إسلام ويب

ومضى الشهر الكريمللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مضى شهر رمضان وقد أحسن فيه أناس وأساء آخرون، فهنيئاً للمقبولين فيه، والخسارة والخيبة لمن رد في هذا الشهر الكريم، وإن من علامة قبول الصيام يستمر الإنسان ويستمر على العمل الصالح في بقية أيام العام.

    1.   

    وداعاً شهر الصيام

    الحمد لله، أحمده تعالى حمداً يستدعي مزيد الإنعام، وأشكره شكراً يرقى بقائله إلى أسمى مقام.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام، مَنَّ على مَن شاء مِن عباده بحسن الصيام والقيام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأنام صلى الله عليه وعلى آله البررة الكرام وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم في التبجيل والإكرام، وسلَّم تسليماً كثيراً على الدوام.

    أما بعد:

    فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فإنها عروة ليس لها انفصام، وجَذوة تضيء القلوب والأفهام، وهي خير زاد يبلِّغ إلى دار السلام، مَن تحلى بها بلَغ أشرف المراتب، وتحقق له أعلى المطالب، وحصل على مأمول العواقب، وكُفِي من شرور النوائب.

    أيها المسلمون: المستقرئ لتاريخ الأمم والمتأمل في سجل الحضارات يُدرك أن كلاً منها يعيش تقلبات وتغيرات، ويواكب بدايات ونهايات، وهكذا الليالي والأيام والشهور والأعوام، وتلك سنن لا تتغير، ونواميس لا تتبدل: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [النور:44].

    إخوة الإسلام: أرأيتم لو أن ضيفاً عزيزاً ووافداً حبيباً حلَّ في ربوعكم، ونزل بين ظهرانيكم، وغمركم بفضله وإحسانه، وأفاض عليكم من بره وامتنانه، فأحبكم وأحببتموه، وألِفَكم وألِفْتموه، ثم حان وقت فراقه، وقربت لحظات وداعه، فبماذا عساكم مودِّعوه؟ وبأي شعور أنتم مفارقوه؟ كيف ولحظات الوداع تثير الشجون، وتُبكي المقل والعيون، وتنكأ الالتياع، ولا سيما وداع المحب المُضَنَّى لحبيبه المُعَنَّى؟! وهل هناك فراق أشد وقعاً ووداعاً، وأكثر أساً والتياعاً من وداع الأمة الإسلامية هذه الأيام لضيفها العزيز ووافدها الحبيب شهر البر والجود والإحسان، شهر القرآن والغفران والعتق من النيران، شهر رمضان المبارك؟! فالله المستعان!

    عباد الله: لقد شمر الشهر عن ساق، وآذن بوداع وانطلاق، ودنا منه الرحيل والفراق، لقد قُوِّضت خيامُه، وتصرَّمت أيامُه، وأزِف رحيلُه، ولم يبقَ إلا قليلُه، وقد كنا بالأمس القريب نتلقى التهاني بقدومه، ونسأل الله بلوغه، واليوم نتلقى التعازي برحيله، ونسأل الله قبوله.

    أحوال الناس في رمضان

    مضى هذا الشهر الكريم وقد أحسن فيه أناس وأساء آخرون، وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه من أعمال، شاهدٌ للمشمِّرين بصيامهم وقيامهم وبرهم وإحسانهم، وعلى المقصِّرين بغفلتهم وإعراضهم وشحهم وعصيانهم، ولا ندري هل سندركه مرة أخرى؟! أم يحول بيننا وبينه هادم اللذات ومفرق الجماعات؟!

    ألا إن السعيد في هذا الشهر المبارك مَن وُفِّق لإتمام العمل وإخلاصه ومحاسبة النفس والاستغفار والتوبة النصوح في ختامه، فإن الأعمال بالخواتيم.

    إخوة الإيمان: لقد كان السلف الصالح رحمهم الله يجتهدون في إتقان العمل وإتمامه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون مِن ردِّه، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [[كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألـم تسمعوا إلى قـول الله عز وجل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] ؟ ]] .

    ويقول مالك بن دينار رحمه الله: الخوف على العمل ألا يُتَقَبَّل أشد من العمل.

