إسلام ويب

الوقت والجائزةللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أيها الإخوة: لقد اعتنى الإسلام بالوقت عناية بالغة، بل لم يعرف التاريخ أمة اهتمت برعاية الوقت وصيانة الزمن كهذه الأمة، وقد أكد على ذلك كتاب الله سبحانه وتعالى في كثير من سوره وآياته، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في كوكبة من مشكاة النبوة.

    ولقد كان سلف هذه الأمة أحرص الناس على كسب الأوقات وشغلها بجلائل الأعمال، والتاريخ والحضارة الإسلامية خير شاهد لهم على ذلك، فالوقت أمره عظيم فعليه تقام الحضارات وتبنى الأمم.

    1.   

    أهمية الوقت وقيمته

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً، فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تبارك وتعالى؛ فتقوى الله سبحانه رأس كل أمر وجماع كل خير.

    عباد الله: إذا كان كل مسلم لا يشك في أن سر وجوده وحكمة خلق الله له في هذه الحياة إنما هي لغاية عظمى ورسالة كبرى تتمثل في تحقيق العبودية لله جل وعلا، كما لا يرتاب في أن الحياة الدنيا ما هي إلا لحظات محدودة، وأنفاسٌ معدودة، إذا كان الأمر كذلك -يا عباد الله- فإنه لا بد من استشعار أن الأزمان أوعية وخزائن للأعمال، وأن الأوقات مطايا ومراحل للآجال، يقطعها الإنسان في سفره إلى الدار الآخرة، كما أنه لا بد من معرفة قيمة الأوقات، ومنزلة هذه النعمة ومكانتها عند المسلمين، وواجبهم نحوها، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من حفظ الوقت والعناية بالزمن؛ لأنه عمر الحياة، وميدان وجود الناس، وساحة ظلهم وبقائهم.

    أهمية الوقت في القرآن

    إخوة الإيمان: لقد اعتنى الإسلام بالوقت عناية بالغة، بل لم يعرف التاريخ أمة اهتمت برعاية الزمن وصيانة الوقت كهذه الأمة، فهذا كتاب الله يؤكد ذلك ويؤصل عظم مكانته وعلو قدره بأساليب مختلفة، يأتي في مقدمتها بيان أهميته وعظم المنة به، يقول جل شأنه: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم:33] فامتن جل جلاله بنعمة الليل والنهار، وهما الزمن الذي يمر به هذا العالم كله.

    وحسب الوقت من الأهمية أن الله سبحانه أقسم به وبأجزاءٍ منه في آيات كثيرة من كتابه الكريم: كالفجر، والليل، والنهار، والعصر، والضحى، وغيرها ... وما ذاك إلا لمكانة الزمن ولفت الأنظار إليه، والتنبيه على جليل نفعه وعظيم آثاره، بل لقد جاءت شعائر الإسلام وفرائضه من الصلاة والصيام والزكاة والحج ونحوها؛ لتثبت هذا المعنى العظيم، وتوقظ في الإنسان الوعي والانتباه إلى أهمية الوقت مع دورة الأفلاك وحركة الكون، وسير الشمس والنجوم واختلاف الليل والنهار.

    أهمية الوقت في السنة

    إخوة العقيدة: أما السنة المطهرة فقد جاءت مؤكدة لقيمة الوقت ببيان ووضوح في كوكبة من مشكاة النبوة، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ } وذلك لأن الزمن نعمة جلى ومنحة كبرى، لا يستفيد منها إلا الموفقون، أما المغبونون الخاسرون فهم المفرطون في أوقاتهم المهدرون لطاقاتهم.

    كما جاءت السنة لتقرير مسئولية الإنسان عن الوقت يوم العرض على الله جل جلاله، في الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، وذكر منها: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه }.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اغتنم خمساً قبل خمس، وذكر منها فراغك قبل شغلك } أخرجه الإمام أحمد والنسائي والبيهقي ، والحاكم وصححه .

    1.   

    محافظة السلف على أوقاتهم

    معاشر المسلمين: لقد كان سلف هذه الأمة رحمهم الله أحرص الناس على كسب الوقت وشغله بجلائل الأعمال، فقد كانوا يبادرون اللحظات، ويسابقون الساعات ضناً منهم بالوقت، وحرصاً على ألا تذهب برهة منه -وإن قصرت- دون أن يتزود منها بعلمٍ نافعٍ أو عمل صالح، حتى لا تتسرب الأعمار سدىً، وتذهب هدراً، وتضيع هباءً، وتمضي جفاءً، وما ذاك إلا لمعرفتهم بقيمتها؛ مما أورثهم حضارة عريقة الجذور، آتت أكلها علماً وفتحاً، وعزاً ومجداً، لم يعرف التاريخ له مثيلاً.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: [[أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم ]].

