إسلام ويب

الصلاة عماد الدينللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى جعل لكل أمة خصائص وشعائر، وإن من شعائر هذه الأمة الصلاة التي هي عماد الدين ولبه، ففيها يصلح عمل العبد كله في الدنيا والآخرة، وبها يفسد؛ وبها يفرج الله الهموم ويقضي الديون عن كل عبد، وبها يضيع الله العبد وينساه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ فلذلك يجب علينا أن نحافظ عليها في أوقاتها بشروطها وواجباتها وأركانها وخشوعها وخضوعها حتى تقبل عند الله سبحانه.

    1.   

    مكانة الصلاة في الإسلام

    إن الحمد لله، نحمدك ربي ونستعينك ونستغفرك ونتوب إليك، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبحانك ربنا! لك الحمد والشكر والثناء، جعلت الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسلوى الطائعين، وقرة عيون المؤمنين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، أفضل البرية، وسيد البشرية، إمام المتقين، وقدوة المصلين الخاشعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومَن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها المسلمون! اتقوا الله ربكم رب العالمين، وكونوا بدينكم مستمسكين، وعلى عموده محافظين، وفيه خاشعين خاضعين، تسْلُكوا سبيل المفلحين، وهذا وايم الله غاية العاملين.

    معاشر المسلمين: يحتاج الإنسان في خضم مشاغل الحياة الدنيوية، وما تفرزه الحضارة المادية من مشكلات نفسية، وتوتراتٍ عصبية، يحتاج حاجةً مُلِحَّةً إلى ما ينفِّس عن مشاعره، ويخفِّف من لأوائه ومصائبه، ويبعث في نفسه الطمأنينة القلبية، والراحة النفسية، بعيداً عن العُقَد والاكتئاب، والقلق والاضطراب، وهيهات أن يجد الإنسان ذلك إلا في ظل الإسلام وعباداته العظيمة، التي تمثل دواءً روحياً ناجعاً لا نظير له في الأدوية المادية.

    إخوة الإيمان! تَحُلُّ بالأمة حوادث وبلايا، وتُصاب بكوارث ورزايا تشغلها عن قضاياها الأصلية وثوابتها الشرعية، وتمر بالأمة المناسبات والمواسم، فتأخذ حقها من التذكير والاهتمام؛ غير أن حديث المناسبة وكل مناسبة موسمٌ عظيم، ومنهل عذبٌ كريم، يتكرر كل يومٍ خمس مرات، وكثيرٌ من الناس في غفلة عن تحقيق آثاره، والتنويه بمكانته وأسراره، والعناية بحِكَمِه وأحكامه.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أن نهراً غمراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات! هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا ) متفق عليه.

    معشر المسلمين! إنه نتيجة لارتماء كثيرٍ من الناس في أحضان الدنيا، والتنافس في جمع حطامها، وانشغال القلوب والهمم بها، ونسيان الدار الحقيقية، والغفلة عن العمل لها في هذه الدوامة؛ تناسى بعضُهم مكانة هذه العبادة العظيمة، فلم يبالوا بها، ولم يكترثوا بإقامتها، وصَدَقَ فيهم قول الحق تبارك وتعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّاً [مريم:59].

    وصنفٌ آخر يؤديها؛ ولكن مع الوقوع في الزلل والاستمرار في الخلل، يصلُّون؛ ولكن لا تُرى آثار الصلاة عليهم، لا يتأدبون بآدابها، ولا يلتزمون بأركانها وواجباتها، صلاتهم صورية عادية؛ لإخلالهم بلُبِّها وروحها وخشوعها، يصلُّون جسداً بلا روح، وبدناً بلا قلب، وحركاتٍ بلا مشاعر وأحاسيس، صلاتهم مرتعٌ للوساوس والهواجس، يأتي الشيطانُ أحدَهم وهو في صلاته فيجعله يصول ويجول بفِكره في مجالات الدنيا، يتحرك ويتشاغل، يستطيل ويتثاقل، ويلتفت بقلبه وبصره إلى حيث يريد، فينفتل من صلاته ولم يعقل منها شيئاً، بل لعل بعضَهم لا يعقل منها إلا قليلاً.

    ثم لا تسأل عن الأحوال، وسيء الفعال، وقبيح الخصال بعد الصلاة؛ فحشٌ في القول، وإساءةٌ في الفعل، وأكلٌ للحرام، وتعسفٌ في الأخلاق، واجتراحٌ للسيئات، وإصرارٌ على المعاصي والمنكرات، وربما تساءل بعضهم: ألم يقل الله عز وجل: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ؟! فأين نحن من هذه الآية؟!