    وقال فضالة بن عبيد رحمه الله: [[لو أني أعلم أن الله تقبل مني حسنة واحدة، لكان أحب إلي من الدنيا وما فيها ]].

    الله أكبر! هذه حال المشمِّرين! فرحماك ربنا رحماك! وعفوك يا ألله لحال المقصِّرين!

    ألا فسلام الله على شهر الصيام والقيام! سلام الله على شهر التراويح والتلاوة والذكر والتسبيح! لقد مر كلمحة برقٍ أو غمضة عين، كان مضماراً للمتنافسين، وميداناً للمتسابقين.

    ألا وإنه راحلٌ لا محالة فشيعوه، وتمتعوا فيما بقي من لحظاته ولا تضيعوه، فما من شهر رمضان في الشهور عِوَض، ولا كمُفْتَرَضه في غيره مُفْتَرَض، شهر عمارات القلوب، وكفارات الذنوب، وأمان كل خائفٍ مرهوب، شهر العبرات السواكب، والزفرات الغوالب، والخطرات الثواقب، كم رُفِعَت فيه من أكُفٍّ ضارعة؟! وذَرَفَت فيه من دموع ساخنة؟! ووجلت فيه من قلوب خاشعة؟! وتحركت فيه من مشاعر فياضة، وأحاسيس مرهفة، وعواطف جياشة؟!

    هذا وكم وكم يفيض الله من جوده وكرمه على عباده! ويمن عليهم بالرحمة والمغفرة والعتق من النار؛ لا سيما في آخره!

    وقفة محاسبة مع رحيل رمضان

    عباد الله: متى يُغفر لمن لم يُغفر له في هذا الشهر؟! ومتى يُقبل من رُدَّ في ليلة القدر؟!

    أورد الحافظ ابن رجب رحمه الله عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من رمضان: [[يا ليت شعري مَن المقبول فنهنيه، ومَن المحروم فنعزيه ]] .

    أيها المقبولون: هنيئاً لكم، أيها المردودون: جبر الله مصيبتكم، ماذا فات مَن فاته خير رمضان؟! وأي شيء أدرك مَن أدركه فيه الحرمان؟! كم بين مَن حظه فيه القبول والغفران؟! ومَن حظه فيه الخيبة والخسران؟! متى يصلح مَن لم يصلح في رمضان؟! ومتى يصح مَن كان فيه مِن داء الجهالة والغفلة مَرَضان؟!

    ترحَّل الشهر والَهْفَاهُ وانصرما     واختص بالفوز بالجنات مَن خَدَما

    فيا أرباب الذنوب العظيمة: الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فمن أُعتق فيها من النار فقد فاز والله بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة، أين حَرَق المهتمين في نهاره؟! أين قلق المجتهدين في أسحاره؟!

    فيا من أعتقه مولاه من النار: إياك ثم إياك أن تعود بعد أن صرت حراً إلى رق الأوزار! أيبعدك مولاك من النار وأنت تقترب منها؟! وينقذك وأنت توقع نفسك فيها، ولا تحيد عنها؟! وهل ينفع المفرط بكاؤه وقد عظُمت فيه مصيبته وجل عزاؤه؟!

    فبادروا يا رعاكم الله! فلعل بعضكم لا يدركه بعد هذا العام، ولا يؤخره المنون إلى التمام، فيا ربح من فاز فيه بالسعادة والفلاح! ويا حسرة من فاتته هذه المغانم والأرباح!

    لقد دنا رحيل هذا الشهر وحان، ورب مؤمِّل لقاء مثله خانه الإمكان، فاغتنم -أيها المفرط- في طاعة المنان الفرصة قبل فوات الأوان، وتيقظ -أيها الغافل- من سِنَة المنام، وانظر ما بين يديك من فواجع الأيام، واحذر أن يشهد عليك الشهر بقبائح الآثام، واجتهد في حسن الخاتمة، فالعبرة بحسن الختام.

    1.   

    آثار الصيام

    آثار الصيام في نفوس الصائمين

    أمة الإسلام: ماذا عن آثار الصيام التي عملها في نفوس الصائمين؟!

