إسلام ويب

الشيخ عبد الرزاق عفيفيللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الشيخ في هذه المادة نبذة عن حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، تحدث فيها عن مولده ونشأته وطلبه للعلم، ثم تكلم عن حياته في الدعوة إلى الله، وكيف كان يتعامل مع المخالفين له، وكذلك تعرض لحرصه على الخير وحبه للناس وحرصه على النصيحة بحكمة، مبيناً ما تعرض له الشيخ عبد الرزاق من ابتلاءات في حياته مثل: موت ثلاثة من أولاده ووالده وصبره وتجلده، وكذلك مرض الصرع الذي أتاه منذ السابعة من عمره.

    كما تحدث عن أخلاقه العالية وتواضعه، وأن الدنيا لم تشغله عن الفتاوى والعمل في الدعوة.

    1.   

    أهمية الحديث عن سير العلماء

    الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم، ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وقيوم السماوات والأرَضين، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، الذي بلغ البلاغ المبين، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فيا أيها الإخوة الأحبة في الله: أحييكم بتحية الإسلام: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل هذا اللقاء لقاءً طيباً مباركاً فيه، وأن يجعله في ميزان حسنات الجميع، الذين تركوا أعمالهم وأشغالهم في هذه الليلة وأوَوا إلى بيتٍ من بيوت الله عز وجل، فهنيئاً لهم أن تحفَّهم الملائكة، وأن تتنزل عليهم السكينة، وأن يذكرهم الله فيمن عنده.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياكم لحسن القول والعمل والتطبيق، ونشكر إخواننا في الله، في إدارة مركز الدعوة بمدينة جدة على إسهاماتهم الطيبة، ومن ذلك: الإسهام في هذه المحاضرات القيمة عن تراجم وسير العلماء الصالحين الصادقين الذين عُرِفوا بعلمهم وعُرِفوا بعملهم، وحسن معتقدهم، وعُرِفوا -أيضاً- بمنهجهم الصحيح في العلم والدعوة والحِسبة والإصلاح.

    أيها الأحبة: إن هذا الموضوع المهم الذي نحن بصدده -موضوع الحديث عن سير علمائنا الأفاضل وأئمتنا الكرام- موضوعٌ في غاية الأهمية، وتأتي أهمية هذا الموضوع من نواحٍِ كثيرة وأسبابٍ متعددة:

    السبب الأول: أن هؤلاء العلماء في الأمة هم أنوار هُداها، وهم مصابيح دُجاها، وهم الشموع التي تنير طريق العلم والعمل والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر.

    فإذا كانت هذه مكانة العلماء، فإن الواجب على الأمة أن تعرف سِيَر علمائها، وأن يرتبط خَلَفُ الأمة بسلفها، وأن ترتبط الأجيال المعاصرة والناشئة في عقب الزمن بعلمائهم الذين ساروا على منهج السلف الصالح رحمهم الله ورضي عنهم.

    السبب الثاني: مكانة العلم، فالعلم له مكانةٌ عظيمة، وله منزلةٌ رفيعةٌ في هذا الدين، والجهل ظلامٌ وشؤمٌ وبُعدٌ عن الله عز وجل:

    وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله      وأجسامهم قبل القبور قبورُ

    وإن امرؤٌ لَمْ يحيى بالعلم ميِّتٌ      وليس له حتى النشور نشورُ

    ***

    ما الفخر إلا لأهل العلم إنهمُ      على الهدى لمن استهدى أدلاءُ

    وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه      والجاهلون لأهل العلم أعداءُ

    ففُزْ بعلمٍ تحيا به أبداً      الناس موتى وأهل العلم أحياءُ

    وأجلُّ من ذلك وأبلغُ قولُ الحق تبارك وتعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9] إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] .

    السبب الثالث: أننا نعيشُ في عصرٍ يمثل عصر غربة الإسلام، وعصر نقص العلماء الذين يسيرون على المنهج الصحيح، وما ذاك إلا لأن كثيراً من العلماء الأبرار انتقلوا من هذه الدار، وهذه ثُلْمَةٌ لا تسد، وفاجعةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحَدُّ، فقبض العلماء وموت الأفذاذ من المصائب على الأمة، ويدل ذلك على أن الأمة بحاجةٍ إلى أن تأخذ علم علمائها قبل أن يُفْقَدوا، فإذا انخسفت النجوم وانكسفت وغابت أوشكت أن تضل الهداة.

    فالعلماء في الأرض بمثابة النجوم في السماء، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبقَ عالم؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ).

    هذه الأمور تجسد المسئولية على الأمة وعلى شبابها وطلابها أن يرتبطوا بكبار العلماء قبل أن يُفقَدوا وأن تستفيد الأمة منهم ومن علمهم وفضلهم، وأن تقتبس من نور سيرتهم ما يبين لها طريق الحق، هذا هو الواجب على الأمة الإسلامية وعلى شبابها وطلاب العلم فيها وناشئتها بصفةٍ خاصة.

    السبب الرابع: أننا نعيش في عصر الفتن، والخلافات وعصرٍ كثُر فيه النزاع والشقاق، وإعجاب كلُّ ذي رأيٍ برأيه، فيجب على الأمة أن تعرف العلم بدليله، وأن تأخذ الحق بناصع حجته وبيانه، وذلك لا يؤديه إلا من رسخت أقدامهم في العلم وثنوا ركبهم، وحنوا ظهورهم سنين عديدة في التحصيل والطلب، ومن ثَمَّ البذل والدعوة والتعليم والجهاد والبلاغ.

    السبب الخامس: أن الأمة اليوم يوجد من أعدائها مَن يُلَمِّع رموز الباطل ومن يزين للأمة أصنافاً من أهل العفن، الذين هم ضد قيم الأمة وأخلاقها وعقيدتها، فواجب الدعاة إلى الله وواجب العلماء، وطلاب العلم أن يبرزوا أمثال هؤلاء الأئمة للأمة؛ لأن إبرازهم من أقل الواجب علينا تجاههم.

    السبب السادس: أن هناك فجوةٌ كبيرة -ويؤسفنا أن نقول هذا- بين الشباب وبين علمائهم، فإذا سألتَ كثيراً من الشباب عن كبار علمائهم -لا سيما من تُوفُّوا إلى رحمة الله عز وجل- فستجدُ أن بعضهم لا يعرف عن هؤلاء شيئاً، وهذا والله هو العقوق، أن يظل علماء راسخون وأئمة مهديون، وجهابذةٌ بارزون، أن يظل أولئك في طي النسيان إذا ماتوا!!

    فيجب على الأمة وعلى العلماء وعلى طلاب العلم أن يبرزوا هؤلاء العلماء للأمة.

    ويؤسفني أن أقول: إن عَلَمَنا اليوم الذي نريد أن نتحدث عنه -مع أنه مر على وفاته أكثر من عامٍ وثلاثةِ أشهر أو لعام ونصف تقريباً- لم نر من طلاب العلم فينا ولا من المهتمين من أبرز سيرته، أو حرص على إبرازها أو ذكر نشاطه ونتاجه العلمي ومنهجه الدعوي، وذلك من الخطورة بمكان، فإن موت العالِم ثلمة في الأمة، ويجب على هؤلاء العلماء وطلاب العلم أن يكونوا على صلةٍ بعلمائهم فالعلماء هم الذين يبينون الطريق الصحيح للأمة، لا سيما في عصرٍ غلبت فيه الخلافات وكثر فيه النزاع والشقاقات.

    فيجب علينا -أيها الأحبة في الله- أن نحرص على سير علمائنا، وأن نستفيد منهم، ولهذا قال بعض أهل العلم: "سِيَر العلماء أحب إلينا من كثيرٍ من الفقه"؛ لأن كثيراً من الفقه إغراقٌ في مسائل فرضية أو في مسائل فرعية وجانبية، وقد يكون ليس لها أهمية في مجال العمل والتطبيق، أما سير العلماء -لا سيما إذا عُرفوا بحسن المعتقد وسلامة المنهج- فإبرازهم للأمة هو ترجمانٌ صريحٌ

    إنزال أهل العلم منازلهم

    أيها الأحبة في الله: إن في سير العلماء خبرٌ أيُّ خبر! وإن في تراجم العظماء عبرٌ أيُّ عبر! وإن في أحوال النبلاء مُدَّكَرٌ أيُّ مُدَّكَر! هم صفحةٌ ناصعة ينبغي أن يمتثلها الجيل اليوم وأن يسيروا على ضوئها وأن يقتبسوا من نورها في عصرٍ طغت فيه الماديات، وكثر فيه تلميع أهل الباطل، والإقلال من أهل الخير والحق عند كثيرٍ من الناس، فينبغي أن يُبْرَز أولئك وأن يُبَيَّنوا للأمة لشبابِها وشيبِها، ولعلمائها وعامتِها، ليُعَرَف فضلهم على الأمة.

    أيها الإخوة: إن في تاريخ الإسلام العظيم كوكبةٌ من علماء الشريعة بذلوا جهودهم للتحصيل العلمي، وبذلوا أنفسهم وأوقاتهم في طلب العلم ونشره وبذله للناس.

    مِن علماء سلفنا الصالح -رحمهم الله- أمثال: الإمام أحمد رحمه الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه العلامة ابن القيم ، والأئمة الكرام الذين برزوا في فنونٍ شتى، في فنون العقيدة والفِرَق، والحديث درايةً ورواية، والفقه، والأحكام، وأصول الفقه، واللغة العربية، وعلم التفسير، وعلوم القرآن، وعلم الأدب وغير ذلك من العلوم النافعة. فأمة الإسلام أمةٌ معطاءة خرَّجت العلماء والزعماء والقادة والعظماء والأدباء والنبلاء، وتاريخ الإسلام زاخر بهؤلاء الأئمة، فيجب علينا أن نعرف قدرهم وفضلهم، وأن نستفيد منهم وأن نرتبط بمنهجهم، وأن نسير على ما ساروا عليه؛ لأنهم أسبقُ منا وأرسخ قدماً في العلم، وأكثر خبرةً وتجربة وعمقاً في الأمور والنظر إلى العواقب والحكمة في طريق العلم والدعوة، والموقف من المخالف وما إلى ذلك من الأمور المهمة التي ينبغي علينا جميعاً أن نحرص على تجليتها حينما نتحدث عن سِيَر هؤلاء العلماء.

