاة إذا كان إماماً، أما إذا كان لنفسه فليطول ما شاء فرضاً أو نفلاً.

    وأدلتهم على استحباب تقصير الصلاة:

    أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( إذا أمَّ أحدكم بالناس فليخفف )، وهو متفق عليه وأشرت إليه.

    وكذلك حديث أنس قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم من أخف الناس صلاة في تمام ) يعني: صلاته خفيفة ولكنها تامة لا يخل بركوعها ولا سجودها.

    وكذلك حديث أبي قتادة وهو في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيل فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز شفقة على أمه ).

    وكذلك حديث جابر وغيره في قصة معاذ بن جبل وهو حديث متفق عليه: ( أنه صلى وأطال بهم وقرأ سورة البقرة، فعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم وغضب وقال: أفتان أنت يا معاذ ؟ هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها ).. إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في الباب.

    وهناك قول آخر في هذه المسألة وهو مذهب الظاهرية كـداود وابن حزم .. وغيرهم، حيث قالوا: إنه يجب، الأولون قالوا: يستحب، ابن حزم قال: يجب على الإمام تقصير الصلاة بما لا يخل بها ولا يؤدي إلى التقصير في واجباتها.

    واستدل ابن حزم بالأحاديث السابقة، من جنس قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أيكم أمَّ الناس فليخفف )، وقال: إن هذا أمر والأمر يقتضي وجوب التخفيف.

    وقد ورد في ذلك أحاديث عن جماعة من الصحابة.

    والذي يظهر من تتبع أقوال العلماء في تخفيف الصلاة: أنهم متفقون في الجملة على مشروعية تخفيف الصلاة للإمام، وأن هذا التخفيف لا يخل بواجبات الصلاة ولا بمتابعة المأمومين، وأن الأصل في هذا التخفيف اتباع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ورد ما كان يقرؤه صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب والعشاء والفجر والظهر والعصر، وسبق أن بينا ذلك من حيث الجملة، مثل: أن يقرأ في الظهر والعصر بأواسط المفصل، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بأواسط المفصل، ويقرأ في الفجر بالطوال، وإن كان هذا ليس دائماً، وإنما يكون له استثناءات ويكون له عوارض .

    وأيضاً يراعى في التطويل والتقصير حال المأمومين كما ذكره ابن دقيق العيد قال: أمر إضافي، وابن القيم رحمه الله قال: هذا أمر نسبي، يقصدون فيه: إذا كان الناس يتحملون وعندهم فهم واتباع للسنة وفراغ فيكون هناك طول مناسب من غير إفراط، وأحياناً قد يكون الأنسب للناس، وهذا هو الأغلب على أحوال الناس إذا تدبرت؛ لما يدخل عليهم عادة من شواغل وضعف.. وغير ذلك، أن يكون الإنسان أقرب إلى مراعاة التخفيف، وكلما خفف عليهم -خصوصاً في الفريضة- كان أولى؛ لأنها القدر الذي يلزم الناس جميعاً أداؤه، فيكون الأصل مراعاة جانب التخفيف في ذلك، وألا يشق عليهم بإطالة الصلاة.

    وكما قلنا: التخفيف أمر نسبي، ويراعى فيه بشكل أكثر عندما يكونون عمالاً أو يكونون مزارعين أو موظفين سوف يعودون إلى مكاتبهم فوراً، وقد يقع لهم ضرر من ذلك، ومراعاة الوقت من حر أو برد أو خوف.. أو غير هذا، هذا كله معتبر في الشريعة.

    طبعاً توجد نصوص كثيرة جداً عن الأئمة والعلماء في تقصير الصلاة وكراهية إطالتها.

    مسألة تقصير الخطبة

    هناك مسألة ثانية: وهي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة )، فهذا اللفظ يدل على استحباب تقصير الخطبة وعدم إطالتها، وهذه هي المسألة الثانية في الحديث.

    وتقصير الخطبة أيضاً هو مذهب الجمهور: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة مثل المسألة الأولى.