    لننظر في حالنا! ولنتأمل في واقع أنفسنا وأمتنا! ونقارن بين وضعنا في أول الشهر وآخره! هل عُمِرت قلوبُنا بالتقوى؟! هل صلحت منا الأعمال، وتحسنت الأخلاق، واستقام السلوك؟! هل اجتمعت الكلمة، وتوحدت الصفوف ضد أعداء الأمة؟! هل زالت الضغائن، والأحقاد، وسُلَّت السخائم من النفوس؟! هل تلاشت المنكرات والمحرمات عن المجتمعات؟!

    أيها المسلمون: يا من استجبتم لربكم في الصيام والقيام، استجيبوا له في سائر الأعمال وفي كل الأيام.

    أما آن أن تخشع لذكر الله القلوب، وتجتمع على الكتاب والسنة الدروب، لتُدْرأ عن الأمة غوائل الكروب وقوارع الخطوب؟!

    أثر الصيام على المسلمين تجاه قضاياهم الإسلامية

    إخوة الإسلام، أمة الصيام والقيام: ما أجدر الأمة الإسلامية وهي تودع هذه الأيام موسماً من أعز وأحلى وأفضل وأغلى أيام وليالي العمر! ما أحراها وهي تودع شهرها أن تودع الأوضاع المأساوية والجراحات الدموية التي أصابت مواضع عديدة من جسدها المثخن بالجراح! ما أحرها أن تتخذ الخطوات الجادة والعملية لوقف نزيف الدم المسلم المتدفق على ثرى الأرض المباركة فلسطين المجاهدة، وفي بلاد الشيشان ، وكشمير المسلمة!

    فهل يعجز المسلمون، وهم أكثر من مليار مسلم أن يتخذوا حلاً عاجلاً يحقن دماء المسلمين، ويعيدوا لهم أمنهم ومجدهم وهيبتهم بين العالمين؟!

    هل تودع الأمة الإسلامية -وهي تودع شهرها- التخاذل الكبير تجاه قضيتها الأولى، قضية أولى القبلتين، ومسرى سيد الثقلين المسجد الأقصى المبارك، أقر الله الأعين بفك أسره وقرب تحريره، الذي يرزح تحت وطأة العدوان الصهيوني الغاشم، ويستنجد ولا مجيب! ويستغيث ولا ذو نخوة يتحرك؟! فإلى الله المشتكى، ومنه وحده الفرج، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    وعلى صعيد القضية الأفغانية: هل تودع الفصائل الأفغانية خلافاتها؟ وتتحد على من يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حقناً لدماء المسلمين؟ وحفظاً على أمن بلادهم، وسلامة الشعب الأفغاني المسلم من التشرد والتهجير؟!

    هل تودع الأمة الإسلامية في وداع شهرها مآسي الأقليات الإسلامية في بقاع شتى من العالم؟!

    نرجو أن يكون ذلك قريباً بإذن الله، وهذا والله ليس بعزيز، فالآمال معقودة بعد الله على قادة المسلمين وعلمائهم وأهل الحل والعقد فيهم لبذل المزيد من الجهود لإعزاز دين الله، ونصرة قضايا المسلمين في كل مكان، لا سيما بعد ما شهد المتابعون أحداثاً عالمية، ومجريات دولية، كان لها أثر بالغٌ على أوضاع المسلمين في العالم.

    فهل تودع الأمة تلك الحملات الإعلامية المغرضة ضد الإسلام وأهله وبلاده ومقدساته، لا سيما بلاد الحرمين الشريفين حرسها الله؟! وهل تُسْتَثْمَر الطاقات العلمية والدعوية والتقنيات المعاصرة الإعلامية لنشر محاسن الإسلام، ورعايته لحقوق الإنسان، وإرسائه معاني الحق والعدل والسلام، ومجانبته مسالك العنف والإرهاب، في ظل تداعيات العولمة العارمة التي توشك أن تأتي على بنيان ثوابت أمتنا من القواعد، وفي ظل ما يسمى بصراع الحضارات والتلاعب بالمصطلحات؟!