    ونقل عن عامر بن قيس من التابعين [[أن رجلاً قال له: تعال أكلمك، قال: أمسك الشمس ]] يعني أوقفها لي واحبسها عن المسير لأكلمك، فإن الزمن سريع المضي لا يعود بعد مروره، فخسارته لا يمكن تعويضها واستدراكها.

    ويقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: [[إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ]] وكانوا يجتهدون في الترقي من حال إلى حال خيراً منها، بحيث لا يمر يومٌ لا يستفيدون منه زيادة في الإيمان، ونمواً في العمل الصالح، وفي هذا يقول بعضهم: "من كان يومه كأمسه فهو مغبون" ويقول آخر: "من علامة المقت ضياع الوقت: وقال ابن مسعود رضي الله عنه: [[ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي ]].

    وقال بعضهم: "من أمضى يوماً من عمره في غير حقٍ قضاه، أو فرض أداه، أو مجدٍ أصله، أو حمد حصله، أو خيرٍ أسسه، أو علمٍ اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه".

    ومن أقوال الفاروق رضي الله عنه: [[إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في عمل دنياً ولا في عمل آخره ]].

    تلك شذرات عبقة مما كان عليه سلفنا الصالح رحمهم الله، حيث كان الوقت عندهم أغلى من كل جوهرٍ نفيس، بل هو الحياة كلها وكفى؛ لأن الماديات يمكن استرجاعها بينما الثانية من الزمن لا يمكن أن تعود، وكل مفقود عسى أن تسترجعه إلا الوقت، وقديماً قيل: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ولله در القائل:

    والوقت أنفس ما عنيت بحفظه     وأراه أسهل ما عليك يضيع

    1.   

    واجب المسلم نحو الوقت

    أمة الإسلام: إذا كان من مزايا الوقت المدركة أنه سريع الزوال، وأن ما مضى منه لا يمكن أن يعود أو يعوض، وأنه أنفس ما لدى الإنسان حتى إنه ليعتبر رأس ماله الحقيقي، بل هو الحياة حقاً؛ فإن على المسلم واجبات نحو وقته يجب أن يعيها وأن ينقلها من دائرة المعرفة والإدراك إلى حيز العمل والتنفيذ، يجمعها الحرص على الاستفادة من الوقت فيما ينفع في أمر دينه ودنياه، وما يعود على أمته بالخير والصلاح.

    وإنه لمما يؤلم القلب ويزيده أساً وحسرات وزفرات ما يلحظ اليوم عند كثيرٍ من الناس من إضاعة للأوقات تجاوزت حد التبذير إلى التبديد، ووصلت إلى مراحل من السفه البالغ؛ حتى إنك لتسمع كثيراً عبارة تدور على ألسنة بعض المغبونين الذين يحيون حياة الأنعام، ويعيشون عيش الطغام، هي عبارة: (قتل الوقت هنا وهناك) وما علم هؤلاء أن من قتل وقته إنما يقتل نفسه، ويئد كرامته في الحقيقة.

    والحق: أن جريمة قتل الوقت وتبذيره من أخطر الجرائم وأشدها فتكاً بالأفراد والمجتمعات، فهو وراء كل مشكلة، وسبب كل معضلة، وخلف تورط كثير من الناس في المشكلات والأخلاقيات وغيرها، مما يتطلب من المسلمين جميعاً الإعداد والتخطيط والعمل لهذه القضية المهمة تشخيصاً وعلاجاً؛ لأن ضرر أصحابها ليس على أنفسهم فحسب وإنما على مجتمعهم بأسره، ألا فليعلم ذلك من يعمرون مجالس اللهو الخاوية، ومجتمعات القيل والقال، والفضول الفارغة، ومن يجددون الساعات الطوال في الليل والنهار فيما يضر ولا ينفع، دون شعورٍ ولا مبالاة، لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة، غافلين عن حقوق الله وحقوق عباد الله، لسان حالهم:

    إنما الدنيا طعام     وشراب ومنام

    فإذا فاتك هذا     فعلى الدنيا السلام

    معرضين عن واجبات الدين والدنيا، يبددون الأوقات في الأسواق والطرقات، والمقاهي والملاهي وعلى الشرفات، ويهدرون ساعات ليلهم بالسهر على إدارة مؤشرات الشاشات، والقنوات والفضائيات وما تبثه من سمٍ زعاف، في فراغٍ صارخ، وبطالة ممقوتة، أين قلوبهم حينما يسمعون بالحوادث والكوارث، أيظن هؤلاء أنهم مخلدون في هذه الحياة، ما جوابهم حين العرض على سؤال الجبار جل جلاله عن ضياع الشباب وتبديد الأعمار، نعوذ بالله من الخذلان.

