إسلام ويب

نحو طريق الخلاصللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوم النحر يوم مشهود، يجتمع فيه المسلمون من كل فج عميق، وفيه تظهر نعم الله العظيمة وآلاؤه الجسيمة.

    وفي هذا الاجتماع المبارك تطرح قضايا الأمة، وتوضع الحلول لمشاكلها، وتبين العقبات التي في طريقها.

    1.   

    منزلة التقوى

    الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله.

    الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    الله أكبر كبيراً؛ والحمد لله كثيراً؛ وسبحان الله بكرة وأصيلاً!

    الله أكبر عدد ما مشى فوق السماوات والأرضين ودرج! والله أكبر بيده مفاتيح الفرج! الله أكبر ذو الملك والملكوت، الله أكبر ذو العز والجبروت!

    الله أكبر رب الأرباب، الله أكبر مسبب الأسباب، الله أكبر خالق خلقه من تراب!

    الله أكبر خلق الخلق وأحصاهم عدداً، الله أكبر هو ربنا ولن نشرك بربنا أحداً!

    لا إله إلا الله وحده نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

    لا إله إلا الله الولي الحميد، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

    الله أكبر عدد ما ذكر الله ذاكرٌ وكبر، الله أكبر عدد ما حمد الله حامدٌ وشكر، الله أكبر عدد ما تاب تائبٌ واستغفر، الله أكبر أعاد علينا من عوائد فضله ما يعود في كل عيد ويظهر، الله أكبر زكَّى أبداننا من درن السيئات وطهر، الله أكبر عدد ما أشاد البيت مشيد وعمر، الله أكبر عدد ما ضحى لله مضح ونحر!

    الله أكبر ما ذكره الذاكرون، الله أكبر ما حمده الحامدون، الله أكبر ما شكره الشاكرون، الله أكبر ما هلله المهللون، الله أكبر ما سبحه المسبحون، الله أكبر ما توافد الحجاج والمعتمرون.

    الله أكبر عدد ما تحركت وفود بيت الله الحرام شوقاً إلى البيت العتيق، الله أكبر عدد ما اهتزت مشاعر الحجيج لرؤية البيت الحرام، الله أكبر عدد ما حداهم الأمل في مغفرة الزلل وقبول صالح العمل، الله أكبر عدد ما تحركت قوافل الحجيج لرؤية البيت العتيق، الله أكبر عدد ما تحركت مواكب الحجيج آمة هذه البقاع الطاهرة.

    الله أكبر عدد ما أحرموا ولبوا، الله أكبر عدد ما طافوا وسعوا، الله أكبر ما استلموا الحَجر وصلوا بالحِجر، الله أكبر عدد ما وقفوا بالملتزم وشربوا من ماء زمزم، الله أكبر عدد ما خرجوا إلى منى ووقفوا بـعرفة وباتوا بـالمزدلفة ، الله أكبر عدد ما رموا وحلقوا ونحروا وكبروا وشكروا وصلوا على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى صلى الله عليه وسلم.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المؤمنين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله إمام المرسلين وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا إخوة الإسلام في بلد الله الحرام: ويا أيها الإخوة الحجاج الكرام! ويا إخوة العقيدة في مشارق الأرض ومغاربها! يا من تربطنا بكم أقوى العلائق، وتصلنا بكم أسمى الوشائج! أيها الأحبة في الله في كل مكان من أرض الله! إلى من يصله هذا الصوت فوق كل أرضٍ وتحت كل سماء! أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فما قيمة الإنسان بغير التقوى، وهل لنا وزنٌ يذكر، أو سعيٌ يشكر بدون تحقيق التقوى، تقوى الله وصيته سبحانه للأولين والآخرين من عباده، يقول سبحانه: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] إنه لا خير ولا فلاح، ولا عز ولا نجاح، ولا سعادة ولا صلاح إلا بتقوى الله.

    تقوى الله سياجٌ منيع من الفتن، وحصنٌ حصين من المحن، وفرقانٌ بين الحق والباطل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29].

    في التقوى حبلٌ يقوى، ورزق يبقى، ويسر يغلب، وعسر يطرد وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:4].. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق:5].

    إنه مهما بلغت الأمم من الحضارة المادية، والاكتشافات العلمية، فهي خداجٌ ما لم تكن تقوى الله هي الزاد: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197].

    فلا سبيل إلى الخروج من المآزق، والسلامة من العوائق، والنجاة من المضائق إلا بتقوى الله جل وعلا، فحققوا التقوى رحمكم الله، بفعل الأوامر واجتناب الزواجر، واقعاً عملياً في أنفسكم وأسركم ومجتمعاتكم، تسعدوا وتنصروا وتفلحوا.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    1.   

    تأملات في يوم النحر

    حجاج بيت الله الحرام: اشكروا الله عز وجل على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، حيث تنعمون في هذا اليوم المبارك بحلول عيد الأضحى، وحيث تعيشون أجواء الروحانية، ولحظات إيمانية يتوجها شرف الزمان وشرف المكان، فيومكم هذا -يا عباد الله- غرة في جبين الزمن، وابتسامة في ثغر هذا الأوان، يومٌ تثمر فيه أغصان القلوب، وتتحات فيه أوراق الخطايا والذنوب، وتجتمع الخلائق تدعوا علام الغيوب، وتسأله رفع الدرجات ومحو السيئات، وتنزل الخيرات وحلول البركات، ونجاح الطلبات والرغبات.