    هل يوضع حدٌّ للإرهاب على مستوى الدولة الذي تمارسه الصهيونية العالمية على مرأىً ومسمعٍ من العالم؟!

    يا زعماء العالم! يا صُنَّاع القرار! يا أهل الرأي العام الإسلامي والعالمي والدولي! أيها العقلاء والمنصفون: لقد أكدت الأحداث أن من لم يتعظ بالوقائع فهو غافل، ومن لم تقرعه الحوادث فهو خامل!

    حلول عاجلة لإصلاح أحوال المسلمين

    يا أهل الإسلام! يا أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم: نحن أمة عُرِفَت عبر تاريخها المشرق بِعِزٍّ ومجدٍ يطاول الثريا، رفعةً وسناءً! فحرامٌ أن نضعف ونستكين، ونتحسى كأس المذلة مُتْرَعاً!

    لا بد أن تأخذ الأمة الإسلامية مكانتها بين الأمم؛ لتحقيق ما تنشده البشرية المضطهدة، والإنسانية الحيرى من حقٍ وعدلٍ وسلام، وانتشالها مما غرقت فيه من أوحال الضلال والشقاء، ومستنقعات الاضطراب والفوضى.

    وإذا كان أعداؤكم سادوا العالم وهم على مادية وضلالٍ وباطل، فما أحراكم بالقيادة والسيادة والريادة، وأنتم على منهج الشهد الزلال، منهج الإيمان والحق والتقوى.

    لا بد من صياغة الجيل المعاصر على منهج الوسطية والاعتدال، ووضع دراساتٍ استراتيجية، واتخاذ آليات عملية؛ للنهوض بمستوى الدعوة الإسلامية، ووقاية الأمة من شرور التشرذم، والخلافات الجانبية، التي عانت الأمة منها طويلاً، والمشكلات المفتعلة التي تمثل طعنةً نجلاء في خاصرة هذه الأمة.

    حقاً إن على أهل الإسلام جميعاً أن يعلموا أنه لا صلاح لأحوالهم التي يطلبون لها الحلول العاجلة إلا بالتمسك بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، في عالمٍ يموج بالإلحاد والوثنيات والانحراف والمتغيرات.

    ووالله.. وبالله.. وتالله! إن فساد العقائد والأخلاق، والتخلي عن الثوابت العقدية والمناهج الشرعية لَهُوَ سبب هزائم الأمم، وانتكاسات الشعوب، وتدهور الحضارات! وتلك مسئولية الأمة بأسرها!

    فهل يعي المسلمون مكانة عقيدتهم؟! ويتَّحدوا على ما كان عليه سلفهم الصالح رحمهم الله؛ ليتحقق الخير للبلاد والعباد؟!

    هذا هو الأمل، وعلينا الصدق والعمل.

    نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا جميعاً صيامنا وقيامنا ودعاءنا، وأن يمن علينا بالقبول والمغفرة والعتق من النار بمنه وكرمه، وأن يجبر كسرنا على فراق شهرنا، ويعيده علينا أعواماً عديدة، وأزمنةً مديدة، وعلى الأمة الإسلامية وهي ترفل في حلل العز والنصر والتمكين، وقد عاد لها مجدها وهيبتها بين العالمين، إنه خير مسئول وأكرم مأمول.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات من كل الآثام والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للأوابين غفوراً.

    1.   

    الإرشاد إلى بعض الأعمال الصالحة في ختام شهر الصيام

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تُرفع الدرجات، وتُكفَّر السيئات.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قاضي الحاجات، والعالم بالخفايا والمكنونات، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، سيد البريات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والمكرومات، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما دامت الأرض والسماوات.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله، واستودعوا شهركم عملاً صالحاً يشهد لكم عند الملك العلام، وودِّعوه عند فراقه بأزكى تحية وأوفر سلام.

    قلوب المتقين إلى هذا الشهر تَحِنُّ، ومن ألم فراقه تأسى وتَئِنُّ، كيف لا يجري المؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع؟!

    إن قلوب المحبين لألم فراقه تَشَقَّقُ، ودموعَهم للوعة رحيله تَدَفَّق، فالله المستعان وهو وحده الموفِّق!