    إن في علمائنا المعاصرين من مشائخنا وكبار علمائنا لَمَنهجاً وأسوةً وقدوة ينبغي أن يستفيد شبابنا منهم، وحينما نقول ذلك لا نقول: إننا نغلو بهم، ولا نقول: إننا ندعي لهم العصمة، لكننا نعرف لهم فضلهم وسبقهم ولا خير في أمة لا يعرف شبابُها قدر علمائها، ولا خير في أمة لا يعرف ناشئتُها مكانة كبار علمائها.

    ويؤسفنا أن نسمع عن هؤلاء العلماء من يقول: إن فيهم وفيهم، وإنهم رجالٌ ونحن رجال، وإنهم لا يعرفون شيئاً من أمور العصر أو أمور الواقع أو غير ذلك من الأمور، وما أُتِيَ أولئك إلا مِن قِبَل جهلهم، وإلا مِن قِبَل سوء أدبهم مع علمائهم وتقديرهم لأهل الفضل منهم، ولا تسأل عما يعيشه هؤلاء من فُرقةً وخلاف وتخبطٍ في الجديد من المشارب والحديث من المذاهب.

    1.   

    مسيرة الشيخ عبد الرزاق عفيفي

    أيها الأحبة: عَلَمُنا اليوم؛ علمٌ لا كالأعلام، وأقولها بصراحة؛ لأنها عن خبرةٍ وتجربة، وإني لا أكتمكم أن الفرائص ترتعد، وأن الأعصاب تهتز، وأن الدموع تكاد تنسكب، وأن الأفئدة تكاد تضطرب، ونحن نتحدث عن رجل قدَّم لأمته ومجتمعه، وقدم للعالم نتاجاً علمياً وجهوداً جبارة، أصبحت عند كثير من الناس في طي النسيان والكتمان مع شديد الأسف:

    لعمرك ما الرزية فقدُ مالٍ      ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ

    ولكن الرزية فقد شهمٍ      يموتُ لموته بشرٌ كثيرُ

    ***

    وما كان هُلْكه هُلْك واحدٍ      ولكنه بنيان قومٍ تصدعا

    الشيخ العلامة والحبر الفهامة شيخنا؛ الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله من الجيل الذي يُعَد من بقية السلف الصالح رحمهم الله، الذين عرفهم هذا العصر، علماء عاملين، وأئمةً ربانيين، ومجاهدين في سبيل العقيدة الصحيحة وفي سبيل نشرها وبذلها وتعليمها للأمة.

    الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله أئمةٌ في إمام؛ إمامٌ في الحديث، لا يُشَّق له غبار، وإمامٌ في الفقه لا يجارى، وإمامٌ في الأصول لا يبارى، وإمامٌ في اللغة، وإمامٌ في علم التفسير وعلم القرآن، رحمه الله رحمة الأبرار وجمعنا به في دار كرامته، إنه جوادٌ كريم مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] .

    إن العناصر التي يُتَحَدَّث عنها عند سيرة أي علَمٍ من الأعلام ينبغي أن تكون عناصر متكاملة، ولكن ماذا عساي أن أقول عن اثنتين وتسعين سنة من الجهاد والدعوة والعلم والتعليم والخير بجميع جوانبه، عن اثنتين وتسعين سنة من هذا الجهاد الكبير؟! ماذا أقول في ستين دقيقة أو في تسعين دقيقة؟!

    إنني لا أريد أن أطيل، وأنا أعد بذلك في أول هذه المحاضرة؛ لأنني لن أوفِ شيخنا -رحمه الله- حقه، لكني أؤكد أن هذه المحاضرة ما هي إلا إشارةٌ ومفتاح، ونعيش فيها مع دقائق مباركة، من سيرة شيخنا رحمه الله، وحينما نتكلم عن سيرة شيخنا لا يهمنا في حياته الجانب الأسري، ولا يهمنا في حياته الجانب النظري، ولا يهمنا في حياته جانب أكله وغذائه وجانب أموره الشكلية، ورغم أنني سأذكر ذلك، ولكن يهمنا ما هو أهم من ذلك كله وهو: منهج الشيخ رحمه الله في عقيدته، ومنهجه في العلم، ومنهجه في التعليم، ومنهجه في النشر والبذل والعطاء، ومنهجه في الدعوة إلى الله عز وجل، ومنهجه ومواقفه من ولاة الأمر، وموقفه من العلماء، وموقفه من الجماعات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية، ومواقفه من أمورٍ شتى، تبين غزارة علم الشيخ وسليم منهجه رحمه الله.

    سأتناول في الحديث باختصار عن شيخنا رحمه الله، بل سنعطر أسماعنا وسنتوج لقاءنا هذا بذكر شيءٍ من حياته في ضوء النقاط الآتية:

    أ- اسمه ونسبه.

    ب- مولده ونشأته.

    جـ- طلبه للعلم وجهوده في ذلك.

    د- نبوغه المبكر وذكاؤه وحفظه.

    هـ- تخرجه ومؤهلاته.

    و- أعماله في التدريس والدعوة.

    ز- أخلاقه وصفاته.

    ح- خَلْقُهُ وخُلُقُهْ.

    ط- شيوخه وأقرانه وتلاميذه.

    ي- منهجه في العلم والتعليم والدعوة والعقيدة وجهوده في ذلك.

    ك- احترامه لغيره وموقفه من المخالفين.

    ل- مواقف ولطائف في حياة الشيخ رحمه الله.

    م- ابتلاؤه وصبره.

    ن- ثناء الناس عليه، وثناؤه على غيره.

    س- زهده وورعه وتقواه وصلاحه وبُعده عن الأضواء والشهرة.

    ع- عمقه في العلم وتأصيله.

    ف- مكانته العلمية وجهوده العملية.

    ص- مرضه ووفاته.

    ق- جنازته وعزاؤه.

    ر- نتاجه العلمي ومؤلفاته، ومنهجه في ذلك.

    ش- أولاده ومخلفاته ومراثيه وما قيل فيه من ذلك.

    ت- ثم أخيراً نزف إليكم بشرى ونقترح مقترحات تليق بحياة شيخنا وعلمه ومنزلته رحمه الله.

    وأنا أجزم أن هذا الكلام يحتاج إلى ساعاتٍ طويلة، لكني أبشركم أنني لن آخذ في هذا كله أكثر من نصف ساعة، وأجعل لأسئلتكم النصف الآخر أو ما هو أقلّ من ذلك؛ لأنني لا أحب أن أثقل عليكم، ومهما قلتُ من الحديث والكلام فلن أوفي الشيخ حقه، وسأحيلكم إلى بعض المراجع في ذلك، ليستفيد مَن رَغِب الاستزادة من علم الشيخ ومنهجه رحمه الله.

    وبادئ ذي بدء أقول: إن كلام أصغر تلاميذ الشيخ فيه لا يوفيه حقه، فهذا المقام الذي أقفه اليوم أمامكم للحديث عن سيرة عالِمِنا المبجل، وإمامنا المفضل الشيخ عبد الرزاق رحمه الله لا ينبغي أن يحدث أمثالي عن أمثاله:

    لا تعرِضَنَّ بذكرنا في ذكرهم     ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    ما المتحدث عن فضيلته رحمه الله إلا أصغر تلاميذه، وفي علمائنا اليوم وفي كبار علمائنا مَن هُم مِن أبر تلاميذ الشيخ وأوثقهم صلةً به، فالشيخ بذل جهده ودعوته، وتعليمه قبل أن يولد المتحدث أمامكم، فكيف أتحدثُ عن شيخي رحمه الله وأنا لَمْ أُدْرِك إلا سُنَيَّات عمره الأخيره؛ لكن هو حسن ظنٍ من إخواننا في مركز الدعوة، وهو الحقيقة حرصٌ على أن يفي تلاميذ الشيخ بمكانته وبحقه علينا، وعذري لكبار تلاميذه أنهم اليوم يتسنمون مناصب علمية وإدارية في الأمة قد تحول مشاغلُهم عن الحديث في الشيخ رحمه الله، لكن ذلك جهد المقل، وعسى أن يكون فيه خيرٌ وبركةٌ إن شاء الله.

    نسب الشيخ عبد الرزاق ومولده

    أما اسم شيخنا رحمه الله؛ فاسمه: عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي .

    هذا اسمه كاملاً، والشيخ رحمه الله ولد في جمهورية مصر في قريةٍ تُسمى شنشور في محافظة المنوفية ، وهذه القرية معروفةٌ بتمسكها بالإسلام وعاطفتها الدينية، ولهذا نشأ الشيخ رحمه الله نشأةً دينية وتأصل في الإيمان والتربية الصحيحة على خير ما يتربى عليه ناشئٌ يافع.

    أما تاريخ ولادة الشيخ رحمه الله: فقد ولد في العام الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة والألف من هجرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    نشأة الشيخ عبد الرزاق

    لقد نشأ الشيخ نشأةً دينية ونشأةً علمية، فمنذ صباه رحمه الله كان متوجهاً توجهاً دينياً وعلمياً، فالتحق بتحفيظ القرآن الكريم، فحفظ القرآن الكريم منذُ صغره، وهكذا ينشأ الناشئ من العلماء، ينشأ مرتبطاً بكتاب الله عز وجل، ومرتبطاً بدستور هذه الأمة، ويؤخذ من هذا: أن علينا أن نربي أبناءنا وناشئتنا على كتاب الله سبحانه.