    فنحن نؤدي الصلاة؛ ولكن لا أثر لها في حياتنا، ولا ثمرة لها في واقعنا، وتغيير أحوالنا، وتحسن مناهجنا، وصلاح سائر جوانب حياتنا!

    إخوة العقيدة! إن الصلاة التي يريدها الإسلام هي التي تمثِّل المعراج الروحي للمؤمن؛ حيث تعرج به روحه كلما قام مصلياً في فريضةٍ أو نافلة، منتقلة من عالم المادة إلى عالم السمو والصفاء والطهر والنقاء، وفي ذلك مصدر السعادة والسرور، ومبعث الطمأنينة والحُبور، وكان ذلك ديدن الأنبياء جميعاً عليهم صلوات الله وسلامه، وهكذا كان الحبيب المصطفى القدوة عليه الصلاة والسلام: (إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة ) خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث حذيفة رضي الله عنه.

    1.   

    فضل الصلاة والمحافظة عليها

    معاشر المسلمين! الصلاة غذاء القلوب، وزاد الأرواح، مناجاةٌ ودعاء، خضوعٌ وثناء، تذللٌ وبكاء، وتوسلٌ ورجاء، واعتصامٌ والتجاء، وتواضعٌ لكبرياء الله، وخضوعٌ لعظمته، وانطراحٌ بين يديه، وانكسارٌ وافتقارٌ إليه، تذللٌ وعبودية، تقربٌ وخشوع لجناب الربوبية والألوهية، إنها ملجأ المسلم، وملاذ المؤمن، فيها يجد البلسم الشافي، والدواء الكافي، والغذاء الوافي، إنها خير عُدةٍ وسلاح، وأفضل جُنة وكفاح، وأعظم وسيلة للصلاح والفلاح والنجاح، تُنشئ في النفوس وتُذْكي في الضمائر قوةً روحيةً، وإيماناً راسخاً، ويقيناً عميقاً، ونوراً يبدد ظلمات الفتن، ويقاوم أعتى المغريات والمحن، وكم فيها من الأسرار والحكم والمقاصد والغايات التي لا يعقلها كثيرٌ ممن يؤديها! فما أعظم الأجر، وأوفر الحظ لِمَن أداها على الوجه الشرعي!

    أخرج الإمام أبو داود في سننه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خمس صلواتٍ افترضهن الله عز وجل، مَن أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان على الله عهدٌ أن يغفر له ).

    إخوة الإسلام! لا يخفى على كل مسلمٍ بحمد الله مكانة الصلاة في دين الله، ومنزلتها في شرع الله، فهي عمود الإسلام، والفاصل بين الكفر والإيمان، وإذا كان الأمر بهذه الأهمية والخطورة؛ فإن الذي يحز في النفس ويؤلم القلب أنه لا يزال في عداد المنتسبين للإسلام من لا يرفع رأساً بها، فما بال أقوامٍ يعيشون بين ظهرانَي المسلمين قد خف ميزان الصلاة عندهم، وطاش معيارها، بل لربما تعدى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهل ينتهون قبل أن يحل بهم سخط الله؟ وتعاجلهم المنية وهم على هذه الحال السيئة؟!

    أيها الإخوة المصلون! لِتَهْنِكُم الصلاة! ويا بشرى لكم يا من شرح الله صدوركم بهذه الفريضة العظيمة! وهنيئاً لكم ثواب الله وفضله العاجل والآجل لقيامكم بهذا الواجب الشرعي العظيم!

    1.   

    الخشوع في الصلاة

    يا أيها المصلون! لتعلموا أن للصلاة المقبولة شروطاً وأركاناً، وواجباتٍ وآداباً، لابد من الوفاء بها، كما أن هناك مسائل مهمة، وأخطاءً شائعةً في هذه الفريضة، يحتاج المصلون إلى معرفتها، وقد ورد عند أحمد وغيره: (إن أسوأ الناس سرقة: الذي يسرق من صلاته، وذلك بعدم تمام ركوعها وسجودها وخشوعها ) كما ورد عن أحمد وأبي داود والنسائي : (إن المصلي لينصرف من صلاته وما كُتِب له إلا ربعها أو خمسها حتى بلغ عشرها ) وهذا يدعو المسلم المصلي إلى أن يتنبه لشأن صلاته؛ حتى لا يخسر الثواب، ويبوء بالعقاب، متعهداً طهارتها وشروطها وأركانها وواجباتها، مجتهداً في الخشوع فيها، فهو لُبُّها وروحها.

