إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض - حديث 459-462

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض - حديث 459-462للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشر ليال، وكان يصلي ركعتين ركعتين، وكان هذا في حجة الوداع، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة زمن الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وقد جاء هذا الحديث بعدة روايات، وقد اختلف الفقهاء في تحديد المدة التي يجوز القصر فيها على عدة أقوال.

    1.   

    شرح حديث: (كان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا المدينة ...)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وسلم تسليماً كثيراً.

    ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فهذا هو الدرس رقم: (167) من شرح بلوغ المرام، وهذه الدروس المستمرة ضمن الدورة العلمية المكثفة التي ينظمها مشكوراً مكتب الدعوة والإرشاد في بريدة، في هذا المسجد المبارك جامع الراجحي، وسوف تكون دروساً في البلوغ كما ذكرت لكم بعد صلاة العصر.

    اليوم عندنا أحاديث ليست بعيدة عن هذا الموضوع، وسنحاول بإذن الله تعالى ضمن شرحها أيضاً أن نعرض للمسألة الأخرى المهمة جداً في السفر، وهي: متى ينتهي حد السفر ويعتبر الإنسان مقيماً؟

    فالمصنف رحمه الله هنا ذكر لنا الحديث رقم: (434) قال: وعنه رضي الله عنه، فتبين لنا أن الضمير في قوله: (وعنه) يعود إلى أنس بن مالك راوي الحديث السابق، قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ) قال: متفق عليه واللفظ للبخاري.

    تخريج الحديث

    وهذا الحديث رواه البخاري رحمه الله في أكثر من موضع، فقد رواه أولاً: في كتاب الجمعة، باب: ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، وزاد فيه على ما ساقه المصنف رواية، قال الراوي عن أنس، وهنا الراوي عن أنس هو يحيى بن أبي إسحاق البصري، الراوي عن أنس هو التابعي يحيى بن أبي إسحاق كما في سند البخاري، يقول يحيى : ( قلت لـأنس

    : مكثتم بها شيئاً -كم جلستم بـمكة -؟ قال: مكثنا أو لبثنا بها عشراً
    ) يعني: عشر ليالٍ أو عشرة أيام. فهذه رواية، وسنعرض لها إن شاء الله.

    وأخرجه البخاري أيضاً في موضع آخر في المغازي، في باب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح بنفس الإسناد، واللفظ قريب منه: ( أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عشراً نقصر الصلاة ) وهنا إشكال قبل أن نستطرد في تخريج الحديث؛ فإن البخاري ساق الحديث هذا كما قلت لكم في كتاب المغازي باب إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، زمن الفتح، طيب. هذا حديثنا في زمن فتح مكة؟

    عشرة أيام، هذه ليست أيام فتح مكة، وإنما زمن حجة الوداع، أما فتح مكة فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في مكة تسعة عشر يوماً، كما في حديث ابن عباس وسوف يأتي بعده، قال: ( أقمنا بـمكة تسعة عشر يوماً نقصر الصلاة ).

    إذاً: حديث أنس الصواب أنه زمن حجة الوداع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دخل مكة صبيحة رابعة، وخرج منها صبيحة أربعة عشر تقريباً، فيكون أقام عشرة أيام بـمكة وما حولها، وهذا هو الذي ينطبق عليه كلام أنس رضي الله عنه.

    طيب. إذاً: لماذا ساق البخاري هذا الحديث في موضع المغازي في إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح؟

    قد يكون -والله أعلم- على ما هو معروف من طريقة البخاري وتفننه في سياق الأحاديث وفي التراجم؛ للفت نظر المتعلم والطالب إلى اختلاف حديث أنس عن حديث ابن عباس ؛ لأنه ساق بعده حديث ابن عباس في الباب نفسه كما سوف يأتي، فكأنه يريد أن ينتبه الطالب إلى أن هذا كان أيام الحج، وأما فتح مكة فتسعة عشرة يوماً، فهذا أحد احتمالات التخريج على كل حال.

    وأيضاً: الحديث خرجه مسلم، فهو متفق عليه في كتاب الصلاة، باب: صلاة المسافرين وقصرها، وأبو داود أيضاً في أبواب الصلاة نفسها والسفر، والنسائي خرجه في السنن الكبرى له، وكأنه ليس في السنن المطبوع الذي هو المجتبى، وابن ماجه والبيهقي وأحمد والطبراني وأبو عوانة وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    حديث أنس رضي الله عنه طبعاً انتهينا من تخريجه والآن ما يتعلق بألفاظه:

    ففيه أولاً: قوله: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة )، نقول: علم بهذا أن هذا الخروج -لما أسلفناه قبل قليل- كان خروجاً لحجة الوداع.

    قوله: (فكان يصلي ركعتين) ما المقصود بالركعتين؟ ما هي الصلاة التي تصلى ركعتين؟ الرباعية، إذاً: يستثنى من قوله: (فكان يصلي ركعتين) ماذا؟ صلاة المغرب، فإنها كانت ثلاثاً ولا تقصر باتفاق العلماء، وهذا ما ورد في رواية البيهقي من حديث إسحاق نفسه، عن أنس قال: ( فكان يصلي ركعتين إلا المغرب حتى رجعنا إلى المدينة ) . طيب.

    قوله في اللفظ الآخر الذي سقته لكم قبل قليل لما سأل أنساً : (قال: أقمتم بها، أو مكثتم بها شيئاً؟ قال: أقمتم بها شيئاً؟ قال: أقمنا بها، كم؟ عشرة) فنقول: قوله: (أقمتم) معناه: لبثتم أو مكثتم، فهو دليل على أن الإقامة داخل السفر تسمى إقامة، ولو لم يكن الإنسان قطع بها مسمى السفر، يعني: قد يقيم إنسان في البلد الذي سافر إليه يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، ويسمى مكثه في ذلك البلد إقامة، ومع ذلك لا يترتب عليه انقطاع سفره، فهذا من باب التسمية اللغوية التي لا ينقطع بها مسمى السفر.

    وقوله: (عشراً) هكذا بالتذكير، دليل على أن مراده عشر ليالٍ، ولو أراد الأيام لقال: أقمنا بها عشرةً.