    فذهبوا إلى استحباب قصر الخطبة أو تقصيرها بحيث لا يخل بغرض الخطبة؛ لأن بعضهم يقول: لو وقف على المنبر؛ حتى إن الأحناف يقولون: لو أنه وقف على المنبر وقال: (الحمد لله) بقصد الخطبة أجزأه، فقط لا يكون حمد الله لأنه عطس، يكون حمد الله بقصد أن يخطب، فيقولون: يجزئه ذلك، فهذا لا شك أنه من القصر المخل؛ لأن الخطبة هنا لم تؤد غرضها، وهذا بدون شك أنه مخالف للسنة، وقد ذكرنا فيما سبق ما ينبغي في الخطبة.

    المهم أن الجمهور يرون تقصير الخطبة تقصيراً لا يخل بمقصدها؛ وذلك لأن: ( النبي صلى الله عليه وسلم كانت خطبته قصداً وصلاته قصداً ) كما يقوله جابر بن سمرة رضي الله عنه، والحديث في صحيح مسلم وفي السنن وعند أحمد والحاكم والدارمي .. وغيرهم أنه قال: ( كانت خطبته قصداً وصلاته قصداً ).

    والقصد معناها: المعتدلة التي هي أقرب إلى التخفيف؛ ولذلك لا تعارض بين حديث جابر وبين حديث عمار ؛ لأن حديث جابر قال: ( كانت خطبته قصداً وصلاته قصداً )، فهذا لا يدل على أن الخطبة والصلاة عنده متساويان، وإنما الخطبة كانت تميل إلى القصر؛ لأن هذا هو الحال بشأنها، والصلاة تميل إلى الطول؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية، وأحياناً يقرأ بالجمعة والمنافقون.

    إذاً: هذه الصلاة تكون طويلة نسبياً، وهذا ما قصده بقوله: ( كانت صلاته قصداً ).

    وقال: ( أطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة )، إذاً: القصد هو المناسب للمقام من إطالة الصلاة نسبياً ومن تقصير الخطبة نسبياً.

    الدليل لهؤلاء على تقصير الخطبة:

    أولاً: حديث عمار، وهو حديث الباب، وهو نص في المسألة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحراً )، فهذا دليل على استحباب قصر الخطبة.

    الدليل الثاني: هو حديث جابر بن سمرة الذي ذكرته وهو في مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت صلاته قصداً وكانت خطبته قصداً )، فهو دليل أيضاً على تقصير الخطبة، ولا تعارض بين الحديثين كما ذكرت، وهذا مذهب جمهور العلماء.

    ابن حزم والظاهرية قالوا: يجب -وليس فقط يستحب- يجب قصر الخطبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر: ( أطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة )، والأمر يقتضي الوجوب إلا بصارف، ولا صارف له هنا عن الوجوب.

    حتى إن ابن حزم رحمه الله قال: شهدت في جامع قرطبة رجلاً يقال له: أبو محمد بن معدان خطب الناس وأطال الصلاة جداً حتى أصابهم ما أصابهم، وحتى يقول: حتى أخبرني بعض وجوه الناس أنه بال في ثيابه من طول الخطبة! وهذا قد يحصل؛ لأنه يحصر، يعني: يكون المسجد مزدحماً ولا يستطيع الخروج، وبعض الناس قد لا يملك نفسه، وهذا مشاهد، يعني: يوجد كثيراً في المناسبات والمجامع العامة، ومراعاة هذا الحال مهم، بل واجب.

    فالمقصود: أن ابن حزم استدل بالأحاديث على وجوب قصر الخطبة.

    وأقول: إن النصوص النبوية لا تدل على الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورد في بعض المقامات أنه أطال الخطبة، مثل الحديث الآخر الذي سوف يأتينا الآن حديث أم هشام : ( أنها حفظت سورة (ق) من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها على المنبر كل جمعة )، فسورة (ق) طويلة، وهي بالتأكيد أطول من سورة الجمعة وسورة المنافقين.

    بل ورد في حديث في مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم من صلاة الفجر إلى صلاة المغرب -يخطب ثم يصلي، ثم يرجع للخطبة ثم يصلي.. وهكذا إلى غروب الشمس- فما ترك شيئاً بينهم وبين الساعة إلا بينه لهم ).