    ألا فليتق الله هؤلاء قبل أن تحل بهم ساعة الاحتضار، وتوسيد الثرى، والعرض على الجبار جل جلاله حين يتمنون العودة ليعملوا ولو حسنة واحدة، ولكن هيهات: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].

    1.   

    الفراغ وضياع الأوقات مشكلة خطيرة تداهم المجتمعات

    أمة الإسلام: حينما يثار الحديث حول حفظ الأوقات وأهمية استغلالها في طاعة الله ومراضيه، وإبعادها عن معاصيه، تبرز على الساحة -ولا سيما في هذه الأيام- قضية كبيرة، ومشكلة خطيرة ألا وهي مشكلة الفراغ، وما يعانيه كثيرٌ من الناس -ولا سيما من الشباب والفتيات- من تضييع للأوقات بسيئ الأعمال وتافه الانشغالات، إنها والله مشكلة كبيرة يجب أن تخطى بالعناية والرعاية، وخليقة أن تعد لها العدد والبرامج، وتخط لها الخطط وترسم المناهج؛ لضمان حلها والقضاء عليها، فكم جرت من فتنٍ وويلات، وأشعلت نار الشرور والبليات، وتسببت في حدوث الفساد والجرائم والمشكلات، وأسباب البلاء من الفراغ لا سيما إذا اجتمع معه الشباب والمال.

    فما الذي أوقع كثيراً من الناس في حبائل الشيطان وفخاخ أعداء الرحمن، وزين لهم المتعة الحرام من الزنا والفجور والمخدرات والخمور إلا الفراغ؟

    وإذا وجد الفراغ في أي أمة فمن واجب الأمة الإسلامية وهي الأمينة على شرع الله، والمستخلفة في أرض الله، والوريثة لمهمة رسل الله، الأمة الجادة في حمل قضاياها، وتوحيد صفوفها فلا يعرف الهزل طريقاً إلى أبنائها، ولا اللهو والغفلة مسلكاً إلى أتباعها، أن لا تجد هذه المشكلة قراراً بين أبنائها، ولكنه داء الأمم من حولها التي تعايش الفراغ في أبشع صوره، وأوسع مراميه، لا سيما الفراغ العقدي والروحي، والفكري والنفسي.

    عوامل ظهور مشكلة الفراغ وضياع الأوقات

    إخوة الإسلام: إننا حينما نلتمس الأسباب والعوامل لهذه المشكلة نجد أن أهمها ضعف الوازع الديني، والرادع الإيماني في نفوس هؤلاء الفارغين، وعدم استشعارهم لقيمة الوقت، وطول أملهم في الحياة، وعدم تذكر الموت والقبر والدار الآخرة، وقلة الخوف من الله، والتورط مع قرناء السوء ورفاق الشر والفساد، بل إن لإهمال الأبوين وعدم متابعة الأسرة المتابعة التربوية النصيب الأكبر في حصول هذه العوامل مما سبب الفراغ بشتى صوره.

    ومنها: الفراغ القلبي والخواء الروحي، حيث لم تعمر كثيرٌ من القلوب بالطاعة، وتحيا الأرواح بالأعمال الصالحة.

    وهناك الفراغ العقلي بخمول الفكر حيث لم تملأ بالوعي والعلم والمعرفة، والنظر والتأمل والابتكار فيما يوافق شرع الله جل وعلا.

    وهناك الفراغ النفسي؛ فإن النفس إذا لم تشغلها بالخير شغلتك بالباطل، وإن لم تزكها بالطاعة دسيتها بالمعصية، وقد قال عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] كما قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8]

    علاج ظاهرة الفراغ وضياع الأوقات

    أيها الأحبة في الله: أما علاج هذه الظاهرة فإنه مسئولية الأسرة والمجتمع، وأهل التوجيه والتربية، وحملة الأقلام وأرباب الفكر، والمسئولين عن قنوات التثقيف والتوجيه والإعلام في إعداد كل ما من شأنه شغل فراغ أبناء المسلمين بما يعود عليهم بالنفع العظيم والخير العميم في أمور دنياهم وآخرتهم.

    فيا شباب الإسلام: ماذا بعد انتهاء العام الدراسي وماذا بعد فترة الاختبارات؟ ماذا أعددتم لشغل أوقات فراغكم مدة إجازتكم؟

    إن واجب النصيحة في هذه الأيام ينبغي أن يركز على حفظ الأوقات واغتنامها، واستثمارها بالأعمال الصالحة التي تعود على الفرد وعلى أسرته بالخير والصلاح، وعلى مجتمعه بالسعادة والفلاح.