    هذا ما يتعلق بألفاظ الحديث، وهذه أيضاً فوائده، والحديث ليس فيه مسائل علمية كثيرة سوى ما ذكرنا.

    فوائد الحديث

    ننتقل إلى فوائد الحديث، فنقول:

    من فوائد الحديث: تسمية اللبث أو المكث داخل السفر إقامة.

    ومن فوائد الحديث: استحباب القصر ومحافظة النبي صلى الله عليه وسلم عليه في سفره كما سبق تأكيده.

    ومن فوائد الحديث: عدم قصر صلاة المغرب بالاتفاق، ويرشد لذلك لفظ البيهقي قال: (إلا المغرب).

    ومن فوائد الحديث أيضاً: تسمية البلد وما جاوره باسم واحد، فإن قوله: (أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بـمكة، أو خرجنا إلى مكة) هل الأيام العشرة كلها كانت إقامة النبي صلى الله عليه وسلم فيها بـمكة ؟ وأين كان؟ ومتى خرج إلى منى؟

    في اليوم الثامن الذي هو يوم التروية، وخرج إلى عرفة في اليوم التاسع، مع ملاحظة أن عرفة ليست من الحرم أصلاً، ثم رجع إلى مزدلفة وهي من الحرم، ثم رجع إلى منى، ثم رجع إلى مكة وطاف بها طواف الوداع، ثم خرج، فنحن نقول: إن مكة هنا أطلقت على البلد وما جاورها.

    من فوائد الحديث أيضاً، هذه فائدة مهمة أريد منكم أن تكشفوا لي من أين نأخذها؟

    أن الحديث مستند للشافعي وأحمد ومالك ومن وافقهم في اعتبار أن أربعة أيام هي حد الإقامة التي ينقطع بها التمتع برخص السفر، من أين نأخذ هذه الفائدة؟

    دخل مكة قلنا: في اليوم الرابع، ومكث فيها الرابع والخامس والسادس والسابع، هذه أربعة أيام، ثم خرج إلى منى في اليوم الثامن وصلى بها الظهر، ولذلك الحنابلة يقولون: إحدى وعشرون صلاة؛ لأنهم حسبوا صلاة الفجر هذه مع الأيام الأربعة تعد (4×5=20+1=21)، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بـمنى، فاحتج بهذا الحديث الشافعي رحمه الله ونص عليه في الأم وغيره، وأحمد ومالك على أن الإقامة إذا تجاوزت أربعة أيام فإنه لا يتمتع برخص السفر ويعتبر مقيماً لا يقصر الصلاة، وهذا استدلالهم بالحديث واضح، وسوف يأتي بسط المسألة إن شاء الله تعالى.

    هذا بالنسبة للحديث الأول، ما في أكثر من هذا.

    1.   

    شرح حديث: (أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوماً يقصر ...)

    ننتقل للحديث الذي بعده، وهو حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: ( أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوماً يقصر ). وفي لفظ: ( بـمكة تسعة عشر يوماً ) . يقول المصنف: رواه البخاري .

    وفي رواية لـأبي داود : ( سبع عشرة )، وفي أخرى: ( خمس عشرة ) .

    والحديث الآخر قال: وله عن عمران بن حصين : ( ثماني عشرة ).

    طبعاً عندنا الآن حديثان: حديث ابن عباس، وحديث عمران بن حصين، والمحدثون والأئمة إذا اختلف الصحابي حتى لو كان اللفظ واحداً عدوهما حديثين، فمثلاً حديث: ( من كذب علي متعمداً ) قيل: إنه روي عن أكثر من ثمانين صحابياً، فبهذا يعد ثمانين حديثاً .

    فهنا حديث ابن عباس رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام تسعة عشر يوماً يقصر ) وفي اللفظ الآخر: ( أقام بـمكة ).

    تخريج الحديث

    والحديث رواه البخاري في كتاب الجمعة، باب: تقصير الصلاة، وكم يقيم حتى يقصر، وهو الباب الذي سقناه قبل قليل، وبلفظ المصنف قال: (تسعة عشر يوماً).

    ورواه أيضاً في الموضع الثاني الذي سقته لكم وهو كتاب المغازي، باب: مقام النبي صلى الله عليه وسلم بـمكة زمن الفتح.

    إذاً: في هذا الكتاب من كتاب المغازي مقام النبي صلى الله عليه وسلم بـمكة زمن الفتح، جمع بين حديث ابن عباس وحديث أنس، حتى يبين لك أن حديث ابن عباس الذي هو تسعة عشر يوماً كان أيام فتح مكة، وأما حديث أنس الذي هو عشرة أيام فهو أيام حجة الوداع.

    وهذا الكلام هو الصحيح، وينبغي الانتباه له، وإن كان اللفظ وقع فيه الاختلاف الذي سوف أشير إليه بعد قليل.

    أيضاً: الترمذي روى الحديث في كتاب الجمعة، باب: السفر، في كم تقصر الصلاة، وابن خزيمة في صحيحه وابن ماجه والطحاوي والبيهقي وغيرهم.

    روايات الحديث الأخرى ودرجتها

    الحديث إذاً يقول فيه ابن عباس رضي الله عنه: (أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوماً يقصر)، والرواية الأخرى كم قال؟ (سبعة عشر) وكلتا الروايتين سندها صحيح، ولكن رواية (تسعة عشر يوماً) أثبت وأقوى، ولذلك فهي المعتمدة، وأيضاً هذه الرواية يصدقها كلام أهل السير، فإن أهل السير يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح، دخلها صبيحة الثلاثاء لسبعة عشر من رمضان وخرج منها يوم السبت السادس من شهر شوال، كم يطلع العدد؟ سبعة عشر، يعني: دخل في سبعة عشر، فبقي من رمضان ثلاثة عشر يوماً، وستة من شوال، كم هذه؟ تسعة عشر يوماً، فهذا يؤكد أن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح بمكة كانت تسعة عشر يوماً محسوباً فيها يوم الدخول ويوم الخروج.

    ماذا نصنع برواية سبعة عشر؟

    إما أن نقول: إنها وإن كانت صحيحة الإسناد إلا أنها شاذة، وهذا معروف عند المحدثين، أنه قد يصح السند وينكر المتن، فتكون الرواية شاذة.