    وفي الصحيح أيضاً: ( ابن عباس رضي الله عنه أنه في الكوفة خطب حتى جاء وقت صلاة الظهر وجمعوا الوقتين، ورجل يقول له: الصلاة يا ابن عباس ! الصلاة يا ابن عباس ! فيقول له ابن عباس : أتعلمني السنة لا أم لك، لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بـالمدينة من غير خوف ولا سفر ).

    إذاً: يوجد حالات فيها تطويل الخطبة، فهذا دليل على أن الأمر بتقصير الخطبة ليس للوجوب، إنما هو للاستحباب كما هو مذهب الجمهور.

    مراعاة الأحوال والظروف في تقصير الخطبة وتطويلها

    ونقول أيضاً: إن تقصير الخطبة نسبي يعتمد، فأحياناً إذا كان الخطيب مقبولاً والموضوع ملائماً، والناس ينتظرون ويتطلعون ويطلبون المزيد، فلو تنفس -كما قالوا لـعمار- فلا بأس، وأما إن كان الناس بخلاف ذلك فينبغي أن يراعي حالهم ولا يطيل عليهم، وهذا من الحكمة: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269]، فإن وقت صلاة الجمعة وقت القيلولة، ووقت -سبحان الله- فيه خاصية رغبة الناس في النوم؛ ولذلك تجد كثيراً من المصلين يميل إلى أن يصيبه النعاس وهو في صلاته.

    يعني: ينبغي أن يراعى مثل هذا الأمر، وألا يطيل الإمام الخطبة، خصوصاً إذا كان يقرأ من ورقة، والكلام يخرج مخرجاً واحداً ليس فيه مخاطبة مباشرة ورفع للصوت وخفضه.. وما أشبه ذلك، فيتسرب إلى الناس الملل ويستثقلون الخطبة بدلاً من أن يفرحوا بها؛ ولهذا أصبح الكثير من الناس إذا جاء وقت صلاة الجمعة يذهبون إلى المساجد البعيدة التي يصلي فيها خطباء يقرءون بسرعة وينتهون بسرعة؛ لأنهم يستطيلون أحياناً خطبة الإمام وحديثه، فيراعى في ذلك هذا الأمر.

    ويراعى -أيضاً- اختلاف الأحوال والظروف، فإذا كانوا في حالة خوف أو حرب أو مشكلة تتطلب حديثاً تحدث، ولا بأس إذا تكلم الإمام في الخطبة التي هي واجبة الاستماع واقتصر فجعل الخطبة مثلاً خمس عشرة دقيقة إلى عشرين دقيقة على الأكثر ثم صلى بهم، بعد الصلاة إن أحب أن يتحدث والناس في حل أن يستمعوا أو يخرجوا، فليس عليه في ذلك حرج إن شاء الله تعالى.

    هذا ما يتعلق بموضوع خطبة الجمعة وتقصيرها.

    تساوي الخطبتين يوم الجمعة

    أيضاً ضمن تقصير الخطبة: تساوي الخطبتين؛ لأن الجمعة كما هو معروف لها خطبتان: الأولى والثانية، فهل ينبغي أن تكون الخطبتان متساويتين أم لهما في ذلك نظام مختلف؟

    السنة والأقرب -والله أعلم- أن الخطبة الأولى ينبغي أن تكون أطول من الثانية، وهذا مذهب كثير من الفقهاء كالحنابلة والمالكية.. وغيرهم.

    ويستدلون لذلك بأدلة:

    بعضهم يقرن الخطبة أو يقيس الخطبة بالأذان والإقامة، فيقول: إن الخطبة الأولى كالأذان والخطبة الثانية كالإقامة، والأذان معروف أنه فيه ترسل وتطويل، بخلاف الإقامة فهي فيها الحدر والإسراع.