    الخشوع في الصلاة عند السلف

    أمة الإسلام! لقد مدح الله المؤمنين وأثنى عليهم ووصفهم بالخشوع له في أجلِّ عباداتهم، ورتب على ذلك الفوز والفلاح، فقال جل وعلا: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2].

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: أي قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح.

    وقال ابن رجب : وأصل الخشوع: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحُرْقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح؛ لأنها تابعة له.

    وقد رأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة فقال: [[لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ]] رُوِي ذلك عن حذيفة وسعيد بن المسيب ، ويُرْوَى مرفوعاً لكن بإسنادٍ لا يصح.

    وفي معنى الخشوع في الصلاة يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : [[هو الخشوع في القلب وأن تُلِيْنَ كنفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك يميناً ولا شمالاً ]].

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] قال: [[خائفون ساكنون ]].

    وعن الحسن رحمه الله قال: [[ كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح ]].

    وقال ابن سيرين : [[ كانوا يغضون أبصارهم إلى موضع سجودهم ]].

    وحُكِي أن مسلم بن يسار أنه كان يصلي في مسجد البصرة ، فسقط حائط المسجد، ففزع أهل السوق لهدته، فما التَفَتَ، ولما هُنِّئ بسلامته عَجِبَ وقال: ما شعرتُ به.

    الله أكبر! هذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله، الذين كانت قلوبهم تستشعر رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله، فتسكن وتخشع، فيسري الخشوع منها إلى جميع الجوارح، وكل الحركات والملامح، ويغشى أرواحهم جلال الله وعظمته، وهم يقفون بين يديه، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل عندما يشتغلون بلذيذ المناجاة للجبار جل جلاله، ويتوارَى عن حسهم في تلك الحالة كلُّ ما حولهم، فيتطهر وجدانهم من كل دنس، وينفضون عنهم كل شائبة، وعندئذٍ تتضاءل الماديات، وتتلاشى جميع الدنيويات، وحينئذٍ تكون الصلاة راحةً قلبيةً وطمأنينةً نفسيةً وقرة عين حقيقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه: {وجُعِلَت قرة عيني في الصلاة }.

    وفي المسند وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {قُمْ يا بلال ! فأرحنا بالصلاة } رواه أحمد وأبو داود .

    الله أكبر! إنها الراحة الدائمة للنفوس المطمئنة؛ لكي تشعر من خلال أدائها أنها تناجي من بيده ملكوت كل شيء.

    وأن المصلي حينما يكبر ويرفع يديه؛ إنما هو تعظيم لله.

    وإذا وضع اليمنى على اليسرى؛ فهو ذل بين يدي مولاه، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: هو ذلٌّ بين يدي عزيز.

    وإذا ركع؛ فهو إقرار بعظمة الله.

    وإذا سجد؛ فهو تواضعٌ أمام علوِّ الله، وهكذا يكون المسلم في صلاته يوثق الصلة بمولاه؛ ليفوز بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد.

    أخرج الإمام مسلم في صحيحه : عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من امرئ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم تؤتَ كبيرة، وذلك الدهر كله }.

    ذهاب الخشوع من صلاة الناس

    أيها الإخوة المصلُّون! إن المصلي حقاً من يقيم الصلاة كاملة الفرائض والأركان، مستوفية الشروط والواجبات والآداب، يستغرق فيها القلب، ويتفاعل من خلالها الوجدان، ويحافظ عليها محافظةً تامةً قدر الطاقة، يبعثه على ذلك قلبٌ يقظ، وشعور صادق، وإحساس مرهف، وضمير حي، فينصرف بكليته إلى الصلاة؛ لأن الخشوع فيها إنما يحصُل لمن فرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، ومنزلة الخشوع من الصلاة كمنزلة الرأس من الجسد، فالذي يجعل الصلاة مرتعاً للتفكير في أمور دنياه، ومحلاً للهواجس في مشاغله.. قلبه في كل واد، وهمه في كل مكان، يختلس الشيطان من صلاته بكثرة التفاته، وعبثه بملابسه ويده ورجله وجوارحه، وربما أخل بطمأنينيتها، ولم يعِ ما قرأ فيها، فيُخْشى أن ترد عليه صلاته، فقد ورد عند الطبراني وغيره أن صلاةَ مَن هذه حالُه: {تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ الخلِق، ثم يُرْمَى بها وجه صاحبها } والعياذ بالله.