    في هذا اليوم المبارك يتذكر المسلم عبق الذكريات الخالدة، وشذا الانتصارات الماجدة، ويسعى في تحقيق الآمال الواعدة، والأماني الصاعدة، وهو يعيش هذه الأجواء العابقة، فيتذكر التأريخ الإسلامي المجيد على ثرى هذه الربى والبطاح، وما سجله التأريخ من بطولات النصر والجهاد والكفاح من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

    في هذه الأجواء التي تزدحم فيها المشاهد والشواهد، وتختلط فيها المشاعر بالمشاعر والشعائر، وتلقي في القلب الحي النابض آمالاً كبرى بنصرة دين الله في الأرض، وانتشاره في الآفاق، وتذكره بقيمة هذه المناسبات العظيمة، وضرورة الاستفادة منها، لا سيما والأمة تعاني من الفتن ما تعاني؛ ألا ما أشد حاجة الأمة الإسلامية اليوم إلى أخذ الدروس والعبر من هذه المواقف العظيمة، لتستعيد مجدها بين العالمين، وتحقق لكيانها العز والكرامة، في منأىً عن التخلف والذلة والمهانة.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    1.   

    قضية التوحيد .. ومنزلتها

    أمة الإسلام: إن قضية القضايا اتفاقاً، وأهم القضايا إطلاقاً، هي: قضية التوحيد أصل الأصول، وقاعدة الدين والملة، وأساس العبادات وسائر الأعمال، لا إله حق إلا الله، ولا معبود بحقٍ إلا الله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40].

    من أجل التوحيد أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وجردت السيوف، ووقع الجهاد، وقامت سوق الجنة والنار، فالشرك في عبادة الله خطره كبيرٌ وشره مستطير، محبطٌ للأعمال، موجبٌ للحرمان من الجنة ودخول النار وبئس القرار عياذاً بالله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66] إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].

    فحققوا -إخوة الإسلام- التوحيد لله رب العالمين في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واحذروا الشرك أكبره وأصغره، جليه وخفيه، فمالك النفع والضر هو الله وحده، احذروا مسالك السحرة والعرافين، وإتيان الكهنة والمنجمين، وأدعياء علم الغيب والمشعوذين، وإياكم والبدع والخرافات، والشركيات والخزعبلات

    لعمرك ما تدري الطوارق بالحصـى     ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ

    ولا تغتروا -رحمكم الله- بما عليه عباد القبور والأضرحة، فالله تعالى يقول: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].

    إن قضية التوحيد هي القضية الكبرى التي يجب على المسلمين جميعاً أن يعنوا بها غاية العناية، وإننا لنأسف أشد الأسف لتساهل كثيرٍ من المنتسبين إلى الإسلام في تحقيق التوحيد الخالص لله، أين نصيب العقيدة من مناهج الدعوة الموجودة في الساحة؟

    وكم هو نصيب العقيدة في جهود الدعاة؟

    إننا لا نتعدى الحقيقة إذا قلنا: إن المتأمل في ساحة الدعوة والدعاة يجد أن هناك اهتماماتٍ شتى تزاحم هذا الأصل الأصيل، فهذا في قضايا السياسة وفقه الواقع، وآخر في الفكر والثقافة، وثالثٌ في الزهد والرقائق والفضائل، وآخرون يقصرون اهتماماتهم العقدية على جانب الحاكمية، ولربما جهلوا أو تجاهلوا أبواباً أخرى، أو تأثروا بمناهج وافدة جربت سنين عدداً من تأريخ الدعوة فما سببت إلا الفتن والمحن، وسببت من المحن ما لا يعلمه إلا الله.

    إن علينا أن نأخذ العقيدة الصحيحة كلية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح رحمهم الله، ونأخذها من العلماء الربانيين أهل الفقه والأثر، والدليل والنظر، في بعدٍ عن الهوى والدخن، والله المستعان.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    1.   

    أهمية دين الإسلام

    أيها المسلمون! نحن أمة شرفها الله بهذا الدين، فكيف نرضى بغيره بديلاً؟

    كيف يحلو لبعض الأدعياء أن ينعق بشعاراتٍ جاهلية، ويرفع ألوية لا دينية؟

    إنه لا دين غير الإسلام الحق جامعاً للقلوب، وموحداً للدروب، ومنقذاً من الفتن والخطوب، إن هذا الدين من السمو والشمول والكمال بحيث تتضاءل أمامه النعرات الطائفية، والدعوات العنصرية، والشعارات القبلية، والانتماءات الحزبية، التي عانت منها الأمة ما عانت حتى طوحت بها في سراديب الغواية، ومستنقعات الضلالة.

    لقد جربت الأمة طويلاً مناهج ومذاهب ومسالك ومشارب؛ فلم تجد فيها جمع الكلمة، ولا توحيد الصفوف، ولا استعادة الأمجاد، ولا النصر على الأعداء، بل كانت طريقاً إلى التمزق والدمار، والشقاء والبوار. لا بد أن تستيقن الأمة جميعاً أنه لا طريق إلا دين الله، ولا شرع إلا شرع الله، ولا نهج إلا نهج محمدٍ رسول الله عليه الصلاة والسلام: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    1.   

    ضرورة الإصلاح

    أمة الإسلام: إن نقطة الإصلاح ونواة التطلع لواقعٍ أفضل، ومستقبلٍ مشرقٍ -بإذن الله- يجب أن تبدأ من داخل النفوس، فتعمر النفوس بالإيمان والإسلام.

    إن كثيراً من أجيال الأمة معزولة عن الإيمان، وتعاني من التمزق والازدواجية روحياً وفكرياً وتربوياً.