    وأجود من ذلك أن يقال: إن الخطبتين كالركعتين؛ ولذلك الجمعة ركعتان؛ لأن فيها خطبتين، فنقول: الخطبة كالركعتين خطبة الجمعة، ومن المعلوم أنه يشرع للإمام أن تكون الركعة الأولى في الصلاة أطول من الركعة الثانية؛ ولذلك في حديث أبي قتادة المتفق عليه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين في صلاة الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب فحسب )، وكانت الركعة الأولى أطول من الثانية.

    وهكذا في صلاة الكسوف أيضاً وفي غيرها، وهذا من المعلوم.

    وفي ذلك منافع كما يقولون: منها: انتظار القادم، ومنها: أن الناس يكونون أنشط في بداية أمرهم، وهذا الكلام كله يصلح في الخطبة؛ ولذلك ذهب الحنابلة والمالكية.. وغيرهم: إلى أن السنة أن تكون الخطبة الأولى أطول من الخطبة الثانية.

    فوائد الحديث

    في هذا الحديث وهو حديث عمار فوائد:

    منها: استحباب إطالة الصلاة الطول المعتدل الذي لا يشق على الناس؛ ولهذا عبر عنه في حديث جابر بالقصد.

    ومنها: استحباب قصر الخطبة، كما قال: ( وقصر خطبته )، وهو أيضاً قصر لا يخل بهدف المقصود من الخطبة.

    ومن فوائد الحديث: استحباب توظيف اللغة والبيان في المصالح الشرعية واعتماده، سواءً كان نثراً أو شعراً.. أو غيره في الدفاع عن المعاني الشرعية، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطباء يدافعون عنه وعن دينه، كـثابت بن قيس بن شماس وغيره، وكان له شعراء صلى الله عليه وسلم كـحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة .. وغيرهم، وكان يقول لـحسان : ( اهجهم وجبريل معك. أو: وروح القدس معك )، فهذا من فوائد الحديث.

    ومن فوائد الحديث أيضاً: استحباب أن تكون الخطبة فصيحة بليغة مؤثرة؛ لتحقق الأثر المطلوب منها، فليس المقصود أن يخرج الناس ليمدحوا الخطيب ويقولوا: أبدع. وإنما المقصود أن يخرج الناس وقد تأثروا بالخطبة، فانكفوا عن هوى أو خطأ، وأقبلوا على خير أو على صواب، وهذا يعتمد على كفاءة الخطيب وقدرته.

    ومن ذلك يؤخذ: أن الأحق بالإمامة والخطابة على وجه الخصوص هو الفقيه؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مئنة من فقهه )، دليل على اختيار الفقيه والكفء للإمامة وللخطابة .

    وقد جاء في حديث أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، فهذا دليل على أن الأقرأ أولى بالإمامة في الجملة ما لم يكن عنده خلل في الفقه يؤثر في صلاته، ولكن هذا الحديث يدل على أن الأولى في الخطبة هو الأفقه، أن يكون عنده فقه في خطبته.

    وفي الحديث أيضاً: مشروعة الوعظ في الخطبة، وجود شيء من الوعظ في الخطبة وترقيق القلوب وتحريك النفوس وإسبال الدموع، وأن ذلك من أهداف الخطبة ومقاصدها ولو لم يكن دائماً، لكن أن يكون ذلك من مقاصد الخطيب؛ ولهذا وعظهم عمار رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن من البيان لسحراً ).

    ومن ذلك أيضاً: ما أشرنا إليه قبل قليل من وصف البيان بالسحر، واختلافهم: هل المقصود به الذم أم المدح؟ وقد ورد أن مالك بن دينار رحمه الله قال: إن من البيان لسحراً، والله لقد سمعت الحجاج على المنبر وهو يشكو أهل العراق ويتبرم منهم، ويذكر ما آذوه به وما اعتدوا عليه وما ظلموه، حتى كنت أقول في نفسي: والله إنه لصادق، وإنه لمظلوم، وإنهم قد ظلموه وأخطئوا عليه.

    وهو يقصد من ذلك أن الحجاج كان خطيباً مفوهاً وهذا معروف، وخطبه تدرس وتحفظ في.. يعني: ذكر نماذج من الخطب البليغة.