    الاحتمال الثاني: أنه ألغى حسبة يوم الدخول ويوم الخروج، فأصبحت سبعة عشر يوماً، في رواية أنه ذكر حتى ثمانية عشر يوماً، جاءت في رواية لكنها ضعيفة فلا يعتد بها، ولو قلنا بها -رواية ثمانية عشر- كيف نخرجها؟

    إما نقول: حذف الدخول والخروج، أو بلغة أفضل نقول: إنه حسب الليالي وليس الأيام، وأحياناً حسبة الليالي تختلف عن عدد الأيام، قد تكون ثماني عشرة ليلة لكنها تسعة عشر يوماً، لأن اليوم الأخير ما بات بـمكة، خرج قبل الليل، فلم تحسب تلك الليلة، فتكون عدد الليالي إذاً: ثماني عشرة ليلة.

    وفي بعض الروايات: ( خمسة عشر يوماً )، وهذه رواية أيضاً لا تصح؛ لأنها مخالفة لما في الصحيح، لما في البخاري، ولذلك ردها جماعة من أهل العلم، وجمع بينهم كما فعل ابن حجر رحمه الله بشيء من التكلف، وقال: إنه يمكن الراوي ظن أن رواية سبعة عشر يوماً محسوب فيها الدخول والخروج، فحدث زيادة يومين، صارت خمسة عشر، يعني: بظنه أنه ألغى الدخول والخروج، وهذا كما تلاحظون أنه فيه تكلف، أما الجمع الأول بين تسعة عشر وسبعة عشر فهو جمع جيد، وقد ذهب إليه البيهقي والمحب الطبري وغيرهم، وأيده الحافظ ابن حجر، وهو وجه حسن على كل حال.

    فالخلاصة: أن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بـمكة زمن الفتح كانت تسعة عشر يوماً عند أهل الحديث وأهل السير وغيرهم، وأما إقامته عام حجة الوداع فكانت عشرة أيام، والبخاري رحمه الله لما ساق الحديثين معاً أراد أن ينبه الطالب إلى التفريق بينهما.

    طبعاً: المصنف رحمه الله قال: وفي رواية لـأبي داود : (سبع عشرة) وهذه الرواية ذكرها أبو داود في الموضع الذي أشرت إليه في كتاب الصلاة، باب: متى يتم المسافر؟ وسندها جيد، ولذلك قلنا بالجمع بينها وبين رواية تسعة عشر.

    وقال: (وفي أخرى: خمس عشرة) يعني: رواية ثالثة، تسعة عشر، سبعة عشر، خمسة عشر، في رواية ثالثة: (خمس عشرة) يعني: أقام بـمكة خمس عشرة ليلة أو خمسة عشر يوماً، وهذه الرواية أيضاً -خمسة عشر- عند أبي داود أيضاً في الموضع نفسه، ولكن في سندها محمد بن إسحاق صاحب السير، وهو وإن كان إماماً في السيرة إلا أنه دون ذلك في الحديث، فهو عندهم صدوق صالح الحديث، وكذلك هو مدلس، فإذا خولف قدم غيره عليه ممن هو أوثق منه كما هاهنا.

    ولذلك نقول: إن رواية خمس عشرة رواية منكرة، ما نقول: شاذة، نقول: منكرة؛ لأنها مخالفة في المتن وليست بتلك القوة في السند، فتطرح.

    قال المصنف رحمه الله: (وله عن عمران بن حصين) من هو الذي له؟

    أبو داود الذي هو راوي الروايات هذه: سبعة عشر وخمسة عشر، (وله) يعني: لـأبي داود في الموضع نفسه في كتاب الصلاة باب كم يقيم، أو متى يتم المسافر.

    له عن عمران بن حصين وقال: ثماني عشرة، ورواية: (ثماني عشرة) قلنا: على فرض ثبوتها تحمل على أنه عد الليالي دون الأيام، ومع ذلك فهذه الرواية ضعيفة؛ لأنها من رواية علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف عند أهل الحديث.

    1.   

    شرح حديث: (أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً يقصر ...)

    قال المصنف رحمه الله: وله عن جابر رضي الله عنه: ( أقام النبي صلى الله عليه وسلم بـتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة ) . قال: ورواته ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله أو اختلف في وصله.

    وقوله: (له) أيضاً معناه أنه لـأبي داود، وأبو داود روى هذا الحديث في كتاب الصلاة، باب: إذا أقام بأرض العدو.

    تخريج الحديث

    وقد خرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه في باب: الإمامة والجماعة، وعبد الرزاق في مصنفه، والبيهقي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي في كتاب العلل الكبير وغيرهم، كلهم رووه عن جابر بن عبد الله، لكن اختُلف في وصله وإرساله. هذا الذي أشار إليه المصنف.

    وقد رأيت أن مخرج هذه النسخة -الذي هو سمير الزهيري، النسخة المعتمدة عندنا- أشار إشارة عابرة إلى الخلاف في الوصل والإرسال، ورجح جانب الوصل، وأتمنى أن هناك سبورة، لكن الأوراق التي معكم هي فيها سبابير إن صح هذا الجمع.

    الحكم على الحديث وزيادته

    فهذا الحديث حديث جابر : (إنه أقام بـتبوك عشرين يوماً) رواه معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر، هذا يعتبر إرسالاً أو وصلاً؟ هذا وصل، هذا سند متصل، والأكثرون حتى أبو داود لما ساق هذا السند قال: غير معمر لا يسنده. رواه أناس آخرون غير معمر، ومنهم راوٍ ثقة اسمه علي بن المبارك وهو من خواص يحيى بن أبي كثير، يعني: من تلاميذه المقربين الذين يختصون به، فـعلي بن المبارك وغيره رووا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبناءً على ذلك أسقطوا اسم جابر، فعلى هذا يكون الحديث موصولاً أو مرسلاً؟ مرسلاً.

    وبعض العلماء طريقتهم كما ذكر النووي مثلاً وغيره، النووي في الخلاصة، وهو ما رجحه المعلق على البلوغ وجماعة، قالوا: إن الموصول يقدم على المرسل، يعني: المسند أو المرفوع المتصل يقدم، بل النووي قال: هذه هي الطريقة الصحيحة عند العلماء.