    وينشأ ناشئ الفتيان منا      على ما كان عوده أبوهُ

    وما دين الفتى بِحِجى ولكن      يعوده التدين أقربوهُ

    ولنستمع -أيها الإخوة الأحبة- إلى مَن لازم الشيخ وعرفه أكثر مما عرفته أنا، وسأذكر اسمه جزاه الله خيراً في ثنايا هذه المحاضرة، يقول رحمه الله وحفظه ووفقه لما فيه الخير وجميع علمائنا والمسلمين جميعاً: في قريةٍ هادئةٍ متواضعة تترابط أُسَرها وتمتزج في كيانٍ واحد وتتنسم عبير الإخاء والود في مجتمعٍ ريفي صغير، هي قرية شنشور ، إحدى قرى محافظة المنوفية بـمصر في هذه القرية ولد الشيخ عبد الرزاق سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف، وكانت النشأة التي تغمرها العاطفة الدينية فتحرك مشاعر الإيمان، وتجعل من الدعوة إلى الله سياجاً حصيناً، وأصبح عبد الرزاق الفتى الموهوب في حفظه للقرآن وإقباله على العلم.

    رحلة الشيخ عبد الرزاق في طلب العلم

    لقد منَّ الله على الشيخ رحمه الله منذُ صباه ومنذُ صغره بالحافظة وبالرعاية السليمة وبالذكاء المتوقد وبميله إلى الحفظ مع الفَهم، فكان رحمه الله حافظاً لكتاب الله، حافظاً للمتون العلمية في العقيدة والحديث والفقه وغير ذلك من الأمور.

    ثم بعد أن درس في المدارس الابتدائية، أو ما يُعرف بالكتاتيب التي تحفِّظ كتاب الله عز وجل والقراءة والكتابة، التحق رحمه الله بالأزهر وأنهى الدراسة العليا متخصصاً في الفقه وأصوله، والعالِمية -وهي الشهادة التي تسمى عندنا اليوم: شهادة الدكتوراه- ودرس في الأزهر بعد تخرجه بمعهد الإسكندرية عليه رحمة الله.

    وقد تدرج الشيخ رحمه الله في سلك التعليم فدرس في المعاهد الأزهرية التي تمثل مثلما يمثل عندنا اليوم المدارس المتوسطة والثانوية ثم التحق بجامعة الأزهر -قبل أن تكون جامعة يوم أن كانت جامعاً أزهراً- وتخرج منها مع كوكبةٍ من علماء الأزهر القدامى.

    فالشيخ رحمه الله أثناء تحصيله في مستواه الثانوي والإعدادي، وفي مستواه الجامعي كان معروفاً رحمه الله بالحرص على التحصيل والمناقشة والرغبة في الفائدة والأخذ من العلماء والاستفادة منهم عليه رحمة الله.

    وتخرج من الجامع الأزهر ونال الشهادة العالية، التي هي بمثابة ما يسمى اليوم بالليسانس أو بالبكالوريوس، ثم أخذ التخصص الذي هو الماجستير، ثم نال الشهادة العالمية العالية وهي بما يسمى اليوم وبما يوازي عندنا اليوم شهادة الدكتوراه، فقد بلغ رحمه الله من مراحل التعليم أجلَّها وأعظمها وأكبرها في عالَم شهادات اليوم، لكنه ليس طالب شهادة رحمه الله، ولم يكن يعترف بهذه الأمور، بل كان حريصاً على العلم، وحريصاً على التحصيل وعلى المواصلة حتى في آخر حياته رحمه الله، حتى وهو على مرضه، كان يُسأل وكان يَسأل، وكان يحرص على التحصيل والإفادة عليه رحمة الله.

    أيها الأحبة: هذه رحلةٌ زمنية من عمر شيخنا رحمه الله، وهي تمثل الرحلة العلمية النظامية التي كان الشيخ رحمه الله فيها مبدعاً، وكان قد بَزَّ أقرانه، وكان يشار إليه بالبنان بين زملائه ومجالسيه وتلاميذه وأقرانه.

    اهتمام الشيخ عبد الرزاق ببناء المساجد

    ومنذ كان الشيخ رحمه الله في مراحله العليا، يمتزج معه روح العلم والعمل والدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فلم يكن مقتصراً على العلم فقط، وإنما كان يحرص على العلم والعمل وعلى التعليم أيضاً، وعلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهو في قريته وبعد التحاقه بالأزهر، كان رحمه الله حريصاً على الدعوة إلى الله، مركزاً على ما يحتاج إليه مجتمعه آنذاك، وهذه غاية معرفة بيئة الداعية لعصره وفقهه لواقعه الذي يعيشه، فالشيخ رحمه الله وُجِد في عالَمٍ يموج في كثيرٍ منه بالبعد عن الله عز وجل وبالوقوع في معتقداتٍ تخالف العقيدة الصحيحة، وبالوقوع في الشركيات والبدع وعبادة القبور والخرافات، فكان رحمه الله داعيةً إلى التوحيد وهو في مقاعد التحصيل والعلم والدراسة، وكان له في ذلك أسلوبٌ حسن.

    ومن أساليبه رحمه الله في الدعوة إلى الله أنه كان في قريته حريصاً رحمه الله على أن يبني المساجد، وعلى أن يسهم فيها، وأن يوجد في كل مكانٍ من قريته مسجداً يجتمع فيه الناس ويؤدون فيه شعائر الإسلام، ولم يكُ ينظر إلى أن يؤدى فيه شعائر الإسلام فقط، وإنما رأى أن ذلك من رسالة المسجد التي ينبثق منها العلم والتعليم والدعوة إلى الله، وما المسجد إلى بمثابة قلعةِ إيمان وحصنِ فضيلة، ومحلٍّ للدعوة إلى الله وإشعاع النور في بيئةٍ تموج فيها الخرافة والعقيدة المخالفة لعقيدة أهل السنة رحمهم الله.

    فكان الشيخ رحمه الله حريصاً على عمارة المساجد، حتى يذكرون عنه أنه لا يرى صاحب عمارة إلا ويعرض عليه أن يجعل جزءاً منها مسجداً يجتمع فيه المصلون، وكما قلتُ لكم: كان ينظر إلى المسجد على أنه يؤدي رسالةً في التعليم والدعوة عن طريق الخطابة، وعن طريق الدروس، وعن طريق الندوات والمحاضرات.

    ويذكرون من لطائف ما يُذكر عنه في حسن أسلوبه في الدعوة وهو صغير عليه رحمة الله: أنهم كانوا قد عزموا على بناء مسجد في قريتهم، وكان بجانب المسجد مقهى، وكان صاحب المقهى لا يريدُ لهؤلاء أن يبنوا هذا المسجد، فما كان منه إلا أن عمل خصاماً مع جماعة المسجد، وقام أهل المسجد كلهم يريدون أن يمسكوا بتلابيبه، فما كان من الشيخ رحمه الله إلا أن قال: دعوا أمره إليَّ، فذهب إليه -رحمه الله- وهو في سنٍ مبكرة، لكنه كان حريصاً على الدعوة إلى الله وعلى منهج الدعوة الصحيح بالرفق والأسلوب الحسن والحكمة التي هي أحسن، والموعظة الحسنة.

    فذهب هو ومجموعةٌ قليلةٌ من أهل المسجد ووجهائه إلى صاحب المقهى في مقهاه، وسلموا عليه وجلسوا معه، وأشعروه بالأمان، وأنهم لا يريدون أن يدخلوا معه في خصام، وأنه ابن هذه البلدة التي عُرفت بالدين وعمارة المساجد وما إلى ذلك من الأمور، فتحدث الشيخ معه حديثاً موجزاً وجماعة المسجد ينتظرون من صاحب المقهى أن يضرب الشيخ أو يوقع فيه إيذاءً بأي أنواع الأذى، لكن ما كان من هذا الرجل وقد ذهبوا إليه في وقت المساء، إلى أن أتى معهم ليؤذن في هذا المسجد الذي سعى إلى إغلاقه وعدم السماح ببنائه بجانب مقهاه، فرجع هذا الذي كان مؤذياً للدعوة ومؤذياً لأهل الخير، رجع مؤذناً للمسجد، ولعل هذا من حكمة الشيخ رحمه الله، فأتاه بأسلوبٍ حسن، وعرض عليه هذا الأمر ولعله قبل، وهذا ينبغي أن يتفطن له أهل الخير والفضل والدعوة والإصلاح.

    الشيخ عبد الرزاق رئيساً لجماعة أنصار السنة في مصر

    الشيخ رحمه الله بعد تخرجه درَّس في المعاهد الأزهرية في بعض القرى وفي الإسكندرية ، وكان حريصاً رحمه الله على السنة، فأنشئت جماعة أنصار السنة في مصر ، وهذه جماعة -أقولها بحق- ليست جماعةً حزبية، وإنما هي أُناسٌ نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله ولنصرة السنة، وللتركيز على العقيدة الصحيحة وإلى دعوة الناس إلى الوحيَين والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وقد رُشِّح الشيخ رحمه الله في سنٍ مبكرة نائباً لرئيس جماعة أنصار السنة في الإسكندرية ، ثم عين رئيساً لـجماعة أنصار السنة في مصر كلها، خَلَفاً للشيخ/ محمد حامد الفقي رحمهم الله جميعاً، فالشيخ رحمه الله التحق بالعلم والعمل والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإحياء السنة والتركيز على العقيدة ونبذ البدع والخرافات، كل ذلك بأسلوبٍ حسن وهذا مما يبين الأولويات في الدعوة، وينبغي على الدعاة إلى الله أن يبنوا دعوتهم على الأولويات التي دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وقضية العقيدة هي أم القضايا على الإطلاق، وهي أصل القضايا باتفاق، وهي دعوة الرسل الذين دعوا أقوامهم إلى التوحيد والعقيدة: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] .