    وقد ورد ذكر كثير من الخطب البليغة.

    منها: خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وخطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة: [ إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف قوي.. ]، وكذلك عمر رضي الله عنه.

    بل ورد أن عثمان رضي الله عنه لما صعد المنبر أرتج عليه، يعني: لم يدر ما يقول وارتبك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: [ أنتم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوَّال، ثم استغفر ونزل ]، فعدت هذه من درر الخطب على وجازتها وقصرها.

    وقد ذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين وهو كتاب جيد في هذا الباب قصصاً من أحوال الخطباء وتطويلهم أو إيجازهم أو سقطاتهم؛ يستفيد منها الطالب الذي يريد أن يتعلم ويتدرب على الخطابة.

    1.   

    شرح حديث: (ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله...)

    الحديث الثاني: حديث أم هشام بنت حارثة رضي الله عنها قالت: ( ما أخذت: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1]، إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس ).

    وهذا الحديث رواه مسلم -كما ذكر المصنف- في صحيحه بألفاظ مختلفة في كتاب الجمعة باب: تخفيف الصلاة والخطبة، ورواه أيضاً غيره كـابن خزيمة والحاكم وأبو داود في السنن والبيهقي في سننه الكبرى والصغرى، وابن أبي شيبة .. وغيرهم.

    اشتمال الخطبة على شيء من القرآن

    في هذا الحديث عدد من المسائل:

    المسألة الأولى: حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة:

    فإن أم هشام ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة (ق)؛ ولذلك قال الفقهاء: ينبغي أن تشتمل الخطبة على شيء من القرآن، فهم متفقون على مشروعية ذلك أن يكون في الخطبة بعض الآيات القرآنية؛ لكن هذا القدر المطلوب في الخطبة ليس متفقاً عليه بينهم، أولاً: القدر المطلوب، يعني: كم من آية؟ وأيضاً هل هو واجب أو مستحب؟ يعني: نقطتان.

    النقطة الأولى: هل هذا واجب أن يكون فيها قرآن أم هو مستحب؟

    على قولين:

    القول الأول: أن ذلك واجب، وهو مذهب الجمهور ومذهب الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية أيضاً عند الحنابلة عن الإمام أحمد : أنه لا يجب أن يكون فيها قرآن. ولكن يستحب.

    واستدلوا بمثل هذا الحديث وغيره.

    وكذلك قد يستدلون بقول الله تبارك وتعالى في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، والمقصود بالذكر هنا الخطبة.

    وهذه نزلت في الخطبة بالاتفاق، الخطبة والصلاة أيضاً، فلما سماه ذكراً دل على أن أول ما ينطلق وينطبق عليه الذكر هو القرآن الكريم، أن يكون فيها شيء من القرآن الكريم.

    وكذلك استدلوا بدليل ثالث من القرآن: وهو قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، قال غير واحد من أهل العلم كما ذكره القرطبي في تفسيره وغيره، ونقل هذا عن الإمام أحمد : أن هذه الآية نزلت في خطبة الجمعة، بل نقل غير واحد الإجماع على أنها نزلت في خطبة الجمعة أن يستمع لها وينصت، فقالوا: هذا دليل على وجوب أن تشتمل على شيء من القرآن .

    وهكذا قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه -وهذا هو الدليل الرابع- قرأ مثل قوله سبحانه وتعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281].. وكذلك غيرها من الآيات.

    فهذه أدلة لمن قالوا: بأنه يجب أن يكون في الخطبة شيء من القرآن الكريم.

    القول الثاني: أن ذلك سنة وليس بواجب.

    واستدلوا بما سبق، وقالوا: إنما سبق هي أفعال من أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تدل على الوجوب، وأن المقصود من الخطبة الموعظة، سواء كان ذلك بالقرآن أو بغيره، فهذا ما استدلوا به.

    ولا شك أن الصواب: أنه لا يجب أن يكون في الخطبة شيء من القرآن الكريم، ولكن ذلك مستحب ومندوب، فلو خطب بوعظ أو تذكير أو حديث أو ما أشبه ذلك، دون أن يذكر شيئاً من القرآن فلا نقول: إن خطبته باطلة، وهذا نقل فيه آثار عن الصحابة رضي الله عنهم.