    أمة الإسلام! إنه لما طال بالناس الأمد، وقست قلوبهم، وأساءوا فهم شعائر الإسلام، أصبَحْتَ ترى مَن يخل ببعض شروط الصلاة وأركانها وواجباتها، فلم تعمل الصلاة عمَلَها في قلوب الناس، ولم تؤثر في حياتهم، فهل مَن يؤديها ولكن لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ولا تمنعه مما يخدش العقيدة أو يخالف السنة أو يناقض مبادئ الإسلام، ولا تمنعه من تعاطي الربا، واقتراف الزنا، والرشوة، والغش، وشرب المسكرات، وتعاطي المخدرات، والتساهل في حقوق العباد، والوقيعة في أعراضهم، وما إلى ذلك من المحرمات، هل أولئك قد أقاموا الصلاة وأدَّوا حقها؟! والله لو فعلوا ذلك لانتهوا عن كل محرم، وأقلعوا عن كل ما يخالف شرع الله، ولكنه إضاعة جوهر الصلاة، ولا حول ولا وقوة إلا بالله!

    خرَّج الترمذي والنسائي من حديث جبير بن نفير : {أن أول علمٍ يُرْفع من الناس الخشوع، فيوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً } فالله المستعان!

    يا أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم! ما هي حالنا اليوم مع هذه الفريضة العظيمة؟!

    أجسادٌ تهوي إلى الأرض، وقلوبٌ غافلة، وأفئدة متعلقة بالدنيا، إلا من رحم الله.

    إقامة الصلاة من أسباب النصر

    هل من عودة صادقة أيها المسلمون المصلون إلى ترسُّم خطى المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذه الفريضة العظيمة وغيرها من فرائض الإسلام؛ لتعود للأمة قوتها وهيبتها بعد أن مُنِيَت بنكسة خطيرة، أفقدتها كثيراً من مقوماتها التي تجعلها متماسكة قوية؟!

    ألا ما أحرى الأمة وهي تتجرع غصص الهزائم أن تتحرى الأسباب والدوافع لتقوم بالتغلب عليها، وإنها واجدةٌ في شعائر الإسلام وأعظمها الصلاة ما يكون سبباً في صقل الأفراد، وتهذيب المجتمعات، وصلاح الأحوال، والقضاء على أسباب الضعف والهزيمة وخواء الروح المعنوية في الأمة.

    نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم     والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا

    جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا     في مسمع الروح الأمين فكبرا

    فلنتقِ الله -عباد الله- في أمورنا عامة وفي صلاتنا خاصة، فإن حظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، ولنفكر في حالنا ماذا جنينا من جراء التهاون في شعائر الإسلام كلها لاسيما الصلاة؟!

    إن أمة لا يقف أفرادها بين يدي الله في الصلاة لطلب الفضل والخير منه، لَجَدِيْرَةٌ ألا تقف ثابتة في مواقف الخير والوحدة والنصر والقوة؛ لأن هذه كلها من عند الله وحده.

    فإذا أصلحنا ما بيننا وبين الله؛ أصلح الله ما بيننا وبين الناس.

    وإن أمة لا يعفر أبناؤها وجوههم في التراب، ويمرغون جباههم في الأرض تعظيماً لخالقهم، وإعلاناً للعبودية التامة له، لَحَرِيَّةٌ ألا تثبت أمام التحديات والمتغيرات، وأن تذوب في خضم المغريات والابتلاءات، وسيول المحن والبلايا، وأن تغرق في مستنقعات الفتن والرزايا.

    وإن مَرَدَّ تَرَدِّي كثيرٍ من الأوضاع في شتى البقاع لتردي أبنائها في أودية المخالفات، وعدم القيام بما هو من أوجب الواجبات، ألا وهو الصلاة، فإلى الله المشتكى! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويرزقهم الفقه في دينه، والبصيرة فيه، وأن يجعلهم محافظين على شعائر دينهم، معظِّمين لها، قائمين بعمودها على خير وجه، إنه جوادٌ كريم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه كان عفواً غفوراً.

    1.   

    أسباب إقامة الصلاة بخشوع

    الحمد لله الذي جعل لكل شيء عماداً، وجعل الصلاة لنا ذخراً وزاداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، فلا شركاء له ولا أنداداً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أكمل الأمة إيماناً وصلاةً، وأعظمها عبادةً وجهاداً، صلى الله وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً تامَّين متلازمَين لا نحصيهما أعداداً، وعلى آله وأصحابه إلى يوم يبعث الناس زرافاتٍ وفرادى.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله، وعظموا شعائر دينكم، واستحضروا فيها عظمة بارئكم جل وعلا، وفرغوا قلوبكم من الشواغل الدنيوية، والعلائق المادية، وأقيموا صلاتكم بقلوبٍ حاضرة خاشعة.