    إن كثيراً من الأجيال تعاني من انهزامٍ نفسي وخواءٍ روحي، وتناقضٍ بين السلب والإيجاب في قنوات التوجيه والتربية ومناهج التعليم ووسائل الإعلام، وآخرين يعانون من تذبذبٍ واضطراب، وشكوكٍ وحيرة وقلق في تحديد المسار، ومعرفة الخطأ من الصواب في مناهج الدعوة، ومسالك الدعاة، حتى تمزقت عند كثيرٍ منهم أواصر المحبة في الله، ودعائم الأخوة الإيمانية، وإن طريق الخلاص يكمن في اجتماع الأمة بجماعاتها وقياداتها.. أفرادها وفئاتها على العقيدة السلفية الصحيحة، فلها وحدها يكون الولاء، ومن أجلها يكون البراء والولاء والمنع والعطاء، وإذا كانت الهجمات الشرسة والتحديات السافرة التي منيت بها هذه الأمة عبر التأريخ نابعة من الدين فلا تتحقق مواجهتها إلا بالتمسك المتين بعرى هذا الدين القويم.

    واجب العلماء في الإصلاح

    إن واجب علماء الأمة ودعاة الإسلام كبيرٌ جداً في رسم المنهج الحق الذي يجب أن تسلكه الأجيال المسلمة حتى تتحقق وحدة الأمة بعيداً عن النظرات العصبية، والانتماءات الحزبية.

    يجب أن نعنى بقضايا الاعتقاد الكلية، وبالأمور الكبرى، والأصول العظمى دون تمييعٍ للقضايا، ولا انهزامية في الطرح، ليس من الحكمة أن تضيع الأوقات وتسخر الأقلام لردود ومجادلات، وطعونٍ واتهامات، يجب أن تطرح القضايا على بساط البحث المتجرد، والنقاش النزيه، وبالمنهج العلمي الرصين مع احترام الآراء الاجتهادية، وعدم التحامل على المخالفين في المسائل الفرعية، ويعظم الأمر حينما تتهم النيات ويتعرض للمقاصد والإرادات، فالحق ليس حكراً على زيدٍ من الناس، والخلاف في المسائل الاجتهادية لا يتحول إلى خصومات وحروب سرية وعلنية.

    وإنه لا ينبغي الدخول في هذا المورد إلا لأهل الاختصاص، أما المتطفلون على ساحة العلم فأولى لهم ثم أولى لهم أن يشتغلوا بأنفسهم، وتقويمها علمياً وإيمانياً وخلقياً، ولا يتطاولوا على مقامات العلماء وأقدار الفضلاء.

    وإذا كان من حق كل أحدٍ أن ينتقد ويلاحظ فإن منهج النقد وأسلوب الملاحظة أمرٌ يجب التركيز عليه حتى لا نفسد من حيث نريد الإصلاح، ومن المعصوم عن الخطأ؟ ومن الذي ما ساء قط؟ ثم لماذا يربى الناشئة على النقد والملاحظة قبل أن ينضجوا؟

    إن ذلك مسلكٌ يوغر الصدور، ويبعث الشرور، ولا يجوز أبداً أن يتحول الخلاف في المسائل العلمية وخلاف التنوع في وجهات النظر إلى أمور شخصية وانتصارات ذاتية.

    المنهج في الإصلاح

    لا بد من النظر في الأوليات، والبداية في المهمات فالمهمات، حتى لا تختلط الموازين، وتختل المعايير، ثم إنه ينبغي الرجوع إلى العلماء والبعد عن الهوى، ومعرفة مسئولية القلم، وأمانة الكلمة، ومصداقية الحرف في تسخيره لخدمة العقيدة، ووحدة الصفوف، وجمع كلمة المسلمين على العقيدة الصحيحة.

    نعم. لا بد من تعرية كل منهجٍ دخيل، وكل فكرٍ هزيل، لكن بحسن التصوير، ودقة التعبير، وضوابط النقد ومنهجية الحوار، والحكمة ضالة المؤمن، والحق منهجه، وإخلاص النية مطيته، وليحذر طلاب العلم من القول على الله بلا علم فذلك جرمٌ فظيع، ومسلكٌ شنيع.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    خطر الحكم على النيات

    أمة الإسلام: من القضايا الخطيرة التي ينبغي التنبيه عليها: ما يقع فيه كثيرٌ من قليلي العلم والبصيرة، وضعيفي الإيمان من الحكم على معتقدات الناس ونياتهم ومقاصدهم، فيمتطون صهوة الحكم على العلماء والفضلاء، والقادة والزعماء، والدعاة والخطباء بتبديع أو تفسيق أو تضليل، بل لربما وصل الأمر إلى التكفير وإخراجهم من الملة، نعوذ بالله، أين الإيمان؟!

    أين الخوف من الله؟!

    أين استشعار رقابته سبحانه؟!

    ألا بئس القوم وبئس صنيعهم!

    نعم. لربما يلتمس ملتمس شيئاً من العذر لهذه النظرات الخاطئة؛ لغلوها في الدين بسبب الجهل وعدم الأخذ من العلماء؛ وبسبب النظرة التشاؤمية لما آلت إليه كثيرٌ من أمور المسلمين؛ بسبب إقصاء حكم الشريعة في كثيرٍ من البلاد، ووجود المظاهر المحرمة والدعوات الآثمة للإلحاد والعلمانية والإباحية، لكن منهج الدعوة في الحكمة والموعظة الحسنة يأبى أن تتحول الأفعال إلى ردود أفعال، وأن يكون التطرف اللاديني باعثاً إلى ما عرف اليوم بالتطرف الديني -وهو ما يعرف شرعاً بالغلو في الدين- حتى جنحت الدعوة إلى قتلٍ وعنفٍ وجرت من الفتن ما لا يعلمه إلا الله.