    إذاً: المسألة الأولى: هل هو واجب أو سنة؟

    ونرجح: أن اشتمال الخطبة على شيء من القرآن الكريم مندوب إليه ومستحب، وليس بواجب.

    القدر الذي يقرأ من القرآن في الخطبة

    ننتقل إلى النقطة الثانية، وهي: ما مقدار ما يتحقق به الوجوب عند من يقول بالوجوب، أو تتحقق به السنية عند من يقول بالسنة، يعني: كم يقرأ؟ سورة.. آية.. بعض آية؟

    هذه فيها تقريباً ثلاثة أقوال أو أربعة، والأمر فيها سهل.

    القول الأول: قالوا: إنه يجزي القدر المستقل ولو كان أقل من آية، يعني: أن يكون جزءاً من آية له معنى مستقل، يؤدي معنى.

    وهذا القول هو قول بعض الحنابلة، فلو قرأ جزءاً من آية، كما لو قرأ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، هذه الآية فيها معنى كامل، أو قال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، أو قرأ مثلاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18]، ووقف، فهذا معنى كامل مستقل، ولو لم يكمل الآية فإنه عندهم يكفي ويجزئ، سواء قالوا بالوجوب أو قالوا بالسنية.

    القول الثاني: أقل ذلك آية واحدة، سواءً طالت أم قصرت؛ لأنها أقل ما يطلق عليه أنه قرآن، وهذا مذهب المالكية والشافعية.

    فقالوا: لابد من آية؛ لأن الآية لها بداية ونهاية ويكتمل بها المعنى، سواء قرأ آية الدين وهي عبارة عن صفحة، أو قرأ آية واحدة مثل: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، أو: مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64]، فكلها يطلق عليها أنها آية.

    القول الثالث: أنه لا يتحقق ذلك إلا بثلاث آيات فما زاد؛ لأنها أقل الجمع، ولذلك تسمى بمجموعها قرآناً، إلا أن يكون هناك آية طويلة جداً تقوم مقام ثلاث آيات فقد يدخلونها فيها.

    وهناك قول آخر: أنه يجزئ ما دون آية، وهذا القول رابع عند الحنابلة أيضاً، يعني: حتى لو كانت أقل من آية، وظاهر قولهم أنه حتى لو لم تستقل بالمعنى، مثل: أن يكون استدل بجزء من سياق آية أخرى وإن كان معناها لا يستقل، أو لم يحفظ الآية مثلاً فأتى ببعضها وأكمل البقية بالمعنى، أو ساق جزءاً منها يدل على بقيتها.

    وهذا في نظري أن الأمر كله فيه واسع؛ لأنه ليس فيه تحديد ولا نص.

    فنقول: إن قرأ سورة كاملة كما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة (ق) على المنبر أجزأه، وإن قرأ بعض سورة، وإن قرأ آية طويلة أو قصيرة أو بعض آية، فكل ذلك يتحقق به السنية وتتحقق به الفضيلة، ولو لم يقرأ من القرآن شيئاً وقرأ ما في معناه، فإن صلاته صحيحة وخطبته صحيحة، وفي ذلك أدلة لا نطيل بها.

    قراءة سورة كاملة في الخطبة

    ننتقل إلى مسألة ثالثة وهي مسألة: قراءة سورة كاملة، قراءة سورة (ق) في الخطبة.

    وقد جاء في هذا الحديث أنها ذكرت: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كل جمعة إذا صعد المنبر )، وفي بعض الألفاظ قالت: ( سنة وبعض سنة، وكان تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً )، فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة (ق) في كل جمعة؟

    كثير من الشراح قالوا هذا، ولكن في نفسي شيء من هذا المعنى، وكأن المعنى والله أعلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كثيراً، أو يقرأ شيئاً منها.