    ومن الخطر الفادح والضرر القادح أن تهمل الأوقات، وتضيع الأيام والساعات في لهوٍ وغفلة، فيا شباب الإسلام! ويا أيها الطلبة والطالبات! ماذا أعددتم في هذه الإجازة من برامج ونشاطات؟ ويا أيها الآباء والأمهات! ماذا برمجتم لشغل أوقات فلذات الأكباد وثمرات الفؤاد؟

    هل ركزتم على تنظيم أوقاتهم وحسن الاستفادة منها، أو شجعتموهم على حفظ كتاب الله وما تيسر من صحيح سنة رسول الله، والاطلاع على الموثوق من كتب العلم والآداب ونحوها؟

    حذار أن تتركوا لهم الحبل على الغارب، تابعوهم وراقبوهم، وانظروا من يصاحبون.

    أيها الإعلاميون: ماذا أوجدتم لشغل أوقات الأجيال من برامج إعلامية تربوية، كم يؤسفك أيها الغيور أن يتربى بعض الناس -لا سيما من فئة الشباب من الجنسين- على مجلات منحرفة، وأفلام داعرة، ومناظر ماجنة.

    أيها الآباء والأمهات: اتقوا الله في أماناتكم، ربوا أولادكم على الفضيلة واحذروا من إيقاعهم في الرذيلة بجلب وسائل الفساد، ودمار الأخلاق والقيم في البيوت والأسر، حققوا حسن الرعاية لهم والعناية بهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم : {كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته } أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

    اللهم وفقنا إلى ما فيه حفظ أوقاتنا وشغل فراغنا بما فيه خيرنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي آنفاً وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل خطيئة وإثم فاستغفروه وتوبوا إليه، اللهم أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

    1.   

    الآفات القاتلة للأوقات

    الحمد لله الذي أبان لنا السبل، وأرشدنا بالأنبياء والرسل، ورفعنا بدينه إلى أعلى المثل، أحمده تعالى وأشكره على نعمه التي لا تعد، وعلى إحسانه الذي لا يحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى، ومن سار على نهجهم واقتفى.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله! وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]

    أيها الإخوة في الله: إن فرص استغلال الوقت كثيرة بحمد الله، فينبغي أن يحرص على الفرص الشرعية والمباحة، وليتجنب العبد استغلال وقته في المحرمات والمشتبهات، فاحذروا رحمكم الله من الآفات القاتلة للأوقات، وأخطرها الغفلة والإعراض، والتسويف والتأجيل.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: [[إياك والتسويف فإنك في يومك ولست بغدك ]] وعنه رحمه الله أنه قال: [[ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى يا بن آدم أنا يومٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود في بعملٍ صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة ]] وقال بعضهم: احذروا سوف فإنها من جنود إبليس.

    كما ينبغي الحذر من لصوص الأوقات الذين لم يكتفوا بتضييع أوقاتهم بل سطوا على أوقات الآخرين، ولعمر الحق إن سرقة الأوقات أشد من سرقة الأموال، وإن أنفس ما حفظت فيه الأوقات -يارعاكم الله- تلاوة كتاب الله عز وجل وحفظ ما تيسر منه، وهذه بحمد الله جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ودورات تجويده وتعليمية منتشرة في أرجاء هذه البلاد المباركة، هذه الثورات العلمية، والمراكز الصيفية التي يقوم عليها نخبة من أهل الفضل والصلاح فيفيدون الناشئة، ويصقلون مهاراتهم ومواهبهم، ويزيدون في علومهم ومعارفهم، وتلك المعاهد الفنية والمهنية لمن يريد أن يكتسب مهارة ويجيد صنعة، وتلك أرجاء هذه البلاد الفسيحة ومناظرها الخلابة ومصائفها اللطيفة لمن أراد السياحة والنزهة البريئة،فهذه جوانب من فرص استغلال الوقت، فما أجمل الرحلة إلى بيت الله الحرام في عمرة، وإلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة، لكن يجب على من أَمَّ هذين الحرمين الشريفين أن يتأدب بالآداب الشرعية، لا سيما النساء حشمة وحجاباً وحياءً.

    وما أحسن القيام بزيارة ذوي القربى وصلة الأرحام، والترويح عن النفوس في حدود المباح شرعاً، ولا بأس بالسفر في محيط بلاد الإسلام مع المحافظة في ذلك كله على الخير والفضيلة، والبعد عن الشر والفساد والرذيلة، أما السفر إلى البلاد الموبوءة، والأماكن المشبوهة، حيث توأد الفضائل وتهدر المبادئ والقيم فلا يرتاب أحدٌ من أهل العلم والإيمان في خطر ذلك على الأفراد والمجتمعات، وعظم تأثيره على العقيدة والأخلاق والسلوكيات، فينبغي اجتنابه والتحذير منه والله المستعان، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

    هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الهادي البشير، والسراج المنير كما أمركم بذلك المولى اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم انصر به دينك وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، والمضطهدين في دينهم في كل بقعة من بقاع الأرض يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاء عافية يا ذا الجلال والإكرام!

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعضكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.