    واعلموا -يا رعاكم الله- أن أكبر ما يعين على ذلك حضور القلب فيها، واستشعار عظمة وجلال الخالق جل وعلا، وتفريغ القلوب من الصوارف عن الله والدار الآخرة، والتخفف من مشاغل الدنيا، وعمارة القلوب بالإيمان، وسد مداخل الشيطان على الإنسان.

    ومما يعين على ذلك أيضاً: قَصْرُ النظر على موضع السجود، ووضعُ اليد اليمنى على اليسرى حال القيام، والتدبرُ فيما يُقْرأ بالقرآن وفيما يُرَدَّد من الأدعية، وعدم الالتفات، ومراعاة الطمأنينة، والحذر من العجلة ومسابقة الإمام، والعبث والحركة، كل ذلك مع توفيق الله عز وجل من الأسباب التي تعين المسلم على إقامة الصلاة كما شرع الله، وكما سن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة في الله! إن من الظواهر الجديرة بالمعالجة والتي لها أثر كبيرٌ في انصراف المصلين عن الخشوع في الصلاة: ما قذفت به المدنية المعاصرة من وسائل الاتصال الحديثة، كالهواتف المتنقلة التي بُلِي بها كثيرٌ من الناس، فيصطحبونها في صلواتهم ومساجدهم وهي تسبب أذىً وإزعاجاً للمصلِّين، فأي خشوعٍ عند هذا المصلي عفا الله عنه، الذي يقطع حلاوةَ إقباله على ربه ولذيذَ مناجاته لخالقه رنينُ هاتفه المتكرِّر، فيُشْغِل نفسَه ويؤذي غيره؟!

    فهل هؤلاء الذين جاءوا إلى المسجد مصطحبين هذه الأجهزة مفتوحة جاءوا مصلين أم ماذا؟!

    ألا فليتقِ الله أولئك في صلاتهم، وليحذروا من إيذاء إخوانهم المصلين، وانتهاك حرمة بيوت الله، ومتى علم الله من عبده الرغبة في الخير وفَّقه له وأعانه عليه، ولو أن المسلمين اليوم أدوا هذه الصلاة كما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكانت بتوفيق الله انطلاقةً جادة لإصلاح أوضاعهم، وتغيير أحوالهم وسلامة مجتمعاتهم، وطريقاً إلى النصر على أعدائهم، وتحقيق ما يصبُون إليه في دنياهم وأخراهم؛ لأن في تطبيق شعائر الإسلام السلاح القوي، والدرع الواقي من كل مكروه بإذن الله؛ لأن الدافع إليه قوة الإيمان، وصدق اليقين، والشوق إلى الآخرة.

    ألا فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على إقامة صلاتكم؛ فإنها نور لكم في الأرض، وذخرٌ لكم في السماء، وإن المتأمل في آيات التنزيل لَيَجِدُ أن الأمر بالصلاة يأتي دائماً بأسلوب الإقامة، وفي ذلك زيادةُ معانٍ على مجرد الأداء، لأن الإقامة تعني: الإتمام والعناية، وإن مسئولية المصلين لَعَظِيمة بالنسبة لأنفسهم تعاهداً لها وعناية بها، وبالنسبة لغيرهم من معارف وأقارب وأبناءٍ وجيران؛ من حيث أمرهم ونصحهم في هذا الموضوع المهم كما قال سبحانه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] وعلى أئمة المساجد دورٌ كبيرٌ في ذلك؛ لأنهم يضطلعون بمهمة كبرى، فعليهم أن يقوموا بها عنايةً وتفقيهاً بأحكامها وحكمها كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري : (صلوا كما رأيتموني أصلي ) ولابد من تحقيق التعاون بين الأئمة والمأمومين، وذلك بقيام كلٍّ برسالته؛ لتتحقق النتائج المرجوة بإذن الله.

    هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير مَن أقام الصلاة، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، كما أمركم بذلك الرب المعبود، فقال تعالى قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان وعلي ، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملحدين وسائر أعداء الدين.

    اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامنا وولي أمرنا. اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم كن له على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً. اللهم هيء له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.

    اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.

    اللهم يا قوي يا عزيز! يا ذا الجلال والإكرام! نسألك أن تصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن تنصر إخواننا المجاهدين والمضطهدين في دينهم في كل مكان.

    اللهم انصرهم في فلسطين ، وكشمير ، والشيشان ، وفي كل مكانٍ يا ذا الجلال والإكرام!

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

    اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا.

    اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين!

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

    سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.