    ويكفي الشيخ في ذلك شرفاً أنه يسير على منهاج النبوة وعلى مشكاة الرسالة، وعلى منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

    قدوم الشيخ عبد الرزاق إلى السعودية

    مَنَّ الله على الشيخ وشَرُف الشيخ وشَرُفَت بلاد الحرمين الشريفين بالشيخ رحمه الله، فمن نعم الله عز وجل على هذه الأمة وعلى هذه البلاد وعلى الجزيرة أن هيأ لها الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ، رحمه الله، فجمع الله به البلاد والعباد على منهجٍ واحد، فبعد أن ضربت الجزيرة في الفرقة والخلاف وفي القبائل وغير ذلك من الأمور الكثيرة، جمعهم الله على يد الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن رحمه الله، فقد رأى مع علماء هذه البلاد -وفي مقدمتهم سماحة المفتي السابق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله- أن البلاد بحاجةٍ إلى مجموعةٍ من العلماء الذين عُرِفوا بعمقهم العلمي وبحسن منهجهم العقدي وبإثرائهم البلاد وأهلَها بالعلم والتحصيل والتوجيه فكان أن استُقْدِم مجموعةٌ مباركة من علماء الأزهر، مِن أهمِّهم وأولاهم وأفضلهم: شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله، ومنهم أيضاً: الشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام الحرم المكي الشريف رحمه الله، ومنهم: الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة ، ومنهم: الشيخ: محمد خليل الهراس ، ومجموعةٌ مباركة من كبار علماء الأزهر المعروفين بحسن عقيدتهم، وحسن منهجهم، فأتوا إلى هذه البلاد المباركة لما افتُتِحت المدارس عن طريق مديرية المعارف آنذاك، وافتتحت دار التوحيد بـالطائف وافتُتِحت المعاهد العلمية التي هي نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

    ففي عام ألفٍ وثلاثمائة وثمانية وستين قَدِم الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله إلى بلاد الحرمين الشريفين، لم يأتها طالباً للدنيا علم الله، ولم يأتها يريد المنصب، ولم يأتها يريد المال، كما يأتيها كثيرٌ من الناس اليوم ممن لم يصونوا العلم، لكنه أتى إليها حباً في الحرمين وأهلها، وحباً في الإسلام وعلماء الدعوة السلفية الذين ساروا على منهج الدعوة الإصلاحية، منهج الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ولا شك أن هذه البلاد المباركة التي هي مأرز الإيمان وموئل العقيدة، عنيت بالمنهج الاعتقادي الصحيح، وكان الشيخ -وهو من كبار علماء السنة في العصر الحاضر- كان حريصاً على أن يكون في ظل هذه البلاد يستفيد منها ويفيد أجيالها وناشئتها.

    فكان أن شرُفت هذه البلاد به وشرُف بها، وأتى مع كوكبةٍ من علماء الأزهر، وكان لهم بعد الله الفضل والشرف في أن يُخرجوا جيلاً من العلماء.

    بعض زملاء الشيخ وطلبته

    أقول لكم وبصراحة: إن كبار علمائنا اليوم هم من زملاء الشيخ وأقرانه ومن تلاميذه:

    اسألوا عن الإمام الشيخ العلامة والد الجميع. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، فلقد كان زميلاً للشيخ وكان ممن أُعجب بالشيخ غاية الإعجاب، حتى إنه رشحه جزاه الله خيراًً نائباً للإفتاء، وعضواً في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، فكان أن أحسن الاختيار جزاه الله خيراً وأثابه على أعماله الطيبة.

    وأيضاً مَن سوى الشيخ عبد العزيز من علمائنا اليوم ومن كبار علمائنا، هم من تلامذة الشيخ جزاه الله خيراً ورحمه، اسألوا عن أهل الطبقة الذين هم اليوم كبار العلماء، والذين هم اليوم قضاة المحاكم وقضاة التمييز، وكبار الدكاترة وأوائل المدرسين والدعاة، هم من تلاميذ الشيخ رحمه الله، ومنهم على سبيل المثال:

    معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي ، وزير الشئون الإسلامية والأوقاف، فلقد كان من أبرز تلاميذ الشيخ رحمه الله، وكان الشيخ رحمه الله هو الذي أشرف على رسالتيه في الماجستير والدكتوراه، ومنهم أيضاً: الشيخ: صالح بن محمد اللحيدان ، والشيخ: عبد الله بن غديان ، والشيخ: صالح بن فوزان ، والشيخ: عبد الله بن جبرين ، والشيخ: عبد الله بن سعود ، وغيرهم كثير من كبار علمائنا اليوم، هم تلاميذ الشيخ رحمهم الله، ورحمه الله، وجزاهم الله خيراً وبارك فيهم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلهم خير خلفٍ لخير سلف.

    أيها الإخوة: أرى أن الموضوع كاد يتفلت مني وكنتُ أمسك بزمامه والأمور كثيرة، وأنا أمام بحرٍ لا ساحل له، ولعلي أن أعود إلى ما ذكرته في العناصر، حتى يكون طريقاً للجادة.

    أعماله في مصر في التدريس والدعوة، والتحاقه بـجماعة أنصار السنة المحمدية .

    ومع أن الشيخ رحمه الله ممن أُعجِب بهذه الجماعة، إلا أنه كان متعاوناً ومفيداً لسائر الجماعات في الساحة، فلم يكن يتعصب لجماعةٍ معينة، وكان ينظر إلى الجميع بمنظار العدل والإنصاف، وكان يناصح ويبين الخطأ لمن عنده خطأ من الأفراد أو الجماعات بالأسلوب الحسن.

    المناصب التي تولاها الشيخ عبد الرزاق

    قدم إلى المملكة -كما قلتُ- ودرَّس في دار التوحيد، ودرَّس قبلها في المعارف، ثم درَّس في معهد عنيزة العلمي، واستفاد منه شيخنا الشيخ: محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- كما استفاد الشيخ أيضاً من دروس الشيخ: عبد الرحمن بن سعدي في القصيم ، وبعدها أيضاً، افتُتح معهد الرياض العلمي في العام السبعين بعد الثلاثمائة والألف، فأُتِي بالشيخ ليدرِّس في هذا المعهد الذي هو نواة للمعاهد العلمية -وهي نواةٌ مباركة- التي أصبحت اليوم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقبلها الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية، وكان مدير الكليات والمعاهد العلمية الشيخ: عبد اللطيف بن إبراهيم -وهو أخو المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله- معجباً بالشيخ عبد الرزاق رحمه الله، فكان أن أسند إليه مهمة اختيار المدرسين، وأيضاً مهمة وضع المناهج في المعاهد العلمية، وفي جامعة الإمام، وفي كلية الشريعة، وفي المعهد العالي للقضاء، وفي الجامعة الإسلامية بـالمدينة المنورة ، وذلك يعطيه الثقة من ولاة الأمر ومن علماء هذه البلاد بارك الله فيهم جميعاً.

    وفي عام ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف، افتتحت كلية الشريعة بـالرياض ، فطُلِب الشيخ مدرساً فيها لمواد العقيدة، وأصول الفقه، والفقه والتفسير فكان من خير المدرسين رحمه الله.

    وفي عام خمسة وثمانين وثلاثمائة وألف افتتح المعهد العالي للقضاء، الذي -كما تعلمون- يؤهل القضاة، فاختير الشيخ رحمه الله أول مديرٍ لهذا المعهد، ووضع مناهج هذا المعهد، فكانت مناهج رائدة معروفة تنافس مناهج التعليم العالي في العالم الإسلامي.

    وفي عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين، وبعد أن أحيل الشيخ على التقاعد من المعهد العالي للقضاء، حرص شيخنا الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله أن يكون الشيخ عبد الرزاق بقربه وبجانبه في إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وكان الشيخ حفظه الله يحب الشيخ كثيراً ويُثني عليه ويُعجَب بعلمه وعقله وفضله وبُعد نظره رحمه الله.

    ففي عام ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين عُيِّن الشيخ عبد الرزاق عفيفي نائباً لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وأيضاً عضواً في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، وعُرف رحمه الله بجده واجتهاده وقيامه بالعمل خير قيام، فقد ضَرَب مثالاً في الرغبة والحرص والاحتساب، فلم يكن للعمل موظفاً يتقاضى أجراً فقط، وإنما كان رحمه الله معروفاً بجده واجتهاده إلى أن اعتلت صحته، وهو يقاد بالعربة إلى مكتبه في إدارة البحوث العلمية والإفتاء حتى أقعده المرض، عليه رحمة الله.

    وقد جاورتُه رحمه الله، فكان يذهب للعمل أحياناً بعد صلاة الفجر يصلي معنا الفجر ثم ينتظر حتى تشرق الشمس، ثم يذهب إلى العمل، ويجلس في العمل، في الإفتاء، في الدعوة، في تحرير الفتاوى والكتابة فيها، وفي استقبال المستفتين، وفي الأعمال الإدارية والعلمية الكثيرة حتى الساعة الثانية والنصف أو الثالثة، ثم يأتي إلى البيت ويتناول طعام الغداء، ويستريح بعد صلاة العصر قليلاً وبعد صلاة المغرب يفتح أبوابه للراغبين من طلاب العلم؛ والمستفيدين؛ والعامة والخاصة؛ والشباب والشيب؛ والصغار والكبار؛ كلٌ يفد إلى بيته بعد صلاة المغرب من كل يوم.