    وهنا أوجه الدعوة والنداء إلى القادة والزعماء، والدعاة والعلماء، وأهل الحل والعقد في الأمة: أن يقوم كل بواجبه في نصرة دين الله، وإحقاق الحق وردع الباطل، وألا يعمم الحكم على الجميع، فالتدين والمتدينون هم أهل الخير في الأمة، وليست كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء فحمة.

    واجب الولاة والزعماء في الإصلاح

    فيا قادة المسلمين! ويا أيها الولاة والزعماء! إن مسئوليتكم عظيمة: [[إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ]] سوسوا شعوبكم بكتاب الله، واحكموهم بسنة رسول الله، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، أدوا الأمانة التي تحملتموها، واحكموا الناس بالعدل والإنصاف، وأداء الحقوق، كونوا سنداً وعضداً لأهل الخير والدعوة والحسبة والإصلاح، حكموا الشريعة في أرض الله على عباد الله، واتخذوا من العلماء الربانيين بطانة، ومن أهل الصلاح والنصح جلساء ومستشارين، تصلح أحوالكم وأحوال شعوبكم، وتبقى مكانتكم، ويعم الأمن والأمان بلادكم.

    علماء الإسلام: إن مسئوليتكم في تبليغ هذا الدين كبيرة، وأمانتكم جسيمة، انزلوا إلى ميدان التوجيه والإرشاد، واحملوا سلاح الدعوة والبلاغ، واحذروا من التقصير في أداء ما حملتم، وكتمان ما أوتيتم فإن خطره كبير، واعلموا أن ضعف كثير من العامة في أمور عقيدتهم وأمور دينهم وانتشار الجهل في كثير من الناس سببه تواريكم عن الساحة، وإحجامكم عن النزول إلى الميدان، وصونوا علمكم عن مطامع الدنيا وشهواتها.

    واجب الدعاة في الإصلاح

    دعاة الإسلام: دوركم كبير جد كبير، لقد حملتم شرف الدعوة، وشرفتم بتولي ميراث النبوة، فاسلكوا أثر أفضل الدعاة عليه الصلاة والسلام، ركزوا على الدعوة إلى العقيدة، واهتموا بالنوع والكيف، لا بالكثرة والكم، اجمعوا قلوبكم ووحدوا صفوفكم، فالدعوة إلى الله ليست تجمعات حزبية، ولا تنظيمات عصبية، وإنما هي رسالة صلاحٍ وإصلاح لعموم البشرية، حذار أن يوقع الشيطان بينكم، وأن يشتغل بعضكم ببعض والعدو يتفرج من حولكم، ركزوا على العلم، ولقد ثبت في الساحة أن أي دعوة لا تجعل للعلم الشرعي القدح المعلى فإنها تتعثر.

    ولا تستعجلوا النتائج أيها الدعاة، واسلكوا سبيل الحكمة والرفق والعقل، وبعد النظر وتحكيم المصالح الشرعية، والرجوع إلى العلماء، ومتى جنحت الدعوة إلى العنف وسلكت مسالك الاندفاع والتهور، فشلت وسببت لأصحابها الضرر العاجل، عليكم بالرفق أيها الدعاة، فما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، اتصلوا بولاة الأمور، وسدوا الفجوة التي يريد خصومكم أن ينفذوا إليكم من خلالها.

    1.   

    حقيقة الانتماء إلى الإسلام

    أمة الإسلام: إنه لا عز للبشرية ولا صلاح للإنسانية إلا بتطبيق الإسلام، والإسلام الحق المبني على العقيدة الصحيحة، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، والسير على ما سار عليه السلف الصالح.

    إن كثيراً من الناس يدَّعون الإسلام ولكنه ادعاءٌ وانتماءٌ لا حقيقة، إنه لا بد من تحقيق كلمة التوحيد، ولا بد من توحيد الكلمة عليها.

    إن تضامن المسلمين اليوم ووحدتهم مطلبٌ جدُ مهم في عزهم وقوتهم وانتصارهم على أعدائهم، وإن الفرقة والخلاف لهما الداء العضال الذي يفتت جسد الأمة ويقطعها.

    فاحرصوا -رحمكم الله- على الجماعة، واحذروا الشقاق والنزاع والفرقة، فإن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وإن مما يدعم ذلك تلاحم الشعوب مع قادتهم، ومعرفة حقوق ولاة أمور المسلمين وعلمائهم، أما الولاة فحقوقهم على رعاياهم السمع والطاعة لهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم والتنصل من بيعتهم؛ لأن ذلك من أعظم أسباب الفتن ودواعي الفساد في البلاد والعباد؛ فبهم تأمن السبل، ويستتب الأمن، وتصان الحقوق، وتقام الحدود، وتحصن الثغور، طاعتهم في المعروف من طاعة الله ورسوله، والخروج على ولاة الأمور ومنازعتهم، وإظهار أخطائهم أمام الناس، والوقيعة في أعراضهم مخالفٌ لمنهج السلف الصالح ، ولما عليه أهل السنة والجماعة ، وطريق النصح المشروع ليس بالتشهير والتجريح، فهذا لا يسلكه إلا من جهل ما يترتب عليه من مفاسد في الدين والدنيا.