    أو نقول على أحسن الأحوال: إن هذا كان في المدة التي ذكرتها أم هشام وهي (سنة وبعض سنة)، وأما أن تكون خطب النبي صلى الله عليه وسلم دائماً أن يقرأ سورة (ق) فهذا بعيد جداً؛ لأن جابراً أخبرنا كما في الحديث الآخر في مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب علا صوته واشتد غضبه، وكأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم! وكان يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين.. )، إلى آخر الحديث، مما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يطرق في خطبته معانٍ وموضوعات مختلفة جداً.

    فقصارى ما يمكن أن يقال: إن هذا كان في وقت معين، كان من المصلحة أن تقرأ فيه هذه السورة، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم وليس أنه دائماً يقرؤها على المنبر.

    فلو أن إنساناً صعد المنبر يوم الجمعة فقرأ سورة (ق) وقسمها على خطبتين لقلنا: إن ذلك يجزئه، ولو لم يجعل معها غيرها، وإن كانت السنة الدائمة بخلاف ذلك، فإنه ثبت: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح خطبته بالثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله ).

    ومما ورد في ذلك كما في صحيح مسلم أن يحمد الله تعالى: ( الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه )، وما يسمى بخطبة الحاجة التي ذكرها أهل السنن إلى غير ذلك، وكان يضمن الخطبة شيئاً من القرآن كما قلنا والدعاء.. إلى غيره مما سبق أن بيناها في صفة الخطبة وشروطها.

    فوائد الحديث

    في هذا الحديث الذي هو حديث أم هشام رضي الله عنها فوائد:

    فيه أولاً: مشروعية قراءة شيء من القرآن في الخطبة.

    وفيه: مشروعية قراءة سورة (ق) أيضاً، وهذه فائدة أخرى، يعني: لو قرأ من القرآن ما تيسر فنعم، ولكن قراءة سورة (ق)؛ لأنها اشتملت على معان عظيمة في الوعد والوعيد، والبدء والمنتهى، والتذكير، ودلائل الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ودلائل الألوهية، ودلائل النبوة؛ فلذلك كان لها هذه المزية وهذا الفضل.

    وفيه: بيان ما ذكرته قبل قليل: أنه ينبغي أن تشتمل الخطبة على الوعظ وعلى التذكير وعلى تحريك القلوب.

    وأقول بصراحة: إنه الآن مع الأسف غلب على الخطب جانب معين وهي أن تكون الخطبة دائماً وأبداً تتحدث عن المجريات، وهذا لا بأس به، بل ينبغي أن تكون، فإن كون الخطيب مثلاً يتكلم في وادي والناس في واد هذا خطأ، وأذكر أنه لما دخل الجيش العراقي إلى الكويت ذهبت إلى خطيب في ذلك اليوم، يعني: بعد الغزو بيومين، فكان حديثه عن عذاب القبر، وكنت أشعر بأن الخطبة غير مناسبة أبداً للسياق، كان ينبغي أن يختار سياقاً آخر مناسباً للمقام، لكن أيضاً لا ينبغي الإسراف في هذا الجانب، بحيث إن الناس دائماً وأبداً يركنون إلى أنه ماذا سيقول الخطيب عن الموضوع الفلاني، وأن تتحول الخطبة كأنها برنامج تلفزيوني أو إذاعي أو مقالة في جريدة.

    حتى حينما يتناول الخطيب الموضوعات الحية والساخنة كقضايا المستجدات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية.. أو ما يواجهه المسلمون، ينبغي أن يتناوله من منطلق شرعي.. من منطلق إيماني.. من منطلق سنني يتكلم عن السنن.. من منطلق التبشير.. من منطلق التحذير، فهذا جانب مهم، وينبغي أن لا تخلو الخطبة في الجملة من الوعظ والتذكير كما ذكرنا.

    فيه: مشروعية وجود خطبتين في الجمعة، وهذا واجب عند الجمهور، وينبغي أن يفصل بينهما بجلسة.

    سجود التلاوة في الخطبة

    هنا سؤال: وقد قلنا: إنه يقرأ قرآناً، لو أن الخطيب قرأ سورة فيها سجدة، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، ونحن ذكرنا مسألة: أن يقرأ شيئاً من القرآن، سواءً كانت هذه السورة فيها سجدة مثل أن يقرأ سورة الحج، أو التكوير، أو اقرأ باسم ربك الذي خلق.. أو غيرها، وقد ورد في صحيح البخاري: (أن عمر رضي الله عنه خطب بهم وقرأ سورة النحل فسجد وسجد الناس، ثم لما كانت الجمعة الثانية قرأ بهم سورة النحل فتهيأ الناس للسجود، فقال عمر رضي الله عنه: إن الله لم يكتب علينا السجود إلا أن نشاء، ولم يسجد).

    وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلى بهم وقرأ سورة (ص) فنزل وسجد وسجد الناس، ثم لما كان الجمعة الثانية قال: إنها توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فسجدت ).

    فهذا دليل على أنه يجوز أن يقرأ سورة فيها سجدة، وأن ينزل ويسجد ويسجد الناس، وإلى هذا ذهب الجمهور.

    وقال بعضهم كـمالك وغيره: إنه يكره له ذلك؛ قالوا: لأن هذا يخل بنظام الخطبة، وأيضاً يحدث ارتباكاً عند الناس، فبعضهم قد يظن أن الخطبة انتهت ويترتب على ذلك نوع من الخلل، وهذا ليس بدائم، هذا قد يحدث عند بعض الناس وفي بعض البيئات لكنه ليس بدائم.

    ولذلك نقول: إن الأحاديث والآثار الواردة تدل على أنه يجوز للخطيب أن يقرأ سورة فيها سجدة، وأن ينزل ويسجد ويسجد الناس، ثم يصعد المنبر ويكمل خطبته، وكثير من الناس يفهمون هذا ويتعودون عليه ويقبلونه.

    لكن هنا ملاحظة: أنه لا تفعل هذا الفعل حتى تأتي الناس بأمر جديد ما تعودوه، يعني: خطيب وجد أن هذه سنة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وفعلها عمر والناس لم يتعودوا عليها، فقال: يفعل لهم حركة مفاجئة ونزل ونزل الناس، هذا ليس بحسن. وإنما إذا كان هناك مناسبة معينة أو أن الإنسان قرأ سورة فيها سجود وتعرض لهذا وسجد، فهذا ليس فيه بأس، فيراعي الإنسان نيته ومقصده؛ لأني رأيت كثيراً من الناس فيما يتعلمونه من المعاني الجديدة قد يبادر الإنسان بتطبيقها بأمر ليس هو الأفضل، وقد لا يكون الأمر متفقاً عليه.

    حتى كلمني بعض الناس من المدينة المنورة في يوم السبت الذي مضى، وسألوني عن صيام يوم السبت وقد صادف يوم عاشوراء، فقلت لهم: هذا حسن ومشروع، قالوا: ما الدليل على ذلك؟ قلت: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- نهى عن صيام يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبلها أو يوماً بعدها )، والذي بعد الجمعة ما هو؟ السبت، فهذا حديث متفق على صحته ولا إشكال فيه، فقالوا: إن خطيباً ابتلانا وتكلم الخطبة أمس كلها على أنه لا تصوموا يوم السبت وإن كان عاشوراء، واستدل بحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم السبت ولو أن يأكل أحدكم، لو لم يجد إلا لحاء شجرة أكله، ولا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم )، مع أن هذا الحديث وإن كان صححه الشيخ الألباني إلا أنه حديث شاذ، والمحققون المتقدمون من أهل العلم لا يصححونه ولا يعتبرون به، وأيضاً هو مخالف ومعارض للحديث الذي في الصحيحين ولا إشكال في صحته في: ( النهي عن صيام يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده )، فحديث الصحيحين أولى بالأخذ .

    ثم إنه على فرض صحة الحديث فالمقصود به ليس النهي عن الصيام مطلقاً، وإنما النهي عن تقصد وإفراد الصيام ليوم السبت، أما إذا صامه لعارض كأن يصادف يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، أو يصادف البيض، أو صوماً كان يصومه؛ فهذا لا بأس به.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.