    وكان لي أن شَرُفْت بلقاء الشيخ رحمه الله في آخر أيامه، وكنت بعد صلاة المغرب أراوده وأختلف إليه لأستفيد من علمه وفضله رحمه الله، وبعد صلاة العشاء يتناول العشاء ثم يرجع إلى أعماله العلمية وإلى فتاويه والاستعداد العلمي ليوم غد، ثم ينام مبكراً، وفي آخر الليل يستيقظ يصلي ما كتب الله له.

    وهكذا، بابٌ مفتوح، علمٌ، وفضلٌ، ودعوة، وإصلاح، وحسبة، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، وفتحُ بابٍ للمستفيدين والراغبين من طلاب العلم ومِن غيرهم، وأشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه، حتى إنه أشرف على مئات الرسائل، وكان أن شرفتُ بإشرافه رحمه الله في أول رسالة الماجستير في علم أصول الفقه، ويعلم الله أن السنوات التي قضيتها وهي بمثابة ثلاثٍ أو أربع إلى خمس سنوات من أعز أيام وليالي العمر، ولا أعرف أنني رأيت مثله ومثل شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظهم الله- فيما جبلهم الله من صفاتٍ متعددة في العلم والتعليم، وبذل النفس، والتحصيل، مع العقل والحصافة، وبُعد النظر، وإنزال الناس منازلهم، والتوجيه بالتي هي أحسن.

    أخلاق الشيخ عبد الرزاق عفيفي

    أما أخلاق الشيخ وصفاته: فكان رحمه الله مثالاً في الخُلُق الحسن، ومثالاً في الورع والزهد، لا يعرف الأضواء البته، حتى إن كثيراً من الناس لا يعرفون الشيخ؛ لأن الشيخ ليس صاحب شهرة، ولا صاحب أضواء، وكم يأتيه الإعلاميون من أرباب الصحافة والإذاعة والتلفزة وغيرها ليخرجوه للأمة، لكنه رحمه الله يؤثر التواضع والبعد عن الأضواء والشهرة احتساباً، وحتى يكون بعيداً عن الرياء، وحتى يزداد تواضعاً إلى تواضعه رحمه الله.

    أما احترام الشيخ لغيره: فكان يحترم المخالِف بشكلٍ كبير، يحترمه أمام الناس وإن خالفه -هذا في مسائل الفروع طبعاً- ففي مسائل الفروع لا يحجر على أحد، حتى إن طلابه ليتمردون عليه أحياناً في الرسائل العلمية، ويقولون له: يا شيخ! نحن نخالفك في هذه المسألة؛ فيقول: أنتم أحرار، وأنتم وما ترون، هذه رسالتكم واكتبوا ما ترونه، لكنَّ رأيي كذا ودليلي كذا، والذي أراه كذا، فيقنعُ بالحجة والبرهان والدليل دون إزعاج، ودون جَلَبة، ودون ضوضاء، ودون انتصارٍ لرأيه، وبدون ردودٍ عقيمة لا تجدي شيئاً، وأيضاً بدون إسفافٍ في القول، أو تَنَزُّلٍ إلى الكلام في أعراض الناس.

    كان عفَّ اللسان رحمه الله عن أعراض الناس، ولا يتكلم إلا بخير، ولا يُرَى إلا ذاكراً لله، معلماً، أو باذلاً للعلم، أو داعياً إلى الله، ولا يسمح لأحدٍ أن يتحدث في مجلسه في أعراض الناس، بل إنه يرى للناس فضلهم وسبقهم، ولا يسمح لأحدٍ أن يتحدث في أعراض الناس أمامه، ومجال النصح مشروع، ومع ذلك كان من أنصح الناس للناس، وإذا رأى على أحدٍ خطأً أو ملحوظةً نبهه على ذلك بحسن أدب، وحسن منطق، وبحجة وبرهان، لا ينتصر لنفسه ولا لرأيه، ولا يسُفُّ في التعامل مع المخالف أو يرميه بالكلام البذيء والفاحش من القول، بل يدعو بالتي هي أحسن عليه رحمة الله، حتى إن بعض تلاميذه في رسائل الماجستير والدكتوراه لَيثبتون أنهم يخالفونه في مسائل، ومع ذلك يجلُّهم ويقدرهم ويحترمهم ويجعل ذلك منهم مزيةً على غيرهم؛ لأنهم متمكنون وحريصون على إثبات شخصيتهم العلمية.

    أما الموقف من المخالف -إذا كان في أمور الاعتقاد- فإن الشيخ رحمه الله لا يجامل أحداً، ولا يعرف المداهنة، لكنه يداري -والمداراة محمودة، والمداهنة مذمومة- لا يداهن وجيهاً لجاهه، ولا غنياً لغناه، ولا شريفاً لشرفه، ولا كبيراً لكِبَره ومنزلته، لكنه يبين بالحسنى، ويتلطف مع الناس بالأسلوب الحسن، ويصل إلى ما يريد بالأسلوب المناسب، حتى مع الجماعات المخالفة يبين ما لها وما عليها، عليه رحمة الله.

    وهناك مواقف ولطائف في حياة الشيخ، وفي تحصيله وبذله، وفي نشره للعلم، وفي معرفته وفراسته رحمه الله.

    الشيخ رحمه الله ذو بالٍ واسع، ورجلٌ موسوعي، رجلٌ مهيب، أخلاقُه وخُلُقُه وخْلْقُه جَبَلَه الله على أحسن ما جبل عليه عباده الصالحين.

    صفات الشيخ الخَلْقِية

    أما خَلْقُه وصفاته الخلقية: فكان الشيخ ربعةً بل إلى الطول قليلاً عليه رحمة الله، وكان ذا هيبة، وذا وقار، يهابه كل مَن يراه أو يجلس معه، وكان رحمه الله متمسكاً بالسنة في مظهره، فلحيته طويلةٌ وكثة، ولا يأخذ منها شيئاً، ولباسه على حسب السنة، وكان رحمه الله يطبق السنة تطبيقاً علمياً وعملياً عليه رحمة الله، وكان أبيض البشرة.

    أخلاقه متعددة، وما جبله الله عليه من السجايا الحميدة كثيرة أهمها: أن الشيخ رحمه الله زَهِدَ في الدنيا، بيتُه المتواضع في بعض الأحياء الشعبية في الرياض ، مَن يراه لا يليق بيته بأقل تلاميذه، ومجلسه متواضعٌ جداً، وهِنْدامه وشكله متواضعٌ جداً، لا يتعالى ولا يبين لكَ موقفه أنه دخلت عليه الدنيا أو غمرته بشهواتها ودرهمها ودينارها، بل إنه رحمه الله كان لجوده وكرمه قد لا يدخر شيئاً من أمواله إلا ما يدخره لأبنائه، حتى إن بعض طلابه في كلية الشريعة، والمعهد العالي للقضاء ممن حالهم من الحال المتوسطة كان يسامحهم، ويعطيهم من أمواله، وكان ينفق عليهم رحمه الله، ويؤثرهم على نفسه.

    وأما علم الشيخ وفتاواه: فقد ذُكر عنه أيضاً أنه وقَّع على أكثر من أربع عشرة ألف فتوى في هيئة الإفتاء، أو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد كما كانت سابقة.

    بعض اللطائف من حياة الشيخ عفيفي

    هناك لطائف، والشيخ رحمه الله له فراسة بالسائلين، وله فراسة بالناس، ولا يسمح لأحدٍ أحياناً أن يقل أدبه أمامه.

    يُذكر أن رجلاً من البادية أتى الشيخ في موسم الحج، فقال له: يا شيخ! إن ابني هذا صغير وقد أحرمت عنه، ولكن ابني مشاغب، فيفتيه الشيخ ويعلمه بأنك إن أردت الإحرام لابنك فلا بأس، فتمنعه من المحظورات، فيذهب الرجل ثم يرجع إلى الشيخ ويقول: يا شيخ! ابني فعل كذا، ثم الثانية ثم الثالثة، قال له الشيخ: وماذا أقول إذا كان ابنك بهيمة؟

    فالشيخ رحمه الله أسلوبُه هذا تربوي: ليس غضاً ولا فضاً، هو عَمِل للرجل فقابله وبيَّن له، ثم قابله ثانية، ثم قابله ثالثة، فكان من هذا المستفتي أدباً أن يعرف أدب الشيخ وأن يقدر مشاغله وظروفه وكثرة السائلين، فما كان من الشيخ إلا أن أعطاه درساً تربوياً، حرص بعده الرجل على تربية ابنه وألا يعود به إلى الشيخ، هذه من المواقف واللطائف التي تُذكر في أسلوبه التربوي التعليمي والدعوي.

    ومن مواقفه أيضاً: أنه أحياناً يتفقد أبناءه في المعهد العالي للقضاء وفي كلية الشريعة، فإذا رأى من أحدهم انحرافاً في بعض التصوُّر، أو بعض السلوك، قال له: يا فلان! احذر أن تسقط من الزنبيل، هكذا يقول، والطالب يعرف مراد الشيخ، والطلاب يعرفون مراد الشيخ، وهذا أسلوبٌ مناسب في أن الرجل يعود إلى نفسه وأن يصلح من حاله فيقول له: احذر أن تسقط من الزنبيل.

    يأتيه بعض الطلاب من الذين عندهم -أحياناً- شغبٌ وفوضى في الطلب فيكثرون عليه، وأحياناً تنعكس بعض المفاهيم وتختلف بعض المعايير، فكان رحمه الله يقول: إن بعض هؤلاء كنبت البصل، رجلاه إلى أعلى ورأسه إلى أسفل.

    وهذا يبين أن الشيخ رحمه الله كان متفرساً في الناس، وكان أيضاً يتخذ الأسلوب التعليمي التربوي.