    أما العلماء فيجب معرفة قدرهم، والقيام بحقهم، والدعاء لهم، وعدم الوقيعة في أعراضهم، وإننا لنأسف أشد الأسف من أناسٍ أغرار حدثاء جهلوا مكانة العلماء فوقعوا في أعراضهم تجريحاً وتنقيصاً، رموهم سفهاً بالمداهنة والتزلف؛ لا لشيء إلا لأنهم سلكوا طريق الحكمة في معالجة الأمور.

    وإن التفكه بأعراض العلماء والولاة في المجالس سمٌ قاتل، وبلاءٌ ظاهر، وداءٌ عضال، وإثمٌ واضح، ففيه إيذاءٌ للمؤمنين، وغيبة للمسلمين، ووقوعٌ في أعراضهم، وكفى بذلك إثماً وخطراً، مع أن هذا المسلك لا يخدم مصلحة، ولا يحقق منفعة ولا يزول به منكر، فمن علم أنه موقوف بين يدي الله ومسئول عن قوله وفعله وقف عند حده والتزم شرع ربه، وأما من غلب عليه الجهل والهوى وأعجب برأيه، فلا حيلة فيه، ويُخشى أن يوقع نفسه وغيره في أمور لا يعلم عواقبها إلا الله، فيحصل الندم حيث لات ساعة مندم.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    1.   

    أحوال المسلمين في العصر الحديث

    أمة الإسلام: إن تقليب صفحات تأريخنا المعاصر، وأوضاعنا المعاصرة يعطي صورة مأساوية لما آل إليه أمر المسلمين في كثيرٍ من الأقطار، ما هي أحوال إخوانكم في البوسنة والهرسك الذين وصلت قضيتهم أوج خطورتها، وبلغت حداً لا يسع السكوت عليه، بل ولا نكتفي بالشجب والإدانة؛ لأن الأمر خطير جد خطير ضد عقيدتهم وحرماتهم وأموالهم وبلادهم ومقدراتهم، لقد عمل فيهم عباد الصليب أعمالاً فظيعة؛ هدموا مساجدهم، وعبثوا بمقدراتهم، وأخرجوهم من ديارهم لا لشيء إلا لأنهم يقولون: ربنا الله، آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى، وملايين المشردين لا لشيء إلا لإيمانهم بالله عز وجل وتمسكهم بإسلامهم، ناهيك عن انتهاك الأعراض وسلب الأموال ومصادرة الحريات، وبث الرعب والقلق والاضطراب، لماذا يحصل هذا أمام سمع العالم وبصره؟! فلا مراعاة للحقوق، ولا التزام بالمعاهدات، ولا وفاء للأعراف الدولية، ولا التزام بدينٍ ولا خلق ولا رادع.

    إن إخوانكم هناك -يا عباد الله! ويا حجاج بيت الله!- ينادون: وا إسلاماه! يستدرون عطفكم وشفقتكم، فحذار أن تخذلوهم، إننا لنتساءل: أين العالم عن هذه المأساة؟

    أين المسلمون عن الانتصار لإخوانهم؟

    أين أدعياء حقوق الإنسان والمتبجحون بالإنسانية؟

    لو قتل علجٌ واحدٌ من أعداء الإسلام لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاشتغلت وسائل الإعلام بالحديث حوله، والمطالبة بالإفراج عنه أو الانتصار له، ولكن الدم المسلم أرخص الدماء ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلى الله المشتكى، والمسلمون في كثير من البقاع لا بواكي لهم.

    هل قتل علجٍ واحد     جريمة لا تغتفر

    وقتل شعبٍ مسـلم     مسألة فيها نظر

    إننا نطالب باسم المسلمين جميعاً، وباسم حجاج بيت الله الحرام قادة المسلمين وحكام العالم: أن يبذلوا جهودهم للإفراج عن إخواننا في البوسنة والهرسك ، وأن يتدخلوا عملياً لإنقاذ البقية الباقية من إخواننا المسلمين هناك، نصرة للمظلوم وانتقاماً من الظالم.

    كما أن واجب المسلمين الدعاء لإخوانهم والضراعة إلى الله أن ينصرهم ويفرج عنهم، وأن يبذلوا أموالهم -لا سيما الأثرياء- لدعم إخوانهم هناك، فهم في أمس الحاجة إلى الدعاء والغذاء والكساء والماء والدواء.

    وإذا قلبت صفحة أخرى من مآسي المسلمين وجدت ما يماثل ذلك أو يقاربه، ما هي أحوال المسلمين في كشمير ؟

    لقد قضى عليهم الوثنيون لطمس هويتهم، وتشريدهم من ديارهم، وحرمانهم من ممتلكاتهم، عملوا فيهم قتلاً وتشريداً.

    ما هي أحوال المسلمين في بورما وفي الفليبين وفي الصومال ؟

    ولا ننسى قضيتنا الأولى قضية فلسطين الجريحة، والمسجد الأقصى المبارك، ما هي أحوال المسجد الأقصى يا حجاج بيت الله الحرام؟!

    هذه إسرائيل الحثالة البشرية والشرذمة الصهيونية من شذاذ الآفاق، وحثالة العالم، وقتلة الأنبياء، وإخوان القردة والخنازير تريد التوسع لنشر مذهبها الباطل، ودينها المحرف، وبناء هيكلها المزعوم، وإن ننسى فلا ننسى المجزرة البشعة التي وقعت لإخواننا في فلسطين في شهر رمضان المبارك وهم صائمون مصلون لله الواحد القهار.