    وما قاله النووي ليس بجيد، فإن علماء الحديث المحققين لا يقدمون المتصل مطلقاً، ولا يقدمون المرسل مطلقاً وإنما بحسب القرائن والأحوال، فمثل هذا الحديث الأولى اعتبار المرسل أو المتصل؟ الأولى اعتبار المرسل؛ لماذا؟ لأني قلت لكم: إن علي بن المبارك هذا من خواص يحيى بن أبي كثير وهو الراوي عنه، وأرسله علي، فهو مقدم على غيره، ومعمر وإن كان إماماً إلا أنه له أغاليط، وحديثه في أهل البصرة يقع فيه الخطأ أيضاً، وهذا منه وقد خالف من هو أوثق منه.

    إذاً: نحن نرجح في هذا الحديث المرسل وليس المتصل، وهذا الذي اخترته هو الذي عليه جمهور الأئمة كما يدل عليه صنيعهم، أن الترمذي مثلاً ذكره في كتاب العلل الكبير له، كتاب العلل الكبير مستقل ومطبوع للترمذي، ونقل عن البخاري ما يدل على ترجيح الإرسال، وكذلك أبو داود لما قال: غير معمر لا يسنده، هذا دليل على أن مذهب أبي داود أنه لا يرجح الموصول وإنما يرجح المرسل.

    إذاً: عندنا البخاري والترمذي وأبو داود وابن أبي شيبة أيضاً والدارقطني وغيرهم كلهم يرجحون المرسل، وأما الذين رجحوا الموصول، فهم: النووي كما ذكرت، وهكذا ابن حزم أيضاً وافقه، ومن المعاصرين الشيخ الألباني .

    والأقوى ترجيح المرسل خصوصاً، وهذه قاعدة مهمة: إنه إذا لم يكن هناك وضوح في ثبوت الحديث فالأصل براءة الذمة من التبعة والالتزام، والأصل الاحتياط في النقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا يقوي ويعزز جانب إنه إذا كان هناك تردد فالأصل عدم الثبوت، وإن كان حديث الباب ليس فيه كبير إشكال، يعني: لا يختلف عن حديث ابن عباس وغيره، لكن هذه قاعدة عامة.

    معاني ألفاظ الحديث

    والحديث من حيث ألفاظه ما فيها إشكال، سوى أنه قال: (أقام النبي صلى الله عليه وسلم بـتبوك ) وتبوك مدينة معروفة على الحدود الشمالية اليوم، مسافتها عن المدينة المنورة حوالي (700 كم) أو (680 كم) حسب الطرق الموجودة الآن، وهي مدينة تاريخية مشهورة مرتبطة ببعض أحداث السيرة النبوية، وغزوة تبوك من آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي خرج فيها إلى تبوك ولم يلق حرباً.

    حد الإقامة

    إذاً: ننتقل إلى المسألة المهمة الآن، وهي مسألة: حد الإقامة، إذا كنت قلت لكم سابقاً: إن الحديث السابق بحثنا فيه ما يتعلق بالمسافة، كم المسافة التي يقطعها الإنسان حتى يعد مسافراً، فالآن نبحث قرينتها الأخرى ونظيرتها أيضاً في الأهمية، وهي مسألة: كم المدة؟ كم الوقت الذي إذا قضاه الإنسان مقيماً أثناء السفر انتقل من حد السفر إلى حد الإقامة؟

    وهذه مسألة كبيرة وجليلة، ولم أجد بحثاً متكاملاً فيها، وإن كان فيها بحث جيد أحضرته معي وهو حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر، لفضيلة الشيخ القاضي سليمان الماجد، فهذا كتاب مستقل وطيب، ولكن المسألة أيضاً متفرعة ومتشعبة .

    فأول ما نريد أن نقوله في المسألة: الإجماع، وهذه طريقة جيدة ونحرص عليها، إنه قبل ما أذكر الخلاف في المسألة أذكر معاقد المسألة التي أجمع عليها حتى يفهما الطالب فهماً جيداً.

    فنقول في صدر هذه المسألة: أجمع العلماء فيها على أمور:

    الأمر الأول: أنه إذا أقام إقامة دائمة أتم صلاته، يعني: أن المسافر إذا استوطن ببلده، بمعنى: هاجر إلى بلد معين، كان مقيماً مثلاً في الرياض ثم هاجر إلى مكة أو جدة أو أي بلد في العالم ونوى الإقامة فيه، فهو بذلك انتقل من المسافر إلى المقيم، وعلى سبيل المثال: المهاجرون لما انتقلوا إلى المدينة كانوا يقصرون أو يتمون الصلاة؟ قطعاً كانوا يتمونها.

    إذاً: هذا من معاقد الإجماع، وهو ظاهر.

    ثانياً: أن الإنسان ما دام مسافراً خارج البلد له القصر، وهذه أيضاً بالإجماع فيها، إن شئت تقول: له القصر، وإن شئت تقول: له التمتع برخص السفر، وهذا أجود، أن نقول: له التمتع برخص السفر، من يدري؟ هل يدري لماذا نعدل عن قضية: له القصر إلى قضية له التمتع برخص السفر؟

    أنا قلت لك مثلاً: أنه ما دام مسافراً خارج البلد له القصر، هذه من مسائل الإجماع، بعد ذلك عدلت العبارة، وقلت: الأفضل نقول: ما دام مسافراً خارج البلد له التمتع برخص السفر.

    لأن بعض العلماء قالوا: لا يقصر إلا إذا كان خائفاً، هذا قول موجود عند بعض السلف، وربطوا القصر بالخوف، وهذا قول وإن كان قولاً لا يعتبر به إلا أنه موجود ونحن نتكلم عن الإجماع، فلما نقول: له التمتع برخص السفر هذا أسلم.

    كذلك من معاقد الإجماع: أنهم أجمعوا على صحة صلاة من اجتهد فأخذ بهذا القول أو ذاك، يعني: لو أنني وإياك مسافران وأنا أرى القصر وأنت ترى الإتمام في هذا السفر، إما لطول المدة أو لغير ذلك، فهنا لا أقول: إن صلاتك باطلة؛ لأنك تصلي ركعتين، ولا أنت تقول: إن صلاتك باطلة؛ لأنك تصلي أربع، حتى عند من يوجبون القصر؛ لأن الباب باب اجتهاد، فأجمعوا على صحة صلاة من اجتهد فأتم أو اجتهد فقصر.