    وكان يهابه كل من يسأله، لكنه مع ذلك كان منشرح الصدر لكل من يسأله، ويفتح صدره وبابه، حتى إنه يُسأل وهو على فراش المرض فيجيب، لكنه إذا رأى وتفرس في السائل أنه يحتاج إلى لذعة تكون أسلوباً تربوياً فإنه يبين له لعل ذلك يفيده في حياته.

    ابتلاءات حصلت للشيخ عبد الرزاق

    مرت في حياة الشيخ مواقف، فابتُلي في هذه الدنيا، ببلاء المرض، فكان يصاب بالصرع وهو منذ سبع سنوات، وكان أصيب بالشلل مرتين، وأصيب أخيراً بالسكَّر وضغط الدم، وضعف في أجهزة الكبد والكلى، حتى توفي رحمه الله، ومع هذا كان الشيخ صابراً محتسباً متجلداً لا يعرف من يواجهه أو يلاقيه أن به مصيبة، وهذا من تجلد المؤمن قال رسول صلى الله عليه وسلم: {عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير }.

    وابتلي الشيخ رحمه الله بفقد الولد، فلقد كان له خمسةٌ أبناء ثلاثةٌ منهم، توفوا والشيخ على قيد الحياة، هم أحمد أكبر الأولاد، وعبد الله وعبد الرحمن رحمهم الله جميعاً، لكن الوالد، انظر إلى موقف الوالد، الصابر المحتسب، تأتيه رسالة وهو يدرِّس في المعهد العلمي، فيفتح الرسالة في استراحة المدرسين -بين الحصص- فلا يزيد إلا أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! إنا لله وإنا إليه راجعون! ويغلق الرسالة ويذهب يدرِّس الدرس الذي عليه بعد أن يسمع المصيبة، ماذا بالشيخ؟ توفي ولده رحمه الله.

    توفي أكبر أولاد الشيخ وهو في المعهد العالي للقضاء، جاءه خبره وذهب الشيخ كعادته يدرِّس في المعهد العالي للقضاء في يوم خبر وفاة ابنه ودخل إلى القاعة ودرَّس الطلاب في مادة التفسير، ودرسهم وكأن الشيخ ليس به شيءٌ البتة، ولم يُرَ عليه تلعثم ولا تلكؤ، بل أعطاهم المادة العليمة كخير ما تؤدى، وبعد ذلك يطرح عليه الطلاب الأسئلة الطلاب، فما إن خرج الشيخ من القاعة حتى توافد عليه إدارة المعهد والمدرسون يعزونه في وفاة ابنه الذي جاء خبر وفاته في ذلك اليوم.

    فيقول الطلاب: ليست دهشتنا من موت ابن الشيخ، وليست دهشتنا من أن الشيخ جاء ليدرس؛ لكن دهشتنا وانبهارنا من صبر الشيخ وتجلده! وكأنَّ شيئاً لم يكن، يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يقعده ذلك عن العمل. لم يجلس ثلاثة أيام، ولم يجلس ليأخذ إجازة؛ لأنه جاءته مصيبة.

    يُتوفى ابنُه عبد الله -أيضاً- بسكتةٍ قلبية، ويموت أحب أبنائه إليه عبد الرحمن وكان زميلاً لنا في الكلية، يموت بحادث والشيخ متجلد وصابر رحمه الله، لم يظهر منه جزعٌ البتة، وكان لا يزيد على أن يسترجع. نسأل الله تبارك وتعالى أن يرفع منزلته ويجعل ذلك في ميزان حسناته بمنه وكرمه.

    ثناء الناس على الشيخ عبد الرزاق

    الشيخ رحمه الله ممن كَتَب الله له القبول في الأرض، ووضع الله له محبة الناس على اختلاف درجاتهم، فمِن الملك إلى أصغر الناس كان يحظى بتقديرهم، وثناء الناس عليه، الملك عبد العزيز رحمه الله كان له درس في قصره في يوم الأربعاء ليلة الخميس، وكان العلماء يجتمعون عنده، وكان يطلب من الشيخ عبد الرزاق رحمه الله أن يلقي درساً وموعظة فيستريح لها الملك ويدعو له كثيراً.

    نال الشيخ شهادة تقدير من ملك مصر فؤاد ، ومن ملكها فاروق على مستوىً كبير، وما ذاك إلا لإخلاصه وحرصه ورغبته ونشاطه وإفادته البلاد والعباد بمنهجٍ سليم.

    وما عرفتُ أحداً إلا ويُثني على الشيخ وطلابه وتلاميذه يثنون عليه كثيراً.

    وهو كذلك يُثني على غيره، يحبُّ غيره ولا يتكلم في عرض أحد، بل يذكر الناس بالخير والجميل.

    والحقيقة أني لا أريد الإفاضة، لكني سأقتصر فيما بقي على اختصارٍ شديد.

    والشيخ عنده من الورع ما لا يوجد عند كثيرٍ من علمائنا اليوم، لا في منزله، ولا في بيته، ولا في سيارته، ولم يعرف ما عرفه الناس من خدم وحشم وسائقين وسيارات، وقصور، إلى غير ذلك من الأمور، بل آثر ما عند الله تبارك وتعالى.

    وأيضاً مِن أهم جوانب حياة الشيخ: بُعده عن الأضواء والشهرة والظهور.

    ومن أهم منهج الشيخ أيضاً، وما يتميز به: أنه رجل موسوعي عميق العلم، عميق العلم في الاعتقاد، إذا تحدث كأنك تسمع وتقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وأقول ذلك بلا مبالغة، حتى إنه رحمه الله يقول: أنا ما رأيت من العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ما قرأتُ لعالمٍ من علماء السلف إلا وأرى أن له سلف، لكن شيخ الإسلام رحمه الله كان يأتي بمنهجٍ سليمٍ مؤصَّل، على ضوء الكتاب والسنة، على ضوء صحيح المنقول وصريح المعقول.

    كان الشيخ رحمه الله قليل الكلام، لكنه يتكلم بمجامع وجوامع الكلم، يتحدث بما يفيد، لا يعرف الثرثرة، ولا كثرة الكلام، ولا الكلام الإنشائي الذي يستطيع أقرانه ويستطيع أصغر الناس اليوم أن يتحدث به ساعاتٍ طويلة؛ لكنك لا تجد طائلاً منه، أما الشيخ فيتكلم كلاماً قليلاً لكن لو أراد الناس أن يشرحوها لشرحوها في كتب ومجلدات.

    كان الشيخ يؤصِّل تأصيلاً علمياً، يعتني بالدليل، ويؤصِّل المسائل، وكان الشيخ يعتني بتحرير الخلاف وتحرير محل النزاع وتحقيق المناط في المسائل، يرى أن ذلك يغني عن كلامٍ كثير في عدد من المسائل، حتى لربما أتاه الطلاب فكان يقول: انظر المسألة في كتاب كذا وكذا.

    كان الشيخ رحمه الله لا يعتني بكثرة الكتب، ولم تكن عنده مكتبةٌ كبيرة، بل كان عنده أمهات الكتب فقط، وكان يحرص على أن يقرأ القرآن ويقرأ كتب السنة والأمهات، ولا يعتني بالكتب المعاصرة البتة، ويرى أنها لا تفيد، على كل حال هذا رأي الشيخ رحمه الله؛ لأنه يرى أن الأول لم يترك للآخِر شيئاً؛ لكن لا يمنع أن يستفيد الإنسان من كتب غيره؛ لكن أقصد أن هذه الكتب التي يعتني بها الناس اليوم -الكتب الفكرية، وحتى الكتب المعاصرة، وحتى الكتب العلمية- يرى أن الأوائل كفَوا في هذا المجال.

    وكان رحمه الله يحفظ كثيراً، حتى إنه في السنين الأخيرة قد لا يطالع كتباً، وكان يقرأ من حفظه، وكان يدرس من حفظه، وما ذاك إلا لذكائه وموهبته وسعة حافظته رحمه الله.

    منهج الشيخ العلمي والدعوي

    مما ينبغي أن يُذكر أيضاً: منهج الشيخ:

    منهجه في العقيدة، لا يعرف الذبذبة واللف والدوران، صاحب منهج توحيد، وعقيدة سلفية صحيحة، دليله (قال الله، قال رسوله) أثر، ونص من القرآن أو من السنة، ومنهج السلف الصالح ، فلم يتميع في هذه الأمور ولم يتذبذب في المسائل، وإنما كان على رأيه، وكان يعتني بالتوحيد غاية العناية تعليماً ونشراً ودعوةً إلى الله تبارك وتعالى حتى نفع الله به نفعاً عظيماً.

    وأيضاً من منهج الشيخ: منهجه الدعوي، وله رسالة في هذا، اسمها: الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله ، تكلَّم عن الدعوة بوجهها المشرق، وبين مكانة الداعية، وأسلوب الداعية الصحيح، مؤصِّلاً وناظراً إلى دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، عنايةً بالتوحيد والأسلوبِ الحسن، وما قصته التي ذكرنا إلا دليلٌ على حسن أسلوبه رحمه الله، فكان لا يواجه؛ لاقتناعه رحمه الله أن المواجهة أحياناً قد تضر ولا تنفع، لكنه يصل سراً إلى ما يريد من الوصول إلى الخير، والوصول إلى الهدف، دون أن يرى الناس، وبدون جلبة ولا ضوضاء، وكان لا يحب الجماهير ولا يحب الظهور، ولا يحب كثرة الناس، كما يتطلع إلى ذلك غيره من الناس، وهذا مما يؤكد تواضعه رحمه الله وإخلاصه وبعده عن الرياء والظهور والشهرة.