    كل ذلك على حساب المسلمين وبلادهم، ما هي أفعال اليهود في فلسطين ؟

    إنه امتداد حلمها في الانتشار في العالم الإسلامي، ألا شاهت وجوه الصهاينة.

    أيعجز المسلمون وهم أكثر من مليار مسلم أن يقفوا أمام هذه الحفنة القليلة؟! ولكن إلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    التحذير من اليأس من واقع المسلمين

    أمة الإسلام: إنه كلما كثرت مآسي المسلمين فإن البشائر كثيرة، والفأل مطلوب، والخير موجود بحمد الله، فأمة الإسلام أمة معطاءة أنجبت القادة والعلماء، والأئمة والعظماء، والخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة، فحذار من اليأس والتشاؤم فإن بشائر نصرة دين الله آتية ومتكاثرة، فالصحوة الإسلامية تعم أرجاء العالم بحمد الله، الكل يريد الإسلام، ويبحث عن الإسلام لما يمتاز به من تحقيق الأمن والأمان، ومن توفر الكمال والشمول، غير أن العلم والإيمان والعقيدة والصبر والرجوع إلى العلماء مما يجب أن تتحلى به الصحوة الإسلامية، كذلك ينبغي البعد عن التعجل والحماس والعواطف المتأججة.

    لا بد من المنهجية والتأصيل العلمي في الأمة حتى لا تتأثر الخطا، وتكبو الجهود، يجب أن يؤخذ العلم من العلماء، وأن تبنى الأمة بناءً علمياً سليماً، يقوم على القواعد والأسس من حفظ كتاب الله وحفظ متون أهل العلم، وليس العلم بمجاراة العلماء، ولا مماراة السفهاء، ولا يؤخذ من نشراتٍ أو وسائل سهلة المدخل، سريعة المخرج، هشة البناء، فتعلموا جيداً يا طلبة العلم ولا تستعجلوا التصدر، واعلموا أنه لا بد في العلم من حني الظهور وثني الركب في حلق العلماء؛ لتتحقق الاستفادة منهم على منهجٍ صحيح بإذن الله.

    فتنة اليمن

    أيها المسلمون: إن من الفتن الجديدة ما وقع لإخوتنا في اليمن ، وكذلك ما وقع في بلاد الأفغان، فيا قادة اليمن ! إن عليكم أن تتقوا الله في أنفسكم، وأن تصلحوا ذات بينكم، ولتعلموا أن الشيطان ينزغ بينكم، إن مصلحة الشعب اليمني تقتضي إلقاء السلاح، وحقن الدماء، والتفرغ للإعمار والبناء، والقتال لا ينفع إلا العدو وحده: {ولزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل مسلم } بأي حقٍ تضيع مقدرات الشعوب، وتجر الأمة إلى هرجٍ وقتل ودمار، فإلى بلاد الحكمة -كما ورد في الأثر- نطالب بالحكمة، والعقل والإصغاء إلى صوت الضمير، وتفويت الفرصة على العدو المتربص.

    كذلك ينبغي على إخواننا في أفغانستان أن يستجيبوا لنداء الحق والعدل، وأن يمتثلوا داعي الإصلاح، حتى يعود لجهادهم ما سطروه في تأريخنا المعاصر من أمجاد وانتصارات، وحذار من الدنيا والزعامة والكراسي فإن هذه زائلة ومن عليها: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    منزلة يوم النحر .. وأعماله

    الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!

    الله أكبر عدد ما ذبح المسلمون الضحايا، الله أكبر عدد ما بذلوا من الصدقات والهدايا، الله أكبر عدد ما تقربوا إلى الله بصالح الأعمال وخالص النوايا.

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تبارك وتعالى وأطيعوه وراقبوه ولا تعصوه، واشكروه جل وعلا أن بلغكم هذا اليوم العظيم، وهذا الموسم الكريم، واعلموا رحمكم الله أن يومكم هذا يوم مبارك، رفع الله قدره، وأعلى مكانه، وأظهر فضله، وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيداً للمسلمين حجاجاً ومقيمين، فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى، بعد أن وقفوا بـعرفة ، وباتوا بـمزدلفة .

    في هذا اليوم العظيم يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعاً لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، فقد أمر الله خليله إبراهيم بذبح ابنه وفلذة كبده فامتثل وسلم، ولكن الله سبحانه فداه بذبحٍ عظيم، فكانت سنة جارية، وشرعة سارية عملها نبيكم صلى الله عليه وسلم ورغب فيها، ففي الصحيحين : (أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر ).

    ومن فضل الله على عباده أن يسر لهم في الأضاحي فتجزأ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، فاتقوا الله عباد الله، واحذروا من البخل والشح في مال الله، فقد أعطاكم الكثير وطلب منكم القليل، ضحوا في هذه الأيام المباركة عن أنفسكم وأهليكم وأبنائكم، ففضل الله واسع، وله الحمد والمنة.

    وليحذر من أراد أن يضحي من العيوب التي تمنع الإجزاء، فلا تجزئ العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحاح، ولا يجزئ من الإبل إلا ما له خمس سنين، ومن البقر إلا ما له سنتان، ولا من المعز إلا ما تم له سنة، ولا من الضأن إلا ما تم له ستة أشهر.

    والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم على جانبها الأيسر موجهة إلى القبلة ويقول عند ذبحها: بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك.