    المسألة الرابعة وهي فرع عن ذلك أيضاً: أنهم أجمعوا على صحة إمامة بعضهم لبعض، يعني: كون المتم من يرى الإتمام يؤم من يرى القصر، أو كون من يرى القصر يؤم من يرى الإتمام.

    هذه أهم الإجماعات، لكن دعونا نقول: إننا لما نذكر الإجماع أولاً ولما نذكر الخلاف ثانياً، أنا وجهة نظري أن لي في كل منهما غرضاً، أما ذكر الإجماع فلأن هذه الإجماعات هي لب من لباب الشريعة والتربية والأخلاق التي يتعلمها الطلاب، وكذلك لما نذكر الخلاف بحيث يتسع ذهن الطالب ويدري أن هذا فيه قول وهذا فيه قول ومسائل تتعلق بأصول الشريعة وأصول الدين، والصلاة هي أهم الأركان بعد الشهادتين، ومع ذلك هذه المسألة التي نتكلم فيها حسبت فيها أكثر من عشرين قولاً سوف أسردها لكم، فهذا يجعل الطالب يتعلم على سعة الأفق وسعة البال وسعة العذر، نعم هذا لا يعني أنه يتشهى من الأقوال بالمزاج، لكن يعني أنه يدري أن العلم بحر ليس له ساحل، وأن الإنسان كلما زاد علمه وزاد اطلاعه زاد بصره وزاد عذره للمخالفين، فلا يحمل على الناس ويقول: هذه فيها نصوص! هذه فيها نصوص صريحة، ما هناك أكثر من نصوص الصلاة ومع ذلك وقع هذا الخلاف العريض حتى بين أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام. طيب.

    إذاً: الفقرة الأولى هي: الإجماعات، والفائدة من ذكرها ومن ذكر الخلاف هذه انتهينا منها.

    متى يصير المسافر مقيماً

    الفائدة الثانية: كيف يصير المسافر مقيماً؟

    وأقول: يكون المسافر مقيماً بأحد أمور:

    منها: نية الإقامة، إذا نوى أن يقيم، مجرد النية في قلبه، فإذا لم توجد النية فهو لا يكون مقيماً، مثل الإنسان المحبوس سواء سجن أو محبوس بمانع من فيضان البحر أو من ثلج أو من عدو يمنعه من الذهاب وهو ليس بإرادته ولا باختياره.

    والسبب الثاني الذي يكون الإنسان به مقيماً: هو تحديد مدة الإقامة، هذه نية المدة، أن ينوي مدة معينة يكون بها مقيماً، مثلما لو قال: أنا أريد أن أقيم بهذا البلد خمس سنوات مثلاً وعزم على ذلك من البداية، فهنا نقول: يكون مقيماً خلال هذه المدة؛ لأنه قد حددها منذ البداية.

    بعضهم يذكرون أيضاً في الإقامة: أن يكون مقيماً باتحاد المكان، بمعنى: لو أن الإنسان مثلاً عنده بيت في بريدة وعنده بيت آخر في عنيزة، أو عنده بيت في بريدة وبيت آخر في الرياض، نقول: يكون مقيماً هنا ويكون مقيماً هناك، لكن المسافر فيما بينهما، أو لو ذهب إلى مكان آخر.

    الأمر الرابع الذي يذكره الفقهاء: أن يكون المكان صالحاً للإقامة، وهذا فيه اختلاف، يعني: لو واحد مثلاً في السفينة مقيم في السفينة، بعضهم يقول: هذا لا يعد مقيماً؛ لأن المكان ما هو بسكن ولا صالح للإقامة، وهذا قد يكون هو الغالب، لكن لا يمنع، أنا قرأت الصحف ورأيت مرة واحداً في جدة جاء للبحر، سكنه في السفينة، يقول: لي ثلاثون سنة وأنا مقيم هنا. وهذا مكانه وعنده دافور للشاي، وعنده مكان للطعام، وفراش ينام فيه، ومستقر هنا دائماً، فمثل هذا يعتبر مقيماً؛ لأن كون المكان صالحاً للإقامة هذا أمر نسبي وعرفي يختلف من شخص إلى آخر.

    النقطة الثالثة في المسألة: سبب الخلاف بين العلماء، والحقيقة الأسباب كثيرة، الشيخ سليمان ذكر تقريباً عشرة أسباب للخلاف يمكن للطالب الرجوع إليها، ولكن لعل من أهم أسباب الخلاف:

    اختلاف النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في المدد التي أقامها ما بين عشرة أيام إلى خمسة عشر يوماً، إلى سبعة عشر، إلى تسعة عشر، إلى عشرين.

    من الأسباب أيضاً: عدم وجود نص صريح حاسم في المسألة.

    من الأسباب: اختلاف النقل عن الصحابة رضي الله عنهم كما سوف أشير إليه.

    من الأسباب: أن بعضهم نظروا إلى النص كمن سبق، وبعضهم نظروا إلى العرف، وقالوا: هذه مسألة شرعية لم يرد لها تحديد، فيرجع فيها إلى عرف الناس كالمسائل التي نظيراتها كثيرة، فهذه من أسباب الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة.

    تحديد مدة القصر للمسافر

    النقطة الرابعة: سرد الأقوال، وسوف أسرد لكم الأقوال بدون استدلال، ثم نقتصر على أربعة أقوال منها وهي المهمة، وإنما مقصود سرد الأقوال للفائدة؛ لأني لم أجدها مجتمعة في كتاب معين، وحاولت أن أسردها بشكل تصاعدي تسلسلي.

    هناك من يقول: إذا وضعت رجلك بأرض فأتم، يعني بمجرد ما تدخل المدينة ينقطع القصر، وهذا مروي عن عائشة رضي الله عنها وسعيد بن جبير وطاوس.

    ثانياً: الإقامة يوم وليلة، هذا قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ربيعة بن فروخ .

    ثالثاً: الإقامة ثلاثة أيام، هذا قول سعيد بن المسيب .

    رابعاً: أربعة أيام، وهذا مذهب الشافعي وأحمد ومالك، على أن منهم من يعد يوم الدخول والخروج ومنهم من لا يعدهما، وسوف نأتي لهذا القول.

    خامساً: ما زاد على أربعة أيام، وهذا منسوب إلى أحمد بن حنبل رواية عنه، وهو قول داود الظاهري .

    سادساً: اثنتان وعشرون صلاة، وهذه رواية عن الإمام أحمد، ذكرها ابن قدامة وقال: إنها المذهب.

    سابعاً: عشرة أيام، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي النقل -على كل حال- نظر.

    ثامناً: اثنا عشر يوماً، وهذا قول سالم بن عبد الله عن أبيه، رواه مالك في الموطأ وسنده صحيح: أن ابن عمر حددها باثني عشر يوماً، وهو مروي عن الأوزاعي إمام أهل الشام أيضاً.

    تاسعاً: ثلاثة عشر يوماً، وهي رواية أخرى عن الأوزاعي .

    عاشراً: خمسة عشر يوماً، وهذا مذهب أهل الكوفة أبي حنيفة وأصحابه، والثوري والليث وابن المسيب، ونقل عن ابن عمر رضي الله عنه.

    الحادي عشر: ما زاد على خمسة عشر يوماً، وهذا نقل عن سعيد بن المسيب .

    الثاني عشر: ستة عشر يوماً، وهذا عن الليث .

    الثالث عشر: سبعة عشر يوماً، قول للشافعي .

    الرابع عشر: ثمانية عشر يوماً، للشافعي أيضاً.

    الخامس عشر: تسعة عشر يوماً، قول إسحاق بن إبراهيم وابن عباس، وثبت عنه في صحيح البخاري يقول: [ نحن إذا مكثنا تسعة عشر يوماً قصرنا، وإذا زدنا أتممنا ]، إذاً الصحيح عن ابن عباس أنه يقول تسعة عشر يوماً، وسبق أن ذكرنا قبل قليل مذهبه أنه خمسة عشر يوماً، وهذا الذي احتج به الحنفية، فنقول: الراجح الثابت عن ابن عباس أنه يحدد بتسعة عشر يوماً .

    السادس عشر: عشرون يوماً، وهذا مذهب ابن حزم كما في المحلى، واحتج له بالأثر الذي سقته قبل قليل.

    وقيل: يقصر خمسة أشهر، وهذا مروي عن ابن عباس عند ابن أبي شيبة .

    وقيل: شهرين، عن سعد بن أبي وقاص .

    وقيل: يقصر سنة، وهذه رواية عن ابن عباس .

    وقيل: يقصر مطلقاً، وهذا ذكره أبو محمد البصري، وذكره أيضاً ابن المنذر في الأوسط، وابن عبد البر وجماعة.

    تقريباً هذه أهم الأقوال، وبناءً عليه تعرف أن الأقوال تقريباً واحد وعشرون قولاً.

    فأقول: لماذا نسوقها؟

    أولاً: حتى يتعلم الطالب فن وفقه الخلاف.

    وثانياً: حتى يدرك الطالب أن هذه الأقوال كما يقول الفقهاء: أحياناً متقابلة، ويقصدون متقابلة يعني: ليس قول منها بأولى أن يؤخذ به من القول الآخر إلا بحجة أو دليل، وكونك أخذت بدليل ليس أنك تسفه القول الآخر؛ لأن الذي ذهب إلى القول الآخر أيضاً ذهب إليه بناءً على حجة ودليل، ولكن هكذا تعبدنا الله سبحانه وتعالى بأن يأخذ الإنسان ما يجتهد وألا يثرب على من أخذ بغير قوله.

    إذاً: الأقوال المختارة في المسألة أربعة:

    القول الأول: أن مدة القصر أربعة أيام وأدلته

    الأول منها: أن حد الإقامة أربعة أيام، وهذا مذهب الجمهور: مذهب مالك والشافعي وأحمد، وإن كان الإمام أحمد يختلف معهم في أنه يحسبها بعدد الصلوات، فيقول: واحد وعشرون صلاة أو اثنان وعشرون صلاة.

    القول الثاني: خمسة عشر يوماً، وهذا مذهب من؟ قلنا: إنه مروي عن ابن عباس، ومذهب أهل الكوفة: أبو حنيفة وأصحابه والليث ومن ذكرنا.

    القول الثالث: عشرون يوماً، وهذا قلنا: إنه مذهب ابن حزم، واحتج بالحديث السابق.

    القول الرابع مشهور، ربما أكثركم يعمل به: العرف، فالقول الرابع: أنه يرجع فيه إلى العرف، وهذا قول ابن تيمية الذي نصره وأشهره.

    طيب. نمر هكذا بسرعة.

    بالنسبة للقول الأول: أربعة أيام، وبعضهم يعد يومي الدخول والخروج، وبعضهم لا يعدهما، هذا خلاف بين الشافعي وبين مالك . طيب.

    أدلة من قال أربعة أيام:

    أول دليل مر معنا قبل قليل حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث أربعة أيام بـمكة ) يعني: اعتبروا أن خروجه إلى منى غير محسوب، فقالوا: إقامته بـمكة أربعة أيام وكان يعرف أنه سوف يقيم أربعة أيام، لأنه دخل في اليوم الرابع ويدري أنه سوف يخرج في اليوم الثامن، فقالوا: هذه أربعة أيام مكثها النبي صلى الله عليه وسلم بنية مسبقة، ومع ذلك كان يقصر، هذه حجة.

    لكن نجيب على ذلك بأن نقول: إن مكث النبي صلى الله عليه وسلم بـمكة أمر اتفاقي غير مقصود، وما يدرينا أنه لو جاء قبل يوم لم يقصر؟ فأصحابه الذين سبقوه بـمكة ألم يقصروا؟ الناس الذين جاءوا من أول شهر ذي الحجة ما قصروا؟ هذا بعيد.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يريد أن يجعل الأربعة حداً فاصلاً ما كان يقول لهم؟ كان يبين لهم عليه الصلاة والسلام، فعلم بذلك أن حصول أربعة أيام في حجة الوداع أمر اتفاقي، يعني: غير مقصود، بالاتفاق، بالصدفة يعني.

    ومن الأدلة: حديث العلاء بن الحضرمي وهو في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يقيم المهاجر بمكة ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه )، يعني: المهاجرون كانوا منهيين أن يبقوا في مكة التي هاجروا منها، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يبقى في مكة مع أنه منهي عن البقاء فيها، لأنه تركها لله فلا تبق فيها، لا تسكن فيها، ومع ذلك أذن لهم ثلاثة أيام، فقالوا: هذا دليل على أن ما زاد على الثلاثة يعتبر إقامة.

    فنقول لهم: حتى الثلاثة سماها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث إقامة، ( يقيم المهاجر ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه )، ثم إن هذا الأمر لا تعلق له بموضوع السفر، وإنما يتعلق بمسألة إقامة المهاجر، وهذا حكم آخر لا دليل فيه على أن الثلاثة حد معتبر، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حدد للمهاجر ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه، مع أن هذه مسألة يحتاجها عدد قليل أو كثير من أصحابه، فلو كان يراد تحديد مدة السفر لكانت أولى بالتحديد وأن تذكر بنص؛ كما ذكرت إقامة المهاجر أيضاً بنص.

    الدليل الثالث: أثر عند أحمد وهو أيضاً عند البخاري وغيره، عن عمر رضي الله عنه: (أنه أجلى اليهود والمجوس وغيرهم من المدينة ثم أذن لهم أن يمكثوا فيها ثلاثة أيام للتسوق وبيع ما لديهم)، فقالوا: هذا دليل على أن الثلاثة أيام تعتبر دون حد الإقامة، وما زاد فهو إقامة.

    ونقول: هذا يقال فيه ما يقال في الذي قبله، زيادة على أن هذا اجتهاد من عمر رضي الله عنه باعتباره أمير المؤمنين أو الخليفة، ولو أنه حدد لهم أربعة أيام أو يومين لم يكن في ذلك من بأس ولا حرج.

    أيضاً: من الأدلة التي استدلوا بها: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الضيافة: ( حق الضيافة ثلاثة أيام )، وهو في الصحيح أيضاً: (وما زاد فهو صدقة) فقالوا: هذا دليل على أن ثلاثة أيام ضيافة وما زاد على ثلاثة أيام فهو إقامة، ونقول: هذا روعي فيه عدم الحرج وعدم المشقة على الناس، ولذلك قال في الحديث: ( ولا يحل له أن يثوي أو يبقى عنده حتى يحرجه ) يعني: لئلا يحرجه.

    تقريباً هذه أهم أدلتهم التي تدور حول لفظ: (ثلاثة أيام)، (ثلاث ليال)، وكما ترى أن هذه الأدلة كلها ليس فيها شيء يتعلق بالسفر بشكل مباشر، وإنما هي تتعلق بموضوعات وأمور أخرى.

    القول الثاني: أن مدة القصر خمسة عشر يوماً وأدلته

    القول الثاني في المسألة قالوا: له الإقامة إلى خمسة عشر يوماً يقصر، فإذا زاد عليها فإنه يتم، وهذا تبين لنا الآن أنه مذهب أبي حنيفة وأهل الكوفة ومن تبعهم، ونقل عن جماعة من الصحابة كـابن عباس وابن عمر، وبعض التابعين كـسعيد بن المسيب .

    ابن عباس هل يصح عنه هذا القول؟ نقول: صح عن ابن عباس في البخاري أنه قال تسعة عشر يوماً.

    إذاً: استدلالهم بأثر ابن عباس مع أنه كلام صحابي أو فعل صحابي إلا أن الأصح كما في البخاري أنه كان يقول بالتسعة عشر يوماً.

    ابن عمر هل يصح عنه هذا القول بخمسة عشر؟

    نقول: صح عنه أنه كما ذكرناه قبل قليل عن سالم في الموطأ أنه كان يقول باثني عشر يوماً، إذاً: الاستدلال بأثر ابن عمر فيه ما فيه.

    ثم إن هذه أقوال صحابة، كلام ابن عباس مخالف لكلام ابن عمر، مخالف لكلام عثمان، مخالف لكلام فلان، فهي اجتهادات لا احتجاج بها ولا دليل على أنها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    طبعاً بعض الأحناف يستدلون بأن الخمسة عشر يوماً هي أقل طهر بين الحيضتين، وهذا لا علاقة له بموضوع السفر أولاً، ثم إن فيه إشكالاً وفيه منازعة، فإن المرأة ممكن تطهر من الحيض، ويعودها الحيض بعد ذلك بقليل، ويمكن على القول بأن الحامل تحيض أيضاً أن تطهر ثم يأتيها النفاس بعد ذلك، فهذا القول أيضاً وهو قول الحنفية وإن كان أوسع من قول الجمهور إلا أنه لا دليل عليه قوياً.

    القول الثالث: أن مدة القصر عشرون يوماً وأدلته

    القول الثالث: عشرون يوماً، أنه إذا مكث عشرين يوماً قصر، فإن زاد أتم، وهذا مذهب ابن حزم، وحجته: أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة، وحديث تبوك قلنا: الصواب أنه مرسل، وحتى مع عدم الإرسال فإن هذا أمر اتفاقي، صحيح أنه هو قد يكون أكثر ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن ما هناك دليل على أن هذه نهاية، ما الدليل على أنه لو مكث واحداً وعشرين يوماً فإنه لا يقصر؟

    القول الرابع: تحديد مدة القصر بالعرف وأدلته

    القول الرابع: مذهب ابن تيمية رحمه الله، وهو الأخذ بالعرف، وذلك أن ابن تيمية قال: إن السفر مثل أشياء كثيرة جداً، مثل: الحرز، مثل: القبض، مثل: عشرات الألفاظ التي جاءت في الشريعة ولم يرد لها تحديد معين، فيؤخذ فيها بالعرف الجاري عند الناس، ابن تيمية رحمه الله عنده قاعدة صنف فيها وهي أن كل اسم ورد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية وليس له حد في اللغة معروف ولا حد في الشرع معروف أيضاً فالمرجع فيه إلى عرف الناس، ومن ذلك موضوع السفر، هذا أولاً.

    ثانياً: استدل ابن تيمية رحمه الله بنصوص وآثار كثيرة جداً عن السلف ذكرها ابن أبي شيبة في المصنف، وذكرها عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهم، أذكر منها على سبيل المثال: (أن ابن عمر رضي الله عنه أقام مجاهداً بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) وهذا رواه عبد الرزاق وصححه ابن حجر كما في التلخيص الحبير ستة أشهر.

    الأثر الثاني: عن أنس رضي الله عنه (أنه أقام بـالشام أو بـعمَّان شهرين يقصر أو يصلي الصلاة ركعتين ركعتين)، وهذا رواه عبد الرزاق أيضاً ورواته ثقات .

    هناك أثر عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم أقاموا بـإيران هرمز -وهي فيما يسمى فيما وراء النهر بلاد المشرق- تسعة أشهر يقصرون الصلاة، وهذا صححه ابن حجر في الدراية، وكذلك صححه النووي في التلخيص وغيرهم، وقد رواه البيهقي .

    الأثر الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنه: (أن رجلاً سأله، فقال له: صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين، ثم قال له: إنهم يذهبون إلى خراسان وما وراء النهر ويطيلون الغزو فيها).

    بل هناك أثر عن مسروق : أنه ولي ولاية تسمى السلسلة أو غيرها ولم يكن يرغب في هذه الولاية، كان يكرهها، ولاه عبيد الله بن زياد أظن، فكان يقصر الصلاة حتى أعفي من الولاية وقد مكث فيها سنتين أو أكثر.

    يعني هناك آثار كثيرة جداً في هذا الباب.

    الخلاصة: أن ابن تيمية رحمه الله استفاد من هذه النصوص على أن هؤلاء ذهبوا وسافروا ولم يكن بنيتهم الإقامة الطويلة.

    وطبعاً ممن ذهب إلى ما ذهب إليه ابن تيمية من المتأخرين، ابن القيم وافق ابن تيمية على هذا القول، وهكذا أخذ به الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ محمد العثيمين وجمع كثير من المحققين الذين لا يلتزمون بالمذاهب الفقهية، والشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله بناءً على هذه المسألة أفتى الطلاب الذين يسافرون إلى أوروبا وغيرها أو أي مكان فيه سفر ويقيمون للدراسة أنهم يقصرون أبداً، وتقريباً الشيخ سليمان الماجد عارض هذه النقطة في البحث المشار إليه، وكأنه اعتبر أن رأي الشيخ ابن عثيمين مختلف عن رأي الشيخ ابن تيمية، وأن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يقيد السفر هنا بمن له حاجة يقيم حتى تنتهي، أو وقت أو زمن يقيم حتى يمر هذا الزمن.

    ويبدو لي أنه وإن كانت المسألة فيها نوع من الاختلاف إلا أن هذا الاختلاف مرده إلى اعتقاد العرف، يعني: كأن الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله يأخذ برأي ابن تيمية في مسألة العرف، ولكنه توسع في العرف وأجراه، وهذه من مشكلات الأخذ بالعرف أحياناً، أنه قد يلزم منه نوع من التسلسل، فإن من الصعب جداً في نظري أنه لما يكون سفير في بلد معين أو طالب يعلم يقيناً أنه سوف يبقى في هذا البلد ربما خمس أو ست سنوات للدراسة، وقد يبقى للماجستير والدكتوراه مثل ذلك، يعني: عشر سنوات أخرى، وبناءً على ذلك فهو أشبه بالمقيم منه بالمسافر، وعنده بيت متملك، أولاده في المدرسة، البيت فيه أثاث جيد، علاقاته، برامجه، تنظيمه، ترتيبه، كلها حالات تدل على أنه أليق بالمقيم منه بالمسافر، بينما تجد نصوص الشريعة فيها الإشارة إلى نوع من وعثاء السفر، ربنا سبحانه يقول مثلاً: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا [النساء:101]، والآية الأخرى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184] يعني: كأنه راكب على سفر، كأنه متمكن من هذا السفر.

    ولذلك ممكن نقول نحن: إن من ضوابط العرف أنه إذا كانت حال الإنسان أشبه بالمقيم فإنه يتم، وإذا كانت أشبه بالمسافر فإنه يقصر، وفيها اختلاف والإنسان يجتهد، ولا تثريب عليه حتى لو اجتهد وأخطأ ما يضر هذا، لكن كقاعدة عامة، فإن الذي يظهر لي فعلاً أنه وإن أخذنا بالعرف وهو كلام ابن تيمية وهو وجيه لعدم وجود أدلة قوية يمكن الأخذ بها عند أقوال الآخرين، فنحن نرجح الأخذ بالعرف.

    لكن نقول: إن هذا العرف ينبغي أن يكون فيه قدر من الضبط، بحيث إذا كانت أحوال المسافرين يغلب عليها طابع الإقامة والارتباطات والعلاقات والسكنى والنزول والمكث الطويل الذي قد يمتد لشهور طويلة أو سنوات، فإن هؤلاء أقرب إلى المقيمين منهم إلى المسافرين، ولذلك نفتي الطلاب الذين يسكنون في أوروبا مثلاً أو أمريكا أو العمال الذين يأتون إلى المملكة ويقيمون لسنوات أنهم مقيمون ويلزمهم الصوم مع الناس ويلزمهم الصلاة، ولا يحق لهم القصر ولا التمتع برخص السفر، ومع ذلك نقول: من أفتاهم بغير ذلك أو اجتهد أحد منهم فأخذ برأي أحد من أهل العلم فإن الأمر فيه حرج وإلا ما فيه حرج؟ ما فيه حرج، المسألة كلها مسائل فقهية وفرعية وأمرها سهل وقريب ولا يأتي واحد يقول: والله هذه الصلاة ركن من أركان الإسلام، نعم ولكن الذي شرع الإتمام هو الذي شرع الفطر، والذي شرع العزيمة هو الذي شرع الرخصة، ولو شاء الله ألا يختلف الناس لم يختلفوا، وليس هناك أمر يمكن الرجوع إليه قطعاً، وإنما المسألة لا تعدو أن تكون اجتهادات في هذه المسألة، والله أعلم.