    وأيضاً: كان الشيخ رحمه الله له موقف في الإصلاح والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتمشى مع مقاصد الشريعة، وقواعد الدين، ومقاصد الإسلام، لم يكن الشيخ عَجِلاً، ولم يكن الشيخ مندفعاً بل كان عاقلاً حصيفاً بعيد النظر في الأمور، حتى إنه لتأتيه الجماعة الذين هم من نبتٍ كنبت البصل الذين أرجلهم إلى أعلى ورءوسهم إلى أسفل، فيحثهم على التلطف والرفق بالناس وحسن التوجيه؛ لأن الداعية يريد الخير للأمة، لا يريد أن يُحدِث من دعوته ما هو أشد ضرراً وأكثر فتنة، فقد يكون أحياناً إنكار المنكر، إذا كان بأسلوبٍ ليس بسليم قد يأتي بضررٍ وعواقب وخيمة، فكان الشيخ رحمه الله مع أنه لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يقول الحق ويغار على حرمات الأمة وعلى عقيدتها وقيمها لكنه لا يندفع، يغار الغيرة المتعقلة والمنضبطة، وكان مع ذلك ينصح الخاص والعام، يكاتِب الولاة والمسئولين ويبين لهم ويعظهم، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يُقِر منكراً ولا باطلاً؛ لكنه كان يسلك الأسلوب الحسن، مَن يراه في عالمنا اليوم، وفي تصنيفات الناس اليوم يراه مداهناً، ويراه أنه لا يتكلم بحق، ويراه مجاملاً، ويراه قد رضي بالدرهم والدينار، لكنه في الحقيقة كان مجاهداً قوياً في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم؛ لكنه في بُعدٍ عن الأضواء والشهرة والجمهرة، وحتى أمام مجامع الناس لا يتكلم، إذا أراد أن ينصح المسئول نصحه بينه وبينه، وإذا رأى في مسئولٍ أو في أحدٍ مِمَّن لهم الأمر كاتبه وناصحه وبيَّن له، أو عن طريق سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز ، أو ما إلى ذلك من الأساليب الناجحة التي تفيد في إزالة الضرر، وتحصيل الخير، ولا تحدث شكاً ولا رِيبةً ولا إثارةً ولا فتنةً ولا بلبلة.

    والشيخ رحمه الله يرى من ذلك مقصداً من مقاصد الشريعة وهو جمع كلمة المسلمين، وعدم الإثارة والفتن، وعدم الخلافات، وعدم إيغار الصدور، فكان رحمه الله يحرص على المنهج السليم في دعوته وإصلاحه وحِسبته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

    وكان الشيخ رحمه الله مجاهداً صابراً عالماً معلِّماً، تخرج على يديه التلاميذ الكبار ممن عددتُ لكم.

    منهج الشيخ في التأليف

    وكان رحمه الله لا يرى التأليف، كان رحمه الله مع غزارة علمه، وسعة إدراكه، وأنه بحرٌ في كثيرٍ من العلوم وموسوعي المعارف والعلوم لكنه كان لا يحب التأليف.

    كان الطلاب يأتونه ويقولون له: يا شيخ عبد الرزاق ! لماذا لا تؤلف؟ فكان رحمه الله، يهز كتفه ويقول: حاجتنا إلى القراءة والإطلاع أكثر من حاجتنا إلى التأليف، وهذا صحيح، فالأرفف اليوم كثيرة وممتلئة من الكتب، والعالَم تؤلف والمطابع تنشر، وأصبح عالَم التأليف اليوم عالَم مليء بالعجائب.

    أين الناس الذين هم على عشرين سنة وعلى ثلاثين سنة وعلى أقل وأكثر في المراحل الجامعية والثانوية؟ أصبحوا الآن مؤلفين، وأصبحوا يردون على غيرهم في عددٍ من المسائل، ينبغي أن يستفيد هؤلاء من منهجٍ أولئك رحمهم الله، وأنا مع مخالفتي للشيخ رحمه الله في هذه المسألة إلا أنني لا أرى أن يتصدر الإنسان في التأليف، ولكن عليه أن يؤلف، وعليه أن ينشر علمه حتى يستفيد الناس منه، ومدار ذلك على إخلاص النية، وعلى نية المؤلف، فالشيخ رحمه الله كان لا يحب التأليف وكان يقول: عندنا من الكتب ما يكفي ولم يترك الأول للآخِر شيئاً.

    ما عُرف عنه من الكتب والتراث العلمي إلا أشياء قليلة، لكنها تكتَب بماء الذهب، وهي الآن لو تولاها العلماء وطلاب العلم شرحاً وتعليقاً لؤلِّف منها مجلدات منها: مذكرة في التوحيد درِّست في المعاهد العلمية والكليات، وهي مذكرة في بيان توحيد العبادة، التوحيد الصحيح الذي هو حق الله على العبيد في عالمٍ يموج اليوم بسائر المعبودات من دون الله تبارك وتعالى.

    منهج الشيخ في توحيد الأسماء والصفات

    لقد بيَّن هذا، ورد على المعتزلة والأشاعرة بالأسلوب العلمي، والشيخ لا يعرف الرد على الأشخاص لذواتهم؛ لكنه يرد لبيان الحق، يرد لبيان المنهج الصحيح، ويرد على الطوائف والفرق وإن لَمْ يسمِّ، لكنه يؤصِّل منهج السلف الصالح تأصيلاً صحيحاً وحقيقياً وكافياً وشافياً لا يحتاج -في نظري- مَن قرأه إلى غيره، وحين تقرأ في كتبه كأنك تقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي كان الشيخ محباً له ومغرماً بقراءة كتبه، حتى إني أكاد أقول: إنه استظهر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب ابن القيم رحمه الله.

    وللشيخ أيضاً: ( حاشية على تفسير الجلالين )، بيَّن فيها الخطأ في تفسير الجلالين في مسائل في الاعتقاد -لا سيما في الأسماء والصفات- بأسلوبٍ علمي، رحمه الله.

    ومما يُذكر عنه في مواقفه أنه في مصر كان هناك كلامٌ كثير حول قضايا الصفات، وقضية الاستواء، وكان كثيرٌ من علماء الأزهر ينحَون منحىً آخر في هذا، خلاف منهج السلف ، وكان الشيخ رحمه الله يبين مذهب السلف ، وحتى كان بعض الذين يسيرون على منهج السلف ، كانوا يواجهون أولئك بخصومات ومشاكل إلى درجة أنها أحياناً ترتفع أصوات في المسجد، فالشيخ رحمه الله بأسلوبه يعلن عن محاضرة في منهج السلف في الصفات مثلاً أو الاستواء عند أهل السنة ، فيأتي لمسألة الاستواء، فلا يقول فيها: قال بعض الناس كذا وأخطئوا في كذا، لا. بل يذكر المسألة، بدليلها وأقوال السلف فيها بالنقول، ويذكر ذلك حتى يخرج السامع إذا كان أشعرياً أو معتزلياً وقد رجع إلى عقيدة السلف ، ولا يتكلم الشيخ فيه بأي شيء، وهذا منهج يحتاجه الدعاة إلى الله والعلماء، وطلاب العلم اليوم أحوج ما يكونون؛ لأننا نعاني من عدم منهجية صحيحة في الردود، وعدم ضوابط مناسبة يتخذها كثيرٌ من الناس، مما قد يضر ذلك، ويوغر الصدور ويفرق الكلمة أكثر مما ينفع.

    وقد ظل الشيخ رحمه الله داعيةً مجاهداً صابراً محتسباً باذلاً نفسه إلى الأمة ماشياً في حوائج الناس وشفاعاتهم والكرم والبذل لهم، وفتح بابه للراغبين والطالبين والمستفتين، وشارك في مواسم الحج في التوعية بالحج سنين عدداً، وكان مخيمه في منى مفتوحاً للمستفتين والمستفيدين من طلاب العلم ومن العلماء ومن عامة الناس ومن سائر ضيوف وحجاج بيت الله الحرام وغيرهم، فكان الشيخ على ذلك إلى أن مرض رحمه الله مرضاً في آخر حياته، وكان الشيخ رحمه الله في مرضه ذلك مثالاً للتجلد والصبر والاحتساب حتى إن الولاة والعلماء والمحبين يشفقون عليه ويقولون: يا شيخ عبد الرزاق ! جسمك وصحتك وراحتك أولى لنا، ولكنه مع ذلك من بعد صلاة الفجر يُدَف على العربة حتى يوصل إلى المكتب، فأمامه سيل من المعاملات ويفتي ويحرر ويكتب ويبين للأمة حتى نفع الله به نفعاً عظيماً.

    الإنتاج العلمي للشيخ عبد الرزاق

    أقول: من نتاجه العلمي أيضاً -وإن كان مقلاً- تعليقٌ مِن أحسن ما رأت عيناي في علم الأصول: ( تعليق على كتاب الأحكام في أصول الأحكام للآمدي )، علَّق عليه الشيخ عبد الرزاق تعليقات زُبَدٌ، تكتب بماء الذهب، وترك علم الكلام، ترك علم المنطق، ترك الإغراق في العقليات، وأصَّل علم الأصول زُبَداً على منهج الكتاب والسنة، والسلف الصالح ، قاعدة ومثال؛ دليل وتطبيق؛ أصل، وفرع، وخذ على ذلك، أما الإغراق في علم الكلام والجدل فكان الشيخ بعيداً عنه؛ لأن الشيخ رحمه الله تربى على الأثر.

    وللشيخ رحمه الله تحقيقات خفيفة، وكتابات قليلة: حقَّق كتاب ( العلو للعلي الغفار ) للذهبي ، ووضع تعليقاتٍ يسيرة على ( العقيدة الطحاوية ) وأرجع كل ما فيها إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله، وعلق على ( العقيدة الواسطية )، وعلى ( الفتوى الحموية )، وعلق على كتاب الاعتقاد في ( سنن البيهقي )، كل ذلك يُكتب بماء الذهب لكنه قليل ومحفوظ.