    والسنة أن يوزعها أثلاثاً، فيأكل ثلثاً ويهدي ثلثاً ويتصدق بثلث.

    ووقت الذبح يمتد من الفراغ من صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق على الصحيح من أقوال أهل العلم، فلا تحرموا أنفسكم ثواب الله في هذه الأيام المباركة، وتقربوا إلى الله بالعج والثج فما عمل في هذه الأيام المباركة أحب الله من إراقة دم، وإنها لتقع من الله قبل أن تقع على الأرض فطيبوا بها نفساً، وإن للمضحي بكل شعرة حسنة، وبكل صوفة حسنة، كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    حجاج بيت الله الحرام: تفيضون هذا اليوم إلى منى لرمي الجمرة الكبرى -جمرة العقبة- بسبع حصيات متعاقبات، استناناً بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم القائل: (خذوا عني مناسككم ).

    ثم بعد الرمي ينحر المتمتع والقارن هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره والحلق أفضل، وبعد ذلك يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويسمى هذا التحلل الأول، ويسن له بعد ذلك التطيب والتوجه إلى مكة لطواف الإفاضة؛ وهو ركنٌ من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، لقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29].

    ثم يسعى المتمتع سعي الحج، وكذا المفرد والقارن إن لم يسعيا مع طواف القدوم، وبعد ذلك يرجع الحجاج إلى منى للإقامة بها ليالي أيام التشريق، ورمي الجمرات الثلاث مرتبة في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، والرمي والمبيت ليالي أيام التشريق واجبٌ من واجبات الحج، ثم بعد الرمي في اليومين الأولين من أيام التشريق، يجوز لمن أراد التعجل أن يخرج من منى قبل غروب الشمس، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث فهو أفضل وأعظم أجراً، يقول تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203].

    فعليكم عباد الله! وعليكم حجاج بيت الله! بتطبيق سنة رسولكم صلى الله عليه وسلم، وشغل هذه الأيام المباركة بالتكبير والذكر، يقول صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب وذكرٍ لله عز وجل ).

    ثم إذا أردتم الرجوع إلى دياركم يجب أن تطوفوا للوداع وهو واجبٌ من واجبات الحج لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض ).

    تقبل الله منكم، وجعل حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراً، وعملكم صالحاً مقبولاً.

    حجاج بيت الله الحرام! يا من لبيتم نداء ربكم، وجئتم إلى هذا المكان المبارك تاركين أوطانكم وأموالكم وأعمالكم وأولادكم! لبوا نداء ربكم في كل أمرٍ فاتبعوه، وفي كل نهي فاجتنبوه، لبيك اللهم لبيك، إجابة بعد إجابة، قولوها وأعلنوها صريحة في كل مكان.

    ولتبقى عليكم آثار الحج المباركة بعد عودتكم إلى دياركم بالاستمرار على طاعة الله والبعد عن معاصيه.

    1.   

    صور من النعم في بلاد الحرمين

    عباد الله: إن من التحدث بنعمة الله عز وجل ما حبا الله بلاد الحرمين الشريفين من نعم عظيمة، فنعمة العقيدة والإيمان، ونعمة الأمن والاطمئنان، ونعمة الولاية المسلمة التي تعلن الإسلام وتعتز به، وتحكمه وتدعو إليه، وتنصر أهله، وتقوم بخدمة الحرمين الشريفين ورعايتها إعماراً وتوسعة وتطهيراً، صيانة ونظافة وتطويراً، وما اللبنة الأخيرة التي وضعت قبل أيام إلا امتداد للجهود الجبارة التي تقوم بها حكومة هذه البلاد المباركة في إعمار الحرمين الشريفين جعله الله في موازينها.

    أيها المسلمون: لقد أرق وجود هذه النعم في بلاد الحرمين من الأمن والأمان والخيرات والمقدسات مضاجع كثيرٍ من الحاسدين، ممن اكتوت قلوبهم بداء الحسد والبغضاء والحقد والشحناء فعملوا على بث الدعايات الكاذبة، والشائعات المغرضة، حسداً من عند أنفسهم.

    نعم يا عباد الله! إننا محسودون فعلينا أن نحذر من الحاسدين الذين قد يسخرون وسائل إعلامهم للنيل من هذه البلاد، وقيادتها، وعلمائها، وسيصطلون بنار حسدهم ولن يحرقوا إلا أنفسهم وما يشعرون، فعلينا ألا ننخدع بهذه الارتجافات، والحملات الإعلامية المغرضة التي تنطلق من وسائل إعلامٍ مأجورة، ضيعت أمانة الكلمة، ومصداقية الحرف، وجانبت الموضوعية والإنصاف.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    أمة الإسلام: الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي الذي يشنه دعاة الرذيلة ضد المسلمين عبر الوسائل المختلفة مما ينبغي أن يحذره المسلمون، ويتصدوا له بالجرعات الإيمانية والتربوية، وعدم ترك الحبل على الغارب لهذه الوسائل أن تتسلل إلى البيوت والأسر؛ فتقضي على إيمانها وعفافها وأخلاقها، وهنا تبدو مسئولية المدرسة والبيت والأسرة كبيرة جداً.

    أيها المسلمون: لا زالت كثيرٌ من المجتمعات تعاني من مشكلات اجتماعية وأسرية متعددة منها غلاء المهور، والتكاليف بالزواج، وفشوا ظاهرة الطلاق وارتفاع إحصاءاتها، والخلافات الزوجية بشكل مذهل مما يتطلب من الغيورين العناية بهذه القضايا ووضع الحلول المناسبة لها

    تذكروا -يا عباد الله- باجتماعكم هذا يوم يجمع الله الأولين والآخرين، تذكروا الموت وكربته، والصراط وزلته، والقبر وظلمته، واستعدوا لذلك بصالح العمل.