    الاستغفار والشكر والتوبة

    أيها الإخوة الصائمون: لقد شرع لكم مولاكم في ختام شهركم أعمالاً عظيمة تسد الخلل وتجبُر التقصير، وتزيد في المثوبة والأجر، فندبكم في ختام شهركم إلى الاستغفار والشكر والتوبة: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].

    زكاة الفطر

    كما شرع لكم زكاة الفطر شكراً لله على نعمة التوفيق للصيام والقيام، وطُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، وتحريكاً لمشاعر الأخوة والألفة بين المسلمين، وهي صاعٌ من طعامٍ من برٍ أو نحوه من قوت البلد، كالأرز أو غيره، فيجب إخراجها عن الكبير والصغير والذكر والأنثى، كما في حديث أبي سعيدٍ وابن عمر رضي الله عنهم.

    ويُستحب إخراجها عن الحمل في بطن أمه، والأفضل إخراجها ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد، وإن أخرجها قبل العيد بيومٍ أو يومين فلا حرج إن شاء الله، والسنة أن يخرجها طعاماً، كما هو نص حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وعمل السلف الصالح رحمهم الله، وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يكتب في نهاية شهر رمضان إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر.

    فأدُّوا رحمكم الله زكاة الفطر طيِّبة بها نفوسُكم، فقد أعطاكم مولاكم الكثير وطلب منكم القليل.

    الثبات والاستمرار على الأعمال الصالحة

    أيها الإخوة في الله: الله الله! في الثبات والاستمرار على الأعمال الصالحة في بقية أعمالكم، واصِلُوا المسيرة في عمل الخير وحُثُّوا الخطى في العمل الصالح؛ لتفوزوا برضا المولى جل وعلا، فلديكم من الأعمال الصالحة ما يُعَد من المواسم المستمرة؛ هذه الصلوات الخمس المفروضة، وهذه نوافل العبادات من صلاة وصيام وصدقة، وهكذا سائر الأعمال الصالحة.

    واعلموا أنه لئن انقضى شهر رمضان المبارك؛ فإن عمل المؤمن لا ينقضي إلا بالموت، ومن علامة قبول الحسنة: الحسنةُ بعدها، ورب الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيبٌ مشاهد، وبئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!

    خدمة المعتمرين والزائرين لبيت الله الحرام

    ألا وإن من التحدث بآلاء الله: ما نَعِم به الصائمون والمعتمرون من أجواءٍ آمنة، وخدماتٍ متوفرة، وأعمالٍ مذكورة، وجهودٍ مشكورة، لم تكن لتحصل مع هذا العدد الهائل لولا توفيق الله أولاً وآخراً، ثم ما من به سبحانه على الحرمين الشريفين وروُّادِهما من هذه الولاية المسلمة التي بَذَلت وتبذل كل ما من شأنه تسهيل أمور العُمَّار والزُّوَّار، جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، وزادها خيراً وهدىً وتوفيقاً بمنه وكرمه، وأدام عليها خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، ورعاية قضايا المسلمين في كل مكان، والشكر لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، شكراً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين.

    هذا واعلموا رحمكم الله أن من خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم: كثرة صلاتكم وسلامكم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال تعالى قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله.

    وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا.

    اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى.

    اللهم هيئ له البطانة الصالحة، وأسبغ عليه لباس الصحة والعافية.

    اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم يا سميع الدعاء.

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا.

    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا.

    اللهم اعتق رقابنا من النار، اللهم اعتق رقابنا من النار، اللهم اعتق رقابنا من النار.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

    اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

    اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين.

    اللهم اجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين.

    اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك اللهم أن تحرر المسجد الأقصى من براثن اليهود المعتدين يا قوي يا عزيز.

    اللهم ارزقنا فيه صلاة قبل الممات يا ذا الجلال والإكرام.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان.

    اللهم انصرهم في فلسطين ، وكشمير ، والشيشان ، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم كن للمشرَّدين والمهجَّرين الأفغان، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.