    له كتابات في مجلة التوحيد ومجلة الهدي النبوي من أحسن ما يكتب، وينبغي أن يستفاد فيها، والحقيقة: أنه يُقترح أن يكون هناك دورات وجلسات وحِلَقٌ علمية يُستفاد فيها من منهج الشيخ رحمه الله، وإفادته في هذه المجالات كلها، وإني لأقترح على رئاسة الإفتاء وعلى جامعة الإمام وعلى وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف -وكل أولئك هم زملاؤه وتلاميذه- أن يحرصوا على جمع فتاوى الشيخ رحمه الله وكتاباته وتُخرج في كتابٍ موسوعي كبير يستفيد منه طلاب العلم، وإني لأرى على الجامعات في جميع أقسامها أن تُعنى بالاستفادة من منهج الشيخ، وأن يقدم في الشيخ وجهوده في العقيدة ومنهجه في العلم والدعوة ومنهجه أيضاً في علم الأصول، وردوده على الفرق المخالفة وطريقته في الدعوة والإصلاح، وموقفه من مسائل معاصرة، وله فيها إسهامات كبيرة، أقترح أن يُكتب عنه في كل مجال من هذه رسالة ماجستير أو دكتوراه: الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في الدعوة.

    لماذا يلمَّع أناسٌ ما وصلوا إلى الركب في علم الشيخ، ومع هذا تجدهم الآن لهم صولة وجولة، ولمعان عند كثير من شبابنا وأبنائنا، وتجد أن الشيخ لا يُعرف له قدره وحقه في هذا، الشيخ جدير بأن يكتب فيه عشرات الرسائل العلمية، في كل منهجٍ ومجالٍ من المجالات وليس هذا والله بكثيرٍ عليه.

    وأنا أرجو إن شاء الله أن تكون هذه المحاضرة والكلمات المتواضعة نواةً لتأليف رسالة عن الشيخ رحمه الله، وأزف لكم بشرى أن هناك كتاباً مجلداً سيخرج عما قريب، لفضيلة الشيخ محمد أحمد السيد أحمد ، المدرس في دار الحديث الخيرية الذي كتب عن الشيخ محمد نصيف رحمه الله، وهو زميلٌ للشيخ أيضاً، وكان الشيخ يجله ويكرمه، والذي كتب عن الشيخ محمد نصيف سيكتب عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في هذا المجال، في المجالات العلمية والدعوية والإصلاحية، وما إلى ذلك من الأمور المهمة.

    أرجو أن أكون قد وفقت إلى إلقاء إطلالة على حياة الشيخ رحمه الله.

    حياة الشيخ عبد الرزاق الاجتماعية

    أما قضية جانب بيته وأسرته: فكان الشيخ أيضاً حريصاً على بيته وأسرته لم يشغله العلم والدعوة عن بيته وأسرته، فقد كان حريصاً على حسن العشرة، وكان حريصاً على الأدب ورعاية شئون زوجه، وهذا يبين موقفه من المرأة، فقد كان حريصاً على إكرامها وتقديرها والسعي للعناية بها.

    خلَّف الشيخ من الأولاد خمسة ذكور، وثلاثاً من البنات، وكلهم -إن شاء الله- من أهل الخير والفضل وسائرون على منهجه رحمه الله، ثلاثة من أبنائه توفوا في حياته، واثنان موجودان، أحدهما في جدة ، والآخر في الرياض ، وهم -إن شاء الله- سائرون على منهجه، وحريصون -جزاهم الله خيراً وهذه أقولها لهم ونشكرهم- على نشر تراث الشيخ رحمه الله، ومستعدون لأي خدمةٍ في هذا المجال، عن تراث والدهم ووالد الجميع شيخنا العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله.

    وفاة الشيخ عبد الرزاق

    توفي الشيخ رحمه الله في يوم الخميس، الخامس والعشرين من الشهر الثالث، عام خمسة عشر وأربعمائة وألف للهجرة، أُدخل المستشفى العسكري بـالرياض إثرَ تردي حالته الصحية رحمه الله، وبقي في المستشفى لمدةٍ تقرب من أسبوع أو أكثر بقليل، إلى أن فاضت روحه إلى بارئها عليه رحمة الله، وجمعنا الله به في دار كرامته بمنه وكرمه.

    لقد شَهِدَت -حقيقةً- جنازةََ الشيخ مشهداً عظيماً، بما قاله الإمام أحمد رحمه الله لأهل البدع: "بيننا وبينكم يوم الجنائز"، فصُلِّي عليه في الجامع الكبير بمدينة الرياض ، جامع الإمام تركي بن عبد الله، وقد أمَّ المصلين عليه سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز ، وقد ضج المسجد بالبكاء، وذهب الناس إلى مقبرة العَود في الرياض زرافاتٍ ووحداناً راجلين وركباناً أمام الجنازة وخلفها ومن حوالَيها، وشهدت جنازته مشهداً عظيماً لم يُشهد إلا في مشاهد كبار العلماء رحمهم الله جمعياً.

    وتركَ الشيخ رحمه الله للأمة تلامذةًَ هم اليوم يقومون بمنهجه ويسيرون على طريقته في الإصلاح.

    والحقيقة: أنني -وإن كنت أقل من يتحدث عنه- عاشرت الشيخ وجاورته واستفدت من علمه وعمله، وأشهد أني لم أستفد من غيره ما استفدته منه هو وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز رحمه الله، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يرفع درجة الشيخ في عليين، وأن يرحمه رحمة الأبرار، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجمعنا بعلمائنا في دار كرامته، وأن يجعلنا خير خلف لخير سلف، وأن يجعل أجيالنا المتأخرة مرتبطةً بعلمائها وسِيَرهم، وما ذلك إلا دليل خير في الأمة إذا التقى صغارها بكبارها، وإذا استفاد معاصروها من سلفها.

    وفق الله الجميع لما فيه الخير والسداد، وأستسمحكم العذر لإطالتي عليكم، وما إطالتي إلا وفاءً لشيخنا رحمه الله الذي أحس وكأنني عندما أتحدث عنه أمام جبلٍ أشم، وبدرٍ أتم، وطود شامخٍ في العلم والمعرفة، وكأني أمامه الآن -رحمه الله- أستفيد من علمه وعمله ومنهجه وتحصيله، فجزاه الله عني وعنكم وعن أمة الإسلام خير الجزاء.

    بعض ما قيل في رثاء الشيخ عبد الرزاق

    كان من التوفيق أن سماحة الوالد ابن باز رحمه الله، بعث ببرقية عزاءٍ لولي الأمر خادم الحرمين الشريفين، بيَّن فيها مكانة الشيخ وأثره على هذه البلاد، فأرسل ولي الأمر وفقه الله رسالة عزاءٍ لأبناء الشيخ ولكبار العلماء، ولسماحة الشيخ عبد العزيز وللأمة جميعاً هو وولي عهده والنائب الثاني، وعددٌ من الزعماء والعلماء والقادة وطلاب العلم أيضاً، وقد قيلت فيه عددٌ من المراثي الشعرية، لعلِّي أن أشنف أسماعكم ببعضها ولا أطيل إن شاء الله.

    وقفت لكي أرثي العفيفي فصدني      وجومٌ وقد حل النوى وبكاءُ

    وقمت أعزي فيه من رام علمه      فقالوا وهل يسليك عنه عزاءُ

    فعدت أناجي ذكرياتٍ ترحلَتْ      وقد ضمني والشيخ ثم لقاءُ

    وأبصرت فيها الشيخ يرقى بعلمه      وعاينت فيها الشيخ وهو بهاءُ

    وناجيت فيها الشيخ فازوَرَّ طيفه      وما في ازورار الطيف منه جفاءُ

    قد سار في درب الشريعة يافعاً      يطير به عزمٌ له وإباءُ

    وأنفق في بسط الشريعة عمره      يسيرُ به خوفٌ له ورجاءُ

    ثمانون عاماً والحياة مصاعبٌ      وللشيخ فيها منهجٌ وسناءُ

    إذا المحفل الراقي تناظر جمعُه      رأيتَ مقال الشيخ فيه سخاءُ

    شواهده الآيات جل دليلُها      وحشد أحاديث لهنَّ صفاءُ

    يسربل بالإقناع كل مقالةٍ      فيُصغي له الكتَّاب والخطباءُ

    إلى عرصات الخلد يا وافر النهى      لعلك عند الله حيث تشاءُ

    وإن قصيدي حين يندى بذكركم      حريٌ بأن يندى به الشعراءُ

    قالها: محمد بن سعد المشعان . لا فُضَّ فوه وجزاه الله خيراً.

    وهذه مرثيةٌ مختصرة لا نطيل بها عليكم، يقول فيها أحد تلاميذ الشيخ، وهو محمود عبد رب النبي محمد ، من مصر :

    الشعر باكٍ والقصائد أدمُعُ      والقلب مندوح المشاعر موجَعُ

    والحزن في شفتي نزفٌ دائمٌ      صعبٌ على العشَّاق ألا يُفجَعوا

    وأسى الفجيعة ماثلٌ في خاطري      في كل جسمٍ ليس يخلو موضعُ

    ماذا دهى عيني تجمد دمعها      وكأنها أُخرى فليست تجزعُ

    إلى أخر ما قال، جزاه الله خيراً.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يكون ما قدمه الشيخ حُجةً له لا عليه، وأن يجعله في موازين حسناته يوم القيامة، وأن يقدِّس سرَّه وينوِّر ضريحه ويجمعنا به في دار كرامته بمنه وكرمه، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وبارك الله في تلاميذه وفي أبنائه وجزى الله بلاد الحرمين الشريفين أن احتضنت أمثال هؤلاء العلماء الأفذاذ والجهابذة الكبار، فجزاهم الله خيراً، وما ذاك إلا تقديرٌ منهم للعلم وأهله، لا سيما من سار منهم على منهج السلف .

    والحمد لله رب العالمين.