    1.   

    أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    أيها الإخوة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام هذا الدين، به نالت هذه الأمة الخيرية على غيرها، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أهميته ووجوبه، وإصلاحه للبلاد والعباد، فالواجب على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، كل على حسب استطاعته، على درجات الإنكار المعروفة.

    ولا بد من تحلي الآمرين بالمعروف، والناهيين عن المنكر بالرفق والحلم والعلم والحكمة، ليكون لعملهم الأثر الإيجابي في بعدٍ عن التعنيف والغلظة، والحق أن أهل الحسبة يبذلون جهوداً جبارة، ينبغي أن تذكر فتشكر، وينبغي أن يشجعوا مادياً ومعنوياً، وأن يكف عن تضخيم أخطائهم، وإن فضل الله على هذه البلاد أن كانت البلاد الوحيدة التي بها جهاد مستقل بكافة أعضائه وتجهيزاته ومرافقه خدمة للحسبة وأهلها، جعله الله في موازينها.

    دور الإعلام في هذا العصر

    أمة الإسلام: الإعلام في هذا العصر قناة مهمة، تؤثر سلباً وإيجاباً على الناس في مختلف شئونهم، فالواجب استغلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة للدعوة إلى الله، ونشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة.

    فيا رجال الإعلام: اتقوا الله في مسئولياتكم، أدوا أمانة الكلمة، ولا تضيعوا مصداقية الحرف، تحروا الحقائق واحذروا التهويل والإثارة والشائعات، واجعلوا من وسائلكم قنوات للدعوة والتوجيه.

    هذا وإننا لنحمد الله أن وفق ولي أمرنا لاتخاذ الخطوات الحاسمة لمنع واستيراد كل ما يسبب ضرراً أخلاقياً ودينياً، ومما يؤثر على أمورنا، فجزاه الله خيراً، وجعل ذلك في موازينه.

    دور الشباب في الدعوة

    شباب الإسلام: مهمتكم هي المهمة العظمى، فيا أيها الشباب! اتقوا الله عز وجل، أنتم أحفاد الأبطال الفاتحين، والمجاهدين الصامدين، أنتم خلفاء سعد وطارق وأسامة وصلاح الدين ، فكونوا خير خلف لخير سلف.

    أيها الأخوات المسلمات: يا حفيدات عائشة وخديجة وفاطمة وسمية ونسيبة ! اتقين الله في أنفسكن، إن واجبكن في تقويم أنفسكن على شريعة الله في الحجاب والعفاف والحشمة والحياء عظيمٌ جداً، فعليكم أن تقوموا به على خير وجه.

    أهمية فرائض الدين

    أيها المسلمون: أدوا الصلاة المفروضة التي هي عمود الإسلام، والفارق بين الكفر والإيمان، واحذروا الوقوع في المعاصي، وأدوا الزكاة، وصوموا شهركم: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85] أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وبروا الآباء والأمهات، احذروا الربا، والزنا، والمسكرات، والمخدرات، والرشوة والتزوير والغش والخديعة، والغيبة والنميمة والبهتان، وأوفوا إذا عاهدتم: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46].

    هذه إشارات عابرة ولمحات عاطرة، من باب الغيرة على دين الله: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

    هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير الورى نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين ، وعلي أبي السبطين ، وعن السبطين العلمين، وعن العمين الكريمين، وعن أصحاب البيعة والعقبة والشجرة، وعن أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الملة والدين.

    اللهم دمر الطغاة والملحدين، والصهاينة المعتدين، وكل من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ يا رب العالمين.

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين، والمضطهدين في دينهم في كل مكان.

    اللهم أنقذ المسجد الأقصى من براثن الصهاينة المعتدين، واليهود الغاشمين، اللهم رده إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، اللهم ارزقنا فيه صلاة قبل الممات يا حي يا قيوم!

    اللهم كن لإخواننا في البوسنة والهرسك ، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، وحفاة فاحملهم، وجياعٌ فأطعمهم، وعراة فاكسهم، اللهم كن لإخواننا في كشمير ، وفي بورما ، وفي الصومال ، وفي إرتيريا والفليبين ، وفي سائر البقاع التي يضطهد فيها المسلمون.

    اللهم أصلح أحوال إخواننا في اليمن ، اللهم اجمع قلوبهم على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجمع قلوب القادة الأفغان على توحيدك وكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين.

    اللهم يسر لحجاج بيتك الحرام أداء بقية مناسكهم يا رب العالمين! اللهم ووفقهم لما تحب وترضى، اللهم اجعل حجهم مقبولاً، وسعيهم مغفوراً، وعملهم مشكوراً، يا حي يا قيوم! اللهم وأعدهم إلى بلادهم سالمين غانمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وولاة أمور المسلمين في كل مكان، وارزقهم تحكيم شرعك واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده ونائبهما إلى ما تحب وترضى، اللهم وفق سائر العلماء والأمراء والوزراء والمسئولين إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين، اللهم اجزهم خير الجزاء وأوفره، جزاء ما قدموا ويقدمون لحجاج بيتك الحرام، اللهم اجعل ذلك في موازين أعمالهم، وفي صفحات حسناتهم يا حي يا قيوم، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم.