إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 446

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 446للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعنا الإقامة أن نمشي إلى الصلاة وعلينا السكينة والوقار، وفي ذلك استحباب المشي إلى الصلاة وعدم الركض والعجلة، وذلك لفضيلة المشي إلى الصلاة؛ وفي ذلك التزام السكينة والوقار حال أداء العبادة، والحرص على متابعة الإمام على الحال التي تم إدراكه عليها في الصلاة، وعدم الانشغال بعد الإقامة بغير الفريضة.

    1.   

    شرح حديث: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هذه ليلة الإثنين، الأول من شهر صفر، من سنة ألف وأربعمائة وخمس وعشرين للهجرة، وهذا الدرس رقمه (مائة وستون) من أمالي شرح بلوغ المرام .

    أما اليوم فعندنا حديثان:

    أولهما ورقمه يفترض أن يكون (أربعمائة واثنين وعشرين)، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ) متفق عليه واللفظ للبخاري.

    تخريج الحديث

    هذا الحديث الأول: وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكالعادة عندنا فيه عدة أبحاث:

    الأول: ما يتعلق بتخريج الحديث:

    فحديث أبي هريرة هذا كما ذكره المصنف قال: متفق عليه واللفظ للبخاري، فإن البخاري أخرج الحديث بهذا اللفظ نفسه في كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأتي بالسكينة والوقار.

    وأخرجه أيضاً في كتاب الصلاة نفسه في موضع آخر، باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة؛ لأن بعضهم كرهوا هذا، فـالبخاري بوب رحمه الله: باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة.

    وأخرجه أيضاً في كتاب الجمعة، في موضع ثالث في كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، إشارة إلى أن قوله: (الصلاة) يشمل الجمعة والجماعة.

    وأخرجه مسلم أيضاً في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بسكينة ووقار، وفي لفظ لـمسلم واللفظ هنا قال: ( إذا سمعتم الإقامة ) في لفظ آخر ذكره مسلم قال: ( إذا ثوب بالصلاة )، وفي لفظ آخر أو ثالث: ( إذا نودي بالصلاة ) فالنداء والتثويب المقصود بهما الإقامة، كما سوف يأتي.

    وأخرجه بقية أصحاب السنن، أخرجه الترمذي مثلاً في أبواب الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى المسجد.

    والنسائي في الإمامة، باب السعي إلى الصلاة.

    وأخرجه أيضاً أبو داود في الصلاة، باب السعي إلى الصلاة، وقد ذكر أبو داود في هذا الموضع المشار إليه ذكر اختلاف الرواة في قوله صلى الله عليه وسلم: ( فاقضوا ) أو قوله: ( فأتموا )، وهذا فيه اختلاف مشهور، وفي كلام أبي داود في السنن في هذا الموضع ذكر أن أكثر الرواة ساقوه بلفظ: (فأتموا)، وأن لفظ: (فاقضوا) مما رواه ابن عيينة عن الزهري وحده، ولكن ابن عيينة لم ينفرد به، فإن الإمام أحمد في مسنده .. وغيره من الأئمة ساقوا الحديث بلفظ: (فاقضوا) من طريق معمر عن الزهري .. وغيره، فلم ينفرد به سفيان بن عيينة .

    وقد روى الحديث أيضاً ابن ماجه في السنن في المساجد والجماعات، باب المشي إلى الصلاة.

    وخرجه بقية الأئمة، كـمالك في الموطأ، وعبد الرزاق، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارمي، والطحاوي، وأحمد كما أشرت .. وغيرهم.

    هذا حديث أبي هريرة .

    الحديث أيضاً له شاهد من حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع جلبة -يعني: كأنه سمع جلبة أثناء الصلاة- فلما انصرف، قال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله! استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما سبقكم فأتموا ). وهذا الحديث حديث أبي قتادة رواه البخاري، ورواه مسلم في الموضع السابق أيضاً، في المساجد ومواضع الصلاة، فهو متفق عليه أيضاً، وهو شاهد لحديث أبي هريرة .

    وبهذا يعلم بعض الطلبة الحدثاء الذين يسألون: ما معنى الشاهد؟ أن الشاهد هو أن يرد المتن نفسه من طريق صحابي آخر: الأول: عن أبي هريرة، والثاني: عن أبي قتادة، فهذا شاهد لهذا، يعني: يشهد لصحته ويقويه.

    معاني ألفاظ الحديث

    الموضوع الثاني: ما يتعلق بمعاني ألفاظ الحديث.

    قوله: ( إذا سمعتم الإقامة ) ذكرنا أن الإقامة والتثويب والنداء كلها بمعنى واحد، كما في رواية مسلم، وقد يطلق على الإقامة أيضاً أذان، مثل ماذا؟ هل تحفظون نصاً؟ ( بين كل أذانين صلاة ) الحديث متفق عليه. فالإقامة تسمى أذاناً من باب التغليب، ولأنها نداء للصلاة، فإذا كان الأذان لدعوة البعيد إلى المسجد فإن الإقامة هي دعوة القريب إلى أن يقوم للصلاة أيضاً.

    في بعض ألفاظ الحديث بدلاً من قوله: (إذا سمعتم الإقامة) قال: ( إذا أتيتم الصلاة )، فما هو الفرق بين اللفظين؟

    قد يكون الإتيان قبل وقت الإقامة، إذاً نقول: لفظ: (إذا أتيتم الصلاة) أشمل وأعم، لأنه يشمل من جاء وقت الإقامة، ومن جاء قبل وقت الإقامة، أو حتى بعدها، لو جاء والإمام قد صلى ركعة مثلاً، فإن البعض قد يستعجلون للصلاة إذا فاتهم شيء منها.

    فنقول: إن لفظ: (إذا أتيتم الصلاة) أعم وأشمل، وهو يدل على أن المخاطب بهذا الحديث كل من جاء إلى الصلاة، سواء جاء وقت الإقامة، أو قبل الإقامة، أو بعد الإقامة.

    إذاً: لماذا نص الحديث الأول على سماع الإقامة: ( إذا سمعتم الإقامة فلا تأتوها وأنتم تسعون

    إشارة إلى أن الغالب من حال الناس أنهم إذا سمعوا الإقامة أسرعوا، لماذا؟ من أجل إدراك الصلاة من أولها، من أجل إدراك تكبيرة الإحرام، وهذا جيد أن يسعى الإنسان إلى إدراك تكبيرة الإحرام، لكن من غير سرعة.‏

    وهل ورد في تكبيرة الإحرام شيء يخصها؟ حديث يدل على فضلها؟

    نعم. جاء عند أهل السنن هذا الحديث: ( من حافظ عليها أربعين يوماً لا تفوته تكبيرة الإحرام كتب له براءتان ) واختلف في الحديث في رفعه ووصله، وأيضاً جاء حديث آخر: ( أن تكبيرة الإحرام خير من حمر النعم ) ذكره السيوطي في الجامع الكبير، وهو ضعيف، والناس يتداولون أحياناً حديث: (تكبيرة الإحرام خير من الدنيا وما فيها) وهذا الحديث ليس له أصل ولا يعرف، لكن نقول: لا شك أن التكبير مع الإمام له فضيلة، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (إذا سمعتم الإقامة) فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يحرصون على إدراك الصلاة من أولها، ولهذا إذا سمعوا الإقامة أسرعوا، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    فنقول إذاً: النص على الإتيان أثناء الإقامة هنا ليس له معنى خاص، إلا لأن غالب الناس يسرعون إذا سمعوا الإقامة.

    قوله: (إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار)، السكينة من السكون، سكن الشيء يعني: هدأ، فالسكون ضد الحركة، فالسكينة هنا قد تكون بمعنى الهدوء، بمعنى المهابة، بمعنى الرزانة، بمعنى الوقار، كل ذلك مما يلائم العبادة، وحال الصلاة التي يريد العبد أن يتلبس بها، وضد ذلك: الطيش والركض والعجلة والحركة والاضطراب، وهذه الأشياء منافية للصلاة، إما منافاة كلية أو جزئية؛ لأن بعضها قد يبطل الصلاة لو وقع في أثنائها، وبعضها قد يكون مكروهاً ولا يبطل الصلاة.

    والسكينة جاءت في القرآن الكريم كثيراً كقوله تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ [البقرة:248]، وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا [الفتح:4]، والآية الثالثة: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ [الفتح:26]، فتلاحظ أن السكينة غالباً ما تذكر في الحالات التي يقع فيها للناس بلبلة وحيرة واضطراب، فيذكر الله سبحانه وتعالى السكينة التي تنزل على قلوبهم فتزيل من قلوبهم الاضطراب والخوف والتوجس.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وائتوها وعليكم السكينة) لاحظ أن هذه الجملة: (وعليكم السكينة) تحتمل أكثر من معنى، فيه احتمال أن: (وعليكم السكينة) جملة حالية، يعني: ائتوا الصلاة حال كون السكينة عليكم، حالة كونكم ساكنين، السكينة ظاهرة عليكم، بادية عليكم، هذا المعنى، وبناءً عليه الواو هنا تكون حالية: ائتوها حال كونكم متلبسين بالسكينة. هذا المعنى.

    يوجد معنى آخر وهو أن يكون قوله: (عليكم السكينة) يعني: عليكم بالسكينة، فيكون حظاً وترغيباً وتحضيضاً لهم على السكينة، فيكون هنا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ) فهنا يقول: إذا أتيتم الصلاة فعليكم أن تلزموا السكينة، فيكون بمعنى الأمر حينئذ: أن اسكنوا إذا أتيتم إلى الصلاة.

    ومما يدل على هذا أن في بعض الروايات قال: ( وعليكم بالسكينة ) فدخول الباء يدل على أنه أمر وحض.

    ولماذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة هنا؟ الأمر معلل كما في إحدى روايات مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة ). إذاً: فالأمر بالسكينة إشارة إلى أنك منذ أن خرجت من بيتك فأنت في صلاة، ويفترض أن يكون عندك من الهدوء والوقار ما يلائم حال صلاتك، فإنه لا يليق بالمصلي مثلاً أن يركض أو يتحرك، أو يكثر الالتفات والاضطراب، فإن هذا شأن الإنسان الذي فيه طيش، وأما المقبل على صلاته فإنه يتهيأ للقاء ربه، فمن يوم خرج من البيت إلى المسجد ينبغي أن يكون عليه أثر هذه العبادة حتى يتهيأ لأدائها.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وعليكم السكينة والوقار) هنا عطف الوقار على السكينة، وكثير من الشراح قالوا: إن الوقار والسكينة بمعنى واحد، لكن الأقرب أن بينهما فرقاً.

    والذي يظهر لي أن الفرق بينهما إذا ذكرا معاً: أن يكون المعنى أن السكينة تكون في القلب، والوقار على الجوارح، هذا تقسيم جيد إذا ذكرت السكينة والوقار معاً، وهو كثير ما يأتي في كلام الفقهاء وفي نص الشارع، كما في هذا الحديث: (السكينة والوقار)، فنقول: السكينة معناها: هدوء القلب، والوقار: هو هدوء الجوارح، بعدم التلفت وعدم الحركة .. وغير ذلك من المظاهر التي تدل على الانشغال، وعدم الإقبال على صلاته.

    هذا تقسيم أو تفصيل جيد.

    الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم فصل تفصيلاً آخر، وقال: إن السكينة: هي التأني في الحركات وعدم العبث، أما الوقار: فهو في الهيئة، كتجنب الالتفات مثلاً، وغض البصر، وخفض الصوت، وما ذكره الإمام النووي رحمه الله متجه، إلا أن التفريق ليس شديد الوضوح، بخلاف ما ذكرنا من التفريق بين أن تكون السكينة في القلب، والوقار في الجوارح.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم بعدما أمر بالسكينة والوقار، نهى عن ضدها، فقال: (ولا تسرعوا) وهذا زيادة تأكيد ونفي للضد كما ذكرنا، وأيضاً: نفي توهم أن الإسراع الذي لا ينافي السكينة يكون حسناً، ولعل مقصود النهي عن الإسراع؛ لئلا يرتبك المصلي بالسرعة، وربما يكون من مقاصد عدم الإسراع أيضاً أن تكثر الخطى؛ لأن الذاهب إلى المسجد كل خطوة إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفعه درجة، فإذا كثرت الخطى كثرت الحسنات، فناسب أن يقول: (لا تسرعوا) لأنك مستفيد، وهذا ليس معناه التكلف أيضاً بقصر الخطى، لكن معناه الاعتدال، والشرع دائماً يتشوف إلى عدم التكلف بالزيادة ولا بالنقص.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، قوله: (ما أدركتم) (ما) هنا تصدق على ماذا؟ على ركعتين، على ثلاث، على أقل من ركعة؟

    عامة، تصدق على كل شيء، تصدق على أي شيء، يعني لما قال: (فما أدركتم فصلوا) كأنه يقول: أي شيء أدركتموه مع الإمام فصلوا، فلو أتيت والإمام مثلاً في التشهد الأخير بقي عليه نصف دقيقة ليسلم، هنا نقول: أدركت قدراً يصدق عليه: (ما) هنا (ما أدركتم)، فصله مع الإمام، كما أنه قال: (وما فاتكم فأتموا) فيصدق على كل ما فات الإنسان مما لا يعتد به من الصلاة أنه يجب عليه أن يتمه بعد فراغ الإمام.

    إذاً قوله: (ما أدركتم) يصدق على الكثير والقليل، وهو يؤيد ما ذكرناه سابقاً من أن المستحب للداخل إلى المسجد أن ينضم إلى الإمام على الحال التي هو عليها، ولا ينتظر لينظر هل هذه هي الركعة الأخيرة، أو ليست هي الركعة الأخيرة، أو ينتظر حتى يقوم، وإنما ينضم إليه على الحال التي هو عليها، وذكرنا في هذا أحاديث.

    وسوف نأتي إلى مسألة بعد قليل وهي: هل يدرك بهذا المقدار الذي أدركه من الصلاة الجماعة أو لا يدرك؟ وهذا سوف نعرض له بعد قليل، وسنذكر أنه يحصل له بذلك فضيلة الجماعة، وإن لم يدرك حكمها وهو قول الجمهور، ويؤيده قوله هنا: (فما أدركتم) أي: لحقتم، فجعله مدركاً لشيء من الصلاة وإن قل.

    ثم قال: (وما فاتكم فأتموا) وهكذا هو في البخاري وأكثر روايات مسلم وأهل السنن وأحمد، فيها لفظ: (فأتموا) وفي بعضها: (فاقضوا) ومع أن مسلماً رحمه الله خرجها في صحيحه، ساق إسنادها ولم يسق اللفظ كاملاً، إلا أنه في كتاب التمييز له -وهو كتاب مطبوع، كتاب التمييز لـمسلم في العلل حكم على هذه اللفظة بأنها وهم، وقد وقع مثل هذا الاختلاف الحاصل في حديث أبي هريرة، وقع في حديث أبي قتادة الذي سقته قبل قليل شاهداً لحديث أبي هريرة، وذكر مسلم إسناد هذه اللفظة التي هي: ( وما فاتكم فاقضوا ).

    والذي يظهر لي والله أعلم أن المعنى واحد، وأن قوله: (فأتموا) أو (فاقضوا) من تصرف الرواة التصرف الذي لا يخل بالمعنى، لأن قوله: (فاقضوا) ليس معناه قضاء ما مضى بعينه، وإنما معناه: الإتيان بما بقي على الإنسان، فهو كقوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة:10] هل معنى قضيت يعني: قضاء الناس بعد الإمام، أو معناها: فرغ منها؟ معناها: فرغ منها، إذاً نقول: (وما فاتكم فاقضوا) يعني: فأتموا، فافرغوا منه، فائتوا به، وهذه المعاني متقاربة أو مترادفة، وليس للقضاء هنا معنى مخالف للإتمام، وإن كان بعض الفقهاء يبنون على هذا خلاف، ما هو الخلاف الذي يبنى عند بعضهم في التفريق بين كلمة (فأتموا) أو (فاقضوا)؟

    بعضهم يبني على لفظة (فاقضوا) أن ما أدركه المصلي مع الإمام هو آخر صلاته، وما سوف يقضيه هو أولها، فتصبح صلاة المسبوق تصبح مقلوبة على هذا، وهذا يترتب عليه مثلاً هل يجهر أو لا يجهر، إذا كانت الصلاة جهرية عند بعضهم؟ يترتب عليه أيضاً عملية هل يقرأ سورة بعد الفاتحة أو لا يقرأ؟ باعتبار أن هذه الركعة الرابعة هي في حقيقتها بالنسبة لك الأولى التي فاتتك مع الإمام، فهم ربطوا الخلاف بمسألة: (فاقضوا). (فأتموا)، وقد ذكرنا أن غالب الرواة جاءوا بلفظ: (فأتموا) وأن الذين جاءوا بلفظ: (فاقضوا) لم يقصدوا إلا المعنى ذاته، والله أعلم.

    وقد يحتج بهذا اللفظ في قوله: (وما فاتكم فاقضوا) أو (فأتموا) قد يحتج به البخاري ومن وافقه -كما ذكرت في الأسبوع الماضي- على أن من لم يقرأ سورة الفاتحة فاتته الركعة وعليه قضاؤها، لأنهم يقولون: فاتته الفاتحة وفاته القيام، فلا يجزئه إلا أن يقضي تلك الركعة، لكن هذا فيه إشكال، فيه رد عليه، سوف نذكره عما قليل.

    أقوال العلماء في مسألة ما تدرك به الجماعة

    المسألة الفقهية الموجودة في الحديث، وهذه هي النقطة الثالثة: هي مسألة إدراك صلاة الجماعة بماذا يكون؟ بم يدرك المرء صلاة الجماعة؟

    وابن تيمية رحمه الله ذكر هذه المسألة في شرح العمدة وفي غيره، وذكر فيها ثلاثة أقوال، ولكن ظهر لي أنه فرع هذه الأقوال الثلاثة؛ لأنه أدخل مع الجماعة الجمعة، والجمعة فيها خلاف آخر، ولذلك رأيت من الأفضل أن نفصل الجمعة عن الجماعة، ونبحث موضوع صلاة الجماعة منفرداً الآن، والجمعة تأتي في وقتها، وهذا أسهل وأوضح، هو ذكر ثلاثة أقوال، فسوف تكون قولين عندنا؛ لأننا أخرجنا موضوع صلاة الجمعة.

    فنقول: بماذا تدرك صلاة الجماعة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ‏

    القول الأول: إدراك الجماعة بإدراك ركعة كاملة وأدلته

    القول الأول: أنها لا تدرك الجماعة إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام، ونقصد بالركعة الكاملة أن يدرك ماذا؟ أن يدرك الركوع، يعني: لو أدرك الركوع الأخير من الصلاة مع الإمام فقد أدرك ماذا؟ الجماعة، وبناءً عليه لو أدركه بعد القيام من الركوع، أو في السجود، أو في الجلسة بين السجدتين، أو في التشهد الأخير، يكون غير مدرك للجماعة، هذا هو القول الأول، وهذا مذهب الإمام مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها جماعة من أصحابه، وهو وجه أيضاً في مذهب الإمام الشافعي، اختارها بعض أصحابه أيضاً كـالروياني وغيره، واختاره الإمام ابن تيمية وابن القيم والسعدي وابن باز وابن عثيمين رحمهم الله جميعاً: أنه لا تدرك الجماعة إلا بإدراك ركعة فما زاد مع الإمام.

    دليل هؤلاء ما رواه الجماعة -الشيخان وأصحاب السنن- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) فقالوا: هذا النص عام في كل إدراك، (من أدرك ركعة من الصلاة) مثلاً: قبل خروج الوقت، أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس، أو ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس، فيكون قد أدرك الصلاة كلها.

    وهكذا من أدرك ركعة كاملة مع الإمام، يكون قد أدرك الصلاة، وهكذا من أدرك ركعة كاملة يوم الجمعة، يكون أيضاً قد أدرك الصلاة، فيرون هذا الحديث عاماً في كل إدراك، بما في ذلك إدراك الجماعة كما ذكرنا.

    ومما يؤيد ما ذكروا وذهبوا إليه أنه جاء في لفظ عند مسلم : ( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة )، فهذه زيادة في مسلم : (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام) دليل على أن إدراك الجماعة مع الإمام لا يكون إلا بإدراك ركعة فما زاد عليها، ولكن هذه اللفظة في مسلم الزيادة: (من أدرك ركعة مع الإمام) يخشى أن تكون شاذة، وهو الأقرب، لأن أكثر الرواة لم يذكروها، فلا يحتج بها، وإن كانت صريحة في الباب لو صحت وثبتت، وإنما غالب الرواة ساقوا الحديث بلفظه الأول: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) .

    إذاً: هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: إدراك الجماعة بأقل قدر يمكن المصلي من تكبيرة الإحرام وأدلته

    القول الثاني: أن الجماعة تدرك بإدراك أقل قدر يحصل به للمصلي تكبيرة الإحرام، يعني: أن من أدرك قدر تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل أن يسلم الإمام، فقد أدرك الجماعة بذلك، يكون له إدراك حكم وفضل الجماعة.

    وهذا القول نسبه جمع أو كثير من المصنفين والشراح إلى جمهور العلماء، وهو مذهب أكثر الحنابلة وأكثر الشافعية والأحناف، وروي عن جماعة من السلف: أن الجماعة تدرك بتكبيرة الإحرام، فإذا كبر قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك الحكم وأدرك الفضيلة.

    واستدلوا بأدلة منها -وهذا أيضاً ربما يكون قول لبعض الظاهرية- منها:

    حديث الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فما أدركتم فصلوا )، و(ما) كما قلنا قبل قليل يصدق على القليل والكثير.

    والدليل الثاني أيضاً: حديث أبي قتادة، وهو شاهد حديث الباب بمعناه.

    وقالوا: إن حديث الباب .. حديث أبي هريرة وأبي قتادة مقدم على حديث أبي هريرة الآخر: ( من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة )، لماذا يقدم عليه؟

    قالوا: لأن حديث الباب منطوق، وحديث أبي هريرة مفهوم وليس بمنطوق. كيف؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة قال: ( من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة ) طيب! من أدرك أقل من ركعة هل نص عليه؟ لا، مسكوت عنه، لكن نحن فهمنا أنه من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، فهذا فهم وليس بمنصوص، بينما حديث الباب .. حديث أبي هريرة وأبي قتادة فيه: ( فما أدركتم فصلوا ) فهو منطوق يدل على الأمر بصلاة أقل قدر أدركه الإنسان، فمن هذا الوجه قدموا حديث أبي هريرة وأبي قتادة .. حديث الباب على الحديث الآخر: ( من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة ).

    وخطر لي جواب على هذا، وهو جواب أظنه صحيحاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: ( فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ). طيب! من جاء وقد فاته الركوع الأخير، كم سوف يصلي؟ أربع ركعات -مثلاً الظهر- إذاً: سوف يأتي بالصلاة كلها، فكأنه لم يدرك شيئاً، لاحظتم هذا؟ إذاً هذا رد جيد على ما ذهبوا إليه. نقول: ( فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم ) الحديث جعل الإنسان متردداً بين الإدراك وبين الفوات، فالذي جاء وقد فاته الركوع الأخير من الصلاة قد فاتته الصلاة كلها، بدليل أنه سوف يقضيها كلها، أليس هذا واضحاً؟ فهذا يعزز مذهب الأولين، ويضعف الاحتجاج بحديث الباب في قوله: (وما فاتكم فأتموا) لأننا نقول: الدليل أنه لو جاء والإمام ساجد في الركعة الأخيرة، وإن انضم معه وسجد معه، إلا أنه لن يعتد بهذه الركعة، بل سوف يقضيها بعدما ينتهي الإمام، فدل ذلك على أنه لم يدرك من الصلاة شيئاً يعتد به، هذا وجه قوي.

    أيضاً من أدلتهم: ما روته عائشة وهو في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة ) فقالوا الآن: الحديث هذا اكتفى بسجدة وليس بركعة، واعتبره النبي صلى الله عليه وسلم مدركاً للصلاة، وبعض الحنابلة قالوا: إن المقصود بقوله: (سجدة) أي: مقدار سجدة، يعني: قدر سجدة، حتى لو كان من التشهد الأخير مثلاً، وهذا ذكره الصنعاني في سبل السلام على سبيل الاحتمال، ليس على سبيل الجزم، أن المقصود بالسجدة في حديث عائشة أي: مقدار سجدة.

    وفي نظري أن الاحتجاج أيضاً بهذا الحديث ضعيف، لماذا؟

    أولاً: لأن أكثر روايات الحديث فيها ذكر ركعة كما ذكرناه قبل قليل: ( من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة ) والتعبير بالسجدة هنا نقول: إنه من الرواية بالمعنى، مثل الفرق بين: (فاقضوا) و(أتموا). هذا الجواب الأول.

    الجواب الثاني: أن نقول: المقصود بالسجدة: هو الركعة، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، وهذا باب معروف في اللغة والبلاغة.

    إذاً: المقصود (من أدرك سجدة) يعني: من أدرك ركعة، هذا هو المقصود، ولذلك جاء في بعض ألفاظ مسلم في نفس الحديث حديث عائشة قال: ( والسجدة هي الركعة ) يعني: الركوع بسجودين.

    وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً السابق قال: ( إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته )، وهنا لا يتصور أنه أدرك سجدة، إلا أن يكون المقصود أدرك ركعة. في سنن البيهقي : ( من أدرك السجدة الأولى قبل أن تغرب الشمس ) يعني: الركعة الأولى، مثل لو الإنسان تأخر عن صلاة العصر إلى قبيل غروب الشمس، وليكن هذا لسبب أو عذر مثلاً، كنوم .. أو نحوه، ثم استيقظ قبل غروب الشمس بنحو دقيقة، لم يتمكن إلا أن يصلي ركعة واحدة قبل أن تغرب، فنقول: هذا قد أدرك الصلاة، وكأنما أوقع صلاة العصر كلها في وقتها.

    وعلى هذا نقول: إن القول الراجح في هذه المسألة: هو أن من أدرك ركعة من الجماعة فكأنه قد أدرك الجماعة كلها، وهو القول الذي ذكرناه أولاً: أن الجماعة تدرك بإدراك ركعة فما زاد مع الإمام. طيب.

    من أدرك دون الركعة مع الإمام، كمن وجده في السجود الأخير، أو في التشهد الأخير مثلاً، ماذا نقول في حقه؟ ماذا نقول في شأنه؟

    الأقرب والله أعلم فيما ظهر لي من سياق النصوص أن نقول: إنه أدرك فضيلة الجماعة، لكنه دون الأول بحيث لم يدرك حكم الجماعة، فنفرق بين الحكم وبين الفضيلة، نقول: أدرك الفضيلة، لأنه جاء إلى المسجد، بل جاء في بعض الأحاديث: (أنه لو جاء إلى المسجد فوجدهم قد صلوا، فصلى ما كتب له كما لو صلى مع الجماعة) فباب الفضل واسع، والناس يعولون فيه على فضل الله تبارك وتعالى وسعته ورحمته.

    فنقول: إدراك الفضيلة -فضيلة الجماعة- ممكن أن يحصل بإدراك أقل قدر من الصلاة مع الإمام، لكن إدراك الحكم لا يكون إلا بإدراك ركعة فما زاد.

    وقد يقول قائل: ما هو أثر أو ما ثمرة هذا التفريق؟

    فأقول: يكون فيه ثمرات لطيفة وخفية وظاهرة أحياناً، على سبيل المثال: صلاة الجمعة -كما هو معروف- أنه مثلاً: الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة مع الإمام، لكن لو جاء مثلاً والإمام قد سجد في الركعة الثانية، فإنه يتمها أربعاً ظهراً، وهذا روي عن جماعة كثيرة من الصحابة، كـابن مسعود وابن عمر وأنس .. وغيرهم، بل حكاه بعضهم إجماعاً للصحابة رضي الله عنهم وهو مذهب الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة ولعله سيأتي تفصيل له.

    إذاً: نفرق بين الفضيلة وبين الحكم، فنقول: أدرك فضيلة الجماعة ولم يدرك حكمها، وليس كمن أدرك ركعة كاملة مع الإمام، والذي أدرك ركعة كاملة مع الإمام، ليس كمن أدرك الصلاة من أولها، هم درجات عند الله. طيب.

    هذه المسألة يتفرع عنها مسألة أخرى، أو أكثر من مسألة، منها: مسألة الجمعة، وقد ذكرناها وسوف نأتي إليها إن شاء الله: من فاتته من الجمعة ركعة أو أكثر.

    مسألة: متابعة المسافر للمقيم

    المسألة الثانية التي تتفرع عن هذا البحث أيضاً: مسألة متابعة المسافر للمقيم، لو أنك مسافر وصليت خلف إمام مقيم، فما حكمك؟

    السنة أن المسافر يأتم بالمقيم، فيصلي مثل صلاته، لكن لو أنه لم يدرك من الصلاة إلا قدر التشهد مثلاً، فاتته الصلاة كلها، هل يتمها صلاة مقيم باعتبار متابعته للإمام، أو يتمها صلاة مسافر ويقصر، لأنه ما أدرك شيئاً من الصلاة؟

    يتمها صلاة مسافر، هذا جيد.

    السؤال الثاني أيضاً في المسألة: لو أنه أدرك من الصلاة ركعة واحدة وهو مسافر، هل يضيف إليها أخرى من الرباعية، أو لابد أن يأتي بأربع؟

    قولان لأهل العلم: الجمهور يرون أنه لابد أن يأتي بأربع، وهذا يدخل في مسألة ربما الحكم أنه أدرك الجماعة من حيث الفضل، وليس من حيث الحكم.

    وبعضهم -وهذا قول لبعض السلف جيد، واختاره بعض فقهائنا- قالوا: أنه يجوز له أن يكتفي بركعة واحدة، سوف يأتي هذا البحث في مسألة صلاة المريض والمسافر.

    والقول الثالث في المسألة للظاهرية .. وغيرهم الذين يرون أنه يجب عليه أن يصليها قصراً، سواء أدرك الصلاة من أولها أو لم يدركها، وأن يخالف الإمام في ذلك، وسوف يأتي بحث هذه المسألة، المقصود الإشارة إلى أنها تفريع عن المسألة.

    مسألة: طهارة الحائض قبل غروب الشمس

    فيه تفريع ثالث أيضاً: وهو مسألة المرأة الحائض، إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر ركعة، وجب عليها أن تصلي العصر، لكن لو أدركت أقل من مقدار ركعة، فإنه ليس عليها الصلاة؛ لأن الوقت الذي طهرت فيه لا يتسع لأداء ركعة فما زاد عليها.

    إذا أدركت أقل من ركعة؟

    يرون أنه لا يتعين عليها إلا إذا أدركت مقدار ما يتسع لركعة فما زاد، وفيه بحث آخر أيضاً في هل تصلي الظهر والعصر أيضاً، هذا سبق في باب الحيض.

    فوائد الحديث

    أما فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في قوله: (إذا سمعتم الإقامة)، وهذا فيه دليل على أن السنة أن تكون الإقامة مجهورة، بحيث يسمعها الناس، وأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمعون الإقامة وهم أين؟ ربما أحياناً في بيوتهم أو في الطرقات إلى المسجد، وكان بلال

    رضي الله عنه صاحب صوت جهوري، فكان يسمعهم الإقامة، وربما كان يقيم في المكان الذي كان يؤذن فيه أو قريباً منه، ولهذا احتج به الإمام أحمد

    وأن بلالاً

    كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبقني بآمين ) يعني: ربما كبر وشرع في القراءة حتى يأتي بلال

    رضي الله عنه إلى موضعه في الصلاة، فالإمام أحمد

    احتج بهذا الحديث. فنقول: النص دليل على أنه ينبغي أن تكون الإقامة مجهورة، وعليه نرى أن الأفضل أن يقيم الناس بمكبرات الصوت التي يسمعها من هو خارج المسجد؛ لأن هذا هو المتفق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا سمعتم الإقامة )، والإقامة كما ذكرت هي أحد النداءين، فهي دعوة للقيام للصلاة، ودعوة للبعيد أن يأتي إلى الصلاة حتى يدركها، أو يدرك بعضها. من فوائد الحديث أيضاً: استحباب المشي إلى الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة ) والمقصود بالمشي: عدم الركض، أو عدم العجلة، أو عدم السعي، سواء في ذلك الجمعة أو غيرها، وسواء خاف فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات الركعة الأولى، أو خاف فوات الصلاة كلها الجماعة بالكلية، فإنه لا يشرع ولا يستحب له الإسراع، وهذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فهو مروي عن: ابن مسعود

    رضي الله عنه، وعن ابن عمر

    ، وزيد بن ثابت

    ، وأنس

    ، والزبير بن العوام

    .. وسواهم، وهو قول جمهور الأئمة أيضاً، كـمالك

    والشافعي

    وأحمد

    وأبي ثور

    . وروي عن بعض السلف: الهرولة إلى الصلاة لإدراك الركعة، وهذا قول للإمام مالك

    رحمه الله، والذي يظهر لي أنه يحمل على أنه نوع من الإسراع الخفيف اليسير الذي لا يتأثر به الإنسان، بحيث يقع له ارتباك، أو يحفزه النفس، أو ينشغل عن صلاته، أو يخرج عن حد الوقار والاعتدال، مثل: أن يسرع خطوات يسيرة .. أو ما أشبه ذلك، وليس أن يسرع الإنسان مثلاً من خروجه من البيت وهو قد رفع ثوبه وشمر، وأصبح يركض للصلاة، فلان إلى أين هو ذاهب؟ ذاهب ليصلي، كما لو كان سوف يلحق مثلاً عدواً يخشى أن يفوته، فهذا لا شك أنه منهي عنه باتفاقهم، وإنما الاختلاف في نوع من العجلة أو السرعة التي لا تنافي السكينة ولا تنافي الوقار، أو اليسيرة التي تكون إذا قرب من الصف ونحوه مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أبا بكرة

    حتى عن ذلك، في قوله: ( زادك الله حرصاً ولا تعد ) . وأما ما ورد في القرآن الكريم في قوله عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ))[الجمعة:9] فليس المقصود به السعي بمعنى الركض، وإنما المقصود: المبادرة، فامضوا. وهكذا كان عمر

    يقرؤها: ( فامضوا إلى ذكر الله )، وهذه لعلها قراءة للتفسير، وليست من القراءات، فالمقصود إذاً بالسعي: هو المضي، يعني: دعوا دنياكم وأشغالكم، وانصرفوا إلى صلاتكم. الفائدة الثالثة: هل المشي أفضل أم الركوب أفضل للصلاة؟ المشي أفضل. والدليل: ( وائتوها وأنتم تمشون )، ( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ). أيضاً: لو كان الركوب أفضل لفعله الصحابة. أيضاً: ( أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم ممشى ) كلها أحاديث في الصحيحين ... أيضاً: الأحاديث الواردة في فضل المشي إلى المسجد. أيضاً: حديث أوس بن أوس

    في الجمعة: ( ومشى ولم يركب ) وإن كان الحديث فيه مقال. وفي صحيح مسلم

    في حديث أبي بن كعب

    في قصة الأنصاري الذي كان لا تخطئه صلاة مكتوبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له بعض الصحابة: ( لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء والمطر .. ونحوه؟ فقال: ما أحب أن يكون بيتي إلى جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أحب أن يكتب لي ممشاي ورجوعي، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد جمع الله له ذلك كله أجمع ) . فهذه الأشياء كلها تدل على أن المشي أفضل، لكن عندنا ما يدل على أن المشي ليس فضله لذاته في العبادات، في الحج مثلاً، قال الله سبحانه وتعالى: (( يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر ))[الحج:27] قال بعضهم: قدم الرجال لأن المشي أفضل، وقال آخرون: ليس أفضل؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكباً، وإنما قدم الرجال للمشقة التي تلحقهم. والذي يظهر لي والله أعلم: أنه ليس للمشي فضيلة بخصوصه؛ لأنه ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو مقصود لغيره، فنقول: سواء مشى أو ركب، فالمشقة ليست مقصودة لذاتها، وعليه فركوب السيارة أو الدابة أو الراحلة إلى المسجد ليس فيه حرج ولا كراهة ولا بأس. ويبقى التردد هل الماشي أفضل أو الراكب أفضل؟ والذي يظهر لي أنه لا فضيلة لأحد منهما بخصوصه، وقد ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً فيصلي فيه ركعتين ). الفائدة الرابعة: السكينة والوقار في حال العبادة، كالسكينة في الصلاة مثلما ورد في هذا الحديث، السكينة في الحج: (( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )) [البقرة:197]، السكينة في العمرة، فكل العبادات من أعظم مقاصدها التربوية: تربية العابد على الهدوء، وعلى السكينة في مواجهة الصعاب، في مواجهة الحياة، وأن تسكب في قلبه الرضا والأمن والطمأنينة والأنس، فإذا داخل العبادة نفسها شيء من الاضطراب والعجلة والطيش، فقدت العبادة أثرها في نفس العابد، العبادة يفترض أن تطرد الهم، وأن تطرد القلق والانشغال الزائد، كما قال ربنا سبحانه: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )) [الرعد:28]. ولذلك هذا المعنى العظيم -يا إخوة- في الصلاة، في صلاة الجماعة، هذا معنى مقدس وليس بالهين، لو تخيلت الحياة البشرية اليوم، وكم فيها من الصعوبات والمشكلات، وراجع عيادات الأطباء النفسانيين، وراجع المصحات، وراجع المستشفيات، بل راجع مراقد المرضى النفسانيين، تجد أن هذه قضية خطرة جداً، بل كبار العلماء والفلاسفة آل بهم الأمر إلى الجنون والتسكع في الشوارع، فالحياة البشرية حياة فيها قسوة، وفيها شدة، وفيها ركاكة ما لم يكن فيها ومضات، وحالات من الإشراق ومن الإيمان ومن الرضا ومن الأنس والسعادة، وهذا لا يتحقق إلا بأن يستمد الإنسان من الله سبحانه وتعالى هذه المعاني: الرضا واليقين والسكينة، فيحتاج العبد إلى أن يحافظ على هذا المعنى، وأن لا تتحول الصلاة إلى نوع من الروتين، أو نوع من الاستعجال، أو نوع من الالتزام الذي لا يدري الإنسان له معنى، وهكذا بقية العبادات، كما تلاحظ اليوم في أحوال المسلمين في الصلاة، أو تلاحظ أحوالهم في الحج أيضاً، كيف تحولت هذه الشعائر إلى ألوان من المغالبة والمضاربة والمعاجلة، وأيهم أسرع صلاة، وأيهم أسرع طوافاً، وأيهم وصل عرفة أولاً، أو وصل مزدلفة، إلى غير ذلك من المنافرات، التي هي نقيض مقصد العبادة. من فوائد الحديث وهي الخامسة: من فوائد الحديث في قوله: (فما أدركتم فصلوا) لحوق الإمام على الحال التي هو عليها. الفائدة السادسة: عدم الانشغال بشيء غير الصلاة حتى النافلة مثلاً؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة )، وفي لفظ: ( فلا صلاة إلا التي أقيمت )، فإذا جاء الإنسان لصلاة الفريضة أو المكتوبة وجب عليه أن ينصرف إليها، لا ينشغل بغيرها حتى بالنافلة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المروي عن أكثر الصحابة ومذهب أكثر الأئمة، بينما روي عن ابن مسعود

    رضي الله عنه: أنه إذا جاء لصلاة الفجر كان يتنفل إذا ظن أنه يدرك الإمام، وهذا أيضاً مذهب الحسن

    ومجاهد

    وأبي حنيفة

    : أنهم يرون أنه إذا رجا وظن إدراك ركعة مع الإمام، كان يعتزل في مكان ويصلي فيه ركعتي الفجر .. سنة الفجر، لكن هذا خلاف السنة كما هو واضح. الفائدة السابعة: أن ما أدركه المسبوق هو أول صلاته، وما قضاه أو أتمه هو آخر صلاته، وهذا مذهب الشافعية وجمهور السلف واختيار المحققين كما أشرت، وقال آخرون: إن ما أدركه هو آخر صلاته، وما فاته هو أولها. الفائدة الثامنة: جريان المرء على طبيعته وعدم التكلف، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم هنا بحال السكينة والوقار؛ للعبادة، ولئلا يأخذه الحرص على الركعة، أو على تكبيرة الإحرام، ولكن المطلوب أن يعتدل الإنسان في الأشياء، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتركون التكلف، كما قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: (( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ )) [ص:86]، يعني: الإنسان الذي من طبعه أنه قد يكون مثلاً صاحب دعابة ومزاح، ليس مطلوباً منه أن يتوقر زائداً عن اللزوم، بل لا بأس أن يمزح، ولا يقول إلا حقاً، وبعض الناس قد يكون من طبيعته الانقباض، وأنه لا يمزح ولا يستأنس بالمزح ولا يتذوقه، ليس مطلوباً أيضاً أن يقسر نفسه على ضد ما هو من طبعه، والناس خلقوا متفاوتين في هذه الأشياء، وعلى من يتعامل معهم أن يقدر اختلافهم في مثل هذه الطبائع، ومثل هذه المعاني، وأن الأولى والأفضل أن يجري الناس على سجيتهم. الآن عندنا الحديث الثاني، لكن يبدو أننا لا نستطيع أن نأتي عليه، وهو يسير إن شاء الله، فندعه للأسبوع القادم.. حديث أبي بن كعب

    ولا بأس أن نمر على الأسئلة قليلاً.

    1.   

    الأسئلة

    وقت بث برنامج أول إثنين والحض على دعم البرامج الإسلامية

    السؤال: يقول: نريد منكم إيضاح طبيعة برنامجكم الجديد في قناة المجد: (أول إثنين)، وسمعنا أن وقته تغير، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: نعم. البرنامج هو غداً إن شاء الله في قناة المجد، سيكون الساعة التاسعة والنصف بدلاً من العاشرة، وبهذه المناسبة سوف يكون الموضوع عن البث الفضائي ما له وما عليه، وسوف نعالج إن شاء الله كثيراً من الجوانب، بقدر ما يسمح الوقت، وأنا أدعو الإخوة صراحة إلى دعم البرامج والمشاريع الإسلامية اليوم التي هي ربما تكون من أهم الحلول لمواجهة طوفان وطغيان البرامج الفاسدة.

    تقويم الشيخ لقناة المجد

    السؤال: يقول: ما زال البعض يتساءل عن قناة المجد، هل تدعو إلى إدخالها في البيوت؟

    الجواب: والله أنا أرى أنها قناة مفيدة للصغار وغيرهم.

    الجمع بين إدراك سنة المتابعة وإدراك الجماعة

    السؤال: يقول: لم لا نقول: أدرك السنة سنة المتابعة، لا إدراك الجماعة، مثل حديث: ( لك الأجر مرتين ) وللآخر: ( أصبت السنة

    الجواب: لا بأس بذلك.

    دليل الحنابلة في عدم كراهية الإسراع لمن وجد الإمام راكعاً

    السؤال: ما دليل بعض فقهاء الحنابلة حين لا يكرهون الإسراع لمن وجد الإمام راكعاً، مع وضوح هذا الحديث؟

    الجواب: والله دليلهم نقل عن الزبير وابن مسعود وجماعة مثل هذا المعنى.

    الرد على من قال: إن الإقامة بمكبر الصوت تعود الناس الكسل

    السؤال: بعض الناس يقولون: إن الإقامة بمكبر الصوت يعود الناس الكسل؟

    الجواب: هذا من القياس في مواجهة نص، ولا حاجة إليه.

    حكم قول: (أنا سوف أدخل الجنة إن شاء الله)

    السؤال: يقول: ما رأيك فيمن يقول: أنا سوف أدخل الجنة إن شاء الله، هل هذا أمن من مكر الله، أو تغليب لجانب الرجاء؟

    الجواب: والله لا ينبغي للإنسان أن يقول هذا، يعني: على الإنسان أن يعمل الصالحات، ويكون متردداً بين الخوف والرجاء، ويرجو ... نفسه ويخاف، لا يدري العبد بماذا يختم له.

    حكم انتظار جماعة أخرى لمن أتى في التشهد الأخير

    السؤال: إذا أتى الرجل والإمام في التشهد الأخير، وكان معه صحبة، فهل ينتظر ويصلي جماعة؟

    الجواب: نرى أن ينضم إلى الجماعة.